ترامب – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Sun, 05 Jan 2020 10:09:56 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 قضيّة “سليماني” بين عقدة السفارة وخط الدّم https://casrlb.com/?p=1283 Sun, 05 Jan 2020 09:58:29 +0000 http://casrlb.com/?p=1283  

د.عباس مزهر

تصاعدت مؤخّرًا وتيرة الصراع الأميريكي الإيراني في الشرق الأوسط بدرجة حادة، بلغت أعتاب الأعمال الحربية، بدءً من اغتيال قيادات لمحور المقاومة في “سوريا” على يد جيش الكيان الإسرائيلي، وما تلاها من ردود فعل عسكرية لهذا المحور، مرورًا بالعمليات الإيرانية ضدّ ناقلات النفط في الخليج، واعتراض أربعة سفن تجارية، واحتجاز الباخرة البريطانية، وإسقاط الطائرة الأميريكية المسيّرة، والهجوم الخطير على منشأتين نفطيّتين من مرافق شركة “أرامكو” في “السعودية”، وصولاً إلى سلسلة الهجمات الصاروخية المحدودة على القواعد العسكرية الأميريكية في “العراق”، واغتيال كبير المقاولين الأميريكيين المتعاقد مع قاعدة “كركوك”، ممّا دفع أميريكا إلى اتهام إيران” بالوقوف وراء العمليات الأخيرة التي نفّذها الحشد الشعبي العراقي، فقامت بقصف مقرّاته ومخازنه وقتل عدد من مقاتليه. وما لبث أنْ تطوّر النزاع ليبلغ حدًّا هائلاً لا تطيقهُ “أميريكا”، وهو محاصرة سفارتها في “بغداد” واقتحامها وإشعال أسوارها وإحراق العلم الأميريكي الذي كان يعتليها، وإطلاق شعارات طرد الأميريكيين من البلاد. وقد بدا المشهد مشابهًا لاقتحام السفارة الأميريكية في “طهران” عام 1979 أثناء إندلاع الثورة الإسلامية في “إيران”، وهي العقدة التي لم تتعافَ منها “واشنطن” حتى اليوم، حيث لم تتحمّل تكرارها مما لها من تبعات مقلقة على هيبة “الولايات المتحدة الأميريكية” ومفهوم قوّتها ونفوذها، فأرادت رسم خط أحمر بدماء “قاسم سليماني”، على اعتبار أنّه الرجل الإيراني الثاني بعد المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وقائد العمليات العسكرية لمحور المقاومة في “الشرق الأوسط”.

لقد كان اللواء “سليماني” هدفًا للرصد والمتابعة الأميريكية منذ فترة طويلة، لكنّ قرار اغتياله لم يكن واردًا على الإطلاق لما له من تبعات وخيمة وعواقب تفجيريّة. لذلك يأتي تنفيذ هذه العملية المعقّدة كدلالة على مدى شدّة المأزق العميق للوجود الأميريكي في المنطقة، وعلى هول مهاجمة سفارتها في “العراق”. وقد وضعت الاستخبارات العسكرية الأميريكية كلّ إمكاناتها التكنولوجية الضخمة من أقمار اصطناعية ووسائل التعقّب وتقنيات التجسس لتصفية “سليماني”، فاستهدفت – بطائرة مسيّرة – موكبَهُ المؤلّف من مركبتين على طريق مطار “بغداد” الدولي، بالتنسيق مع عامل بشري على الأرض ساهم في تسهيل العمل التجسّسي والوصول إلى دائرته الضيّقة، مما يضع “العراق” والمنطقة في زاوية قاسية وحامية يُمكن أنْ تُبدّل أوجه الصراع والموازين الاستراتيجية فيه، خاصةً وأنّ هذه العملية تُعتبر انتهاكًا سافرًا لسيادة الدولة العراقية وللأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وقد أودت بحياة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعترف به رسميًّا من الحكومة العراقية “أبو مهدي المهندس”، الذي ساند الجيش العراقي في محاربة تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب.

مارست “إيران” عبر السنوات الأخيرة ضغوطًا عسكرية وسياسية تُهدّد الوجود الأميريكي في المنطقة، حيث دعمت الرئيس السوري “بشار الأسد” – عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا – في مواجهة المشروع الأميريكي، وبدأت بتصعيد الضغط على الأميريكيين في “العراق” بهدف إخراجهم منه: بدءً من دعم وتدريب الحشد الشعبي وتزويده بالمال والسلاح الذي ينفّذ بهِ عملياتهِ العسكرية ضدّ الأميريكيين، مرورًا بالمناورة البحرية المشتركة التي أجرتها مع “روسيا” و”الصين” في المحيط الهندي، وصولاً إلى طرح مشروع في مجلس النواب العراقي ينصّ على خروج القوات الأميريكية من “العراق”. وهذا ما ترفضه “أميريكا” جملةً وتفصيلاً، لأنّه يكشف ظهرها في “سوريا” ويُفقدها القدرة على اللعب بالمتناقضات كورقة “الأكراد” والفتن المذهبية، ويُضعف نفوذها في المنطقة، وبالتالي يُهدّد كامل وجودها في “الشرق الأوسط”. بِيدَ أنّ “الولايات المتحدة الأميريكية” ضاقت ذرعًا بالإكراهات الاستراتيجية التي تفرضها “طهران” على وجودها في المنطقة، خاصةً وأنّ المشروع الجيوبوليتيكي الأميريكي يقتضي تثبيت وتكريس وجودها في “العراق”، وذلك لأهداف عديدة: حماية مصالحها في “الشرق الأوسط”، ضمان أمن “الكيان الإسرائيلي”، السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وحركة تجارة النفط، ومحاصرة دول الممانعة، تهميدًا لعزل “روسيا” وقطع طريق الحرير على “الصين”. وقد قامت “أميريكا” بجهود جبّارة لدخول المنطقة عسكريًّا باحتلال أفغانستان عام 2001 بعد استغلال أحداث 11 أيلول وتدمير برجَي التجارة العالميَّين، وكذلك خوض حرب على “العراق” لاحتلاله في العام 2003، فلن ترضى بذهاب جهودها هباءً. لذلك أرادت رسم خط أحمر جديد يتعلّق بوجودها في “العراق”، فقامت باغتيال “سليماني” لتغتال بهِ مشروع محور المقاومة – باعتباره رأس الحربة فيه – القاضي بإخراج “أميريكا” من الأراضي العراقية والسورية، وتوهين وجودها في المنطقة لاحقًا.

