فلسطين – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Sat, 01 Jun 2019 14:08:46 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 القدس أحجية التاريخ ولغز المستقبل!! https://casrlb.com/?p=999 Sat, 01 Jun 2019 14:08:46 +0000 http://casrlb.com/?p=999 مازن بكري

تعاقبت الصفقات على القدس “مدينة السلام” منذ أن أبصرت النور قبل 5000 عامًا، حيث بناها الكنعانيون وأعطوها اسمها نسبة إلى سالم أو شالم “إله السلام”، وتعرّضت للهدم وأعيد بناؤها ثمانية عشر مرة في التاريخ، ولفظت إحتلال العبرانيين، الفارسيين، السلوقيين، الرومانيين والإفرنج، وكذلك العثمانيين والبريطانيين، إلى أن جاء وعد “جيمس آرثر بلفور” (1907)، وقامت المنظمات الصهيونية المسلحة في عام 1948 باحتلال الجزء الغربي منها، وفي عام 1967 تم احتلال جزئها الشرقي، وأقر الكنيست الإسرائيلي ضمّ شطريها، وأعلنها عاصمة للكيان الإسرايلي عام 1980. وقد تعرّضت القدس إلى العديد من الإجراءات العنصرية تراوحت بين هدم أحياء بكاملها مثل حي المغاربة، ومصادرة الأراضي لإقامة المستعمرات، وقد صادرت ما يزيد على 23 ألف دونم من مجموع مساحة القدس الشرقية البالغة 70 ألف دونم منذ عام 1967، وأقيم عليها 35 ألف وحدة سكنية للإسرائيلين، ومازال الكيان مستمرًا في مصادرة الأراضي حتى يومنا هذا.

ومؤخرًا جاء وعد ترامب (2017) الذي اعترف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، بعد أن عارضت الولايات المتحدة الأمريكية إعلانها عام 1948 وكذلك عارضت خطة الأردن لإعلانها عاصمة ثانية عام 1950، وأيضًا عارضت ضم القدس الشرقية إلى الكيان بعد حرب 1967. أصدر الكونغرس عام 1995 قانون سفارة القدس الذي يعترف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل بعد أن أعلنت مرارًا إبقاءها لمستقبل التسوية والتفاوض. ولكن تبقى صفقة القرن الذي أعدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأكثر تهديدًا للسلام ومدينته منذ نشأتها.

تُعتبر القدس بهويّتها الدينية أحد أبرز الأماكن التي تجمع الأديان الابراهيمية، وتضمّ الأماكن الأكثر قداسة بالنسبة إليها، ففيها حائط المبكى الذي يعتبره اليهود مقدسًا  ويعتقدون أنّ حجارته أخذت من هيكل سليمان، ويكرّم المسيحيون كنيسة القبر المقدس “كنيسة القيامة” التي تقوم في المكان التقليدي لجبل الجلجلة حيث يعتقدون أنّ المسيح صلب عليه، وكذلك المسجد الأقصى أولى القبلتين للمسلمين وثالث الحرمين الشريفين وكذلك قبّة الصخرة.

لم تنعم مدينة القدس بالسلام الذي طبع اسمها الأول “أورسالم” بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي إلا في العهد الإسلامي، بعد أن تسلّم الخليفة “عمر بن الخطاب” مفتاحها من البطريريك “صفرنيوس” سنة 638، واستمرت بطابعها الإسلامي على مدى أربع عشر قرنًا في العهود الأموية والعباسية والعثمانية، تمتّع خلالها أبناء الدياناتين اليهودية والمسيحية بالحرية في ممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية.

مارس الإحتلال الإسرائيلي على المقدسيين كافة أنواع الظلم والاستبداد، وبدأ الإسرائيليون بأعمال الحفر في مدينة القدس وتحتها بحثًا عن تاريخهم المزعوم في ظلّ صمت عربي ودولي، ولكن يبقى الصمت الإسلامي هو الأكثر استهجانًا إزاء الدلالات الإلهية لرمزية القدس في الوعي الجمعي الإسلامي. لقد اختار الله في البداية أن تكون القدس قبلةً للمسلمين حيث كانوا يؤدّون فروض الطاعة نحوها، ليعلن بعدها النبي محمد الكعبة الشريفة قبلة ثانية ينبغي التوجّه نحوها في دلالة بالغة الأهيمة. ولكن ما هي هذه الدلالة ولماذا؟

