سورية – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Thu, 10 Oct 2019 17:04:19 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 تقدير موقف: الكيان الإسرائيلي من استراتيجية التفوق الثقيل إلى استراتيجية المقاومة الصهيونية. https://casrlb.com/?p=1253 Sun, 25 Aug 2019 10:50:24 +0000 http://casrlb.com/?p=1253  

شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارات ليلية على قواعد تابعة لإيران داخل الأراضي السورية في 24/08/2019، تلاها استهداف للمركز الإعلامي لحزب الله اللبناني في بيروت من قبل طائرة مسيّرة مفخخة، وقد سبق هاتين الحادثتين عدة غارات على مخازن ومستودعات السلاح للحشد الشعبي وحزب الله العراقي المتحالف مع إيران قبل عدة أيام.

في هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية النشاط العسكري الأخير للاحتلال الإسرائيلي بإعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية في المواجهة مع إيران، عبر التحوّل نحو استراتيجية عسكرية جديدة تقوم على خفض تكاليف العمليات الإسرائيلية، وتوسيع مساحة الاستهداف الاستباقي، ورفع تكاليف الهجوم المضاد للعدو.

وقد انطلق هذا التغيير في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية من تحوّل جوهري في مفهوم العمل العسكري بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، يعمل على نسخ أساليب وتجارب المقاومة الإسلامية المتحالفة مع إيران، والتي نجحت نجاحاً باهراً في العديد من الدول (كاليمن، والعراق، وسورية، وقبلها في لبنان) ما أدّى إلى تحوّل إسرائيل من الحرص على الحفاظ على التوازن الاستراتيجي لصالحها، إلى العمل على كسر توازن الرعب بينها وبين إيران وحركات المقاومة، الأمر الذي سيسمح لإسرائيل بهامش جديد من العمل العسكري ذو الاتجاه الواحد، وذلك بالتخلي عن الأساليب التقليدية للعمليات العسكرية الإسرائيلية كغارات طائرات (F-16)، لصالح تطوير أسلحة جديدة (دفاعية وهجومية)، تحقق هدفين أساسيين:

الأول: محاصرة النشاط الإيراني في الشرق الأوسط:

وذلك عبر استهداف قواعد قوات الحرس الثوري والقوات المتحالفة مع إيران في أيّة دولة تتواجد بها، وقد قامت الحكومة الإسرائيلية العام الماضي بتطوير راجمة جديدة للصواريخ تمكنّها من إطلاق الدرونات المفخخة الجديدة (منظومة هاربي)، الأمر الذي يسمح بضرب أهداف على مسافات أكبر وبدون أيّة خسائر أو مخاطر تُذكر، لتصبح الدرونات المفخخة هي السلاح المعتمد لأيّة غارة خلف خطوط العدو، مقابل تحول الطيران التقليدي لسلاح خاص بالحروب الشاملة واحتواء التصعيد.

الثاني: الحماية والردع الداخليين:

وقد طورت إسرائيل في سبيل ذلك منظومتَي دفاع، الأولى منظومة حيتس-3 للتصدي للصواريخ البالستية بعيدة المدى، والتي من الممكن أن تأتي من سورية أو من إيران، والثانية هي منظومة “القبضة الحديدية” المقاومة للصواريخ المضادة للدروع، ما يمكّن الاحتلال الإسرائيلي من رفع مخاطر وتكاليف أي هجوم شامل على الداخل الإسرائيلي، سواءً من البرّ كهجوم من حزب الله، أو عبر الصواريخ الثقيلة من إيران.

هذه الاستراتيجية العسكرية الجديدة، ستعمل على استنزاف الاقتصاد الإيراني بالشراكة مع الحصار الأمريكي، بحيث تركّز إسرائيل على استهداف المنشآت والمستودعات التي تخضع لنفوذ الحرس الثوري الإيراني، لإجبار الأخير على تمويل النقص من عائد القطاعات الاقتصادية الكبيرة التي يسيطر عليها، في محاولة إسرائيلية للاستفادة من المواجهة الأمريكية-الإيرانية لكسر توازن الرعب من جهة، ومن جهة أخرى تحجيم هيبة القوات الإيرانية أمام باقي الدول، لضمّ الدول المترددة في الدخول مع التحالف الأمريكي ضد طهران.

 

الآثار المترتبة على الغارات الإسرائيلية الجديدة:

سيسبّب نجاح الاعتداءات الأخيرة على كل من العراق وسورية برفع شعبية رئيس الحكومة الإسرائيلية في الداخل الإسرائيلي، خاصة بعد الإعلان الأخير للحكومة الإسرائيلية بأنّ الغارة على سورية كانت لمنع إيران من استهداف الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي سيسمح لنتنياهو بالتفوق على الانشقاقات التي يواجهها في داخل اليمين المتطرف الإسرائيلي.

سيسبّب استمرار هذه العمليات مزيداً من الضغط المعنوي والعسكري على القوات المتحالفة مع إيران، وعلى الرأي العام المؤيد لطهران، وسيحدّ من قدرة طهران على توسيع تحالفاتها العسكرية، إضافة إلى الضغط الناجم عن العمليات على الوضع السياسي والاقتصادي للدول حليفة إيران كسورية والعراق.

]]>
تقدير موقف: معركة إدلب من منظور الأجندة التركية(توصيف-وتوصيات). https://casrlb.com/?p=1249 Thu, 15 Aug 2019 11:27:40 +0000 http://casrlb.com/?p=1249 انتهت الجولة الثالثة عشر من محادثات أستانا في 02/08/2019 باتفاق على محاربة الإرهاب، وتطبيق اتفاق سوتشي 17/9/2018 المنبثق عن قمة أردوغان-بوتين، والقاضي بتحديد منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20كم، إضافة إلى تشكيل اللجنة الدستورية في سورية وتأجيل إعلانها إلى حين عودة المبعوث الأممي إلى سورية “غير بيدرسن”، هذه التفاهمات الثلاثية بين كل من تركيا وروسيا وإيران دفعت إلى إطلاق سورية وروسيا عملية عسكرية تهدف إلى تطبيق الاتفاق، واقتحام جنوب إدلب لخلق طوق يمتد من بلدة الهبيط إلى تل سكيك، ويحصر معه المجموعات المسلحة جنوب الطوق (شمال حماه)، بالتزامن مع محاولة السيطرة على ريف اللاذقية الشمالية لتوسيع مساحة السيطرة وإبعاد النار عن القاعدة الروسية “قاعدة حميميم”.

وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية وجود هدف تركي غير معلن تسعى أنقرة لتطبيقه استناداً إلى جهود الجيشين الروسي والسوري، يتلخّص في تنقية الوجود المسلح في إدلب من العناصر الأجنبية ومن تنظيم النصرة، وتحويل منطقة شمال حماه إلى مشكلة سورية روسية، بعد أن كانت مشكلة تركية تمنعها من مواصلة أجندتها في الشمال السوري وفي آسيا الوسطى.

تسعى أنقرة إلى ضمّ إدلب لمنطقة غصن الزيتون ودرع الفرات ومن ثم دمجها مع العملية التركية (المنطقة الآمنة) شرق سورية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بدون حل معضلة وجود جبهة النصرة، وانتشار الفصائل المصنفة إرهابية على كامل مساحة محافظة إدلب السورية، وقد أعلنت بعض التقارير المسربة في 24/07/2019 عزم تركيا توكيل نائب والي هاطاي (لواء اسكندرون سابقاً) بمهمة إدارة محافظة إدلب بالتنسيق مع ما يسمى “الحكومة السورية المؤقتة”، على أن يتولى ما يسمى “الجيش الوطني” مهمة حماية المنطقة، كخطوة لاحقة بعد تنقيته من النصرة والفصائل الإرهابية، ليصبح محط اعتراف وحماية دولية وإقليمية، ونواة للتأثير على مخرجات عملية الحل السياسي في سورية.

 

الأجندة التركية السابقة تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف على عدة مستويات

المستوى الداخلي:

يسعى حزب العدالة والتنمية إلى نزع نقاط القوة من يد المعارضة في الداخل، والتي يمثل ملف اللجوء السوري أهمها، وذلك بحقن اللاجئين السوريين في المناطق التي تخضع للسيطرة والإدراة التركية داخل سورية.

المستوى الإقليمي:

أولاً: تسعى أنقرة إلى خلق منطقة عازلة على طول الحدود السورية التركية، تمنع حزب العمال الكردستاني من استخدام الجغرافية السورية كمنطقة آمنة لعملياته ضد تركيا وتنهي تهديده على الأمن القومي التركي، تمهيداً لضم المنطقة إلى تركيا باستفتاء، مستفيدة من السابقة الروسية باستفتاء القرم وإعادتها إلى الدولة الروسية، ومن اعتراف الحكومة السورية بالمناطق التي تعاني من ذات الإشكالية وفتح علاقات دبلوماسية معها (أوسيتيا-أبخازيا-القرم).

ثانياً: تهدف أنقرة إلى إطلاق عملية إعمار غير مركزية في سورية، بحيث يستمر الحصار على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، كأداة (تركية-أمريكية) لتوجيه مسار العملية السياسية، من خلال النهوض بالمنطقة الشمالية الغربية والشرقية في سورية، والموضح في تقدير سابق للمركز بعنوان: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها ).

.