وبناءً على ما تقدّم كانت أولى الخطوات الأميركية – بعد اغتيال “سليماني” وتذرّعًا بأيّ ردّ إيراني – تعزيز تواجدها في “العراق” عبر إرسال 3500 جندي أميركي، حيث سينضمّ إليهم 750 آخرين يتمّ استقدامهم من “الكويت”. فقد جاءت هذه العملية رسالةً صارمة إلى “طهران” بأنّ الوجود الأميريكي في “العراق” خطٌّ أحمر لن تسمح “واشنطن” بتجاوزه، وقد ظهر ذلك واضحًا في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأميريكية “مايك بومبيو” مع مسؤولي بعض الدول: روسيا، فرنسا، باكستان، السعودية والعراق نفسه، حيث اعتبر هذا الحدث عملية دفاعية بهدف التصدي لهجمات يُخطّط لها “سليماني” ضد أهداف أميريكية، وأنّ إيران تقوم بأنشطة تُهدّد استقرار المنطقة، مؤكّدًا أنّ “واشنطن” عازمة على حماية مصالحها ومنشآتها في المنطقة. ويبدو أنّ “أميريكا” تريد إخضاع “إيران” لإرادتها ودفعها خارج الجغرافيا العراقية، ورسم خرائط جديدة للصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

من المُلفت أنّ هذا النوع من العمليات التصفوية هو أسلوب جيش الكيان الإسرائيلي والموساد، وليس الأسلوب العسكري والاستخباراتي الأميريكي. فالولايات المتحدة الأميريكية عندما تُشخّص حالة عدائية لمصالحها تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية يتمّ تنفيذها عبر القوات الأميريكية بشكل مختلف عن الاغتيالات المعتمدة إسرائيليًّا. وغالبًا ما تستهدف “أميريكا” – وفق هذه الطريقة – قادة تنظيمات وليس قادة عسكريين لدول، علمًا أنّ محاولات اغتيال “سليماني” السابقة كانت إسرائيلية، لاسيما محاولة اغتياله في “إيران” خلال مراسم عاشوراء الفائتة. لذلك يبدو التأثير الإسرائيلي واضحًا في طريقة اغتيال قائد فيلق القدس الفريق “سليماني”، ورغم التصريحات الإسرائيلية بعدم سعي “تل أبيب” إلى استهدافه إلّا أنّ بصماتها واضحة فيه، وكذلك تأييد الحكومة الإسرائيلية للعملية الأميريكية يكشف رغبتها فيما حدث. وفي كلّ الأحوال يُعتبر حادث الاغتيال الأميريكي جريمة دولية وإرهاب دولة، ومخالفًا لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

إنّ اغتيال اللواء “قاسم سليماني”، الرجل الأقوى في المنطقة ومهندس محور المقاومة كان مفاجئًا وصادمًا، ليس ل”طهران” فحسب، بل للعالم بأسره، فيما لهذا الاغتيال من كسر لنسق المواجهة التقليدي. لذلك جاء حضور المرشد الأعلى السيّد “علي خامنئي” اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لأول مرّة دلالةً على فداحة الفعل الأميريكي الذي هزّ العالم، ورسالة واضحة لرأس الهرم الأميريكي “ترامب” الذي اتخذ شخصيًّا قرار الاغتيال من رأس الهرم الإيراني الذي تولّى شخصيًّا اتخاذ قرار الردّ. ومن الصعب جدًّا التنبّؤ بهذا الردّ، كونهُ مرتبطًا بالبيئة الاستخباراتية العسكرية وطبيعة تقييم الأهداف ومآلات استهدافها، ولكن هناك ساحات عديدة وواسعة أمام الإيرانيين قد تكون في دائرة الاستهداف، منها: القواعد الأميريكية في “العراق” و”سوريا” و”الخليج”، ناقلات النفط أو السفن التجارية في مضيق “هرمز”، أو السفارات الأميريكية في المنطقة، أو مهاجمة حلفاء “واشنطن” عبر حلفاء “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، الأمر الذي سيكون الأكثر دراماتيكية في حال تمّ التنسيق معها للقيام بردّ فعل عابر للحدود. وسيكون محور المقاومة أمام فرصة لإقرار قانون خروج الأميريكي المقدّم في مجلس النواب العراقي والذي اتخذ مسوّغًا أقوى ليتقرّر بعد الاعتداء السافر على السيادة العراقية بالعملية الأميريكية، وكذلك اشتداد المقاومة العراقية ضد الأميريكيين باعتبارهم قوة احتلال، أضف إلى ذلك إعادة محاصرة السفارة الأميريكية في “العراق”، وربّما توسيع رقعة الاحتجاجات ضد سفارات أميركية في المنطقة.

بالعودة إلى ما أسميناه “عقدة السفارة”، تشكّل السياسة الخارجية “للولايات المتحدة الأميريكية” أسُس حضورها العالمي وهيبتها وشخصيّتها المعنوية، وسفارتها تُعتبر أرضًا أميريكية وفقًا للقوانين الدولية. ولا يزال اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميريكية في “طهران” خلال الثورة “الخمينيّة” يُشكّل عقدة في الوعي السياسي الأميريكي وفشلًا ذريعًا غير مسبوق للدبلوماسية الأميريكية، حيث تمّت مصادرة الوثائق السرية للسفارة واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن ممّا سبّب آنذاك أزمة دولية كبيرة، وكذلك مشكلة في الداخل الأميريكي جعلت الرئيس “جيمي كارتر” عام 1980 يقوم بعملية “مخلب النسر” في الأراضي الإيرانية لكسب الانتخابات الأميريكية، لكنّ العملية فشلت واستتبعت نتائج عكسية أدّت إلى خسارته لصالح “رونالد ريغان” الذي استغلّ حادثة السفارة في حملتهِ الانتخابية، وقام بحلّ الأزمة بالتفاوض الدبلوماسي الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاقية “الجزائر” عام 1981 بين “طهران” و”واشنطن” لتُفضي إلى الإفراج عن الرهائن الدبلوماسيين الأميريكيين بعد دقائق من أداء الرئيس “ريغان” قسم اليمين أمام الكونغرس.