من الواضح بالتتبع لمسار التراتبية والتدرج في مخاطبة الناس، أنّ الله إختار مدينة السلام “القدس” لكي تشهد أبرز الأحداث الدينية، وجعلها قبلة أولى ليس من باب العبثية، إنّما لرمزيتها التي تتعدى كونها مكاناً جغرافيًّا بل بوصلة رمزية تشير دائمًا إلى غائية هبوط الرسالات، ألا وهي إحلال السلام على الأرض. وبعد أن نزل الإسلام في “مكة” وجاء بالرؤية التوحيدية الواضحة التي لا لبس فيها، جعلها الله القبلة الثانية، وهنا بيت الله بل هنا بيت القصيد. والقصد الإلهي هنا هو أنّ السلام سبق التوحيد، وهذا ما لا شك فيه، وبالتالي لا يمكن للمسلم أن يكون موحدًا بتوجّهه إلى القبلة الثانية دون المرور بالقبلة الأولى التي تحمل كل معاني السلام.

إذن غابت القدس عن اهتمامات المسلمين، فحلَّ الظلام على المذاهب والفرق التي راحت تبحث عن جذورها في تعويض خسارة الأصل أي السلام، وأخذوا من منطلقاتهم التوحيدية متاريسًا لتغذية النعرات حتى بلغوا ذروة الإسلاموفوبيا. وساهم اجترار التاريخ التوحيدي بضياع تاريخ القدس، في وقت كانت سلطات الإحتلال الإسرائيلي تبحث عن أصل لها، فضاع الأصل فيما بينهم.

بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران وإعلان الإمام الخميني آخر جمعة من شهر رمضان يومًا عالميًا للقدس، إستعادت الأمة الإسلامية بعضًا من عزيمتها في العودة إلى الأصل، كذلك تضمن الإعلان أبعادًا للتقريب بين المذاهب وكانت القدس هي بوصلة الزحف الفكري والسعي الفعلي نحو السلام. إنّها قضية المسلمين ولا تخصّ طائفة أو مذهبًا معيّنًا، بل هي قضية للوحدة الإنسانية الراغبة بالسلام . هذا الإعلان جعل وجود الكيان الإسرائيلي في القدس يهدّد السلام العالمي، وبرّز عنصريته ونواياه اتجاه الأديان ومصالح شعوب المنطقة، وكشف مكرَهُ في إذكاء الفتنة بين المذاهب الإسلامية. وقد استطاع شعار الزحف نحو القدس كسر الحواجز المذهبية وإطلاق المقاومة كوحدة تعاضدية تتعالى على كلّ خلاف عقائدي وتصبّ في خدمة القدس ومصلحة الوحدة الإسلامية. وعلى أثرها انعقدت مؤتمرات الوحدة الإسلامية وتأسّست المنظمات والجمعيات الوحدوية التي شكّلت بيئة ضامنة لعدم الإنجرار خلف الفتنة.

إنّ مفهوم يوم القدس في جوهره يغدو يومًا للعدالة الإنسانية في عصر الظلم والعدوان، ويغدو يومًا للصلاح العالمي في زمن الفساد والمفسدين في الأرض، عدا عن كونه يوم انتصار المستضعفين لحقوقهم وتخليد قضيّتهم. وهو يوم الاقتدار للشعوب المقهورة إزاء قوى الاستكبار، ويوم الثورة على الباطل ونصرة الخير أمام الشرّ المعاصر. يوم القدس هو عصر تصحيح التاريخ المزوّر، وتصويب الحاضر نحو مستقبل السلام العالمي.

]]>
الشرق الأوسط تحت وطأة الصراع الثلاثي والمفتاح سورية https://casrlb.com/?p=961 Fri, 17 May 2019 14:22:49 +0000 http://casrlb.com/?p=961 الباحث مازن بكري