 

المستوى الدولي:

تهدف أنقرة إلى خلق مواءمة أمنية مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تستطيع استكمال دورها التوافقي وتطبيق مشاريعها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، حيث عدّلت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها الأمنية لتؤدي بجزء منها إلى التخلي عن دعم المنظمات الإرهابية وتوجيهها من الخلف، نحو تعزيز أكبر إشكالية أمنية في آسيا، وهي انتشار الجماعات الإرهابية، وبدأت واشنطن بموجب ذلك العمل على تخفيض دورها الداعم للأمن والاستقرار في آسيا الوسطى، مانعةً خصوم واشنطن من تجيير الفائدة الأمنية نحو تطوير اقتصادياتها ومنظوماتها العسكرية، وشرعت في سبيل ذلك للتفاوض مع طالبان لسحب القوات الأمريكي وزيادة الوجود الاستخباراتي الامريكي في آن معاً، ونقل ثقلها إلى جزيرة سريلانكا جنوبي الهند، والموضح في ملف منشور على وكالة سبوتنك 13/07/2019، وعلى موقع المركز تحت عنوان (إجراءات واشنطن في الملفين (الأفغاني والسريلانكي) تعديل في الاستراتيجية الأمريكية يستهدف الأمن الآسيوي)، في حين أن السياسات الأمنية الروسية حافظت على ثباتها النسبي منذ مشاركتها في الحرب الدائرة في سورية لصالح الحكومة السورية، والتي تركز بشكل كبير على تدمير كل أشكال التنظيمات الإرهابية، درءً لمخاطر انتقالها للعمل في الداخل الروسي.

وانطلاقاً من السياسات الأمنية لكلّ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، سعت تركيا إلى التنازل عن المجموعات الإرهابية في إدلب، بدون تشويه سمعتها الدولية كدولة راعية لمصالح المسلمين حول العالم، وذلك بالزجّ بها في معركة متفق عليها مسبقاً في اجتماع استانا 13، في خطة على مرحلتين، الأولى تهدف إلى ترحيل الإرهابيين إلى شمال حماة بذريعة المعركة، بالتزامن مع إغلاق الطوق السوري الروسي جنوب إدلب، لتحقق بذلك هدف أساسي لها بإرضاء موسكو، بخطة تركية أشبه بتلك التي نُفّذت في محيط العاصمة دمشق، والتي قامت على تخابر الفصائل التركية في ريف دمشق ضد الفصائل السعودية، ومن ثم تنسيق انسحاب الفصائل إلى الشمال السورية، إلا أنها معاسكة تماماً، وذلك بترحيل الفصائل الإرهابية إلى الداخل السوري، وعمل كل من سورية وروسيا على ضمان عدم عودة تلك الفصائل من خلال الطوق الذي يسعى الجيشين لاستكماله، في عملية أشبه بابتلاع السم المركز، بغض النظر عن الاستنزاف المستمر للقوات السورية خلال العمليات العسكرية، خاصة عندما تصل القوات لمحاولة اقتحام مدينة خان شيخون. أما المرحلة الثانية من الخطة التركية، فهي المرحلة التي درست بعناية مع واشنطن، حيث ستتوجه القوات السورية والإيرانية والروسية للقضاء على الفصائل الإرهابية شمال حماه، والتي ستؤدي إلى تشظي الجسم الإرهابي إلى خلايا صغيرة ستسعى إلى الانتشار في أكبر مساحة ممكنة في المناطق المحيطة، وستتحول المشاركة الإيرانية في تلك المعركة إلى وسيلة إلهاء واستنزاف، بالتزامن مع عزل المجموعات الشيعية الموالية لإيران في كشمير وإدخالها في صدام مع فروع المجموعات الإرهابية في تلك المنطقة كرد انتقامي (سيتم توضيح هذا الملف في تقدير خاص لاحقاً)، وتضع روسيا في موقع المستهدف الأول في آسيا الوسطى من قبل المجموعات الإرهابية التي تسعى واشنطن لإطلاقها كما وضحنا سابقاً.

 

  • من هنا يوصي مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية بعدم إغلاق الطوق بشكل كامل على ريف حماه الشمالي، وعدم اقتحام مدينة خان شيخون، وتوجيه الطوق نحو شمال المدينة، مع إبقاء مخرج غير واسع، بالتزامن مع إطلاق عملية ضاغطة من جنوب الجبهة، تؤمّن عملية حقن معاكسة للمجموعات الإرهابية إلى داخل إدلب، وتدمّر بذلك المشروع الإدراي التركي لإدلب، وتُدخل جميع الفصائل في اقتتال شديد، وتُفشل الأهداف التركية الأمريكية سابقة الذكر. وننوّه أنّ أنقرة قد شرعت سابقاً ببناء جدار حول مدينة عفرين في احتياط مسبق لهذا السيناريو، والذي بالإمكان أيضاً إحباطه بمجموعة لاحقة من الخطوات تحتاج إلى دراسة وتوصيات خاصة.
]]>
معضلة المعادلة الأمنية للشرق الأوسط تُرتّب اصطفافات جديدة للإمارات وسورية https://casrlb.com/?p=1227 Thu, 01 Aug 2019 10:40:47 +0000 http://casrlb.com/?p=1227 صلاح النشواتي – المدير العام

لا يزال جوهر الصراع في الشرق الأوسط يصبّ مزيداً من الزيت فوق الملفات الملتهبة في المنطقة، تاركاً دولها، والدول الخارجية التي تلعب أدواراً في هذه الملفات، في سباق وصراع مستمر نحو إعادة ترتيب الأهمية الجيوسياسية لدول المنطقة، بما يخدم مصلحة كل طرف مشارك ورؤيته الخاصة لمستقبل المنطقة، وفي حين تتصارع دول المنطقة وأنظمتها على الحاضر، صراعاً على البقاء، تتصارع من ناحية أخرى القوى الكبرى على مستقبل هذه المنطقة، بكل الوسائل الممكنة، سعياً لجذب عائدات المنطقة المستقبلية وأرباحها باتجاه إحداها، بنسبة أكبر من الأخرى، في استثمار بالغ التكلفة، ومحفوف بالمخاطر قائم على فرض كل دولة كبرى واقعاً راهناً، يحدد اتجاه مسار المستقبل، وذلك ما يشكل جزءاً من ما يدعى “المعادلة الأمنية” للشرق الأوسط، ويحدد طبيعة مرجعيتها.

وبالرغم من الإيحاء الأمني والعسكري لمفهوم “المعادلة الأمنية”، إلا أن التوازن وفرض القوة ليس إلا شكلاً خارجياً لها، لتستند بجوهرها على ربط مصالح الدول بعضها ببعض، إلى درجة تصبح الحرب بين هذه الدول ذات كلفة كبيرة جداً، أكبر من أي عائد متوقع منها، ليصب في المحصلة عائد تفاعل هذه الدول –الصديقة وغير الصديقة- بنسبته الكبرى، في صالح الدولة المرجعية لهذه االمعادلة، بالتالي مفهوم هذه المعادلة هو مفهوم جيواقتصادي، تتخذ من المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، أدوات فعالة، تحوّل مصلحة الصديق والخصم على حد سواء، إلى سلاح فعال لإخضاعهم، وإلزامهم بالمسار المجهز مسبقاً.

وقد شهد الشرق الأوسط مؤخراً، إطلاق أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، بمبادرة من قبل حكومة الكيان الإسرائيلي، تمثلت بمشروع سكك السلام الإقليمي، كمشروع يربط كل من سلطنة عمان والإمارات بسكك تصل إلى ميناء حيفا في فلسطين المحتلة، مروراً بالأراضي السعودية، والأردنية، رابطاً بجناحه الشرقي السكك القائمة مسبقاً في كل من العراق والكويت، في مشروع أطلقه “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارة لسلطنة عمان بتاريخ 26/10/2018، على أشلاء جثة جمال الخاشقجي، كدفعة أولى من الرياض ل”جاريد كوشنر” كبير مستشاري الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، مقابل طي الملف، وإبعاد شبهة التورط عن ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، تلته زيارة وزير المواصلات الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في 04/11/2018، للإعلان عن المشروع.

هذا المشروع منح الحكومة الإسرائيلية نفوذاً كبيراً، مكنها من رفع أهميتها الجيوسياسية إلى أقصى المراتب، على حساب تحييد الأهمية الجيوسياسية لكل من سورية ولبنان، بالتالي تحجيم المستقبل الاقتصادي لكلا الدولتين، ليصبح مرور البضائع في الأراضي السورية واللبنانية للوصول إلى المتوسط، ليس أكثر من هدر للوقت والجهد والمال، إضافة إلى أن المشروع أعطى الكيان الإسرائيلي القدرة على ترجيح كفة المعادلة الأمنية للدولة الأكثر مراعاة لمصالحه، في ظل وجود ثلاث معادلات لكل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشكل مفهوم الأمن الجماعي، كمفهوم جيوبولتيكي أمني، جوهر المعادلة الروسية، ومشروع طريق الحرير الاستراتيجي الاقتصادي، المعادلة الصينية، وتشكل سياسة المحصلة الصفرية لقوى المنطقة، مع الحرص على تخفيض معدل القوة لدى الجميع، من خلال إدارة الصراع، المعادلة الأمريكية.

إلا أن رجحان المعادلة الصينية بسبب طابعها الاقتصادي النفعي البحت، وتأثير النمو الاقتصادي والأرباح على سياسات الحكومات وتوجهاتها، والإدراك المبكر لهذا التأثير من قبل الحكومة الإسرائيلية، جعل من الكيان الإسرائيلي يشرع في تطوير ميناء حيفا المحتل بالتعاقد مع الصين، ليعدل بالنتيجة  مسار طريق الحرير الصيني، ليمر من الإمارات وصولاً إلى فلسطين المحتلة، عن طريق مشروع السكك الأقليمي.