لقد فجّر مشهد اقتحام السفارة الأميريكية في “بغداد” ذعرًا وجوديًّا ل”أميريكا”، حيث أعاد إلى أذهان الأميريكيين مشهد اقتحام سفارتهم في “طهران”، وهذا ما يُوجع “الولايات المتحدّة الأميريكية” ويصيبها في مقتل، خاصة أنّ مكانتها في العالم تعتمد على هيبتها ونفوذها، فلن تتحمّل أيّة ضربة في مركّب القوّة لديها. واليوم تُعاني “أميريكا” من أزمة تدبير قوّتها في “الشرق الأوسط” والعالم، ويواجه “ترامب” أزمة داخلية يسعى إلى الخروج منها. وقد تكون إهانة السفارة الأميريكية في “بغداد” سببًا لإنهاء عهد “ترامب” مثلما كانت إهانة السفارة الأميريكية في “طهران” سببًا لإنهاء عهد “كارتر”، الذي زاد درامية الأزمة بعملية “مخلب النسر”. وقد تُسفر عملية “البرق الأزرق” التي أطلقها “ترامب” لاغتيال “سليماني” عن عواقب وخيمة على عهدهِ، وتكون سببًا لخسارتهِ الانتخابات المقبلة أمام رئيس آخر يُعيد معالجة الأزمات مع “طهران” بالدبلوماسية. كلّ ذلك مرهون بالردّ الإيراني الذي لا مناص من أنّه آتٍ بقسوة وحزم، إنطلاقًا من خط الدمّ الذي حدّدته “الولايات المتّحدة الأميريكية”.

]]>
تقدير استراتيجي: قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية. https://casrlb.com/?p=1153 Fri, 28 Jun 2019 14:57:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1153  

يعمل هذا التقدير من مركز الدراسات والأبحاث الأنتروسراتيجية على إبراز المتغييرات ذات الأثر الاستراتيجي في اجتماع مجموعة العشرين في أوساكا.

تتألف قمة أوساكا من ثلاث أجندات رئيسية تحملها اليابان، ويعمل رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” على تحويل هذه الأجندات إلى نقاط اتفاق مشتركة بين قادة الدول المجتمعة، وتركز هذه الأجندات على :

  • العمل على الحفاظ على النظام الدولي للتجارة الحرة والنزيهة وتعزيزه في نهاية المطاف. بالنسبة إلى قادة آسيا ، هذا يعني صياغة RCEP”” ، أو الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، وهي اتفاقية متقدمة للتجارة الحرة بين الدول العشرة الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ودول الهند والمحيط الهادئ الستة (أستراليا، الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، ونيوزيلندا)، وإصلاح منظمة التجارة العالمية.
  • الأجندة الثانية في جدول الأعمال تتعلق بالاقتصاد الرقمي، حيث مكنت رقمنة الاقتصاد نماذج أعمال فريدة وغير مسبوقة، ولكنها جلبت أيضًا تحديات جديدة ، مثل ازدواجية الضرائب المفروضة على الشركات متعددة الجنسيات، ولا يمكن حل هذه القضايا إلا من خلال التعاون الدولي، والتركيز على سهولة تدفق البيانات الرقمية، وميزاتها في الحد من أيّة عوائق مادية، والتي ستشكل في حال الاتفاق عليها قاعدة جديدة تحل محل البترول وأدواته كمحرك للاقتصاد العالمي.
  • الأجندة الثالثة لقمة أوساكا هي أهمية الابتكار في مواجهة التحديات البيئية العالمية، حيث حددت هذه الأجندة أهدافها في “تقرير 1.5 درجة مئوية” الصادر عن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، حيث لا يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال التنظيم وحده، وإنما العمل على تعزيز ودعم الابتكار الذي يقلب الشيء السلبي إلى شيء إيجابي كمفتاح لتحقيق أهداف المناخ في العالم.

هذه الأجندات الثلاث ترتكز على دعم نظام “DFFT”، وهو نظام يضمن إتاحة التدفق الحر للبيانات وفقًا للقواعد التي يمكن لجميع الجهات الحكومية وغير الحكومية الاعتماد عليها. وفي حين أن القمة تحمل ثلاث أجندات أساسية تتمثل بمواقف وآراء أكبر 20 اقتصاد في الأرض منها، يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن هذه الأجندات هي أجندات فرعية أمام الأجندات الحقيقية التي أتى بها كل رئيس وزعيم دولة إلى الاجتماع، حيث تصب كل الأجندات اليابانية الثلاثة في صالح منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا، وتركز تركيزًا أساسيًا على تطويرها وتنميتها، وتنتطلق منها نحو الاقتصاد الدولي وحل الأزمات العالمية الاقتصادية منها والبيئية.

والواقع أن الأجندات الفرعية هي التي ترسم مسار القمة ونتائجها، وتحدد هذه الأجندات اللقاءات الثنائية التي ستعقد على هامش القمة، وكيفية حل الإشكالات المعقدة بين الدول الكبرى، وتشكل أجندة الولايات المتحدة الأمريكية حجر الأساس في أي تفاهم دولي من الممكن أن يحدث أو أن يتعثر.

 

أهم اللقاءات على هامش القمة وتأثيراتها الاستراتيجية:

 

لقاء الرئيس “ترامب” والرئيس “بوتين”:

يُعدّ هذا اللقاء أهم لقاء في أوساكا وأكثره تأثيراً على التوازن الاستراتيجي، حيث يسعى الرئيس الروسي من خلال هذا اللقاء إلى إعادة بناء صيغة تعاونية ذات طابع أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية تمكنه من حلحلة الأزمات العالقة بين الطرفين سواءً على مستوى الملفات الملتهبة (سورية، فنزويلا، أوكرانيا)، أم على مستوى التوازن الاستراتيجي بين الطرفين من ناحية الدفع نحو التخلي عن معاهدة “ستارت3” للأسلحة الاستراتيجية النووية، ومخاطر ذلك على السلم والأمن الدوليين.

