موسكو – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Thu, 10 Oct 2019 17:04:19 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 تقدير موقف: ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى أزمة الاستراتيجية الروسية في الشراكة الجديدة مع الصين. https://casrlb.com/?p=1231 Tue, 06 Aug 2019 13:04:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1231 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تعليق التزاماتها بمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى (INF)، في شباط/فبراير من عام 2019، كرد على انتهاك موسكو المزعوم للمعاهدة التي تحظر تطوير الصواريخ العاملة في مدى (500-5000كم)، بعد تطوير روسيا لسلسلة من الصواريخ للمنظومة التكتيكية المتنقلة ألكسندر 9M، كان آخرها صاروخ (9М729-Novator) الذي يصل مداه إلى 480كم، ويستطيع تخطي الصواريخ الاعتراضية بقدرته العالية على المناورة في مستويين أثناء التحليق نحو الهدف، وقد علَّقت موسكو العمل بالمعاهدة كرد جوابي، معتبرةً أن الصاروخ السابق لا يشكل خرقاً للمعاهدة، على عكس استخدام الولايات المتحدة منظومة “الصواريخ الأهداف” ونشرها منصات إطلاق من نوع “MK-41” في أوروبا، وقد أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا انسحابهما الرسمي من المعاهدة في 02/08/2019، لتشرع بعدها واشنطن بالدعوة لمعاهدة جديدة، أكثر شمولاً وحداثة، تكون الصين طرفاً فيها، بالتزامن مع إعلان واشنطن عزمها نشر صواريخ متوسطة المدى في منطقة آسيا والهادئ، وفي هذا الإطار يقدِّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية التطورات المرتبطة بفسخ المعاهدة السابقة في سياق الانهيار المخطط للاستقرار الاستراتيجي في العالم، والمرتبط بالاستراتيجيات الدولية السابقة لكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، للفترة الممتدة بين 2008-2018، كما يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الصين وروسيا، التي أدت إلى دمج استراتيجيتي الدولتين، في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية، تواجه عقبات كبيرة ناجمة عن آثار الاستراتيجية الروسية السابقة.

 

الاستراتيجية الروسية وأهدافها السابقة:

كانت ولاتزال الاستراتيجية الدولية الروسية تعمل على ركيزتين أساسيتين، الأولى خلق هيكلية اقتصادية عالمية تعددية جديدة، تكون موازية للأمريكية، والثانية تصحيح الأخطاء التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في السابق، كل ركيزة من هاتين الركيزتين تعمل كموجه للسياسة الخارجية الروسية، وأجنداتها، حيث يعتبر سباق التسلح أحد أهم أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي تداركته موسكو بالتطوير النوعي السري لترسانتها العسكرية بالخفاء، بالتزامن مع إطلاق إدارة أوباما استراتيجيتها المتضمنة الانسحاب من الشرق الأوسط، باتجاه الصين، بحيث تستطيع موسكو تفادي الصدام، وتطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، لمواجهة المنتصر في المواجهة الأمريكية الصينية، في خطة تهدف لوضع واشنطن أمام تطور عسكري روسي غير مسبوق، يحسم إطلاق سباق التسلح لصالح موسكو قبل حتى أن يبدأ، في ذروة الانشغال الأمريكي في المواجهة مع الصين.

وقد شكل الإعلان عن تطوير الصاروخ الروسي الجديد (9М729-Novator) الشرارة الأولى لانهيار المعاهدات الضابطة لسباق التسلح، ليعلن بعدها الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في شهر آذار/مارس من عام 2018، دخول الأسلحة فائقة القدرة والتكنولوجيا الخدمة العسكرية في الجيش الروسي، والتي حققت هدفها بتشكيل صدمة كبيرة لواشنطن، وعجز أمريكي للتصدي للأسلحة الروسية الجديدة.

وقد سعت موسكو من خلال ذلك لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: إحداث شرخ بين الأمن الأوروبي والأمن الأمريكي، بالتزامن مع المشاريع الطاقوية مع ألمانيا، والتي أحدثت بدورها شرخاً بين المصالح الأوروبية والمصالح الأمريكية، في خطوة مدروسة لفك الارتباط الأوروبي بالولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة بناء تعريف جديد لأمن المنطقة ومصالحها بحيث يشمل روسيا، ويقلص من النفوذ الأمريكي.

 

الهدف الثاني: زيادة حدة المواجهة الصينية الأمريكية المفترضة في الاستراتيجية الأمريكية السابقة، من خلال تخليص واشنطن من قيود الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ما يدفع كلا الطريف لرفع مستوى المواجهة، بشكل استنزافي، يبقي موسكو في مأمن من رد واشنطن، ويأمّن لها فرصة أكبر في التفوق على المنتصر، بحيث تعيد صياغة العلاقات الاستراتيجية في العالم، بما يضمن تحول النظام الدولي نحو التعددية الدولية، تكون فيه روسيا أحد أكبر الأقطاب.

 

التغيَّر الجذري في الاستراتيجية الأمريكية وتأثيرها على بكين وموسكو:

الأهداف الروسية كانت لتتحقق لولا فشل استراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط، والانسحاب منه من جهة، والتغيير الجذري للاستراتيجية الأمريكية في عهد إدراة ترامب من جهة ثانية، والتي ارتكزت على إعادة تعريف أعداء وخصوم واشنطن لتشمل موسكو، وإعادة تعريف الدور الأمريكي حول العالم بالكامل، وانسحبت بموجب ذلك من العديد من الاتفاقيات الدولية، وسلكت مساراً تصعيدياً كان عصياً على كل من روسيا والصين التنبؤ به، أو تركيب استراتيجيتيهما عليه، كاستراتيجيات مضادة.

 

إدراك كل من موسكو وبكين بالتغييرات الجديدة، وأثرها على التوازن الاستراتيجي في العالم، دفع بكليهما إلى التقارب حد الدمج بين استراتيجيتي الدولتين، والذي أعلن عنه بزيارة الرئيس الصيني لموسكو في حزيران/يونيو من العام الحالي.

وبالرغم من المسار الجديد لكل من روسيا والصين، وفعاليته في إعادة صياغة الاستقرار الاستراتيجي لمصلحتي البلدين في وجه واشنطن، إلا أن هذا الدمج يترتب عليه الكثير من الجهود المشتركة لإزالة التناقض بين الاستراتيجيات السابقة للدولتين، النابع من الرؤية المختلفة لمستقبل التوازن الاستراتيجي وطبيعة النظام الدولي، بين كل من بكين وموسكو، ولعل ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يشكل أحد أكبر العقبات أمام الشراكة الجديدة، والذي أصبح في مسار أزموي خاص به، يهدد الأمن القومي الصيني، وينذر بتصعيد أمريكي  مباشر، يخرق الالتفاف الصيني الروسي بأدوات تصعيد غير مباشرة ضد واشنطن، كالملف النووي الكوري الشمالي، والملفات المشابهة، والموضح في تقدير سابق بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، الأمر الذي من شأنه أن يجر اقتصاد بكين وموسكو ومصالحهما الجيوسياسية نحو التأثر بالاضطراب في البيئة الاستراتيجية، ليمتد من الأقاليم ذات النفوذ الأمريكي، إلى الأقاليم التي تنشط فيها المصالح الروسية والصينية، كحال البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان والوارد في تقدير استراتيجي للمركز بعنوان: (بوادر أزمة جيوسياسية جديدة في بحر اليابان)، ومحاولة واشنطن تصدير الأزمة الناشئة إلى بحر الصين الشرقي والجنوبي، ليتحول هذا التأثير بفعل عقبات الاندماج إلى عامل مؤثر في صياغة التوازن الاستراتيجي الجديد التي تطمح له العاصمتين، أي أن المسارات التي خلقتها كل من بكين وموسكو بشكل مستقل في السابق، أصبحت عاملاً مؤثراً على فعالية الشراكة الجديدة وقدرتها على تحقيق أهدافها.

 

في النتيجة قد تدفع المتغيرات الجديدة الناجمة عن الشراكة الصينية الروسية، بكل من موسكو وبكين إلى إعادة التفاوض حول معاهدة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كخيار وحيد لتفادي امتداد التأثير إلى الأقاليم ذات الأولوية للمصالح الجيوسياسية الروسية والصينية، تحت ضغط التهديد الأمريكي بالانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت3)، ونشر صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في محيط الصين، وستضع الدولتين في مسار إجباري لإزالة التناقضات بين استراتيجيتيهما، والذي سيضفي بالضرورة إلى تعديل رؤية الدولتين للنظام الدولي، وتحول الدولتين إلى قطب واحد في مواجهة القطب الأمريكي، أو مواجهة التفكك في العلاقة الثنائية لصالح الولايات المتحدة الامريكية.

]]>
معضلة المعادلة الأمنية للشرق الأوسط تُرتّب اصطفافات جديدة للإمارات وسورية https://casrlb.com/?p=1227 Thu, 01 Aug 2019 10:40:47 +0000 http://casrlb.com/?p=1227 صلاح النشواتي – المدير العام

لا يزال جوهر الصراع في الشرق الأوسط يصبّ مزيداً من الزيت فوق الملفات الملتهبة في المنطقة، تاركاً دولها، والدول الخارجية التي تلعب أدواراً في هذه الملفات، في سباق وصراع مستمر نحو إعادة ترتيب الأهمية الجيوسياسية لدول المنطقة، بما يخدم مصلحة كل طرف مشارك ورؤيته الخاصة لمستقبل المنطقة، وفي حين تتصارع دول المنطقة وأنظمتها على الحاضر، صراعاً على البقاء، تتصارع من ناحية أخرى القوى الكبرى على مستقبل هذه المنطقة، بكل الوسائل الممكنة، سعياً لجذب عائدات المنطقة المستقبلية وأرباحها باتجاه إحداها، بنسبة أكبر من الأخرى، في استثمار بالغ التكلفة، ومحفوف بالمخاطر قائم على فرض كل دولة كبرى واقعاً راهناً، يحدد اتجاه مسار المستقبل، وذلك ما يشكل جزءاً من ما يدعى “المعادلة الأمنية” للشرق الأوسط، ويحدد طبيعة مرجعيتها.