لا يزال الشرق الأوسط تلك الجغرافيا الملتهبة التي تتشابك فيها مصالح القوى المتجاورة وتتعارض أيضاً في كثير من الأحيان، فوجود دول فيه كانت في سابق عصرها إمبراطوريات ودولاً كبرى كلاً على حدى، جعل من الزمن الحاضر كسياق مستمر للماضي جملة معقدة من المطامح والتناقضات التي يُبنى على أساسها تحالف هنا أو مواجهة هناك، هذا بالإضافة إلى المتغيّر المربك في المنطقة وهو الكيان الإسرائيلي كلاعب جديد في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد تتصارع القوى الإقليمية في سعيها لبسط النفوذ في الشرق الأوسط، مستعينةً بكل الوسائل الممكنة من تحالفات بينية في الإقليم إلى تحالفات مع قوى كبرى خارجه، ولأنّ من يفرض سيطرته على هذه المنطقة يتحكّم بموازيين القوى على المستوى الدولي، سعت القوى الأساسية فيه (إيران – تركيا – السعودية) إلى فرض نموذجها ونظامها على كل الإقليم ضمن مسار إلغائي مسيطر يحمل في جوهره شكل ومضمون كل طرف من الأطراف، وبحكم الهوية الثقافية العامة لشعوب المنطقة والمبنية على العروبة والإسلام، اتّخذت نماذج السيطرة للقوى الأساسية ذات الصيغة، فاعتمدت الرياض مؤخراً اللعب على الانتماء العروبي، بينما اتجهت أنقرة نحو استخدام الإسلام السياسي السنّي، متمثلاً بالإخوان المسملين سبيلاً نحو التغلغل في الإقليم، وكذلك طهران بثورتها كإسلام سياسي شيعي.

إنّ الصراع بين القوى الثلاث، أي الإسلام السياسي الشيعي المتمثل بالنظام الإيراني، والإسلام السياسي السني المتمثل بالإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية، كان دائماً يحمل إصطفافاً وفصلاً سنياً شيعياً بين هذه القوى، بالإضافة إلى تباين في داخل الفصل السنّي الواحد مبني على القومية والأجندات السياسية بين السعودية وتركيا ما قبل عام 2010، بحيث تتصّدر السعودية قيادة العالم السنّي في محاولات دائمة لطيّ تركيا تحت جناح المملكة. وعلاقتهما مع الملف الفلسطيني أحد أهم الأمثلة، حيث تدعم تركيا حركة حماس وتدعم السعودية السلطة الفلسطينية للاستيلاء على كامل الملف الفلسطيني وطيّ حماس تحت جناح السلطة.

كذلك يشترك كل من جماعة الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بأجندة سياسية واحدة وهي دعم حركات الجهاد الإسلامي المسلح سواء الإرهابي منها كالقاعدة أو المقاومة كحماس. وبالرغم من شدة العداء بين هذه القوى السياسية في الشرق الأوسط وسعيها المستميت للتفّرد في السيطرة، إلا أنّ العلاقات البينية كانت تأخذ دائماً طابع “اثنين ضد الثالث”، أي التعاون الثنائي بين قوتين لمواجهة القوة الثالثة، وعلى هذه القاعدة دائماً ما كانت تحلم الجمهورية الإسلامية في إيران ببناء شراكة مع القوى الإخوانية في الشرق الأوسط لاستغلال هذه الشراكة في مواجهة السعودية، خاصة أنّ الإخوان المسلمين في نهاية المطاف نظام إسلام سياسي متطابق تماماً مع نظام الجمهورية الإيرانية من حيث الشكل والمضمون، بإستثناء الصبغة الطائفية.

وقد نجحت طهران بالفعل في بناء هذا التحالف المتين عام 2013 بعد الكثير من المحاولات، وهو تاريخ إستلام الرياض دفة إسقاط الأنظمة الإخوانية التي وصلت إلى السلطة بفعل الربيع العربي كمشروع أمريكي، والتي أعادت واشنطن الانقلاب عليه بثورات مضادة نتيجة لظهور العثمانية الجديدة وزيادة النفوذ الإيراني بدلاً من تقلصه (اليمن والحوثيين، مصر في عهد مرسي)، مما رشح السعودية والدول العربية التابعة لها لتصبح رأس الحربة ضد كلا المشروعين المتحالفين (الإسلامي الإخواني في تركيا وقطر، والثوري الإسلامي في إيران) متحالفة في سبيل ذلك مع الوكيل الأمريكي في المنطقة “الكيان الإسرائيلي”، والذي يشكّل سيطرة أيّة قوة من هذه القوى الثلاث على الشرق الأوسط مصدر قلق وجودي لمستقبل مشاريعه في المنطقة، وبالرغم من التنافس الذي لا مفرّ منه في أي مستقبل لكلّ من الكيان الإسرائيلي والمملكة السعودية إلا أنّ الدور الأمريكي، كراعي وحامي لكلَيهما، يعمل كضامن بينهما لسمتقبل كل جهة على حدى، ويسعى إلى صياغة وفرض اتفاقية السلام على هذا الأساس (صفقة القرن).