أما الرئيس الأمريكي فيربط نجاح أي تفاهم ثنائي بما يخص التوازن الاستراتيجي بين الدولتين، بإقحام الصين في هذه التفاهمات وإلزامها بتوقيع صيغة جديدة من الاتفاقيات حول الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وأيضًا حول الأسلحة الاستراتيجية، في حين لا يزال الرئيس ترامب ثابت على موقف إدارته بما يتعلق بالملفات الباقية، ومسارات معالجتها، ويشكل طرح هذه الملفات بعد اللقاء الثلاثي لمستشاري الأمن في القدس المحتلة (الروسي-الإسرائيلي-الأمريكي) حول دور إيران في سورية ومستقبل الملف السوري، تأكيدًا على مخرجاته بين الرئيسين.

 

لقاء الرئيس “ترامب” والرئيس الصيني “شي جين بينغ”:

يحمل الرئيس الصيني الكثير من أوراق القوة التي حضّرها جيدًا قبل هذا الاجتماع، في أجندة صينية دسمة تضع مصالح واشنطن في شرق وجنوب شرق آسيا بحرج شديد، حيث عمل للاستحواذ على الملف الكوري الشمالي بالاتفاق مع رئيسها “كيم جونغ أون” بتاريخ 20/06/2019 وربط مصالح الصين بالمصالح الكورية الشمالية كما وضحها المركز في تقدير بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة) بحيث يصبح الملف الكوري الشمالي ورقة ضغط كبيرة في وجه الرئيس الأمريكي، وهو ما تنبّه له ترامب وسارع إلى إعادة تنشيط العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ، دون تحقيق تقدّم يُذكر.

 

أما الرئيس الأمريكي فمن المتوقع في هذا اللقاء أن يمارس الضغط على الصين بملفات عديدة منها هونغ كونغ وتايوان وشينغيانغ، والتي وضحها المركز سابقًا في تقديره بعنوان: (التطويق الأزموي للصين [هلال الاضطراب الداخلي] )، نحو التوصل إلى اتفاق ثنائي بشأن حماية الملكية الفكرية الأمريكية، كجزء من الحرب التجارية بين الطرفين، إضافة إلى التفاوض على ضمانات أمنية سيبرانية للحد من أي هجوم أو استحواذ غير شرعي من قبل الصين على المعلومات والبيانات الأمريكية، خاصة بعد انتشار تحقيق وكالة رويترز الدولية بالجرائم الإلكترونية، التي تتهم واشنطن وزارة الدفاع الصينية برعايتها، تحت عنوان: “China’s ‘Cloud Hopper’ hackers”.

كما من المتوقع أن يربط الرئيس الأمريكي أمن الناقلات النفطية المتوجهة إلى الصين من مضيق هرمز في محادثاته مع الرئيس الصيني، تحت مقترحين الأول أن تقبل الصين بتسوية الحرب التجارية بالشروط الأمريكية، وتتولى واشنطن أمن ناقلات الصين في أي خطة أو إجراء أمريكي في الشرق الأوسط، أو أن تشارك الصين بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وترسل سفنها الحربية إلى المضيق، في مسعى أمريكي لتمرير مشروع تطويق النفوذ الإيراني في الخليج تحت الصفقات والتسويات الكبرى.

 

ومن المؤكد أن هذا اللقاء لن يحمل التسويات والاتفاقيات النهائية، حيث سيناور الرئيس الصيني ببراعة فائقة مستعيناً بالملفات الضاغطة التي في حوزته، ولكن سيشهد هذا اللقاء تفاهمات مبدئية مهمة على صعيد فرض مزيد من الرسوم، وعلى صعيد الملفات الأمنية كافة بين الطرفين باستثناء مسألة إقحام واشنطن وموسكو – في حال اتفقتا – لبكين في مسألة الخلل الاستراتيجي بين الدولتين، ومعاهدات الحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية والنووية، حيث تعتبر الصين نفسها خارج هذا السياق تماماً ولاتدعم برامج ضخمة في سبيل ذلك.

 

لقاء الرئيس “ترامب” برئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي”:

يحمل هذا اللقاء ملف التجارة والميزان التجاري الأمريكي الياباني بالدرجة الأولى، حيث يسعى الرئيس الأمريكي إلى تقديم عرض مباشر لرئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” لتعديل كفة الميزان التجاري التي تميل إلى صالح اليابان بسبب صادراتها من السيارات وقطع غيارها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رئيسي، ويتلخص العرض الأمريكي بزيادة شراء اليابان للمعدات والأسلحة الأمريكية كأسلوب لتحقيق التوازن في الميزان التجاري بين الدولتين، أو فرض رسوم على واردات اليابان إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

كما سيطرح الرئيس الأمريكي على طوكيو مراجعة الاتفاق الأمني بين الطرفين الموقع في عام 1960 والذي يضمن الحماية الأمريكية لليابان في حال تعرضت لأي هجوم خارجي، ولا يلزم اليابان المشاركة في أية معركة أو التصدي لأي هجوم تتعرض له القوات الأمريكية، ليضع طوكيو تحت خيارين إما الإبقاء على الاتفاقية مقابل مشاركة قوات يابانية في حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وحماية الناقلات اليابانية، أو تعديلها بحيث تضمن مشاركة اليابان في الضمانات الأمنية بشكل مشترك بين الطرفين.

 

لقاء الرئيس الأمريكي “ترامب” بالرئيس التركي “أردوغان”:

يُعدّ هذا اللقاء من اللقاءات الهامة على هامش القمة، حيث ستتحدد مستقبل العلاقة الأمريكية التركية من خلال مناقشة صفقة الصواريخ الروسية S-400 ، التي اشترتها أنقرة من موسكو، حيث سيضغط الرئيس التركي على الرئيس الأمريكي باللجوء إلى التحكيم الدولي في حال محاولة واشنطن فرض عقوبات اقتصادية على تركيا بذريعة شراء المنظومة الدفاعية الروسية، كما من الممكن أن يقترح الرئيس الأمريكي غض النظر عن الصفقة الجارية وإطلاق تعاون تركي أمريكي في شرق سورية، في مقابل تعاون تركيا فيما بعد مع الناتو، وتخفيض التوتر في بحر إيجة مع اليونان، والحل السلمي لموضوع التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية، إضافة إلى إعطاء الناتو الحق في الوصول إلى المنظومة الروسية والاطلاع سراً على المنظومة ودراستها.