النقاط الإضافية التي حصلت عليها المعادلة الصينية، على حساب الأمريكية والروسية، دفع بكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إلى إدخال تعديلات جديدة على معادلتيهما، حيث حاولت واشنطن جذب موسكو لتحالف مؤقت، لمواجهة الصين، على شاكلة التحالف الأمريكي السوفيتي ضد النازية، إلا أن موسكو التي لا تزال تعاني من آلام ودروس الماضي، فضلت تعديل مفهومها، بدمج استراتيجي شامل بين الرؤية الروسية العامة (الأوراسية)، والرؤية الصينية، توّج بعناق حار بين رئيسي البلدين، خلال لقائهما الاستثنائي في موسكو 05/06/2019، حول الاصطفاف الدولي من ثلاثي، إلى ثنائي (موسكو وبكين في مواجهة واشنطن) بأطرافه الرئيسية الثلاث.

 

وقد ألقت المعادلة الأمنية الجديدة لروسيا والصين بظلالها على الشرق الأوسط، وسببت سلسلة من التأثيرات المباشرة على سياسات حكوماته، كان أكثرها وضوحاً، على الإمارات وسورية، حيث تراجعت الإمارات عن استراتيجية  السيطرة على المضائق والموانئ، الموجهة ضد تهميش طريق الحرير الصيني للإمارات، والتفافه عليها لصالح باكستان وموانئها، وأدى هذا التراجع بالنتيجة إلى انسحاب القوات الإماراتية من باب المندب والموانئ المطلة عليه في اليمن، وزيادة التنسيق الأمني مع طهران من أجل مضيق هرمز بوفد عسكري إماراتي زار إيران في 30/07/2019، في حين دفعت المعادلة الأمنية الجديدة الحكومة السورية إلى استقبال الرئيس السوري “بشار الأسد” لوزير الشؤون الخارجية العماني “يوسف بن علوي” بدمشق في 07/07/2019، وإطلاق سلسلة من الجولات الخارجية، لتنسيق الحيثيات الجديدة، بدأت بتلبية الدعوة الصينية، وإرسال وزير خارجيتها إلى بكين في 16/07/2018، والعمل على إزالة التوتر في العلاقة مع الأردن، بعد ادعاء الأردن بحجز مواطنين من قبل الحكومة السورية، والتحضير لزيارة وزير النقل السوري لعمّان، في مسعى واضح لدمج مشروع السكك الحديدة ” محور شمال-جنوب” التي أعلنت عنه الحكومة السورية في العام الماضي، والذي يمتد من الأردن إلى تركيا، بعقدة السكك في الأردن، والتي تنطلق منها الحكومة الإسرائيلية في مشروعها للسكك الحديدة. الأمر الذي يطرح تساؤلاً غاية في الأهمية حول هدف مشاريع الحكومة السورية، هل هو المشاركة غير المعلنة في المشروع الإسرائيلي تحت ضغط المعادلة الامنية الروسية الصينية الجديدة، أم أنها تهدف إلى المنافسة مع المشروع؟؟

بمراجعة بسيطة لخريطة المنطقة، ندرك على الفور أن المنافسة شبه مستحيلة، فطريق الحرير الصيني يركز بالدرجة الأولى على العبور الأسرع والأوفر إلى البحر المتوسط، ما يعطي الأفضلية لميناء حيفا، والمرور من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدلاً من قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى سواحل ذات البحر في سورية أو لبنان، بالتالي لا يمكن أن تستفيد الحكومة السورية أو تنافس في مشاريعها للحصول على العبور الدولي وعوائده من خلال الأراضي السورية، وبنفس الوقت ليس من مصلحة الحكومة السورية إرسال البضائع والمنتجات السورية بعيداً عن موانئها في كل هذا الطريق، أي أن مفهوم المشاركة غير وارد أيضاً، لسبب بسيط وهو انتفاء المصلحة.

 

إلا أن حقيقة المشروع تكمن في المساعي الروسية الصينية، لتحويل مشروع سكك السلام الأقليمي، لسلاح ضاغط بيد موسكو وبكين، على الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من سلاح بيد الحكومة الإسرائيلية، كمسار أساسي ووحيد، وذلك بخلق مسار جديد ضاغط على الكيان الإسرائيلي، يربط عقدة السكك في الأردن بميناء طرطوس، الذي استأجرته موسكو لخمسة عقود قادمة، ويعمل على حل مشكلة رفض التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي، كأحد مشاكل المشروع، من خلال الطريق البديل، والذي تعمل سلطنة عمان بالنيابة عن الإمارات والسعودية على تنسيقه مع الحكومة السورية، وتعمل الحكومة السورية بالمقابل من خلال الزيارات الدبلوماسية على الاستفادة من تجربة “مينسك” عاصمة بيلاروسيا، في التنسيق الاستراتيجي المشترك مع موسكو، لبناء صيغة قانونية وسياسية جديدة، تلائم المعادلة الأمنية الروسية الصينية.

هذه المتحوّلات لم تغفل عنها إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية على لإطلاق، بل جعلت واشنطن تعيد تنشيط، خلاياها النائمة في الجنوب السوري، لإطلاق مرحلة جديدة من الاضطرابات الأمنية في درعا وريفها، كممر للمشروع الجديد، بالتزامن مع تخلي واشنطن عن المجموعات المسلحة في إدلب، لخلق مواجهة كبيرة بين روسيا وسورية من جهة، وتركيا من جهة ثانية.

في النتيجة سيمتدّ تأثير هذه المتغيرات إلى أبعد من الإمارات وسورية، ليشمل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، كمحددات أساسية لتلك البيئة، وستدفع كل دول المنطقة إلى شكل جديد من الصراع، يرتكز بأساسه على الاصطفاف بين هاتين المعادلتين، والتي قد تخلق بمحصلتها، مقاربات جديدة بين دول لطالما كانت مشهورة بالعداء لبعضها البعض، وتدخل بالمقابل دول خارجية أخرى على مسار الصراع في الشرق الأوسط.

]]>
تقدير موقف: منظومة S-400 في “تركيا” خطوة نحو فرض معادلة (الشمال السوري مقابل القرم). https://casrlb.com/?p=1167 Fri, 05 Jul 2019 12:50:55 +0000 http://casrlb.com/?p=1167  

تستعد تركيا لاستلام منظومة الدفاع الجوي الروسية إس400 في النصف الأول من هذا الشهر، حيث أكد الرئيس التركي “أردوغان” وصول المنظومة إلى بلاده خلال 10 أيام، بالتزامن مع عمليات البناء الجارية لجدار تركي عازل حول مدينة عفرين في الشمال الغربي من سورية، والترتيبات العسكرية التركية داخل محافظة إدلب السورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الأهداف الاستراتيجية التركية غير المعلنة في سورية، واستخدام أنقرة لمنظومة إس400 كأداة لتحقيق هذه الأهداف.

 

استغلال تركيا للمساعي والجهود الأمريكية والروسية في سورية:

تعمل تركيا في بناء تفاهماتها الثنائية مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على حدى، على أساس النفوذ التركي في الشمال السوري، والدور الذي يلعبه الشمال كعامل عدم استقرار للأمن القومي بحسب تقدير أنقرة، وتستغل أنقرة هذه التفاهمات لبناء مسار خاص لمصالحها على حساب مصالح وأهداف كل من واشنطن وموسكو في سورية، فمن جهة تكرس أنقرة المشروع الأمريكي في شرق سورية والهادف إلى عزل سورية عن إيران، من خلال الوصول إلى شكل جديد للنظام السوري، يسمح بحكم ذاتي للأقاليم السورية، ويضمن حرية أكبر في اتخاذ القرار، والمفصل سابقاً في تقدير موقف بعنوان: (الاستئصال الجيوسياسي أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها)، وذلك بمشاركة المخاوف التركية من عودة محافظة إدلب إلى سيطرة الحكومة السورية مع الإدارة الأمريكية، وأثّر ذلك على إظهار الوجود الأمريكي في سورية كعقبة أخيرة في استقرار البلد، وعلى مستقبل الحل السياسي للأزمة السورية، وقد نالت أنقرة دعمًا أمريكيًّا سابقًا بتفاهمات ثنائية سلّمت من خلالها واشنطن غرفة عمليات إدلب إلى أنقرة، والذي قدّره المركز سابقاً تحت عنوان: (معركة إدلب ومستقبلها)، ومن جهة أخرى تستثمر تركيا في الجهود الروسية لحل الأزمة السورية من خلال ثلاثية أستانا، وتضغط نحو تشكيل لجنة دستورية بمعايير تسمح لأنقرة ضمان حصتها من التأثير في القرار السياسي السوري، وخصوصاً في الشمال السوري كمنطقة نفوذ تركية، وتمرّر بذلك مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ورؤيتها لشكل النظام السوري الجديد بالنيابة عن الإدارة الأمريكية.