وبالرغم من الإيحاء الأمني والعسكري لمفهوم “المعادلة الأمنية”، إلا أن التوازن وفرض القوة ليس إلا شكلاً خارجياً لها، لتستند بجوهرها على ربط مصالح الدول بعضها ببعض، إلى درجة تصبح الحرب بين هذه الدول ذات كلفة كبيرة جداً، أكبر من أي عائد متوقع منها، ليصب في المحصلة عائد تفاعل هذه الدول –الصديقة وغير الصديقة- بنسبته الكبرى، في صالح الدولة المرجعية لهذه االمعادلة، بالتالي مفهوم هذه المعادلة هو مفهوم جيواقتصادي، تتخذ من المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، أدوات فعالة، تحوّل مصلحة الصديق والخصم على حد سواء، إلى سلاح فعال لإخضاعهم، وإلزامهم بالمسار المجهز مسبقاً.

وقد شهد الشرق الأوسط مؤخراً، إطلاق أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، بمبادرة من قبل حكومة الكيان الإسرائيلي، تمثلت بمشروع سكك السلام الإقليمي، كمشروع يربط كل من سلطنة عمان والإمارات بسكك تصل إلى ميناء حيفا في فلسطين المحتلة، مروراً بالأراضي السعودية، والأردنية، رابطاً بجناحه الشرقي السكك القائمة مسبقاً في كل من العراق والكويت، في مشروع أطلقه “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارة لسلطنة عمان بتاريخ 26/10/2018، على أشلاء جثة جمال الخاشقجي، كدفعة أولى من الرياض ل”جاريد كوشنر” كبير مستشاري الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، مقابل طي الملف، وإبعاد شبهة التورط عن ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، تلته زيارة وزير المواصلات الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في 04/11/2018، للإعلان عن المشروع.

هذا المشروع منح الحكومة الإسرائيلية نفوذاً كبيراً، مكنها من رفع أهميتها الجيوسياسية إلى أقصى المراتب، على حساب تحييد الأهمية الجيوسياسية لكل من سورية ولبنان، بالتالي تحجيم المستقبل الاقتصادي لكلا الدولتين، ليصبح مرور البضائع في الأراضي السورية واللبنانية للوصول إلى المتوسط، ليس أكثر من هدر للوقت والجهد والمال، إضافة إلى أن المشروع أعطى الكيان الإسرائيلي القدرة على ترجيح كفة المعادلة الأمنية للدولة الأكثر مراعاة لمصالحه، في ظل وجود ثلاث معادلات لكل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشكل مفهوم الأمن الجماعي، كمفهوم جيوبولتيكي أمني، جوهر المعادلة الروسية، ومشروع طريق الحرير الاستراتيجي الاقتصادي، المعادلة الصينية، وتشكل سياسة المحصلة الصفرية لقوى المنطقة، مع الحرص على تخفيض معدل القوة لدى الجميع، من خلال إدارة الصراع، المعادلة الأمريكية.

إلا أن رجحان المعادلة الصينية بسبب طابعها الاقتصادي النفعي البحت، وتأثير النمو الاقتصادي والأرباح على سياسات الحكومات وتوجهاتها، والإدراك المبكر لهذا التأثير من قبل الحكومة الإسرائيلية، جعل من الكيان الإسرائيلي يشرع في تطوير ميناء حيفا المحتل بالتعاقد مع الصين، ليعدل بالنتيجة  مسار طريق الحرير الصيني، ليمر من الإمارات وصولاً إلى فلسطين المحتلة، عن طريق مشروع السكك الأقليمي.

النقاط الإضافية التي حصلت عليها المعادلة الصينية، على حساب الأمريكية والروسية، دفع بكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إلى إدخال تعديلات جديدة على معادلتيهما، حيث حاولت واشنطن جذب موسكو لتحالف مؤقت، لمواجهة الصين، على شاكلة التحالف الأمريكي السوفيتي ضد النازية، إلا أن موسكو التي لا تزال تعاني من آلام ودروس الماضي، فضلت تعديل مفهومها، بدمج استراتيجي شامل بين الرؤية الروسية العامة (الأوراسية)، والرؤية الصينية، توّج بعناق حار بين رئيسي البلدين، خلال لقائهما الاستثنائي في موسكو 05/06/2019، حول الاصطفاف الدولي من ثلاثي، إلى ثنائي (موسكو وبكين في مواجهة واشنطن) بأطرافه الرئيسية الثلاث.

 

وقد ألقت المعادلة الأمنية الجديدة لروسيا والصين بظلالها على الشرق الأوسط، وسببت سلسلة من التأثيرات المباشرة على سياسات حكوماته، كان أكثرها وضوحاً، على الإمارات وسورية، حيث تراجعت الإمارات عن استراتيجية  السيطرة على المضائق والموانئ، الموجهة ضد تهميش طريق الحرير الصيني للإمارات، والتفافه عليها لصالح باكستان وموانئها، وأدى هذا التراجع بالنتيجة إلى انسحاب القوات الإماراتية من باب المندب والموانئ المطلة عليه في اليمن، وزيادة التنسيق الأمني مع طهران من أجل مضيق هرمز بوفد عسكري إماراتي زار إيران في 30/07/2019، في حين دفعت المعادلة الأمنية الجديدة الحكومة السورية إلى استقبال الرئيس السوري “بشار الأسد” لوزير الشؤون الخارجية العماني “يوسف بن علوي” بدمشق في 07/07/2019، وإطلاق سلسلة من الجولات الخارجية، لتنسيق الحيثيات الجديدة، بدأت بتلبية الدعوة الصينية، وإرسال وزير خارجيتها إلى بكين في 16/07/2018، والعمل على إزالة التوتر في العلاقة مع الأردن، بعد ادعاء الأردن بحجز مواطنين من قبل الحكومة السورية، والتحضير لزيارة وزير النقل السوري لعمّان، في مسعى واضح لدمج مشروع السكك الحديدة ” محور شمال-جنوب” التي أعلنت عنه الحكومة السورية في العام الماضي، والذي يمتد من الأردن إلى تركيا، بعقدة السكك في الأردن، والتي تنطلق منها الحكومة الإسرائيلية في مشروعها للسكك الحديدة. الأمر الذي يطرح تساؤلاً غاية في الأهمية حول هدف مشاريع الحكومة السورية، هل هو المشاركة غير المعلنة في المشروع الإسرائيلي تحت ضغط المعادلة الامنية الروسية الصينية الجديدة، أم أنها تهدف إلى المنافسة مع المشروع؟؟

بمراجعة بسيطة لخريطة المنطقة، ندرك على الفور أن المنافسة شبه مستحيلة، فطريق الحرير الصيني يركز بالدرجة الأولى على العبور الأسرع والأوفر إلى البحر المتوسط، ما يعطي الأفضلية لميناء حيفا، والمرور من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدلاً من قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى سواحل ذات البحر في سورية أو لبنان، بالتالي لا يمكن أن تستفيد الحكومة السورية أو تنافس في مشاريعها للحصول على العبور الدولي وعوائده من خلال الأراضي السورية، وبنفس الوقت ليس من مصلحة الحكومة السورية إرسال البضائع والمنتجات السورية بعيداً عن موانئها في كل هذا الطريق، أي أن مفهوم المشاركة غير وارد أيضاً، لسبب بسيط وهو انتفاء المصلحة.

 

إلا أن حقيقة المشروع تكمن في المساعي الروسية الصينية، لتحويل مشروع سكك السلام الأقليمي، لسلاح ضاغط بيد موسكو وبكين، على الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من سلاح بيد الحكومة الإسرائيلية، كمسار أساسي ووحيد، وذلك بخلق مسار جديد ضاغط على الكيان الإسرائيلي، يربط عقدة السكك في الأردن بميناء طرطوس، الذي استأجرته موسكو لخمسة عقود قادمة، ويعمل على حل مشكلة رفض التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي، كأحد مشاكل المشروع، من خلال الطريق البديل، والذي تعمل سلطنة عمان بالنيابة عن الإمارات والسعودية على تنسيقه مع الحكومة السورية، وتعمل الحكومة السورية بالمقابل من خلال الزيارات الدبلوماسية على الاستفادة من تجربة “مينسك” عاصمة بيلاروسيا، في التنسيق الاستراتيجي المشترك مع موسكو، لبناء صيغة قانونية وسياسية جديدة، تلائم المعادلة الأمنية الروسية الصينية.

هذه المتحوّلات لم تغفل عنها إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية على لإطلاق، بل جعلت واشنطن تعيد تنشيط، خلاياها النائمة في الجنوب السوري، لإطلاق مرحلة جديدة من الاضطرابات الأمنية في درعا وريفها، كممر للمشروع الجديد، بالتزامن مع تخلي واشنطن عن المجموعات المسلحة في إدلب، لخلق مواجهة كبيرة بين روسيا وسورية من جهة، وتركيا من جهة ثانية.

في النتيجة سيمتدّ تأثير هذه المتغيرات إلى أبعد من الإمارات وسورية، ليشمل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، كمحددات أساسية لتلك البيئة، وستدفع كل دول المنطقة إلى شكل جديد من الصراع، يرتكز بأساسه على الاصطفاف بين هاتين المعادلتين، والتي قد تخلق بمحصلتها، مقاربات جديدة بين دول لطالما كانت مشهورة بالعداء لبعضها البعض، وتدخل بالمقابل دول خارجية أخرى على مسار الصراع في الشرق الأوسط.