وسيعمل الرئيس الأمريكي على تقريب وجهات النظر بين كلّ من تركيا وقطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة ثانية خلال لقائه مع ابن سلمان. وبالرغم من أنّ الملفات بين الطرفين ليست بحجم دولي، إلا أنها ملفات خطيرة وذات تأثير دولي حاسم في التوازن الاستراتيجي بين الدول الكبرى. ومن المرجح أن يحمل هذا اللقاء تفاهمات مهمة، خاصة مع اهتزاز مكانة الحزب الحاكم في تركيا، ووضع الاقتصاد التركي.

 

لقاء الرئيس الروسي “بوتين” بولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”:

يسعى الرئيس الروسي من خلال هذا اللقاء إلى إظهار مدى عمق العلاقة بين المملكة السعودية وروسيا، كما يعتبر الرئيس الروسي من أهم الداعمين لمحمد بن سلمان شخصياً، حيث استمر دعم الرئيس “بوتين” لولي العهد السعودي حتى في أكثر اللحظات سوداوية أثناء الاتهامات التي لاحقت ابن سلمان في مقتل الخاشقجي، ومن المتوقع أن يكون الملف السوري ودور إيران في سورية على رأس هذه المباحثات، حيث لاتزال تسعى موسكو إلى التأثير على الرياض لإعادة سورية إلى وضعها الطبيعي في الجامعة العربية كأحد أساسيات الحل للملف السوري، إضافة إلى التأكيد على استمرار العمل بآليات “أوبك+” للتحكم بأسعار النفط ومنعها من الهبوط بشكل يضر اقتصاد البلدين، وفي كلا الملفّين يسعى الرئيس “بوتين” إلى اجتذاب الرياض نحو موسكو، وتطمين الرياض بقدرة موسكو على ضمان الأمن في الشرق الأوسط مقابل تخفيض التوتر والتصعيد مع إيران والتي من الممكن أن تنفجر في أيّة لحظة بما يضر مصالح الجميع.

 

مستقبل القمة والأجندات ذات التأثير على مسارها:

 

الأجندة الروسية:

تعمل روسيا من خلال لقاءاتها الثنائية على ضبط الصراعات في المناطق الملتهبة، وتقديم نفسها كمرجعية أمنية، وذلك من خلال التأثير على دول كلّ من الشرق الأوسط، والاتحاد الأوروبي، في سعي نحو صياغة معادلة أمن إقليمي روسية للشرق الأوسط، تتضمن تحييد خطر الحرب، وضمان مصالح الجميع، بما فيهم مصالحها (ويشكل إثارة مسألة توريد منظومة S-400  لإيران أحد تطبيقات هذه الأجندة)، إضافة إلى محاولة الوصول إلى تفاهمات ثنائية مع قادة دول الاتحاد الأوروبي بتحييد الساحة الأوروبية عن الصراع الأمريكي الروسي. وعلى الساحة الآسيوية يشكل بناء توافق بين كل من الصين والهند، وصياغة تحالف استراتيجي مشترك أحد أهم أهداف الأجندة الروسية.

 

الأجندة الأمريكية الموازية:

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بأجندتين متوازيتين، الأولى علنية، يفاوض من خلالها ترامب رؤساء الدول في اللقاءات الثنائية، أما الأجندة الثانية فهي أجندة موازية غير معلنة، تستخدم في حال فشل الأجندة الأولى، وتحمل في طياتها مشروع أزمة جيوسياسية جديدة، حيث يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأتنروستراتيجية هذا المشروع، بتحويل جنوب شرق آسيا إلى بيئة خصبة للنزاعات والصراعات بين دولها، من خلال انسحاب أمريكا من المعاهدة الأمنية لليابان، وسحب وقواتها من جزيرة أوكيناوا اليابانية، ذات الموقع الاستراتيجي والواقعة بين بحر الصين الشرقي والجنوبي، وتطوير مرتكز جيواستراتيجي أمريكي جديد في ميناء داروين شمال استراليا، حسب ما أفادت شبكة “إيه بي سي” التلفزيونية الأسترالية 24/06/2019، أنّ كانبيرا تعتزم بناء ميناء جديد على الساحل الشمالي للبلاد قادر على استيعاب سفن حربية ضخمة تابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وذلك في إطار الجهود الرامية للتصدّي للوجود المتنامي للصين في المنطقة.

هذه الإجراءات ستؤدي إلى إطلاق سباق تسلح جديد ينهك كل من الاقتصاد الياباني الذي سيضطر في هذه الحالة إلى زيادة الانفاق الدفاعي وزيادة مشترياته من الأسلحة الأمريكية، بالإضافة إلى الضغط على نمو الاقتصاد الصيني، واقتصاديات الدول في مجموعة (آسيان)، ووضع المنطقة في توتر دائم يمنع أي تحقيق لمشاريع التنمية الاستراتيجية المستدامة، بحيث تحوّل واشنطن وجودها العسكري إلى حاجة ماسة لأمن دول المنطقة، وضامن لعدم الانجرار نحو سباق تسلح إقليمي منهك للجميع، أو حروب قد تشتعل بأي لحظة، تحت تهديد الانسحاب إلى الخلف.

 

مستقبل قمة أوساكا والأجندات اليابانية الثلاث:

في المحصلة عدة أطراف تحمل أجنداتها الخاصة في هذه القمة، وفي حين أنّ طوكيو تحمل أجندات واضحة للقمة، كأجندات تنموية مهمة، وتضع مسارًا لهذه الأجندات يستمر لما بعد القمة، إلا أن التوافق الكلي على أجنداتها أمر بالغ الصعوبة ويتعذر تحقيقه في هذه القمة، نظرًا إلى الرفض الأمريكي لأي مقترح يتعلق بإصلاح منظمة التجارة العالمية، وتمنع واشنطن في الوقت الراهن تعيين محكّمين جدد في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية وتضم الهيئة ثلاثة قضاة فقط بدلاً من سبعة. وفي ديسمبر 2019، سيستقيل عضوان منها وبذلك لن يتحقق النصاب القانوني، في خطوة مقصودة لتغطية تجاوزاتها في الحرب التجارية، واتباع نهج “الحمائية”، فيما ستتوافق مجموعة (آسيان) مع الاتحاد الأوروبي وروسيا حول هذه الأجندة، وستتوافق أيضاً على الأجندة الثالثة الداعية إلى الابتكار في مواجهة التغييرات المناخية وتشكيل غرفة علمية مشتركة تضمن أهم العلماء والمبتكرين في اليابان.