 

استخدام أنقرة للأهمية الجيوسياسية لتركيا لتحقيق أهدافها:

الإدراك الصحيح للحكومة التركية بأهمية اصطفافها بين المحور الأطلسي والمحور الأوراسي، مكّنها من جمع المتناقضات مع بعضها البعض، وممارسة الضغط على كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ففي حين أن أنقرة تنضوي تحت مظلة ثلاثية أستانا، وتعقد صفقات عسكرية مع الروس كمنظومة إس-400، وصفقات طاقوية كمدّ أنبوب الغاز التركي الروسي المشترك، تستثمر هذه الإجراءات للضغط على الإدارة الأمريكي لمراعاة مصالح تركيا الخاصة تحت وطأة الانزياح نحو المحور الأوراسي، وبالمقابل تضغط على موسكو من خلال  سعي الحكومة التركية لخلق ثلاثية ثانية على غرار الأولى تتألف من (الولايات المتحدة الأمريكية – تركيا – أوكرانيا)، وأنشأت في سبيل ذلك المجلس الاستراتيجي التركي الأوكراني، وتمنتع عن الاعتراف بعودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

كلا الدولتين، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، لا تستطيعان المغامرة بخسارة إحداهما لتركيا لصالح الدولة الأخرى، فلا واشنطن تستطيع تحمل تبعات انزياح أنقرة كرأس حربة للناتو ضد روسيا من المحور الأطلسي، ولا موسكو تستطيع تحمل عودة تركيا إلى الدور الأساسي لها في الناتو لما يشكله ذلك من تهديد على مستقبل الوجود الروسي في البحر الأبيض المتوسط وفي البحر الأسود.

هذه الضغوطات أجبرت روسيا بقبول السلوك الأرعن لتركيا في الشمال السوري ودعمها للكثير من التنظيمات الإرهابية، وأجبرت إدارة ترامب على غض النظر عن صفقة إس-400 الروسية، لتستثمر أنقرة هذه المكاسب بتعزيز وجودها في إدلب والعمل على نشر المنظومة الدفاعية الروسية على الحدود الشمالية لسورية، بالتالي تحقيق أول أهدافها غير المعلنة بإقامة منطقة حظر طيران في الشمال السوري، وتحويل كامل الشمال إلى منطقة آمنة لتركيا وجماعاتها، أما الهدف الثاني فهو بدء ضخ اللاجئين السوريين من الأراضي التركية نحو شمال شرق سورية، والعمل على خلق شريط بشري عازل بينها وبين قوات سورية الديمقراطية، ولو استدعى ذلك القيام بعملية عسكرية تركية تحت مظلة المنظومة الدفاعية الجديدة لتحقيق هذا الهدف.

 

الهدف الاستراتيجي التركي للشمال السوري:

الهدفان السابقان لتركيا بالتزامن مع دعم ما يسمى بالحكومة السورية المؤقتة ووضع الشمال تحت سيطرتها من الناحية الشكلية وتحت إشراف تركي، والضغط نحو منح الشمال نوعاً من الحكم الذاتي في ناتج أيّة تسوية سياسية للأزمة السورية، ستشكل بالمجمل الأرضية الصلبة لسلخ الشمال وضمها نحو الأراضي التركية، بخطوة مستقبلية بعد تسوية الأزمة السورية، تحاكي استفتاء القرم، وتعلن عن انضمام الشمال السوري إلى الأراضي التركية باستفتاء شرعي، وتقوم بطرح مبادلة الاعتراف الروسي بنتائج الاستفتاء التركي، باعترافها بنتائج استفتاء القرم، وقطع التواصل مع المكونات ذات الأصول التركية في شبه الجزيرة الروسية، كنوع من إرث حزب العدالة والتنمية بتوسيع الأراضي التركية.

 

هذه الأهداف التركية ستخلق مزيداً من التصعيد في الشرق الأوسط خلال القادم من الأيام، وتعقّد العلاقات بشكل أكبر بين دول المنطقة، كما أن نجاح المشروع التركي من فشله مرهون بنتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم، وشكل علاقته بالتيارات والأحزاب القومية داخل تركيا.

]]>
تقدير موقف: الاعتداءات الإسرائيلية على سورية (الخلفية الدولية والأهداف الاستراتيجية). https://casrlb.com/?p=1159 Mon, 01 Jul 2019 09:40:05 +0000 http://casrlb.com/?p=1159  

 

قام الاحتلال الإسرائيلي بشن غارات مكثفة بطائرات حربية وصواريخ كروز على سورية ليلاً، في بداية اليوم الأول من شهر تموز لعام 2019، استهدف من خلالها مواقع مختلفة في ريف دمشق وحمص وطرطوس، بالتزامن مع تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” لضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذا العدوان كجزء من سلسلة اعتداءات جديدة، أتت كنتاج متوقع أفرزته النشاطات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لكل من واشنطن وتل أبيب، وتهدف إلى تحويل سورية إلى متنفس عسكري أقليمي لتصريف الضغط الناتج عن التوتر الأمريكي الإيراني المباشر، واستهداف القوات الإيرانية في الخارج كأحد الفواعل الأساسية لهذا التوتر، حيث عملت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في مختلف المناسبات الاقليمية والدولية على إعادة صياغة ظروف استهداف جديدة تسمح للطرفين بتدمير أهداف إيرانية في الخارج في إطار مكافحة نفوذ طهران خارج أراضيها، تحت ضغط الانزلاق لمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تكون شاملة ومدمرة لكل المنطقة، وذات نتائج كارثية لا يمكن لأحد حسابها أو تحملها.

العدوان الإسرائيلي على سورية مبني على خلفية متينة ضمنت الاحتواء للتصعيد ما بعد العدوان، وتتكون هذه الخلفية من ثلاث ركائز أساسية، أولها القمة الأمنية الثلاثية في مدينة القدس المحتلة في 25/06/2019 بين المستشارين الأمنيين لكل من (روسيا-أمريكا-الكيان الإسرائيلي) للتفاهمات الثلاثية، وسعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى جر روسيا نحو موقف معادي لطهران في سورية، مقابل مقعد جاهز لموسكو على طاولة الأمن الأقليمي في الشرق الأوسط، والتوجه نحو إدارة ثلاثية ندية مشتركة للأقليم، هذا العرض أثار حفيظة روسيا لما له من أبعاد خطيرة على الأمن القومي الروسي، وسياسة روسيا الخارجية، كون العرض ينطوي على زيادة الطلبات الأمنية والعسكرية الأمريكية من موسكو، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، والتي من الممكن أن تصل إلى حد طلب استخدام نظام العبور “الدون-فولغا” الواصل من بحر آزوف إلى بحر قزوين، في خطوة للألتفاف على إيران من الخلف، وهو مطلب غير مستبعد نظراً للوجود الأمريكي المسبق في الموانئ الكزخستانية ضمن اتفاقيات مسبقة، الأمر الذي دفع موسكو لخفض سقف التوقعات الإسرائيلية والأمريكية من الاجتماع بتصريح مسبق من الرئيس الروسي حول رفض موسكو المتاجرة بحلفائها، بالتالي خلصت القمة إلى تفاهمات تكاد لا تختلف كثيراً عن التفاهمات والبروتكولات السابقة، وإنما تنطلق منها نحو زيادة خطيرة في  مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي الثلاثي في سورية عبر مراقبة أي تغيّر في النشاط الإيراني العسكري، وضمان روسيا عدم ملئ الفراغ الأمريكي من قبل الحرس الثوري في حال الانسحاب الأمريكي، وحماية المنطقة من أي انزلاق نحو مواجهات شاملة، والإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي في مواجهة إيران داخل الأراضي السورية في حالات الضرورة القصوى، ودون إعلام مسبق للطرف الروسي حول أي هجوم كما في السابق.

 

تفاهمات القدس لم تكن تفاهمات نهائية ولم يتم التصديق عليها، وإنما كانت أشبه بإعداد ورقة عمل لمناقشتها والاتفاق عليها بين كل من الرئيس الأمريكي “ترامب”، والرئيس الروسي “بوتين”، في اللقاء الذي جمعهما في 28/06/2019 على هامش قمة العشرين في أوساكا، والتي قدرها المركز سابقاً بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، كركيزة ثانية لمسار الذي شكل عدوان اليوم إذعاناً بانطلاقه، حيث اتفق الرئيسان على تفعيل التفاهمات السابقة والتي وضعت في قمة هلسنكي في بولندا 15/07/2018، والتي تأكد على إخلاء سورية من كل القوات الأجنبية، وذلك بتعهد واشنطن بحيادها وحياد الناتو إزاء إخراج روسيا وسورية للجيش التركي من الشمال السوري، وتوريط تركيا في ليبيا بمباركة روسية ضمنية وتنسيق سعودي-أمريكي، مقابل الحياد الروسي لإخراج إيران من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي من سورية، يليه انسحاب كامل القوات الأمريكي وخفض التواجد الروسي إلى الحد الأدنى، ورفع العقوبات بالتزامن مع إطلاق اللجنة الدستورية، بما يضمن لكل من واشنطن وموسكو إخراج الساحة السورية من ساحات الصراع الدولي والأقليمي، وغلقها بالكامل.