]]>
تقدير استراتيجي: بوادر أزمة جيوسياسية جديدة في بحر اليابان. https://casrlb.com/?p=1220 Sat, 27 Jul 2019 15:14:02 +0000 http://casrlb.com/?p=1220 يعدّ بحر اليابان من المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية الكبيرة بالنّسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وتطلّ عليه كلٌّ من (اليابان، روسيا، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية)، ويشكل جزءاً أساسياً من الارتكاز الجيوستراتيجي للقوات الأمريكي في شرق آسيا، حيث تنتشر القواعد الأمريكية في الدول الحليفة لواشنطن، لتشكّل بمجملها نظام التحالف الأمريكي في شرق آسيا عموماً، وفي بحر اليابان على وجه الخصوص، إلّا أنّ الدول المطلّة على بحر اليابان والحليفة لواشنطن (اليابان، كوريا الجنوبية)، ليست على وفاقٍ تامٍ فيما بينها، في حين تفرض البيئة الاستراتيجية المضطربة للمنطقة، توافقاً ذا طابعٍ شبه قسريٍّ بين اليابان وكوريا الجنوبية، في مواجهة التهديد المباشر الناجم عن الملف النووي الكوري الشمالي، والمنافسة المستمرة مع روسيا التي تطوِّرُ قواتها البحرية المطلة على بحر اليابان بشكل مطرد.

 

وفي حين تمتع بحر اليابان باستقرار جيوسياسي قلقٍ ( استقرار غير طبيعي ناجم عن تدخل قوة خارجية شكلت عاملاً للاستقرار بوضعية جديدة غير نهائية)، إلّا أن مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية يرى في تبدل محددات السياسة الخارجية الأمريكية، وصياغة رؤية روسية صينية مشتركة للمنطقة، سببين في تشكيل أزمة جيوسياسية جديدة، ناجمة عن الدور المتداخل للدول المطلة على بحر اليابان، والتي تدفع بمجملها باتجاه وضعية استقرار جديدة، تحقق التوازن وتقلص أثر الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

 

البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان وطبيعتها:

تتمتع دول منطقة بحر اليابان بعلاقات متشابكة فيما بينها، يسودها التنافسية بشكليها؛ العلني وغير العلني، والرؤى ذات الاختلاف الجذري لمستقبل المنطقة، ليشكل التحالف الأمريكي الياباني، والأمريكي الكوري الجنوبي، في النصف الأول من القرن الماضي، عاملاً يجعل كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية، تعملان على ترحيل مشكلاتهما البينية، والأمنية الأقليمية، باتجاه الولايات المتحدة الأمريكية كقوةٍ مرجعيةٍ، بصيغة تجاوزية، أثّرت على سياسة الدولتين بالدفع نحو تبني الدبلوماسية، وأنتجت اتفاق 1965 لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، والذي شكل خلاصة التفاهمات للقضايا العالقة في الحرب العالمية الثانية أثناء احتلال اليابان لكوريا الجنوبية، كقضية الأجور غير المدفوعة للعمال الكوريين الذين تم تجنيدهم للعمل في شركة ’’نيبون للفولاذ وسوميتومو للمعادن‘‘ اليابانية، إبان الاحتلال الياباني لكوريا بين عامين 1910-1945، إضافة إلى نزاع “صخور ليانكورت”، وهو نزاعٌ إقليميٌّ بين الدولتين، بحيث تدَّعي كلٌّ منهما السيادةَ على هذه المجموعة من الجزر الصغيرة في بحر اليابان.

أما العلاقات الروسية اليابانية، احتّلت الدبلوماسية المرتبة الأولى فيما بينهما، وعملت كلٌّ من طوكيو وموسكو على تحويل التنافس الإقليمي، إلى تعاونٍ فعّالٍ، كخيارٍ ناتجٍ عن أهم قضيةٍ إشكاليةٍ بين الدولتين والمتمثلة في الخلاف على تبعيّةِ جزر الكوريل التي تفصل بحر “أخوتسك” عن المحيط الهادي، والذي شكل مدخلاً نحو تفاهمات روسية يابانية، أثرت إيجاباً على استقرار البيئة الاستراتيجية في بحر اليابان، وحوّلت موسكو لوسيطٍ في مواجهة التهديدات الكورية الشمالية الصاروخية والنووية، إلّا أنّ مدى التأثير الذي تمتعت العلاقة البينية به، كان محدوداً بسبب الدور الأمريكي الطّاغي في المنطقة.

وقد شكلت كوريا الشمالية بنظامها السياسي الشيوعي المعادي للولايات المتحدة الأمريكية، وحلفائها، وبملفها النووي والصاروخي، أحد الأجزاء الأساسية التي تشكل البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان، بدور ذي أثرٍ مزدوجٍ على نظام التحالف الأمريكي في المنطقة، ليتراوح بين الأثر الإيجابي المعزز لنظام التحالف الأمريكي بضرورة ردع الخطر المشترك على الدول الحليفة لواشنطن، وبين الأثر السلبي على المدى الزمنيّ الطويل مع بلوغ التهديد الكوري الشمالي مستويات خطيرة ومتصاعدة، تجعل من الدور الأمريكي الضامن للأمن الإقليمي في تراجعٍ مستمرٍ، وشيوع حالة عدم اليقين بين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.

 

العوامل المؤثرة في البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان:

نظام التحالف الأمريكي في بحر اليابان، خلق بيئةً تتَّسِمُ بالاستقرارِ القَلِق، وشكل نواةً أساسية لصياغة معادلة الأمن الإقليمي الأمريكية، وذلك عبر السعي لإنهاء التهديد الكوري الشمالي، ما يفرض على المنطقة شكلاً كلياً ومحدداً من الاستقرار النهائي، تسعى إليه واشنطن، وتعمل بموجبه على تحييد النشاط الروسي في بحر اليابان، وإغلاقه أمام نشاطات أي دولة من خارجه، لاسيما النشاط الصيني.

أي العوامل المؤثرة في البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان، هي الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، وطبيعة العلاقات بين دول المنطقة، وطبيعة أدوار القوى الخارجية في ذات المنطقة.

ما يعني أنّ أيّ تبدّلٍ في حجم وتأثير عاملٍ أو أكثر من هذه العوامل، مهما كان طفيفاً، سيُحدِثُ بالضرورة تغيّيراً طارئاً في البيئة الاستراتيجية للمنطقة، تؤدي بالضرورة إلى سلسلةٍ من التغيّرات والتّبدلات المتتابعة، تستمر حتى بلوغ مرحلة استقرارٍ جديدٍ، كنوعٍ من أنواع التوازن.

 

ويعد الملف الكوري الشمالي أحد أهم موجهات الاستراتيجية الأمريكية في شرق آسيا، وفي بحر اليابان على وجه الخصوص، ويعمل كقياسٍ لنجاح نظام التحالف للولايات المتحدة الأمريكية في ضبط الاستقرار بشكل نهائي، من عدمه.

 

محددات السياسة الخارجية الأمريكية:

تعد السياسة الخارجية الأمريكية أحد أهم الأدوات التنفيذية للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، بشِقَّيْها العسكريّ والدبلوماسيّ، وتخضع لمحدِّداتٍ تغيرُ في طبيعتها، ووسائل تنفيذ أهدافها، وتتحدد السياسة الخارجية الأمريكية بناءً على طبيعة الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض، والتي تعمل على مفاضلة وسائل وأدوات على حساب وسائل وأدوات أخرى، حيث عملت إدارة أوباما فيما سبق، على تنشيط التجسس الخارجي، وإطلاق يد الاستخبارات الأمريكية في برامج الطائرات المسيرة للعمليات الأمنية خارج الحدود، وتحويل السفارات إلى مقرات تجسسٍ وتمويلٍ سريٍّ، بينما عملت إدارة ترامب على إغلاق كثيرٍ من برامج الاستخبارات الأمريكية غير النافعة، وإطلاق اليد لوزارة الخزانة الأمريكية لفرض أقسى العقوبات على خصوم الولايات المتحدة الأمريكية، والتوجه نحو “الدبلوماسية الشعبوية”، كنوعٍ جديدٍ مرادفٍ للدبلوماسية التقليدية، تمتاز ببناء علاقات شخصيةٍ وطيدةٍ، تفوق حجم الملف المراد التفاوض حولَهُ، وتسعى لكسب الوقت قدر الإمكان، بالشراكة مع العقوبات الاقتصادية المشددة، لفتح مدخلٍ واسعٍ للدبلوماسية التقليدية، والتي تصيغ في النهاية الأهداف الأساسية للاستراتيجية الأمريكية.

هذا الاختلاف الشّاسع بين كلٍّ من إدارة أوباما، وإدارة ترامب، أعاد صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، والتي أثرت بدورِها على البيئة الاستراتيجية في بحر اليابان.

وبعد امتلاك كوريا الشمالية للقنبلتين النووية والهيدروجينية، وتطوير الصواريخ البالستية بوصفها (نظام التوصيل Delivery System )، لتطال الأراضي الأمريكية، تحولت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة، نحو التواصل بشكل أكبر مع “بيونغ يانغ”، وإطلاق “الدبلوماسية الشعبوية” بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون”، بالتزامن مع تشديد العقوبات الاقتصادية ضد “بيونغ يانغ”، ولا تزال هذه الوسائل الأمريكية متّبعة حتى الوقت الراهن، دون أن تستطيع تحقيق أيّ هدفٍ للاستراتيجية الأمريكية في بحر اليابان، وتحييد خطر كوريا الشمالية عن نظام التحالف الأمريكي.

 

من جهة أخرى، يمارس الرئيس الأمريكي مختلف الضغوطات على طوكيو، والتي وصلت إلى درجة إطلاق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في أواخر شهر حزيران/ يونيو من العام الجاري، لتصريحات تعدّ الأولى من نوعها، تحدث خلالها عن التفكير في الانسحاب الأمريكي من معاهدة التعاون المتبادل والضمانات الأمنية مع اليابان لعام 1960، كونها تلزم واشنطن بالدفاع عن طوكيو من جانبٍ واحدٍ، دوناً عن اليابان.

 

بالتالي اختلاف محددات السياسة الخارجية الأمريكية، أدى إلى تحولٍ جوهريٍّ في أدوات ووسائل السياسة الخارجية الأمريكي، والذي غيّرَ بدورِهِ طريقة تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع كلٍّ من اليابان وكوريا الشمالية، الأمرُ الذي يُفضي إلى التأثير المباشر على البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان.