وبالنظر إلى التهديدات السيبرانية التي تتحدث عنها كلّ من أمريكا وأوروبا، فمن غير المحتمل أن توافقا على تنشيط نظام “DFFT” كنظام عالمي يضمن إتاحة التدفق الحر للبيانات، بدون ضمانات أمنية من روسيا والصين كمصدر لهذه التهديدات، والذي يبقى رهن اللقاءات على هامش القمة دون أي توقّع بحدوث خرق في هذا الحقل.

 

]]>
تقدير موقف: زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة!! https://casrlb.com/?p=1074 Sun, 23 Jun 2019 10:22:17 +0000 http://casrlb.com/?p=1074  

في إطار زيارة الرئيس الصيني لبيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية التي بدأت 20/06/2019 واستمرت ليومين كاملين، في زيارة هي الأولى من نوعها لرئيس صيني منذ 14 عاماً، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنترواستراتيجية هذه الزيارة في سياق السعي الصيني للسيطرة على مكاسب وعوائد أي اتفاق أمريكي مع كوريا الشمالية بعد الدفع باتجاهه، كما تعد هذه الزيارة علامة فارقة في السياسة الخارجية الصينية في مواجهة واشنطن وأجنداتها في بحر الصين الشرقي، وفي الملفات المشابهة.

حيث بدأت بكين تنتهج سياسة خارجية تعتمد على تفريغ محتوى السياسات الأمريكية المعادية، لتتوافق معها من حيث الشكل وتستجر المضمون لصالح الصين ومشاريعها الاستراتيجية، فبعد أن طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس الصيني الحضور في قمة العشرين مستخدماً خطاب التهديد الاقتصادي في سبيل ذلك، أعلنت الصين مشاركة رئيسها في القمة، وسبقتها بزيارة تاريخية لبيونغ يانغ تحت عنوان دفع الجهود الدبلوماسية المتعثرة بين بيونغ يانغ وواشنطن، في رسالة قاسية للإدارة الأمريكية شبيهة بالرسالة التي أرسلتها بكين بزيارة الرئيس الصيني لمعامل إنتاج المعادن النادرة، عندما توعدت واشنطن فرض المزيد من الرسوم على البضائع الصينية، كلا الزيارتين حملتا رسالتين قاسيتين بأسلوب ناعم، حول قدرة الصين على تعطيل أهم إنجازات الإدارة الأمريكية، وضرب صورة التفوق التي تسعى إليه بالعمق، فلا الصناعات التكنولوجية المعقدة تستطيع الاستمرار بدون تصدير المعادن النادرة اللازمة لهذه الصناعة من الصين، ولا حتى جهود ترامب وإدارته بالتوصل إلى أي إنجاز في الملف الكوري الشمالي يدعم بقاء ترامب لدورة جديدة، والذي بطبيعة الحال له تأثير على مستقبل أي تفاهمات ممكن أن تنشأ بين واشنطن وطهران بحكم تشابه الملفين.

 

الزيارة الرئاسية الصينية لكوريا الشمالية  شكلت ورقة ضغط إضافية سيستخدمها الرئيس الصيني للضغط على ترامب في محادثاتهما المرتقبة على هامش قمة العشرين القادمة في أوساكا اليابانية، لتجزئة الملف التفاوضي بين بيونغ يانغ وواشنطن، بشكل خطوات متبادلة يقوم بها الطرفان تضمن صدق النوايا، وليس بالشكل الحالي القائم على تطبيق بيونغ يانغ لكل شيء وانتظار رحمة القرار الأمريكي، بالتالي أصبحت الزيارة الصينية بمثابة توكيل رسمي من الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” للصين بالتفاوض والضغط بالنيابه عنه أمام ترامب، وفي ذات الوقت تفويض غير مباشر من الصين لبيونغ يانغ بالاتفاق المسبق على أي تصعيد مستقبلي، مع إبقاء الصين لبوابتها التفاوضية مفتوحة، والذي من المتوقع إطلاقه في أكثر الأوقات حرجاً على الإدارة الأمريكية الحالية في سباقها الانتخابي، في حال عدم رضوخ ترامب لمطالب كل من بكين وبيونغ يانغ.

 بمعنى آخر عكس موقف ترامب القوي الضاغط على كل ملف على حدى، بموقف صيني-كوري شمالي مشترك يقوم على توحيد الجهود لممارسة أقسى أنواع الضغط المشتركة على ترامب.

تفاصيل التفاهمات الصينية-الكورية الشمالية:

يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية تفاصيل التفاهمات الثنائية تحت فصلين:

 

الفصل الأول (التفاهمات الأمنية): حيث قدمت بكين ضمانات أمنية لبيونغ يانغ في سبيل حماية النظام الشيوعي ضد أي تهديد أو اعتداء أمريكي، في حال نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع القوة النووية الأمريكية بالقوة النووية الصينية، وبالمقابل تنسق بيونغ يانغ كل خطواتها التصعيدية ضد واشنطن مع الصين في الحالات الاضطرارية حسب التقدير الصيني، لاستخدامها لمصالح الطرفين معاً.

 

الفصل الثاني (التفاهمات الاقتصادية): حيث اتفق الطرفان على أولوية بكين على واشنطن في اي استثمار، أو إطلاق لمسار النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، في حال نجاح المبادرة الأمريكية بموافقة كوريا الشمالية، وإلغاء العقوبات الاقتصادية ضد بيونغ يانغ، مقابل قروض وامتيازات سعرية تحصل عليها كوريا الشمالية من الصين، تعوض فيها الصين الوارد المقتطع من الرسوم الأمريكية ضد الصادرات الصينية.