 

أما الركيزة الثالثة فكانت زيارة الرئيس ترامب إلى كوريا الشمالية، حيث سارع ترامب تحت الضغط الصيني الموضح في تقدير المركز السابق بعنوان : (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، سارع إلى احتواء المواجهة المشتركة التي ستفرض عليه بعد الزيارة الصينية، بزيارة أقرب ما تكون لزيارة خفض تصعيد، بعد اجتماعه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ”، الوارد تفصيلياً في تقدير للمركز بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، ليعمل الرئيس “ترامب” على إحياء العلاقة مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” في مسعى أمريكي لفصل الملفات، واحتواء المساعي الصينية بنمذجة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط عموماً، وفي سورية خصوصاً مع الصراع في كوريا الشمالية، خاصة بعد دعوة الصين لزيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين في 16/06/2019، وتنسيق زيارته إلى كوريا الشمالية، في زيارة سياسية-عسكرية بحتة، عاد منها وزير الخارجية بالعديد من الملفات والأبحاث العسكرية المتعلقة بالأسلحة الصاروخية، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى قصف أهداف محددة بناءً على نتائج الزيارة الأمريكية، والنجاح الأمريكي في فصل الملفات، والذي شكل السبب الرئيس لاختيار مراكز البحوث والمستودعات العسكرية السورية والإيرانية كأهداف أساسية للعدوان، علماً أن تصريح وزير الخارجية السورية صباح اليوم شرح الزيارة لكوريا الشمالية في إطار “جلب عمال بناء”، وتعاون اقتصادي بين كوريا الشمالية وسورية.

بناءً على الركائز الثلاث السابقة، التي شرحت الخلفيات الدولية، والأهداف الاستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على سورية، يتوقع مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية ارتفاع وتيرة وشدة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، تحت ذريعة الضرورة القصوى، واعتماد كل من واشنطن والكيان الإسرائيلي أسلوب الرد على إيران في سورية، والذي بدوره سيولد استنكار روسي للاستخدام المفرط والمتكرر للقوة، بسبب خرق سقف التفاهمات السابقة وسلوك الكيان الإسرائيلي الاستفزازي لباقي الأطراف، كتحليق الطيران الإسرائيلي فوق المضادات الروسية على الشريط الساحلي السوري، الأمر الذي سيحرج موسكو ويعرّض التفاهمات السابقة لاحتمالية الانهيار أو تعليق العمل بها، وذلك بحسب  الظروف الدولية والأقليمية المستجدة وقدرتها على التأثير في بنية الصراعات الاستراتيجية حول العالم.

]]>
رحلة اللجوء إلى أوروبا كيف أثرت بالملف الإنساني اليمني والسوري؟ https://casrlb.com/?p=1061 Wed, 19 Jun 2019 10:10:44 +0000 http://casrlb.com/?p=1061  

حسني عماد العوضي

باحث مصري في مركز دراسات الهجرة في القاهرة.

خاص لمركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية.

 

بالتحول إلى الجنوب، نجد أن دولة أخرى تنهار في منطقة الشرق الأوسط وهي اليمن، وربما بمعدل أسرع، لذا فمن الممكن أن يتحول اليمن إلى أزمة الهجرة المقبلة في أوروبا، فرغم حجم الكارثة الإنسانية التي يشهدها اليمن، من المجاعة والكوليرا وندرة الخدمات الصحية، بسبب الحرب بين التحالف العربي والمتمرّدين الحوثيين، إلّا أن الغرب لا يزال يتحرّك ببطء شديد لإيجاد حلٍ ينهي معاناة السكان.

ويراود كثير من اليمنيين آمالا بالهجرة إلى أوروبا وخصوصا الشباب ولكنهم لا يعرفون كيف يمكن الوصول إلى هناك، كما أن الحصول على تأشيرة لدخول أوروبا أمر صعب المنال، ويبدو مستحيلا، إلا أن هناك عددا من اليمنيين الذين بدؤوا يعتزمون الرحيل إلى تركيا التي يسافر منها غالبية اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، وفي حال تمكن عدد من اليمنيين من الوصول إلى تركيا فسيكون المجال سهلا عليهم لمواصلة السير إلى أوروبا.

ويفر يومياً مئات اليمنيين من الحرب الدائرة في بلدهم إلى أفريقيا عبر خليج عدن ومضيق باب المندب أو ميناء المخا بحثا عن حياة آمنة وأفضل، كما فعل سابقا في الاتجاه المعاكس مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الصوماليين والإثيوبيين.

فمنذ بدء الحرب في مارس/ آذار 2015 وحتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م، وصل عدد القتلى بين المدنيين اليمنيين إلى 5295، والجرحى إلى 8873، حسب أرقام الأمم المتحدة، التي رجحت أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير، وهو ما يجعل بعض وكالات الأنباء تتحدث عن مقتل 10 آلاف مدني حتى الآن.

فمئات آلاف اليمنيين غير قادرين على الفرار من الحرب إلى خارج بلادهم بحثا عن الأمن وبسبب صعوبة الخروج من اليمن لم يُسجل حتى الآن أي لجوء يمني عبر البحر إلى أوروبا، وبسبب ارتفاع تكاليف الهجرة وتحكم قوات التحالف العربي بممرات اليمن البرية والجوية والبحرية بهدف منع وصول إمدادات عسكرية لقوات الحوثيين التي بدورها تغلق منافذ برية أخرى، فإن هذه الأسباب تصد أبواب الهجرة أمام كثير من اليمنيين وتمنعهم من الرحيل خصوصاً بعد تفاقم الأوضاع المعيشية وتصاعد وتيرة العنف في مختلف مناطق البلاد.

وتتخذ رحلات اللاجئين اليمنيين الفارين من الحرب سبلاً عديدة للنزوح الى الدول المجاورة، مثل الصومال أو اثيوبيا او جيبوتي ، ويتخذ سكان المناطق القريبة من السواحل البحر سبيلا للعبور الى افريقيا عبر مضيق باب المندب وخليج عدن، وفي انتظار احدى السفن العابرة او التجارية يقضي اللاجئون في الموانئ ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة آملين أن تنقلهم إحداها إلى السواحل الافريقية، حيث أقامت مفوضية اللاجئين التابعة للامم المتحدة في جيبوتي والصومال واثيوبيا مخيمات هناك.

وتقول مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن هناك ما يقرب من 1.5 مليون شخص فروا من مناطقهم إلى مناطق أخرى داخل البلاد وأوضاعهم صعبة وهم في حاجة إلى مساعدات طارئة، فيما يقول رئيس الصليب الأحمر الدولي إن حدة الصراع في خمسة أشهر فقط جعلت من اليمن يبدو مثل سوريا بعد خمس سنوات.

وتقدر الامم المتحدة عدد اللاجئين اليمنيين في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة بحوالي 300 الف لاجئ، وتقول المفوضية السامية لشؤن اللاجئين انه من الصعب مساعدة البلدان المستقبلة للاجئين اليمنيين هناك لأسباب تتعلق بنقص في التمويل، فمثلا في الصومال لم تتمكن المفوضية من الحصول على أكثر من نسبة 5% من مجموع مبلغ التمويل المطلوب لرعاية 28 الف نازح، في حين تقول المفوضية انها بحاجة وبشكل طارئ الى 570 الف دولار كمبلغ اضافي لمساعدة اللاجئين اليمنيين في اثيوبيا، وكذلك الاوضاع التي يعيشها اللاجئون اليمنيون في دولة جيبوتي مأساوية.

وعلي الرغم من أن مجموعة مانحو سوريا من المنظمات والدول والحكومات المانحة جمعوا تبرعات وصلت إلي ستة مليارات دولار لدعم النازحين واللاجئين السوريين، إلا أنهم لم يقدموا الكثير لسكان اليمن، بل إن مؤتمر جنيف الذي دعت إليه الأمم المتحدة قبل عدة أشهر لتقدم منح إلى اليمن، لم يصل إلى هدفه المحدد  بتعهد الأطراف المانحة بتقديم 2.96 مليار دولار، إذ كان الرقم النهائي أقلّ من هذا المبلغ، ومقارنة مع تعهد السعودية والإمارات والكويت، كان تعهد الاتحاد الأوروبي ضعيفاً، ولم يتجاوز 133 مليون دولار بينما كان تعهد بريطانيا، التي لم يدخل بعد قرار انسحابها من الاتحاد الأوروبي حيز النفاذ، أكبر بـ240 مليون دولار، والسبب في ذلك هو أن  أغلب الدول الأوروبية ترى أن السعودية الإمارات، المشاركتان الرئيسيتان في التحالف العربي، لهما من الثراء ما يكفي لتقديم المساعدات إلى اليمن دون الحاجة لأطراف أخرى، خاصة وأن الدولتين تعلنان من حين لآخر عن حملات مساعدة كبرى موجهة لليمن.

فلم تلقَ الأزمة الإنسانية في سوريا الاهتمام العالمي اللازم إلّا بعد تفجر أزمة اللاجئين عام 2015 وانتشار الصور المأساوية لغرق اللاجئين في البحر وتشرّدهم على الحدود، كما جرى للطفل الكردي “أيلان”. فبعد هذا التاريخ، تحرّكت دول أوروبية لاستقبال اللاجئين وبدأت تضغط بشكل أكبر لإيجاد حلّ للأزمة السورية بدل التركيز على محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، ولكن يختلف الموضع الجغرافي لليمن كثيراً عن سوريا، فاليمن لا يشترك في حدوده سوى مع السعودية وسلطنة عمان، ومحاولة الهجرة عبر البحر لا توصل إلّا إلى دول إفريقية فقيرة، الأمر الذي أجبر النازحين اليمنيين على تبني الخيار الداخلي والبحث عن مناطق آمنة على تراب بلدهم، كما أن غياب إشكالية اللاجئين عمقت الأزمة الإنسانية في اليمن، خاصة مع عدم قدرة حوالي ثلاثة ملايين نازح يمني على الفرار إلى دول الجوار أو أوروبا،  فأوروبا حالياً لديها أولويات في استقبال اللاجئين السوريين والأفارقة لكن هل يتغيّر الأمر مستقبلاً؟  وسط استمرار العنف والأوضاع الإنسانية الصعبة في اليمن، يسعى يمنيون للجوء إلى الدول الأوروبية، لكنهم يرون أن الطرق مسدودة أمامهم، ويخشون أن العالم قد نسي اليمن السعيد.