 

النشاط الروسي الصيني المشترك في بحر اليابان:

مع تبدّلِ طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، واختلالِ الروابط بين واشنطن وحلفائها، والتوجهِ نحو زيادة حدّة العداء الأمريكي ضدّ كلٍّ من روسيا والصين، اتجهت كلٌّ من موسكو وبكين نحو تعزيز علاقاتهما الثنائية وتطويرها من مرحلة الصداقة بين الدولتين إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، والموضحة بشكل مفصّل في تقدير سابق لمركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية بعنوان: (دمج استراتيجي جديد يهدد مكانة واشنطن عالمياً)، والتي ألقت بظلالّها على بحر اليابان، حيثُ عملت موسكو على تأمين دخول صينيٍّ دائمٍ على بحر اليابان، وذلك بإطلاق دوريات مشتركة، للمرة الأولى، بطائرات استراتيجية بعيدة المدى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مروراً ببحر اليابان والذي يعدُّ الهدفَ الأساسي للعملية المشتركة، والتي أثارت بدورِها موجةً ضخمةً من الاضطرابات لدى كلٍّ من كوريا الجنوبية، واليابان، حيث اتهمت اليابانُ على الفور طائراتٍ روسية وصينية بانتهاك مجالها الجوي في المنطقة، فيما زعمت كوريا الجنوبية أن هذه المجموعة دخلت إلى ما يسمى بمنطقة تحديد الهوية لنظام الدفاع الجوي الكوري الجنوبي، وخرقت فيما بعد مجالها الجويّ من قبل قاذفةٍ روسية.

النفوذ الصيني كدولةٍ خارجيةٍ في بحر اليابان، لم يقتصر فقط على بوابة العلاقات الصينية-الروسية، بل كانت بكين قد دخلت من بوابة العلاقات الصينية-الكورية الشمالية، بزيارة تاريخية للرئيس الصيني “شي جين بينغ”، إلى “بيونغ يانغ”، والموضحة في تقدير سابق لمركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجةٌ صينيةٌ للملفات المشابهة!!بالتالي شكلت الزيارة صدمةً حقيقيةً في الأوساط الأمريكية، وقلقاً كبيراً لدى دول بحر اليابان الحليفة لواشنطن.

 

تزايد النفوذ الصيني في بحر اليابان، وتطوير موسكو المستمر لأساطيلها البحرية في المنطقة، سبب بتراجع الثقة لدى كلٍّ من كوريا الجنوبية واليابان بالولايات المتحدة الأمريكية كمرجعيةٍ أمنيةٍ، وقدرتها على ضبط البيئة الاستراتيجية، الأمر الذي أضعف الصيغة التجاوزية لعلاقات حلفاء واشنطن ببعضهم بعضاً، ودفع بكلّ دولة إلى تعديل رؤيتها ومحاولة تحصيل حقوقها، باستخدام وسائلها الخاصة.

 

 

البيئة الاستراتيجية الجديدة لبحر اليابان:

تتسم البيئة الاستراتيجية الجديدة في بحر اليابان، بتزايد حالة اللّايقين، وارتفاع منسوب الخطر، وتزايد نفوذ الصين كدولةٍ خارجيةٍ، على حساب نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، ليصبح التحالف (الروسي-الصيني-الكوري الشمالي)، تحالفاً ثلاثياً، يعيدُ توزيع خارطة النفوذ في بحر اليابان، ويهدّدُ بشكلٍ مباشرٍ نظامَ التحالفِ الأمريكي، في مقابل ضعف الروابط بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية، والذي أدى بدوره إلى عودة التوتر في العلاقة اليابانية-الكورية الجنوبية، بدءاً من قضية العمل القسري إبان الحرب العالمية الثانية ضد شركة ’’نيبون للفولاذ وسوميتومو للمعادن‘‘ اليابانية، والتي أُعيْدَ فتحُها من قِبَلِ العمال الكوريين الجنوبيين، بحكمٍ لصالحهم من قِبلِ المحكمة العليا في 30 /10/2018 يجيز مصادرة أصولِ الشركات اليابانية في كوريا الجنوبية، بحكمٍ اعتبرته اليابان مخالفاً لاتفاقية 1965 للتطبيع بين الدولتين، بعد أن دفعت اليابان بموجبِهِ التعويضات المستحقة لحكومة سيؤول، لترد طوكيو بعدها بتطبيق لوائح صارمة لتصدير 3 موادٍ أساسيةٍ إلى كوريا الجنوبية، وهذه المواد ضرورية لإنتاج الرقائق وشاشات العرض، على أساس أن سيؤول تدير نظاماً متساهلاً للتحكم في البضائع التي يمكن تحويلها للأغراض العسكرية، وطرح خطة لرفع كوريا الجنوبية من قائمتها البيضاء للشركاء التجاريين الموثوق بهم الممنوحين إجراءات تفضيلية للتصدير، الأمر الذي من شأنه أن يكون له أثرٌ مدمّرٌ على المدى البعيد للاقتصاد الكوري الجنوبي.

لتشعِلَ بعدها الدورية الروسية الصينية المشتركة فوق بحر اليابان، ملف جزر “صخور ليانكورت” المُتنازَع عليها بين الدولتين، لِيَلِيَهَا بيومين إطلاق كوريا الشمالية لصاروخين قصيرَيّ المدى سقطا في بحر اليابان.

 

هذه المتغيراتُ تشير إلى حدة التجاذبات والضغوط المطبقة في المنطقة، بين التحالفين الثلاثيين، وأثّر ذلك على تمتين التحالف (الروسي-الكوري الشمالي-الصيني)، مقابل أثر هذه المتغيرات السلبي على نظام التحالف الأمريكي، ما يعني أنّ البيئة الاستراتيجية الجديدة لبحر اليابان أصبحت بيئةً مواتيةً لنشوءِ أزماتٍ جيوسياسيةٍ حادةٍ، قد تفضي إلى صدامٍ داخليٍّ بين دول المنطقة، لترفع بذلك تصنيف بحر اليابان إلى بيئة ساخنة، تفرض على دولها، مزيداً من الاعتماد على الذات، ورفع الموازنات الدفاعية، والنأيِ عن الانخراط بأي توترٍ خارجيٍّ قد يؤثر على أداء الدولة في بيئتها الاستراتيجية.

 

بالنتيجة ستسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتَدَارُكِ العجز في بحر اليابان، بخطواتٍ مزدوجةٍ، تعمل على رفع درجة التوتر، وتصدير الأزمة الجيوسياسية المقبلة نحو بحر الصين الشرقي، ما ينبئُ بأزماتٍ جيوسياسيةٍ حادةٍ مقبلةٍ على بحر الصين الشرقي وبحر اليابان في المدى القريب، قد ترقَى إلى صدَاماتٍ عسكريةٍ بين دول المنطقتين.

]]>
إجراءات واشنطن في الملفين (الأفغاني والسريلانكي) تعديل في الاستراتيجية الأمريكية يستهدف الأمن الآسيوي https://casrlb.com/?p=1192 Sat, 13 Jul 2019 17:15:23 +0000 http://casrlb.com/?p=1192  

حوار وكالة سبوتنك الروسية أجراه الدكتور نواف إبراهيم مع مدير مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية، تناول نتائج دراسة التعديلات في الاستراتيجية الامريكية الخاصة بالقارة الآسيوية، وعلاقتها بالملفين (الأفغاني والسريلانكي).

أعلنت الخارجية القطرية عن نجاح المؤتمر الأفغاني للسلام الذي عقد في الدوحة برعاية مشتركة من قطر وألمانيا، حيث إستضافت الدوحة يومي 7 و8 من تموز مؤتمراً واسعاً في إطار جهود السلام في أفغانستان حضره عشرات الممثلين عن كابل و”طالبان” والمجتمع المدني.

وتعهد المشاركون في المؤتمر بإعداد “خريطة طريق للسلام والحد من العنف” والعمل على عودة المهجرين ورفض تدخل القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية الأفغانية، حسبما جاء في البيان الختامي الصادر عن المفاوضات، وذلك بعد تعليق الجولة السابعة من المباحثات بين الولايات المتحدة و”طالبان”، والتي تستضيفها الدوحة منذ 29 يونيو الماضي حتى نهاية مؤتمر الدوحة لإفساح المجال أمام الحوار الأفغاني، بالتزامن مع استمرار الجهود الأمريكية للدفع نحو توقيع إتفاقية (SOFA) “إتفاقية وضع القوات” مع جزيرة سيريلانكا جنوب شرق الهند، والتي تنص على تقديم تسهيلات إضافية متبادلة لإستخدام مرافق الموانئ للطرفين ووصول عسكرييهما ومتعاقديهما إلى الموانئ.

للحديث هذا الشأن إستضاف برنامج “ماوراء الحدث”  الأستاذ صلاح النشواتي مدير مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية وكان الحوار التالي:

سبوتنيك: أستاذ صلاح كيف تقييمون هذين الحدثين، وهل من علاقة تربط المساعي الأمريكية في الملف الأفغاني مع المساعي الأمريكية في الملف السريلانكي؟

النشواتي: نعم، فعلياً الملفين الأفغاني والسريلانكي يدخلان ضمن إجراءات أمريكية متزامنة، تأتي إستجابة لتعديل الإدارة الأمريكية لإستراتيجيتها الخاصة بقارة آسيا، وخصوصاً وسط وجنوب آسيا، ضد كل من الصين وروسيا، بمقتضى إجراءات ومخططات سابقة، تربط الملفين الأفغاني والسريلانكي بالتوجه الجديد للإستراتيجية الأمريكية في آسيا، وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الملفين على زيادة حجم التهديدات لأمن القارة الآسيوية، عبر تعزيز أهم وأخطر الإشكاليات الأمنية فيها، والمتمثلة بإنتشار التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

سبوتنيك:  أستاذ صلاح دعنا نناقش نقطة نقطة، هل ترون أن محادثات السلام بين حكومة كابل وحركة طالبان من جهة، والمحادثات الأمريكية مع طالبان لسحب القوات الأمريكية، عاملاً قد يسهم في زيادة إنتشار التنظيمات المتطرفة في آسيا، في حين أن العديد من الخبراء يقولون أن الانسحاب الأمريكي ناجم عن أسباب إقتصادية تتعلق بالإقتصاد الأمريكي؟