 

تفاهمات من هذا النوع تكون فيها دولة بحجم وقوة الصين طرفاً أساسياً وراعياً لها، لا تعد فقط تفاهمات ثنائية بنطاق إقليمي محدود، وإنما مؤشر مهم لتوجهات وأسس السياسة الخارجية الصينية تشير بالدرجة الأولى إلى إمكانية تطبيق ذات الأسلوب في الملفات المشابهة، كالملف الإيراني على سبيل المثال، حيث ضغطت هذه الزيارة بشكل غير مباشر على رد الفعل الأمريكي تجاه إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، ومن المتوقع في ذات السياق أن تتجه الصين في حال نجاح تجربتها مع كوريا الشمالية، لتطبيق ذات النموذج مع إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن استراتيجية محدثة تجعل الصين صاحبة اليد العليا في الملفات الملتهبة والشائكة بشكل يمنحها نفوذاً وقوة ضاغطة جديدة تمكنها من التصدي للاستراتيجية التقويضية الأمريكية ضد الصين.

]]>
إعادة فتح ملف الخاشقجي ضغط أمريكي جديد باتجاه صفقة القرن!! https://casrlb.com/?p=1070 Fri, 21 Jun 2019 10:38:27 +0000 http://casrlb.com/?p=1070  

صلاح النشواتي – المدير العام

لم يشكل ملف الخاشقجي يوماً ملفاً إنسانياً بمقتل صحفي في سفارة بلاده، بل كان منذ اللحظة الأولى التي استقر فيها خاشقجي في الولايات المتحدة الأمريكية مشروع استخباراتي بغطاء صحفي، حيث عانى ترامب كثيراً من الموروث الاستراتيجي لسلفه أوباما، والمتمثل في الخلاف العميق بين دول الخليج من جهة، وتركيا وقطر من جهة ثانية، والناتج عن دعم أوباما لانقلاب الرياض على مشروعه الأول (الربيع العربي) بعد استيلاء أنقرة عليه، ومحاولتها إعادة إحياء الامبراطورية العثمانية بربط الأنظمة الإخوانية، وازدياد نفوذ إيران التي تحالفت مع الإخوان على غير المتوقع أمريكياً.

هذا المشهد كان قد استعصى على ترامب وإدارته، خاصة بعد فشل الانقلاب الأمريكي الذي قاده أوباما على أردوغان، ووصل إلى درجة تغيير المنظور الاستراتيجي لللأزمة الدائرة بين حلفاء واشنطن، وبهذا المنظور تم إعادة تحديد القيمة الأعلى لتركيا على حساب الرؤية السعودية، والعمل على صياغة دور واشنطن الجديد من طرف في الصراع إلى مدير للصراع، والذي كانت نتيجته إعلان الانسحاب الأمريكي من شمال شرق سورية في أواخر العام الماضي.

من هذا المنظور عمل ترامب على تغيير سلوك ورؤية محمد بن سلمان بما يمثله من المشروع والرؤية الجديدة للسعودية والتي تصنف تركيا كعدو، بما ينسجم مع رؤية ترامب، ومشروعه في المنطقة، بالشراكة مع أنقرة، لتضع الاستخبارات الأمريكية والتركية خطة واحدة بطلها الخاشقجي، تكمن في إرساله بذريعة تثبيت زواجه في السفارة السعودية في تركيا، لاستدراج محمد بن سلمان وفريقه لخطفه وإعادته إلى السعودية قسراً، وبهذا الحدث يتم إطلاق أول حركة سعودية داخلية معارضة تستهدف ابن سلمان وسياساته بموجة إعلامية جارفة، كوسيلة بيد ترامب للتحكم بالسياسة الخارجية السعودية بما يتوافق مع مخططاته الجديدة في المنطقة، مع تهديد ابن سلمان باستبداله بأخيه خالد بن سلمان سفير المملكة حينها في واشنطن، (وهو أحد أسباب عدم اختيار السفارة السعودية في أمريكا لتنفيذ العملية).

وليست واشنطن وأنقرة وحدهما من كانتا تحيكان مشروعهما الخاص، ليتضح فيما بعد أن الاستخبارات البريطانية (MI6) كانت على علم بالأجندة التركية الأمريكية، وحاولت أن تلعب لعبتها الخاصة، حسب ما نشرت صحيفة  “Daily Express” في 24/10/2018 وأفادت فيه بأن لندن علمت مسبقًا بأن خاشقجي في خطر، ونقلت الصحيفة في هذا الصدد عن مصادر في الاستخبارات البريطانية أن الأجهزة الأمنية اعترضت محادثات لضباط في الاستخبارات السعودية، أمروا باختطاف خاشقجي في تركيا ونقله إلى الرياض، وسمح لهم بالتصرف حسب الظروف في حال لاقوا مقاومة من خاشقجي، ووفق الصحيفة، هذه المعلومات وصلت إلى لندن قبل ثلاثة أسابيع من اغتيال خاشقجي، وناشدت السلطات البريطانية نظيرتها السعودية عدم تنفيذ العملية، حيث كانت ترغب بريطانيا باختطافه مسبقاً بذريعة حمايته، للضغط على الرياض نحو طرح شركة أرامكو في بورصة لندن وليس نيويورك، علماً أن وزير الخارجية البريطاني كان قد نفى ذلك بعد أسبوع من صدور تقرير الصحيفة.

وبغض النظر عن الأطراف التي حاولت المشاركة في العملية واستجرار ورقة ضغط لصالحها، إلا أن المؤكد أن الجميع كان لديه علم مسبق بنية الرياض خطف الخاشقجي وليس قتله، وبمجرد اختفائه وتأكيد خبر مقتله، حدث الإرباك الأكبر بالنسبة لكل من أنقرة وواشنطن، وساد الصمت لوقت طويل في البيت الأبيض عن التعليق، فمقتل خاشقجي لم يكن مدروساً، ولا معداً له، بأي شكل من الإشكال خلال ترتيب العملية، ما دفع أنقرة لاستغلال الحدث وتحويل الجهود نحو الإطاحة الكاملة بابن سلمان وليس فقط الاكتفاء بإطلاق معارضة له، والضغط عليه.