]]>
تقدير موقف: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها. https://casrlb.com/?p=1058 Tue, 18 Jun 2019 11:22:34 +0000 http://casrlb.com/?p=1058 في سياق زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان إلى سورية 13/06/2019 واجتماعه في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور شرقي سورية مع نائب وزير الخارجية الأمريكي، جويل رابيون، والمستشار الرئيسي لقوات التحالف الدولي، ويليام روباك، وعددا من شيوخ ووجهاء وإداريين من قبائل ومجالس المنطقة، وفي إطار زيارة وفد سعودي أمريكي مشترك لمدينة الرقة ومطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى فريق إعلامي إسرائيلي من القناة 12 العبرية (الثانية سابقاً) عمل على إعداد تقارير عن مدينة الرقة بالتنسيق مع فصائل “قسد” التابعة لقوات جيش الاحتلال الأمريكي، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الإجراءات الأمريكية السعودية المشتركة في سورية ضمن مشروع الاستئصال الجيوسياسي للجغرافية السورية، حيث تعمل واشنطن على استصلاح فشل استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مواجهة الصين، الناتج عن فشل الانسحاب الأمريكي الذي كان مقرراً بعد تطبيق مشروع الربيع العربي في عام 2011، والاستعصاء العسكري الذي عانت منه واشنطن في الشرق الأوسط بسبب تحول موقف تركيا من وكيل أمريكي في المنطقة، إلى ربط حكومات الإخوان الجديدة وإحياء الإمبراطورية العثمانية بها، إضافةً إلى تمدد النفوذ الإيراني، وظهور تنظيم داعش.

هذا الاستعصاء دفع وشنطن إلى اعتماد الرياض مركزاً لثورات مضادة على الإخوان والذي شكل أحد نتائجه القطيعة مع تركيا وقطر، ودفع بالملف السوري إلى مزيد من التعقيد، ودفع بالساحة السورية إلى ساحة صراع بين غرفة عمليات تركية وفصائل تابعة لها، وغرفة عمليات سعودية على ذات الشاكلة، حتى تم إنهاء ملف الفصائل السعودية في محيط دمشق والجنوب السوري باتفاق روسي-تركي-إيراني، وسحب الفصائل التركية إلى الشمال.

لكن النفوذ السعودي في سورية لم ينته بالكامل وذلك بسبب جهود التحالف الدولي الذي قادته واشنطن في محاربة داعش، في الشمال الشرقي من سورية وإقامة قاعدة التنف على مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية لحماية الخليج من أي توجه لداعش جنوباً بعملية مولتها السعودية والإمارات لإنشاء قوات سورية الديمقراطية، وتسليم قيادتها للأكراد، منعاً لأي تحالف يمكن أن ينشأ بين القوات الجديدة وتركيا، على شاكلة تحالف النصرة مع تركيا على حساب علاقتها مع السعودية، وهو ما حول قسد إلى وريث داعش في المنطقة بعد فشل واشنطن في الاستثمار بداعش لتوجيهه نحو التمدد باتجاه تركيا وروسيا والصين، وتحولها نحو القضاء عليه نهائياً خوفاً من العمليات الروسية السورية الإيرانية المشتركة ضد داعش من أن تودي بسيطرة الجيش السوري على كل المساحات التي كان يشغلها التنظيم.

هذه الجهود الأمريكية-السعودية في تشكيل قوات سورية الديمقراطية سرعان ماتحولت إلى مشروع جديد يستهدف الحكومة السورية من جهة، والنفوذ الإيراني في سورية من جهة أخرى، بمشروع مزدوج مؤلف من مرحلتين:

المرحلة الأولى: القطع الجغرافي وترسيخ مناطق النفوذ (مناطق الاستقرار القلق سابقاً)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة مع السعودية على ترسيخ مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، ضمن منطقتين الأولى في شرق وشرق شمال سورية بالتعاون مع الرياض، وذلك بهدف الضغط على الطريق البري الذي يصل طهران بدمشق، ملحقاً بإجراءات في الأراضي العراقية، وتحويل نهر الفرات إلى حاجز جغرافي طبيعي في وجه الحكومة السورية، ليتم فيما بعد استبدال القوات الأميركية بقوات أخرى أوروبية (فرنسية-بريطانية-ألمانية) لملء الفراغ، بالتزامن مع إجراءات لضبط القلق التركي من أي تهديدات قد تشكلها قوات سورية الديمقراطية.

أما المنطقة الثانية في الشمال والشمال الغربي السوري فتعمل واشنطن على تحويل هذه المنقطة إلى ملف توافقي مع أنقرة ضد روسيا وسورية بالتفاهم معها حول مستقبل الشمال ضمن الأطماع التركية، على حساب التفاهمات الأولية السابقة مع موسكو.

كلا المنطقتين يحتويان على مايقارب 78% من القمح والماء والنفط السوري، ويشكلان جغرافيات الوصل مع دول الجوار، واقتطاع هاتين المنطقتين يعني حرمان سورية من مناطق الثقل الجيوسياسي، في مشروع يهدف إلى تفريغ الجغرافية السورية من أهيمتها الجيوسياسية ضمن منع أي تهديد للمصالح الأمريكية أو للكيان الإسرائيلي.

 

المرحلة الثانية: إعادة الإعمار اللامركزية (خطة رؤساء الأقاليم)، حيث ترتكز هذه المرحلة على ردة فعل الحكومة السورية وجهود روسيا الدبلوماسية الداعية إلى عودة اللاجئين والنازحين السوريين، وذلك من خلال فرض أقصى العقوبات الممكنة على الحكومة السورية وكل من يتعامل معها، وقطع أي إمدادات يمكن أن تأتي من الأقاليم السورية المحتلة، لتحويل عودة اللاجئين على مزيد من الضغوط والأعباء على الداخل السوري من جهة، والعمل على استقطاب اليد العاملة ورؤوس الأموال من المناطق التي التي تخضع للحكومة السورية نحو الأقاليم المحتلة من جهة ثانية، وذلك من خلال عملية استقطاب اقتصادي كبيرة تبدأ بحركة إعمار ضخمة جداً في الشرق والشمال السوري، تتيح لرؤوس الأموال حركة كبيرة وأرباح سريعة وتتيح لليد العاملة نسب أجور عالية جداً بالمقارنة مع المناطق المحاصرة التي تعاني بغالبيتها من الجوع والفقر المدقع، ومن ثم توجيه الأعداد المستقطبة للمشاركة في انتخابات تؤمن المصالح الأمريكية ضد الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بحيث يضمن المشروع الأمريكي تحويل جهود الحكومة السورية بإعادة النازحين، من جهود تضمن عدم تعرضهن للتأثير الأمريكي في الانتخابات القادمة، إلى جهود تشكل ضغطاً كبيراً مع الحصار والعقوبات على الحكومة السورية وتسهم في زيادة فشلها، وبالتالي خفض شعبيتها كأثر جانبي، وتأمن اليد العاملة ورؤوس الأموال السورية لشرعنة عملية إعادة الإعمار واستخدامها كأصوات معادية في كل من الشرق والشمال والشمال الغربي من سورية، وتنتهي المرحلة الثانية بإعلان نظام أقاليمي في سورية وإنشاء مجلس للأقليم الشرقي ومجلس للأقليم الشمالي وإعلان رئيس لكل أقليم مخول بعقد اتفاقيات تجارية واقتصادية ودبلوماسية مع أطراف خارجية باسم سورية ضمن مصالح أقليمه.

المرحلة الثانية من الاستئصال الجيوسياسي قد بدأت بالفعل بزيارة الوزير السعودي إلي مناطق قسد في سورية، وبتكثيف الجهود الروسية في إعادة النازحين السوريين، وما تصوير الوفد الإعلامي الإسرائيلي لمدينة الرقة إلا لعرض المدينة الجديدة لاحقاً والتي ستبنى بأموال سعودية-إسرائيلية مشتركة.

]]>
واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو!! https://casrlb.com/?p=968 Fri, 24 May 2019 08:47:49 +0000 http://casrlb.com/?p=968 صلاح النشواتي

لاتزال الإدارة الأمريكية تعيش أحلك لحظاتها في صراع مستمر وشرس لتحقيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، ساعية إلى تدمير أي قوة منافسة أو حضارة ناهضة ممكن أن تهدد التفوق أو التفرد الأمريكي على العالم، مستخدمة كل أنواع القوة وأشكالها في خدمة هذا الغرض، بحيث باتت تعرّف واشنطن مصالحها القومية بما يشمل أكثر من 90% من دول العالم بفضاءاتها الحقيقية والافتراضية -كمساحات للنشاط الجيوبولتيكي الأمريكي- والموزعة على شكل كتل أقليمية يتم ربطها بمعادلات للأمن الأقليمي ضمن الصيغة الأمريكية المفروضة، وذلك لضمان النفوذ والسيطرة على كل كتلة على حدى، ومع ظهور القوى الكبرى المنافسة للقوة الأمريكية، بدأت التكتلات الأقليمية بالتفكك بفعل تداخل مناطق النفوذ، ومحاولة الخصم فرض معادلته في الأقاليم التي يعتبرها مساحات نشاطه الجيبولتيكي الحقيقية، أي أنها مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى رابحها من يستطيع ربط أكبر عدد ممكن من الكتل الأقليمية بمصالحه القومية تحت منظار أمن قومي مشترك وواضح بمعادلات محكمة، وقد شكل الشرق الأوسط أحد أعقد هذه الأقاليم وأكثرها ألتهاباً وتداخلاً، فبالنظر إلى أهمية موقعه ومزاياه الجيوسياسية من ناحية الإشراف على أهم طرق الملاحة البحرية، أو من ناحية الثروات الطبيعية والتنوع البيئي، يدرك أن من يفرض معادلته الأمنية يربح المنطقة لصالحه، ويرتكز بها للوصول إلى مناطق أخرى، في مسعى للتوسع بأشكاله المعاصرة المختلفة.