النشواتي: ببساطة الخدعة الأمريكية في العنوان، (السلام)، أما حقيقة الجهود الأمريكية في الملف الأفغاني هي بعكس ذلك تماماً، حيث تدرك واشنطن أن التطرف والإرهاب أحد أقدم وأخطر المشاكل والتهديدات في القارة الآسيوية، جنباً إلى جنب مع إشكالية الإنتشار النووي، وفي حين تظهر الجهود الأمريكية في الملف الأفغاني على أنها مبنية على أسباب تتعلق بالإقتصاد الأمريكي، إلا أن نظرة سريعة إلى زيادة موازنة الدفاع الأمريكي لعام 2019 والبالغة 63 مليار دولار، لتصل بمجملها إلى 700 مليار دولار، مع إقرار مسبق لموازنة الدفاع الأمريكية لعام 2020 بحجم بلغ 750 مليار دولار، علماً أن موازنة روسيا الدفاعية لا تتجاوز 64 مليار دولار على سبيل المقارنة والتوضيح بحجم المبالغ الهائلة في الموازنة الدفاعية الأمريكية، يثبت بالدليل القاطع زيف الإدعاء حول أن الأسباب اقتصادية والتوفير للتكاليف هي محرك السياسة الخارجية الأمريكية، بالتالي هناك أهداف ودوافع أخرى تماماً فيما يتعلق بالإنسحاب الأمريكي من أفغانستان، لا تتعلق بأسباب اقتصادية، ولا حتى بالمصلحة الوطنية الأفغانية، بل ناتج عن تقدير الإدارة الأمريكية، بأن الوجود الأمريكي في المنطقة، يخدم مصالح خصوم الولايات المتحدة الأمريكية، من ناحية الأمن والإستقرار المؤاتي للنمو، أكثر من خدمة المصالح الأمريكية نفسها.

وهنا علينا أن نذكّر أن المساعي الأمريكية لسحب قواتها، لا تشمل الوجود الإستخباري، بل على العكس، تحدث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشكل علني عن زيادة كبيرة جداً في الوجود الإستخباري في أفغانستان التي وصفها “بهارفارد الإرهاب” في إشارة إلى تخريج أفغانستان للإرهابيين على مستوى العالم.

التالي إنحسار النشاط العسكري يقابله زيادة كبيرة في الوجود والنشاط الإستخباراتي، والذي بدأ بتنفيذ مهام جديدة منذ نقل الطائرات الأمريكية، لقادة من تنظيم داعش إلى أفغانستان، ودفعهم  للسيطرة على الولايات الحدودية مع باكستان، منعاً للأخيرة من التمدد إلى أسواق دول بحر قزوين، مستفيدة من غياب الوجود العسكري الأمريكي، والعلاقة الجيدة مع “حركة طالبان”، بالإضافة إلى استمرار وجود تنظيم القاعدة في مناطق متفرقة في داخل أفغانستان وإعلانه إستهداف باكستان بسبب علمنتها لملف كشمير كإقليم متنازع عليه مع الهند، وتركّز سيطرة حركة طالبان على الولايات الأفغانية المحاذية لإيران، ولطاجيكستان (أحد نقاط الإرتكاز لطريق الحرير البري الصيني)، ما يشير بوضوح إلى أن مجمل الخطوات الأمريكية في إطلاق السلام الأفغاني والإنسحاب العسكري منها، ما هي إلا محاولة لتفجير أفغانستان عن بعد، في دور مزدوج للإستخبارات الأمريكية يبدأ بإشعال الفتيل، مع منع أي دولة كبرى من التدخل أو السعي لفرض أي معادلة أمنية في المنطقة، وينتهي بجمع المعلومات وتقييد حركة ووصول التنظيمات الإرهابية خارج مساحة الإنتشار المحددة أمريكياً بشكل مسبق.

سبوتنيك: في الحقيقة هذه نتائج تدعو للذهول بالفعل، يبدو أن حتى السلام هو عنوان لإراقة المزيد من الدماء بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي يبدو أنها مستعدة لفعل أي شيء في سبيل منع أي دولة من حقها في الطموح بالنمو والتقدم نحو العالمية، حسناً، أستاذ صلاح قبل أن نتحدث عن علاقة الملف الأفغاني بالملف السريلانكي، لو توضح لنا لماذا وقع الإختيار الأمريكي على سريلانكا بالتحديد، وهي جزيرة صغيرة نسبياً تقع جنوب شرق الهند؟

النشواتي: صحيح، بالرغم من مساحة سريلانكا غير الكبيرة نسبياً، إلا أن الصين تعتمد على سريلانكا كمرتكز جيواستراتيجي لطريق الحرير البحري الصيني، حيث سعت الصين خلال السنوات الماضية إلى إغراق سريلانكا بالديون، من خلال منحها الكثير من القروض بإجمالي 2.4 مليار دولار، مع العلم المسبق لدى كل من بكين وكولومبو (عاصمة سريلانكا)، بعجز الأخيرة عن السداد، الأمر الذي مكّن بكين من تسوية جزء من هذه الديون والبالغ حوالي 1.4 مليار دولار في عام 2017 من خلال إستئجار ميناء مدينة “هامبانتوتا” لمدة 99 عام، والذي يعتبر ميناءً استراتيجياً ينشط عنده طريق الشحن الواصل بين الشرق والغرب على مستوى العالم.

ازدياد النفوذ الصيني في سريلانكا، دفع بواشنطن إلى المسارعة نحو سريلانكا للتصدي لبكين، فبدأت الجهود الأمريكية منذ عام 2018 عبر تقديم مساعدات مالية عسكرية بقيمة 39 مليون دولار لكولومبو، في إطار تعزيز أمنها البحري، إلا أن هذه المنح لم تشجع الرئيس السريلانكي “مايثريبالا سيريسينا” على تعميق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس رئيس الوزراء “رانيل ويكرميسينغي” الذي يحشد كل الطاقات باتجاه تعميق التعاون مع واشنطن على حساب نفوذ بكين، الأمر الذي أدى إلى صدامات كبيرة بين الرئيس السريلانكي ورئيس الوزراء، أدت إلى حل البرلمان من قبل الرئيس “سيريسينا”، بإعتبار أن الحكومة فقدت الأغلبية البرلمانية، ودخلت البلاد حينها في أزمة دستورية حادة، إنتهت بإعادة “رانيل ويكرميسينغي” كرئيس للحكومة، دون أي نتيجة تذكر لصالح زيادة نفوذ واشنطن أمام نفوذ بكين.

سبوتنيك: لو سمحت لي أستاذ صلاح، ومن باب التأكيد، شاهدنا حقيقة مدى عمق وحدة التجاذبات في داخل النخب السريلانكية الحاكمة عندما وقعت الأحداث الدامية والتفجيرات الإرهابية في سريلانكا في نيسان الماضي، هل برأيك هذه التفجيرات مرتبطة بشكل أو بآخر بمحاولة واشنطن لمد نفوذها في الجزيرة؟

النشواتي: بالتأكيد لا يوجد أدلة جنائية مباشرة تربط طرفاً دولياً بهذه العمليات الإرهابية، إلا أن البصمات الإستخباراتية تملأ في الواقع مسرح العمليات، وتثبت تسهيل وتوجيه لسهم الإرهاب ليضرب في قلب سريلانكا، فسكوت قادة الأجهزة الأمنية الموالين لواشنطن عن التحذيرات التي أرسلتها الهند قبل حوالي الأسبوعين من وقوع العملية، وحجب التقارير عن الرئيس السريلانكي، يضع أكثر من ألف علامة إستفهام، ناهيك عن التفاصيل التي تتحدث عن إجتماع عبد اللطيف جميل محمد أحد المخططين للعملية الإرهابية، مع عناصر من المخابرات تعمل متخفية داخل صفوف داعش في سورية، بحسب صحيفة التايمز البريطانية، وفي ظل تصدير واشنطن لنفسها على أنها المحارب الأفضل لداعش بأنها إستطاعت القضاء عليه في سورية والعراق، تصبح الفرصة لعرض المساعدة الأمنية الأمريكية بعد الحادث أكثر من ملائمة، ولكن إعفاء الرئيس السريلانكي لقادة الأجهزة الأمنية، قد أحبط المسار الأمريكي، وأدخل واشنطن بإرباك شديد، ودفعت بالسفيرة الأمريكية في كولومبو ” ألينا تيبليتز” إلى الإعلان عن عدم علم واشنطن المسبق بالهجمات على سريلانكا، لتعود واشنطن بعد أيام قليلة وتصدر تحذيرات حول هجمات جديدة قد تقع في سريلانكا، في سلوك لا يمكن قراءته إلا كمحاولة أمريكية لإعادة إحياء ظروف مواتية تستطيع من خلالها تقديم عروض التعاون الأمني لكولومبو، لتشكل فيما بعد أرضية صلبة تطرح عليها إتفاقية (SOFA)، وتربط أمن سريلانكا بالولايات المتحدة الأمريكية، من خلال النشاط الإستخباراتي الأمريكي بذريعة الحماية، والإنذار المبكر، والذي سيسمح لواشنطن بالتنصت ومراقبة كل النشاطات الصينية في سريلانكا، وحتى تعطيلها، بالإضافة إلى البند الأساسي المتمثل بنشر قوات أمريكية في الجزيرة.