الدور السعودي الجديد الموكل من واشنطن دفع بالرياض إلى التخلّي عن جميع الحركات الإسلامية بشقّيها السياسي والجهادي، وهو ما سمح لإيران بإستغلال هذا الموقع الجديد بلعب دور دولي وإقليمي أكبر من المعتاد، وفي أحد أهم ساحات المواجهة (سورية)  فتحولت إلى دولة ضامنة جنباً إلى جنب مع تركيا وروسيا في أستانا نهاية عام  2016، بعد أن دعمت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب بالشراكة مع موسكو، كما استثمرت هذا التحالف لتحقيق غايات أوسع وأبعد من زيادة الدور الإقليمي والدولي، وذلك في مواجهة السعودية والكيان الإسرائيلي بطموحات وقدرات إيرانية تركية مشتركة، فقامت بفك الحصار الذي فرض على قطر مطلع حزيران 2017 بصفتها داعمة للإخوان المسلمين، وهو الحصار الذي كان مستحيلاً على الدوحة تحمّله لولا تدخل إيران الذي أسعف النظام الأميري في قطر، وعطّل مخطط إستهداف رئة الإخوان المسلمين، وزادت في مستوى دعم حركة حماس كذراع إخواني في مواجهة الكيان الإسرائيلي، وبالمقابل رفض تركي للالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران.

ومن جهة أخرى عملت كل من تركيا وإيران من خلال منصّة أستانا التي أحدثتها روسيا على إخراج الفصائل التابعة للسعودية من الملف السوري وذلك باستهدافها في محيط دمشق وفي الجنوب السوري من قبل الجيش السوري، بالتزامن مع انسحاب الفصائل التركية إلى الشمال بدون قتال، وخلخلة صفوف الفصائل السعودية في اتفاق استخباراتي عكسري إيراني تركي روسي مسبق.

ولا تزال إلى اليوم تشتد وطأة هذه المواجهة ضمن الساحة السورية في اصطفافاتها الإقليمية الجديدة إيران تركيا قطر من جهة، والسعودية والدول العربية التابعة لها مع الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، في حين تكمن المساعي الروسية لإعادة سورية إلى كنف المملكة العربية السعودية، وهو ما يتعارض مع موقف الحكومة السوري من التحالف الإيراني الذي بدوره يتعارض مع تحالف إيران مع الإخوان المسلمين كجماعة محظورة في سورية…!!

هذه المواجهات في الشرق الأوسط  تجعل كلاً من سورية والعراق أهمية كبيرة لكل الأطراف الثلاث، وبالأخصّ سورية ومستقبلها كدولة ولجهة اصطفافها ضمن هذا الصراع. وكل هذا يثير العديد من الأسئلة الجديّة حول الحكومة السورية وسياستها الخارجية، فهل مثلاً ترى نفسها مع تحالف الإسلام السياسي متمثلاً بإيران، وفي هذه الحالة عليها أن تقبل بتحالف حليفها مع ألد أعدائها وهم الأخوان المسملين وهم أيضاً يسيطرون على كل الشمال السوري ويسعون للسيطرة على شرقه؟ أم ترى الحكومة السورية نفسها ضمن مبادئها البعثية والعروبية ضمن البيئة العربية في كنف المملكة السعودية والتي تشترط أن تكون بعيدة عن إيران أو على الأقل أن لا تصطفّ معها في أيّة مواجهة بين طهران والرياض أو طهران والكيان الإسرائيلي؟

يبدو أنّ كلا الخيارين غير منطقي للقيادة السورية، فلا استمرارها مع إيران وقوى الإسلام السياسي سيحلّ مشكلة العداء الدائم للمملكة وللإخوان ولا سيحلّ مشكلة الحصار والعقوبات واليأس من أيّة عملية إعمار، وفي ذات الوقت العودة إلى الحضن السعودي يعني الارتماء لقرارات الرياض وإسرائيل والاعتراف غير المباشر بشرعية استيلاء الكيان الإسرائيلي على الجولان والدخول في مواجهة أشدّ شراسة مع الأخوان المتغلغلين في الداخل وتركيا الإخوانية التي تحتلّ شمال البلاد!!!

فهل يلعب الرئيس السوري دور بيضة القبّان أم ستستمر المماطلة ريثما تقع كارثة تمزيق سورية إلى مناطق نفوذ دائمة وإخراجها من دورها الجوسياسي؟ القادم من الأيام سيكشف الكثير من القرارات والخيارات في ما يتعلق بمستقبل المواجهات الشرق أوسطية!!!!

 

]]>