هذه القواعد هي التي تضبط آليات الصراع الراهن في الشرق الأوسط، وتتحكم في اتجاهه بين قواه الأقليمية و تأثير القوى الكبرى، ومما لا شك فيه أن الجهود الروسية في تجنب أي مواجهات أو استنزاف هنا أو هناك بلغت أوجها شهر نيسان الماضي، حيث توجه لافرنتييف لعرض صفقة مع الرياض حول مستقبل سورية في محورها العربي التي يجب أن تعود إليه بصفتها دولة عربية، أو تحمّل مواجهة سورية غريبة مقسمة بين إيران وتركيا، موجهاً من خلال هذه المبادرة دعوة لواشنطن للتفاهم من جديد بعد أن استعصى الوضع في سورية كمفتاح لأمن الشرق الأوسط وترتيب اصطفافاته، والذي مالبث أن اشترط الرئيس الأسد على لافرنتييف بدء عملية تحرير إدلب كإعلان لصدق النوايا السعودية، ومن ثم يتم فتح ملف التمويل الخليجي للأكراد، في حال أردات السعودية حقاً عودة سورية إلى الخط العروبي.

المبادرة الروسية التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي لاقت استحساناً أمريكياً، ففي نهاية المطاف تسعى واشنطن إلى تطويق إيران في المنطقة وفرض الصيغة الأمريكية الأمنية، وجعل روسيا جزء من هذه الصيغة أو المعادلة في الشرق الأوسط، وبما أن المبادرة تضمن تحييد سورية عن أي مواجهة مع إيران ضد القوات الامريكية أو ضد حليفتها إسرائيل، فلا مشكلة في إطلاق عملية إدلب بتفاهم روسي أمريكي، شرط أن تنحصر حدود هذه العملية على تأمين محيط القاعدة الروسية في سورية والتي تتعرض للقصف بشكل مستمر من فصائل تديرها الاستخبارات الأمريكية، مقابل نأي البيت الأبيض بنفسه مع مسرحياته الكيميائية جانباً.

في هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحضر خدعة جديدة في الخليج بعد ضمان انشغال روسيا والجيش السوري بمعارك طاحنة في إدلب، حيث عملت على رفع التوتر والتصعيد بشكل كبير في المياه الخليجية، وزادت قواتها في المنطقة تحت ذريعة أخطار إيرانية محدقة على المصالح الأمريكية وحلفائها، ليظن الجميع أن هناك معركة قادمة لامحالة، أو على الأقل مواجهة محدودة هنا أو هناك، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية في استهداف السفارة الأمريكية في بغداد وقبلها استهداف سفن تجارية في ميناء الفجيرة الإماراتي و استهداف أنابيب نفط سعودية بغض النظر أيها الملفق لإيران وإيها حقا قامت به القوات الحليفة لها، ما خلق جرعة كبيرة من الخوف والوقوف الحرفي على الهاوية، وفي حين تعمل واشنطن على طرح التفاوض مع الإيرانيين، إلا أن هذا الطرح ليس إلا ورقة إنتخابية لترامب في حال انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية، أما الهدف الأساس من كل هذا التصعيد هو البدء بإطلاق المعادلة الأمريكية للأمن الأقليمي، ليس التفاوض ولا حتى الحرب، وذلك من خلال البدء بتنفيذ إجراءات صفقة القرن دون الإعلان عن طبيعة هذه الإجراءات أو ارتباطها بالصفقة من جهة، وإعلان قمة عسكرية تعيد صياغة القوى العربية في تحالف قومي جديد يشكل الضامن العسكري والأمني للمعادلة الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يعيق (بالشراكة مع الحصار والعقوبات) تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في حال الانسحاب الأمريكي نحو الصين.

ولضمان نجاح التطبيق العملي للمعادلة الأمنية الأمريكية كان لابد من الحرص على تدمير الصيغة الثلاثية لاستانا (إيران-تركيا-روسيا) بشكل كامل، كونها تشكل نواة حقيقية للمعادلة الأمنية الروسية، فقامت واشنطن سابقاً بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لقطع علاقاته مع الإخوان المسلمين، ولتطويق جهوده في العراق، وبدأت بزرع بذور الشقاق بين طهران وموسكو بعد ذلك من خلال التفاهمات لاحقة، وقد ظهر مفعول ذلك جلياً بعد تصريح الرئيس بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني وتحميل إيران المسؤولية في حال الانسحاب منه، إضافة إلى الإعلان غير المباشر بتخلي موسكو عن طهران في هذه الحالة، حيث عبر عن ذلك الرئيس الروسي بقوله: “روسيا ليست فريق إطفاء حرائق”.

وفي الطرف المقابل عملت واشنطن على إعادة تسليم غرفة قيادة العمليات في إدلب لتركيا، بعد أن كانت تخضع للاستخبارات الأمريكية في مقابل اتفاق سابق فاشل يتعلق بدخول تركيا إلى الشرق السوري بعد استبدال النفوذ الأمريكي-التركي بين إدلب وشرق الفرات، لتكون بالمحصلة قد أخلت مسؤوليتها أمام التفاهمات مع موسكو، وجعلت من تركيا رأس حربة تهدد مسار العمليات العسكرية في إدلب وتهدد أيضاً أمن القاعدة الروسية في حميميم، خاصة بعد مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق على حساب أنقرة وطهران، لتتحول بعدها إدلب إلى عملية استنزاف لكل الأطراف بلا استثناء في مسعى أمريكي لإضعاف الجميع، وساحة إشغال كبيرة تمارس من خلالها الإدارة الأمريكية كل أنواع الابتزاز السياسي والدبلوماسي بغية فكفكة أي تعاون أوروبي روسي جديد في الشرق الأوسط، متذرعة باستخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب ورمي الإتهامات المفبركة هنا وهناك، ما يتيح للإدارة الأمريكية نكز الجرح الأوروبي المرتبط بقضية اغتيال العميل السوفييتي السابق سكريبال في سالزبوري البريطانية باستخدام سلاح كيميائي، والتحريض ضد روسيا وسورية في الداخل الأوروبي.

مجمل هذه الأحداث والوقائع والتي تبدو عشوائية هي تفاصيل بمجموعها تشكل الصورة الكاملة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية، وتتلخص هذه الصورة بفرط الوحدات المكونة للأقليم في الشرق الأوسط وإعادة ترتيبها على قاعدة معادلة الأمن الأقليمي الأمريكية، مع الحرص على تحويل روسيا إلى جزء من هذه المعادلة لتقويض نفوذها وتسييره بالضرورة لخدمة أهداف ذات المعادلة، والمفاتيح الأخيرة التي تسمح بإطلاق المعادلة هي الحدود العراقية-السورية، حيث سيتركز كل الضغط الأمريكي القادم عليها، بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وتحويل العراق إلى بيئة وعرة لطهران، بعد استهداف العلاقة بين كل من إيران وتركيا.

هذه التكتيكات الجديدة نوعاً ما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية تعد مؤشراً مهماً على فهم ترامب حدود الأسلحة الاقتصادية كالعقوبات والفصل الاقتصادي للدول من الشبكات الدولية، حيث كان يعتقد في السابق أنها أسلحة كافية لربح أي مواجهة وتدمير أي خصم، ليتضح له فيما بعد أنها لازمة ولكن غير كافية بعد أن أهمل السياسة والخدع السياسية في العلاقات الدولية لصالح الوقاحة والتصريحات الشعبوية، وتعتبر الخلافات الداخلية في البيت الأبيض من جهة، وبين البنتاغون والخارجية من جهة أخرى، أحد المظاهر الخادعة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لتشويش الصورة الكلية التي تعمل على تركيبها، وأيضاً لخداع الخصوم حول أجنداتها والتي كان ترامب قد كشف أغلبها كنوع من التحدي الشعبوي أمام دول العالم في القدرة على تحقيقها وهي مكشوفة بالمطلق.

بالمحصلة نحن أمام مزيد من التصعيد والتلاعب السياسي، وبما لا شك فيه نحن أمام حقبة جديدة من الخداع والتكتيكات السياسية، والتي ستسارع كل الأطراف اعتمادها قريباً ضد بعضها البعض كنتيجة حتمية لانتشار حالة عدم اليقين، إلى حين فرض إحدى القوى الكبرى لمعادلتها للأمن الأقليمي بشكل مطلق، وهذا لايعني زوال لقوى أو دمار قوى أخرى، وإنما يعني ضبط إيقاع المنطقة بما يخدم مصالح وأجندات الطرف المستفيد على حساب ردود أفعال الأطراف الموجودة.