سبوتنيك: لا أستطيع أن أقول إلا أن الصورة بدأت تتوضح بشكل كبير، ولكن سؤال أخير، نحن نعلم أن الرئيس السريلانكي “مايثريبالا سيريسينا” قد رفض بشكل قطعي توقيع إتفاقية (SOFA) مع واشنطن، فكيف ستتعامل واشنطن مع هذا الرفض، هل من الممكن أن تستسلم مثلاً لقرار الرئيس سيريسينا؟ وما هي القطعة الأخيرة من الأحجية التي تربط الملف الأفغاني بالسريلانكي؟

النشواتي: بالطبع لن تستسلم واشنطن وتتخلى عن استراتيجيتها مقابل قرار رجل واحد، بالإضافة إلى أن ولاية الرئيس السريلانكي الحالي تنتهي في كانون الثاني القادم، الأمر الذي من الممكن أن يضع سريلانكا على حافة أزمات حادة مفتعلة، ناتجة عن الشد والجذب للقوى المؤيدة للنفوذ الصيني من جهة، والقوى المؤيدة للنفوذ الأمريكي من جهة أخرى، طوال الفترة المتبقية لولاية الرئيس السريلانكي، أما القطعة الأخيرة من الأحجية، فهي تتلخص في تزامن الإنسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان، مع نشر قوات أمريكية في سريلانكا، أي أن جزء من القوات الموجودة في أفغانستان ستتشارك مع قوات البحرية الأمريكية للإنتشار في الجزيرة، في حال تم التوقيع على إتفاقية (SOFA)، لتعمل على الإنطلاق من السواحل السريلانكية نحو تعزيز الوجود الأمريكي في خليج البنغال، لعرقلة الطرق البديلة للصين من خلال ميانمار، والسواحل البورمية، ويعود ذلك إلى ملاحظتنا لعودة واشنطن للعمل بحذافير التنظير الجيوبولتيكي لضابط البحرية الأمريكي “ألفريد ماهان” (1872-1914)، في عدم الإنخراط داخل العمق البري، وتركيز النفوذ الأمريكي على الدول الشاطئية والمسطحات المائية، وفرض السيطرة على البحار والمحيطات والممرات المائية من خلال الأساطيل البحرية، الأمر الذي رشح سريلانكا لتكون من أولويات التوجه الأمريكي الجديد، بعد الإنسحاب من أفغانستان وخلق إضطرابات أمنية في آسيا الوسطى، لمواجهة زيادة النفوذ الروسي، والمشاريع الإستراتيجية الصينية البرية والبحرية.

في النتيجة، ينطلق المشروع الأمريكي الخطير في آسيا عموماً وفي أفغانستان على وجه الخصوص، من الفهم الجديد للإدارة الأمريكية الحالية، بدور الولايات المتحدة الأمريكية في حفظ الأمن والسلم الدوليين، من خلال ضبط موازين القوى، والحد من طموح الدول الأقليمية ومنافساتها البينية، وتسعى لتطبيق إجراءات تعكس العملية بالكامل، في خطوة موجهة ضد خصومها وأعدائها الصاعدين، كالصين، وروسيا، من جهة، ولإبتزاز الدول التي يعتمد أمنها على القوات الأمريكية نحو زيادة إنفاقها العسكري، وتأمين توسيع البنية التحتية للقوات الأمريكية، على حساب الدول المضيفة، كنوع من زيادة ضخامة الموازنة الدفاعية من جيوب الدول الأخرى، من جهة ثانية.

أجرى الحوار: نواف إبراهيم

]]>
تقدير موقف: زيارة الوفد البرلماني الروسي للسعودية تمهيد لتصحيح أخطاء الماضي. https://casrlb.com/?p=1179 Tue, 09 Jul 2019 09:45:17 +0000 http://casrlb.com/?p=1179  

زار وفد من البرلمان الروسي العاصمة السعودية الرياض في 08/07/2019، كما حضر الوفد جلسة مجلس الشورى السعودي، وأكد المجتمعون العمل لتمتين العلاقة بين برلماني البلدين في العديد من الملفات، تمهيداً لزيارة الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” للسعودية في شهر تشرين الأول من العام ذاته، وفي هذا السياق يقّدر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية المساعي الدبلوماسية الروسية تجاه السعودية، في إطار التصحيح التاريخي للعلاقة بين روسيا والسعودية، لتطوير علاقة البلدين وصولاً إلى علاقة شراكة استراتيجية، تخدم مصالح الطرفين، بما يخدم الرؤية الروسية للشرق الأوسط والمتمثلة بالأمن الجماعي، كمعادلة أمن إقليمي تكون موسكو ضامنها وضابط إيقاعها.

 

تعمل الاستراتيجية الدولية الروسية على ركيزتين أساسيتين، الأولى خلق هيكلية اقتصادية عالمية تعددية جديدة، والثانية تصحيح الأخطاء التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في السابق، كل ركيزة من هاتين الركيزتين تعمل كموجه للسياسة الخارجية الروسية، وأجنداتها، وتضبط حركة دوائر القرار الروسية على جداول الأجندات السابقة، وتعتبر عملية إعادة تقييم الأهمية الجيوسياسية لمختلف الأقاليم الخارجية القريبة والخارجية البعيدة من روسيا، أحد أهم أجندات السياسة الخارجية لموسكو، من هذا المنطلق، اعادت موسكو تقييم الشرق الأوسط، بصفته الخارج البعيد، لترفع درجة أهميته إلى حدود إعادة تنشيط الدبلوماسية الروسية، والتمهيد لشرعنة النشاط الروسي في المنطقة، بعلاقات متينة مع دولها، وربط مصالح الأطراف بالمصالح الاستراتيجية الروسية، في رؤية شاملة مشتركة.

وتعتبر السعودية من الدول المهمة ذات الثقل الجيوسياسي، والتي فرّطت بها القيادة السوفيتية، بالرغم من المبادرات الحثيثة حينها للمملكة على يد الأمير فيصل منذ عام 1936، للوصول إلى نوع من التعاون الوثيق والشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، ليكون الاتحاد السوفيتي شريكاً لأمن المملكة، بعد تراجع دور بريطانيا وقوتها، وذلك قبل توجه الرياض نحو واشنطن، وعقدها لشراكة استراتيجية، تعهدت فيها واشنطن حفظ أمن المملكة، والتي لاتزال هذه الشراكة قائمة إلى يومنا هذا.

يقيّم الكرملين السلوك الماضي للقيادة السوفيتية تجاه السعودية، بالخطيئة الكارثية، التي تسببت وكوّنت جزءًا من سلسلة من الأحداث أزاحت في نهايتها الاتحاد السوفيتي من الوجود، وانطلاقاً من هذا التقييم، يعمل الكرملين على نقل مستوى العلاقة مع السعودية إلى المستوى الاستراتيجي، وذلك سعياً نحو مواءمة الدور الإقليمي للسعودية مع المصالح المشتركة، واستغلال تأثير الرياض القوي على محيطها من الدول العربية، وتزعمها كل أجندات عدم الاستقرار في المنطقة، الناتجة عن صراع النفوذ الإيراني السعودي.

وتأخذ الجهود الدبلوماسية الروسية شكلاً ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وحتى سياحياً، في إطار الوصول إلى درجة من الاعتمادية بين الدولتين، دون الانخراط الروسي الفج في الداخل السعودي على شاكلة سلوك الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما في صورة مشابهة جداً للنجاحات المحققة من تعاون موسكو والرياض ضمن اتفاقية “اوبك+”، بدون أن تكون موسكو عضواً في منظمة أوبك، وتعميم هذا الشكل من التعاون للوصول إلى الترابط الأمني بين الدولتين، كعامل سيلعب دوراً مهماً في الإزاحة التدريجية لواشنطن، أو إضعاف قبضتها على الأقليم في أقل تقدير.

الجهود الدبلوماسية الروسية تجاه السعودية، ليست خطوات وحيدة ومنفردة، وإنما متزامنة مع خطوات وجهود أخرى على مساحة الشرق الأوسط، كتعزيز العلاقة مع إيران، ومحاولة حل الأزمة السورية، وأنهاء حالة عدم اليقين بين دول المنطقة، وصولاً إلى ضبط المخاوف الأمنية للأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط في إطار الضمانة الأمنية الروسية، والتي ستأخذ  تعاونية مع واشنطن في البداية، ريثما تتقدم موسكو بباقي أجنداتها في الأقاليم الأخرى.

في المحصلة فإن زيارة الوفد البرلماني الروسي، والزيارة المرتقبة للرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” للمملكة، تمهد لصياغة معادلة أمن إقليمية وتطوير الشراكة الروسية مع دول المنطقة إلى المستوى الاستراتيجي.

]]>
تقدير موقف: معركة إدلب ومستقبلها https://casrlb.com/?p=1005 Sat, 08 Jun 2019 09:56:28 +0000 http://casrlb.com/?p=1005 شكلت معركة أدلب مساحة إضافية لواشنطن لفرض معادلتها للأمن الأقليمي في الشرق الأوسط كونها دفعت كل أعداء سورية إلى تجاوز خلافاتهم، كواشنطن وأنقرة، حيث انقلبت الولايات المتحدة الأمريكية على توافقها مع روسيا حول مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق، مقابل تفاهمات بينية بين واشنطن وتركيا تقضي بتسليم غرفة عمليات إدلب لأنقرة، وهي تسعى في سبيل ذلك لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: الضغط على موسكو وإحراجها بتبني موقف معادي لطهران في سورية، وليس الاكتفاء بالحياد الروسي السوري كما التوافقات السابقة.

الهدف الثاني: يكمن في وضع مصالح أنقرة في مواجهة مباشرة مع المصالح الروسية، كرأس حربة ضد روسيا في سورية، ما يشكل بدوره ضغطاً كبيراً على العلاقة التركية الروسية، وعائقاً أمام تطورها، يمكن الاستفادة منه في الضغط على أنقرة للتخلي عن صفقة S-400.

هذين الهدفين لخدمة غرض أساسي يكمن في تفكيك نواة المعادلة الروسية للأمن الأقليمي المتمثلة بثلاثية استانا والتي ستحل محلها المعادلة الأمنية الأمريكية لضمان المصالح الأمريكي بتطويق إيران، وحشر روسيا في دور الحامي للامن القومي الإسرائيلي، وشرطي منع التصادم.

أما مايخص مستقبل المعركة فهي برمجت منذ اللحظة الأولى للصمت الأمريكي عنها، وعن سيناريوهاته الكيميائية، لتكون معركة استنزاف لجميع الأطراف بلا استثناء، حتى لجبهة النصرة، بغرض تصفية أكبر عدد ممكن من الأجانب، كتنقية ناتجة عن الاستنزاف، مع الحرص على عدم تحقيق الجيش السوري والقوات الروسية أي تقدم يقلب الموازين، لتقوم أمريكا فيما بعد بالضغط لوقف إطلاق النار، ودمج جبهة النصرة فيما تبقى بداخلها من السوريين بالتسوية السياسية، لتكون مكوناً مهدداً بعدم الاستقرار الدائم لاحقاً.

]]>
تقدير موقف: ثقل واشنطن في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مطلب إسرائيلي أم مصلحة استراتيجية أمريكية؟! https://casrlb.com/?p=992 Tue, 28 May 2019 01:38:30 +0000 http://casrlb.com/?p=992 ثقل واشنطن في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مطلب إسرائيلي أم مصلحة استراتيجية أمريكية؟!

شهد لبنان زيارات أمريكية متوالية منذ شهر آذار الماضي بسلسلة لقاءات شملت وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومساعده لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد، تركزت هذه اللقاءات بالدرجة الأولى على ملف ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الإسرائيلي، وبالرغم من حجم الملفات الاستراتيجية والمصيرية العالقة في العالم أمام الإدارة الأمريكية، إلا أن واشنطن قررت إعطاء كل هذا الثقل لملف بسيط يشمل خلاف حدودي بحري على مساحة تقارب 850 كم مربع، ومع التركيز الشديد في البداية على ترسيم الحدود البحرية وفصلها عن الحدود البرية، إلا أن إصرار لبنان على لسان رئيس مجلس نوابه بالترسيم الشامل، وضع واشنطن في موقف أكثر تعقيداً، وقد حاولت في سبيل ذلك تهديد الرئيس نبيه بري بالعقوبات بذريعة علاقة حركته بحزب الله، إلا أن الاصرار الأمريكي الشديد حول إنجاز هذا الملف وعدم بدء مواجهات مفتوحة وطويلة، جعل الإدارة الأمريكية تقبل بمناقشة الترسيم البري والبحري كملف واحد، وبالشروط اللبنانية، ليظهر من ناحية الشكل أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحقيق مطالب الكيان الإسرائيلي، في حين أن واشنطن تسعى لمصلحة استراتيجية أمريكية صرفة، فترسيم الحدود البحرية دوناً عن البرية، له علاقة مباشرة بقدرة الكيان الإسرائيلي على إنتاج الغاز من المتوسط، وذلك بخفض المخاطر الناجمة عن التهديدات اللبنانية، والتي ترفع بدورها كلف الاستثمار والإنتاج بالضرورة.

مستقبل الغاز التي تعمل إسرائيل على استخراجه في بيئة آمنة هو أحد أهم أسس المشروع الأمريكي، فمن المقدر لهذا الغاز أن يصدر بأنبوب خاص (إيست ميد) من المتوسط مروراً بالمناطق المتنازع عليها وتحت مرمى التهديدات اللبنانية في المناطق الأخرى وصولاً إلى أوروبا، رابطاً معه حقول المتوسط المكتشفة في مصر، والذي سيشكل بدوره رافداً مهماً للغاز إلى أوروبا في مواجهة محاولات روسيا للسيطرة على سوق الطاقة الأوروبية عن طريق أنابيبها، وتبعات المشروع الروسي على المصالح الأوروبية-الأمريكية المشتركة ضمن المواجهة البينية الكبرى، بالتالي فإن خوف واشنطن من استغلال المواجهة بين لبنان والكيان الإسرائيلي بدعم الخلاف حول الحدود البحرية وتمتين العلاقة الروسية اللبنانية في سبيل ذلك، بما يشمل عروض التسليح للبنان والذي قدمته موسكو سابقاً كملف على شكل مساعدات عسكرية، وأيضاً دعم حزب الله بأسلحة بحرية متطورة لعرقلة المشاريع الإسرائيلية بالوكالة في غاز المتوسط التي تضر بالمشاريع الروسية، دفع الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بثلاث خطوات متزامنة:

الأولى: إبداء المرونة والتنازل أمام المطالب اللبنانية.

الثانية: الضغط لرفض المساعدات العسكرية الروسية بكل أشكالها.

الثالثة: العمل على تصنيف حزب الله كمنظمة إجرامية عابرة للحدود والذي أطلق بخبر عابر حول طرح مكافئة 10ملايين دولار لكل من يدلي بمعلومات حول أساليب وطرق تمويل حزب الله  كبداية لتلفيق أتهام مبني على شهود وإفادات مفبركة.

هذه الخطوات الثلاث هي بمثابة تكتيك بالغ الأهمية لقطع الطريق أمام موسكو في أي محاولة لها للدخول إلى لبنان أو إيقاف المشاريع الإسرائيلية نحو أوروبا، سواء بشكل مباشر أو بالوكالة.

]]>
النشواتي لسبوتنك: المواجهة الأمريكية الصينية تعيد صياغة الاستراتيجية الدولية للبيت الأبيض https://casrlb.com/?p=957 Mon, 20 May 2019 14:14:02 +0000 http://casrlb.com/?p=957

تدور حرب أمريكية سياسية دبلوماسية واقتصادية مع مجموعة من الدول الكبرى وفي مقدمتها روسيا والصين.

محور حديثنا اليوم عن الحرب التجارية الأمريكية الصينية، وإصرار واشنطن على مهاجمة الصين وكبح صعودها، لتعود من جديد وتحاول للحد من التمدد الروسي على الساحة العالمية لأن الولايات المتحدة تعي تماماً أنها غير قادرة على مواجهة قوتين عظميتين كروسيا والصين في آن واحد.

حول هذا الموضوع كان لبرنامج “ماوراء الحدث” حوار خاص مع  مدير”مركز الدراسات والأبحاث الإنتروستراتيجية” في بيروت الأستاذ صلاح النشواتي.

سبوتنيك: أستاذ صلاح أهلاً ومرحباً بكم

صلاح النشواتي: أهلاً ومرحباً بكم و”بسبوتنيك”

سبوتنيك: ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من الصين؟ ولماذا كل هذه المواجهة مع بكين رغم أن بكين وليدة قواعد اللعبة الأمريكية الاقتصادية الدولية؟

النشواتي: مشكلة البيت الأبيض مع الصين ليس موضوع النمو الاقتصادي المستمر منذ 40 عاماً تقريباً، إنما مشاريع التنمية المستدامة التي أطلقتها الصين على مستوى استراتيجي، هذه المشاريع تستطيع تطويع الأموال والمبالغ المهولة التي تنتج من النمو المستمر، وتحويلها إلى مشاريع توسعية كبرى، فطريق الحرير ليس المشكلة المباشرة، على سبيل المثال للولايات المتحدة الأمريكية، بل النتائج التي ستترتب على نجاحه، حيث ستستطيع الصين حرفياً أن تصبح بنك العالم الجديد، أي أن المشكلة الأولى لواشنطن مع الصين هي في قدرة الصين على نزع سلاح العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأبد، أي تدمير الهيمنة الأمريكية وأحد أهم وسائلها بالكامل، مقابل سيطرة بكين على النظام الدولي بشكله الحالي أحادي القطبية بعد إزاحة واشنطن منه. أما المشكلة الثانية : فتكمن في نموذج الصين الشيوعي الرأسمالي والذي ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً خطيراً لنظامها الليبرالي، وتسعى إلى تصوير النظام الصيني على أنه نظام مشوه أو مسخ، وهو لاينتمي إلى الحضارة الغربية، ويجب الوقوف بوجه هذه النماذج من الأنظمة التي تستطيع الإستفادة من القواعد الرأسمالية لتجميع الأرباح والأموال، وفي ذات الوقت تستطيع السيطرة عليها والتحكم بحركتها وإتجاه تدفقها بالقرار السيادي للقيادة الصينية، والذي أدى بدوره إلى نشوء نوع جديد من الإستراتيجيات الدولية وهي الاستراتيجية الاقتصادية الدولية، كنتيجة طبيعية لشكل النظام الصيني، والذي يستطيع التحكم برؤوس الأموال وتوجهها، وهي خاصية لايسمح في الرؤية الأمبريالية للعالم أن تملكها إلا الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي لا تعلم واشنطن بعد كيفكة مواجهتها بالطريقة الفعالة. أي أن البيت الأبيض يخوض مواجهة جديدة لايعرف عنها شيئاً من قبل ويحاول حسم هذه المواجهة بالحرب التجارية وبوسائل أخرى أشد خطورة.

سبوتنيك: أنت تتحدث عن مواجهة تشكل أحد مظاهرها الحرب التجارية ما هي المظاهر الأخرى؟ يعني لو تعطينا صورة متكاملة عن كيفية وطبيعة هذه المواجهة؟

النشواتي: بالتأكيد، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية الصين بثلاث طرق، الأولى هي الحرب التجارية والتي تسعى واشنطن من خلالها إلى تعديل الميزان التجاري بينهما بالقوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أي ليس فقط الحد من حرية تدفق السلع الصينية إلى الأسواق الأمريكية من خلال فرض الرسوم والضرائب، بل أيضاً تحويل هذا التدفق لمصدر دخل بالنسبة للحكومة الأمريكية لتمويل نشاطاتها فيما بعد ضد الصين نفسها وضد الخصوم الآخرين للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا النوع من الحروب خطير جداً وبالغ القسوة والتأثير، حتى أنه يفوق بتأثيره الحروب العسكرية، إنظر مثلاً إلى تأثير توقيع واحد من ترامب بفرض رسوم تبلغ 200 مليار دولار، هذه الرسوم تعادل نصف كلفة إعادة إعمار سوريا التي دخلت بحرب مدمرة منذ مدة أصبحت تقارب العقد من الزمن، وهي خسائر يتكبدها فعلياً الطرف الآخر، وبنفس الشاكلة توقيع الحكومة الصينية لفرض رسوم تبلغ 60 مليار دولار على البضائع الأمريكية.