 

 

]]>
الشرق الأوسط تحت وطأة الصراع الثلاثي والمفتاح سورية https://casrlb.com/?p=961 Fri, 17 May 2019 14:22:49 +0000 http://casrlb.com/?p=961 الباحث مازن بكري

لا يزال الشرق الأوسط تلك الجغرافيا الملتهبة التي تتشابك فيها مصالح القوى المتجاورة وتتعارض أيضاً في كثير من الأحيان، فوجود دول فيه كانت في سابق عصرها إمبراطوريات ودولاً كبرى كلاً على حدى، جعل من الزمن الحاضر كسياق مستمر للماضي جملة معقدة من المطامح والتناقضات التي يُبنى على أساسها تحالف هنا أو مواجهة هناك، هذا بالإضافة إلى المتغيّر المربك في المنطقة وهو الكيان الإسرائيلي كلاعب جديد في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد تتصارع القوى الإقليمية في سعيها لبسط النفوذ في الشرق الأوسط، مستعينةً بكل الوسائل الممكنة من تحالفات بينية في الإقليم إلى تحالفات مع قوى كبرى خارجه، ولأنّ من يفرض سيطرته على هذه المنطقة يتحكّم بموازيين القوى على المستوى الدولي، سعت القوى الأساسية فيه (إيران – تركيا – السعودية) إلى فرض نموذجها ونظامها على كل الإقليم ضمن مسار إلغائي مسيطر يحمل في جوهره شكل ومضمون كل طرف من الأطراف، وبحكم الهوية الثقافية العامة لشعوب المنطقة والمبنية على العروبة والإسلام، اتّخذت نماذج السيطرة للقوى الأساسية ذات الصيغة، فاعتمدت الرياض مؤخراً اللعب على الانتماء العروبي، بينما اتجهت أنقرة نحو استخدام الإسلام السياسي السنّي، متمثلاً بالإخوان المسملين سبيلاً نحو التغلغل في الإقليم، وكذلك طهران بثورتها كإسلام سياسي شيعي.

إنّ الصراع بين القوى الثلاث، أي الإسلام السياسي الشيعي المتمثل بالنظام الإيراني، والإسلام السياسي السني المتمثل بالإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية، كان دائماً يحمل إصطفافاً وفصلاً سنياً شيعياً بين هذه القوى، بالإضافة إلى تباين في داخل الفصل السنّي الواحد مبني على القومية والأجندات السياسية بين السعودية وتركيا ما قبل عام 2010، بحيث تتصّدر السعودية قيادة العالم السنّي في محاولات دائمة لطيّ تركيا تحت جناح المملكة. وعلاقتهما مع الملف الفلسطيني أحد أهم الأمثلة، حيث تدعم تركيا حركة حماس وتدعم السعودية السلطة الفلسطينية للاستيلاء على كامل الملف الفلسطيني وطيّ حماس تحت جناح السلطة.

كذلك يشترك كل من جماعة الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بأجندة سياسية واحدة وهي دعم حركات الجهاد الإسلامي المسلح سواء الإرهابي منها كالقاعدة أو المقاومة كحماس. وبالرغم من شدة العداء بين هذه القوى السياسية في الشرق الأوسط وسعيها المستميت للتفّرد في السيطرة، إلا أنّ العلاقات البينية كانت تأخذ دائماً طابع “اثنين ضد الثالث”، أي التعاون الثنائي بين قوتين لمواجهة القوة الثالثة، وعلى هذه القاعدة دائماً ما كانت تحلم الجمهورية الإسلامية في إيران ببناء شراكة مع القوى الإخوانية في الشرق الأوسط لاستغلال هذه الشراكة في مواجهة السعودية، خاصة أنّ الإخوان المسلمين في نهاية المطاف نظام إسلام سياسي متطابق تماماً مع نظام الجمهورية الإيرانية من حيث الشكل والمضمون، بإستثناء الصبغة الطائفية.

وقد نجحت طهران بالفعل في بناء هذا التحالف المتين عام 2013 بعد الكثير من المحاولات، وهو تاريخ إستلام الرياض دفة إسقاط الأنظمة الإخوانية التي وصلت إلى السلطة بفعل الربيع العربي كمشروع أمريكي، والتي أعادت واشنطن الانقلاب عليه بثورات مضادة نتيجة لظهور العثمانية الجديدة وزيادة النفوذ الإيراني بدلاً من تقلصه (اليمن والحوثيين، مصر في عهد مرسي)، مما رشح السعودية والدول العربية التابعة لها لتصبح رأس الحربة ضد كلا المشروعين المتحالفين (الإسلامي الإخواني في تركيا وقطر، والثوري الإسلامي في إيران) متحالفة في سبيل ذلك مع الوكيل الأمريكي في المنطقة “الكيان الإسرائيلي”، والذي يشكّل سيطرة أيّة قوة من هذه القوى الثلاث على الشرق الأوسط مصدر قلق وجودي لمستقبل مشاريعه في المنطقة، وبالرغم من التنافس الذي لا مفرّ منه في أي مستقبل لكلّ من الكيان الإسرائيلي والمملكة السعودية إلا أنّ الدور الأمريكي، كراعي وحامي لكلَيهما، يعمل كضامن بينهما لسمتقبل كل جهة على حدى، ويسعى إلى صياغة وفرض اتفاقية السلام على هذا الأساس (صفقة القرن).

الدور السعودي الجديد الموكل من واشنطن دفع بالرياض إلى التخلّي عن جميع الحركات الإسلامية بشقّيها السياسي والجهادي، وهو ما سمح لإيران بإستغلال هذا الموقع الجديد بلعب دور دولي وإقليمي أكبر من المعتاد، وفي أحد أهم ساحات المواجهة (سورية)  فتحولت إلى دولة ضامنة جنباً إلى جنب مع تركيا وروسيا في أستانا نهاية عام  2016، بعد أن دعمت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب بالشراكة مع موسكو، كما استثمرت هذا التحالف لتحقيق غايات أوسع وأبعد من زيادة الدور الإقليمي والدولي، وذلك في مواجهة السعودية والكيان الإسرائيلي بطموحات وقدرات إيرانية تركية مشتركة، فقامت بفك الحصار الذي فرض على قطر مطلع حزيران 2017 بصفتها داعمة للإخوان المسلمين، وهو الحصار الذي كان مستحيلاً على الدوحة تحمّله لولا تدخل إيران الذي أسعف النظام الأميري في قطر، وعطّل مخطط إستهداف رئة الإخوان المسلمين، وزادت في مستوى دعم حركة حماس كذراع إخواني في مواجهة الكيان الإسرائيلي، وبالمقابل رفض تركي للالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران.

ومن جهة أخرى عملت كل من تركيا وإيران من خلال منصّة أستانا التي أحدثتها روسيا على إخراج الفصائل التابعة للسعودية من الملف السوري وذلك باستهدافها في محيط دمشق وفي الجنوب السوري من قبل الجيش السوري، بالتزامن مع انسحاب الفصائل التركية إلى الشمال بدون قتال، وخلخلة صفوف الفصائل السعودية في اتفاق استخباراتي عكسري إيراني تركي روسي مسبق.

ولا تزال إلى اليوم تشتد وطأة هذه المواجهة ضمن الساحة السورية في اصطفافاتها الإقليمية الجديدة إيران تركيا قطر من جهة، والسعودية والدول العربية التابعة لها مع الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، في حين تكمن المساعي الروسية لإعادة سورية إلى كنف المملكة العربية السعودية، وهو ما يتعارض مع موقف الحكومة السوري من التحالف الإيراني الذي بدوره يتعارض مع تحالف إيران مع الإخوان المسلمين كجماعة محظورة في سورية…!!

هذه المواجهات في الشرق الأوسط  تجعل كلاً من سورية والعراق أهمية كبيرة لكل الأطراف الثلاث، وبالأخصّ سورية ومستقبلها كدولة ولجهة اصطفافها ضمن هذا الصراع. وكل هذا يثير العديد من الأسئلة الجديّة حول الحكومة السورية وسياستها الخارجية، فهل مثلاً ترى نفسها مع تحالف الإسلام السياسي متمثلاً بإيران، وفي هذه الحالة عليها أن تقبل بتحالف حليفها مع ألد أعدائها وهم الأخوان المسملين وهم أيضاً يسيطرون على كل الشمال السوري ويسعون للسيطرة على شرقه؟ أم ترى الحكومة السورية نفسها ضمن مبادئها البعثية والعروبية ضمن البيئة العربية في كنف المملكة السعودية والتي تشترط أن تكون بعيدة عن إيران أو على الأقل أن لا تصطفّ معها في أيّة مواجهة بين طهران والرياض أو طهران والكيان الإسرائيلي؟

يبدو أنّ كلا الخيارين غير منطقي للقيادة السورية، فلا استمرارها مع إيران وقوى الإسلام السياسي سيحلّ مشكلة العداء الدائم للمملكة وللإخوان ولا سيحلّ مشكلة الحصار والعقوبات واليأس من أيّة عملية إعمار، وفي ذات الوقت العودة إلى الحضن السعودي يعني الارتماء لقرارات الرياض وإسرائيل والاعتراف غير المباشر بشرعية استيلاء الكيان الإسرائيلي على الجولان والدخول في مواجهة أشدّ شراسة مع الأخوان المتغلغلين في الداخل وتركيا الإخوانية التي تحتلّ شمال البلاد!!!

فهل يلعب الرئيس السوري دور بيضة القبّان أم ستستمر المماطلة ريثما تقع كارثة تمزيق سورية إلى مناطق نفوذ دائمة وإخراجها من دورها الجوسياسي؟ القادم من الأيام سيكشف الكثير من القرارات والخيارات في ما يتعلق بمستقبل المواجهات الشرق أوسطية!!!!

 

]]>