بالرغم من الفائض في الميزان التجاري لصالح الصين بفارق كبير، إلا أن هذا الفارق يتحول إلى سلاح بيد واشنطن في الحروب التجارية، ومع ذلك الربح في هذه الحرب ليس بهذه السهولة، فعلى الولايات الأمريكية أن تبدأ بالإعتياد على غياب الخدمات الصينية الأساسية، كبدء الصين بالتوقف عن إستيراد القمامة من أمريكا لتدويرها، وأيضاً غياب السلع الرخيصة والتي تعطي قيمة مضافة لدخل الفرد الأمريكي وما لذلك من تبعات على دورة الإنتاج والإستهلاك في الإقتصاد الأمريكي، لذلك لايمكن أن تستمر هذه الحرب التجارية طويلاً، أو أن تأخذ أشكالاً تصعيدية بشكل أكبر (كإستخدام السندات الحكومية التي تملكها بكين ضد أمريكا والتي تبلغ 1.1تريليون دولار)، كون إقتصاد البلدين مرتبطين ببعضهما البعض، بحيث أي عملية تصعيد خطيرة في هذه الحرب ستهدد كلا الطرفين، يعني بالمحصلة هي ليست أكثر من أداة للضغط نحو التفاوض، ولكسب الوقت نحو تطبيق طرق أخرى يمكن أن تحتمل التصيعد في المواجهة دون الإضرار الكلي بالفاعل.

أما الطريقة الثانية: فتكمن في إفتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين، ومحاولة إفقاد الصين السيطرة والنفوذ على المجال الجيوسياسي المحيط بها، لإعاقة المشاريع الإستراتيجية الصينية البحرية والبرية، وقد بدأت هذه العملية منذ إفتعال أزمة الجزر المتنازع عليها مع الفلبين وقرار المحكمة الدائمة للتحكيم لصالح الفلبين، إلا أن ذلك لم يؤتي النتائج المطلوبة بسبب جنوح الرئيس الفلبيني نحو التحالف مع موسكو وتعزيز العلاقة معها، بينما تستمر واشنطن في ذات النهج من مينمار و توقيت تعويم قضية الروهينغا المسلمة التي تقطن الساحل المطل على خليج البنغال وهو الساحل التي تقوم فيه اليوم كل من القوات البحرية الأمريكية والفرنسية واليابانية والأسترالية بمنوارات عسكرية، إلى رفع درجة التوتر الهندي-الباكستاني حيث شهدنا مؤخراً حوادث خطيرة في هذا الشأن، وصولاً إلى إستخدام ملف حقوق الإنسان لإستهداف إقليم “شينغيانغ” ذي الأغلبية المسلمة والذي يعتبر الركيزة الجيوستراتيجية للمشاريع الصينية وصلة الوصل مع آسيا.

بالمحصلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية طريقة لرفع التوتر والتصعيد والتي بدورها ترفع كلف المشاريع الإقتصادية وكلف التأمين عليها، وتجعل من الدخول بتحالفات عضوية مع الصين كدولة مركز جديد أمر محفوف بالمخاطر والتهديدات.

الطريقة الثالثة: تكمن في سعي واشنطن لتسليح البيئة خدمة لمصالحها، فانسحاب دونالد ترامب من اتفاقية المناخ لم يكن أكثر من وسيلة لمواجهة الصين، فمن جهة يقوم بتوفير إستهلاك النفط لصالح الفحم الحجري الموجود بكثرة في أمريكا لتحقيق مكاسب إقتصادية أكبر، ومن جهة أخرى تعود أمريكا لتضغط على النظام البيئي للكوكب بشكل كامل، ما سيدفع المجتمع الدولي والدول المسؤولة عن الإنبعاثات الكربونية إلى الضغط على بعضها البعض للخفض السريع من ضخ الكربون في الجو، وسيتناسب هذا الضغط بالضرورة مع حجم أسواق الطاقة ونموها في العالم، وبما أن الصين هي أكبر هذه الأسواق فهي المعني الأول بهذا الضغط الناجم الذي يترجم بأعباء جديدة على الإقتصاد الصيني يعيق النمو ويؤثر بها، إضافة إلى أن الصين تعاني بالأساس من مشاكل نضوب الموارد المتجددة في بيئتها المحيطة وتسعى تعويض هذا الضغط على مواردها بالتوسع الجيوسياسي، وهو الأمر المتعذر القيام به في حال الإستمرار الأمريكي بمحاولة إفتعال وإدارة الأزمات الجيوسياسية ضد الصين.

هذه المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد الصين للتمسك الأمريكي بالسطيرة على العالم، تثبت أن الإدارة الأمريكية تجاوزت شعار أمريكا أولاً إلى شعار الأحادية الأمريكية أو تدمير الكوكب والبشرية.

سبوتنيك: ألا يمكن للتحالف الصيني الروسي في هذه الحالة أن يزيل الضغوط على بكين في المواجهة الأمريكية سواء في الحد من قدرة واشنطن على افتعال الأزمات الجيوسياسية أو من خلال الغاز الروسي لمواجهة آثار استخدام البيئة كسلاح ضاغط على النمو الإقتصادي الصيني من قبل الإدارة الأمريكية؟

النشواتي:  كلام صحيح ولا غبار عليه، ومن هذه البوابة بالتحديد سعت بكين لتطوير علاقتها مع موسكو والإنتقال حتى إلى طور الشراكة الإستراتيجية، ومد أنابيب الطاقة والغاز كبديل صديق للبيئة، خاصة أن موسكو تعاني أيضاً من مشكلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية مع واشنطن أيضاً، وتسعى نحو عالم متعدد الأقطاب، أي ثلاث قوى كبرى تسعى لأن تحقق أهدافها وطموحها، وبكين تعي تماماً إمكانية جذب موسكو لبناء تحالف إثنان ضد الثالث، ولكن المشكلة تكمن في الرؤية الروسية لعالم متعدد الأقطاب والرؤية الصينية بإستبدال الدور الأمريكي الأحادي بقيادة النظام الدولي بالدور الصيني.

ما سبق يعني أن موسكو في النهاية ترى كل من الرؤية الأمريكية والرؤية الصينية خطراً مستقبلياً على رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة حدة وشدة الإستقطاب الدولي نحو تغيير الإصطفافات والتحالفات غير المستقرة.

سبوتنيك: أفهم من حديثك أستاذ صلاح أن تحالف بكين موسكو ليس تحالفاً مستقراً؟

النشواتي: حتى أنني ما كنت لأسميه تحالفاً في ظل هذه الظروف بكل صراحة أكثر من ما أسميه تعاوناً وثيقاً لبناء تحالف، فالضغط المطبق من الصين على الولايات المتحدة الأمريكية سواء في الحرب التجارية أم في التحالف مع موسكو، جعل من الإدارة الأمريكية تعيد التفكير ملياً بالصيغة التي يجب عليها إتباعها، وسرعان ماوجدت نفسها تفاضل حتى على الإستراتيجية الأمريكية العامة أي إستراتيجيتهم الدولية، فلا مجال لمواجهة كل من موسكو وبكين معاً، بالتالي لابد من المفاضلة بينهما ودراسة أي دولة يجب أن يتم تدميرها والسيطرة عليها أولاً، وأي دولة ممكن تحمل الأضرار الناجمة عن التحالف معها بشكل أطول من الأخرى لتكون شريكة مؤقتة للمرحلة القادمة.

سبوتنيك: هذا يعني أنك تعتقد بأن البيت الأبيض قد أخضع الاستراتيجية الأمريكية لتعديلات غير معلنة؟

النشواتي: بالضبط هذا ما أتكلم عنه، هذه التعديلات جعلت من الإدارة الأمريكية تعمل بنصيحة كسينجر بالتحالف مع موسكو ضد بكين، على شاكلة التحالف مع السوفييت ضد النازية ومن ثم الإنقلاب عليهم، أو على شاكلة التحالف مع الصينين فيما بعد ضد السوفييت في عهد الرئيس نيكسون والآن تنقلب أمريكا على الصينيين أيضاً.

وتطبيق التحالف العملي مع موسكو ضد بكين يكمن في تحييد دور موسكو بالتصدي للجهود الأمريكية في افتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين الحيوي أو في مناطق نفوذها كفنزويلا مثلاً، والذي سبب التدخل الروسي بعرقلة مشروع البيت الأبيض وتعقد الأوضاع فيها، حتى يتسنى لواشنطن تطويق الصين بشكل جدي وتفكيك مشاريعها وبناها الإستراتيجية الحالية أو المستقبلية منها.

طبعاً مجرد تعديل الإستراتيجية الأمريكية العامة بهذا الشكل وقبل حتى إنتهاء الولاية الأولى لترامب يعني أن الإدارة الأمريكية تعاني وتتألم وبشكل كبير، ويعني أيضاً أن ذات الإدارة قد إصطدمت بواقع أنها لم تعد تستطيع تطويع ومعاداة الجميع بل هي بحاجة للدبلوماسية والسياسة من جديد بعد أن جسّد وصول ترامب بأسلوبه الشعبوي للسلطة قمة الغطرسة الأمريكية والتخلي عن اللياقة والدبلوماسية والعمل السياسي الحقيقي.

والصادم في الأمر أن مسار ترامب من الناحية الإستراتيجية بدأ يتشابه من حيث الشكل مع مسار سلفه أوباما والذي أدى فشل استراتيجيته وتعديلها إلى التراجع التي تعيشه أمريكا اليوم، بالمجمل هذا يرشح أن يكون هناك فشل جديد للولايات المتحدة وذي وقع أشد تأثيراً من فشل أوباما، ولكن الدور الرئيس ومفتاح فشل أو نجاح واشنطن يكمن في موسكو وإدارتها لتحالفاتها بالشكل الصحيح والواعي بعيداً عن تكرار أخطاء الماضي.

سبوتنيك: يبدو أننا أستاذ صلاح بحاجة إلى المزيد من اللقاءات حتى نوضح أثر هذه التعديلات ليس فقط على المواجهة مع الصين بل على باقي الأجندات والأزمات الجيوسياسية في العالم.

النشواتي: نعم بالتأكيد

سبوتنيك: أستاذ صلاح شكراً جزيلاً لكم على هذا الحوار القيّم والمثير ونتمنى أن نتابع في لقاءات قادمة تفاصيل أكثر

النشواتي: نعم بكل سرور، شكراً جزيلاً لكم ولوكالة “سبوتنيك” التي تحاول كشف الحقائق والتعّمق فيما يجري حول العالم.

سبوتنيك: أهلاً بكم وعلى الرحب والسعة.

أجرى الحوار: نواف إبراهيم 

]]>