هذا الاتجاه كان قد اقتنع به الرئيس الأمريكي ترامب ليكون أول من يوجه اتهام مباشر لمحمد بن سلمان بقتل جمال خاشقجي، ولكن شيئاً ما خلف الكواليس قد حدث وطوى ملف الخاشقجي حينها، وحتى ترامب لم يعد يملك القدرة على المناورة في الملف، فما هو؟

اتصال واحد في 10/10/2018 قلب كل المشهد رأساً على عقب، حيث اتصل محمد بن سلمان بجاريد كوشنر صهر دونالد ترامب وكبير مستشاريه، وليس السبب في ذلك منصب كوشنر الرسمي، وإنما لعلاقته الوطيدة كيهودي صهيوني بمالكي البنك الاحتياطي الفدرالي، البنك الذي يلعب دور البنك المركزي للولايات المتحدة الامريكية، والمسؤول الوحيد عن طباعة الدولار، ليتدخل البنك لصالح ابن سلمان، وتمارس ضغوطاً شديدة على ترامب في سبيل ذلك، حتى وصل الأمر لتأثير الاحتياطي الفدرالي على الاقتصاد الأمريكي وضغطه على الأسهم الأمريكية التي تراجعت بشدة، بعدما هاجم ترامب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واصفًا إياه بالمشكلة الوحيدة التي يعاني منها اقتصاد بلاده.

هذا التدخل لإنقاذ ابن سلمان لم يكن مجانياً على الإطلاق، بل كان اتفاق مقايضة على مستقبل ابن سلمان الملكي بالقضايا العربية والإسلامية الأساسية لمصلحة الكيان الإسرائيلي، هذا الاتفاق كان على مرحلتين تمثلت الأولى بموافقة المملكة على زيارة نتنياهو لسلطنة عمان في 28/10/2018، وإطلاق خط سكك السلام الحديدية التي تربط سلطنة عمان والإمارات بميناء حيفا، وهو مشروع مدمر لمستقبل كل من لبنان وسورية ويفقدهما جزء كبير من أهميتهما الجيوسياسية بالإشراف على المتوسط، ويقوض مستقبل اقتصادهما.

أما المرحلة الثانية وهي الأخطر تكمن في موافقة السعودية على صفقة القرن، كدفعة ثانية من ابن سلمان للحفاظ على مستقبله الملكي، لكن بخطوة مفاجئة، يقوم الملك سلمان بسحب الملف الفلسطيني من ابنه ولي العهد منذ بداية هذا العام، بحركة التفافية على الاتفاق السابق، وذلك بحسب ما أعلن مسؤول دبلوماسي إسرائيلي على القناة العاشرة الإسرائيلية في 11/02/2019، هذه الحركة الالتفاقية دفعت بالرياض لتحريض السلطة الفلسطينية بعدم الموافقة على أي قرار أو صفقة أو تسوية، وتصعيد الوضع مع الاحتلال الإسرائيلي بعدم قبول الأموال الفلسطينية منقوصة، بعد أن صادقت الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ قانون يقضي باقتطاع أكثر من (500 مليون شيكل) من أموال المقاصة الفلسطينية، عقاباً للسلطة الفلسطينية على استمرار تمويلها ودفعها رواتب شهرية ومخصصات مالية لعوائل الأسرى والشهداء الفلسطينيين، حتى ولو أدى ذلك إلى انهيار السلطة الفلسطينية بالكامل، في حين تعلن الممكلة عن مشاركتها في مؤتمر البحرين والذي يعد مقدمة لصفقة القرن، ولكن بدون فعالية حقيقية لغياب الطرف الفلسطيني كطرف أساسي ومعني بالتسوية.

هذه المناورة التي قامت بها الرياض بعد عقد ولي عهدها اتفاقاً مع كبار الصهاينة في هذا العالم، دفع بهؤلاء إلى العديد من الإجراءات منها الضغط على الكونغرس ليتجه ضد السعودية ومصالحها، ووصلت في نهاية الأمر إلى إعادة فتح ملف الخاشقجي على يد “أنييس كالامارد” المحققة الخاصة، ومقررة الأمم المتحدة المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، وجر اسم ولي العهد مباشرة إلى الملف والادعاء الفوري بالتقرير بتورطه، مع أن الأدلة التي عالجتها هي أدلة استخباراتية بالدرجة الأولى، وتدل ليس فقط على الجريمة التي وقعت في السفارة، وإنما على تنصّت الاستخبارات التركية على السفارة السعودية في ذلك الوقت.

هذا الملف سيضع الملك سلمان بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن يضحي بابنه وولي عهده ويقبل باستبداله بخالد بن سلمان وقيام مصالحة كبرى بين السعودية والإخوان كنتيجة طبيعية لانتهاء محمد بن سلمان ورؤيته مقابل عدم تمرير صفقة القرن، أو أن يقبل بالضغط على السلطة الفلسطينية بالقبول بصفقة القرن ضمن المنظور الصهيوني وإنهاء ملف الصراع العربي الإسرائيلي بشكل نهائي وإلى الأبد.

في الحقيقة الخيارات المتاحة للرياض قد تأخذ شكلاً أعقد من هذين الخيارين، وقد تؤدي بالنتيجة إلى مواجهات ذات أبعاد متعددة مع المؤسسات الأمريكية والصهيونية، وقد تستفيد السعودية من التصعيد الحاصل بين إيران وأمريكا في ضبط أبعاد الصراع بينها وبين واشنطن، وتقحم روسيا كطرف منافس لواشنطن في اجتذاب الرياض، ولكن المؤكد أن الأشهر القليلة المقبلة ستشهد تصعيداً حاداً في الخطاب المعادي للمملكة على خلفية هذا الحدث، وسيتحول هذا الخطاب إلى خطاب انتخابي بين المرشحين الرئاسيين في الولايات المتحدة الأمريكية.

]]>
واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو!! https://casrlb.com/?p=968 Fri, 24 May 2019 08:47:49 +0000 http://casrlb.com/?p=968 صلاح النشواتي

لاتزال الإدارة الأمريكية تعيش أحلك لحظاتها في صراع مستمر وشرس لتحقيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، ساعية إلى تدمير أي قوة منافسة أو حضارة ناهضة ممكن أن تهدد التفوق أو التفرد الأمريكي على العالم، مستخدمة كل أنواع القوة وأشكالها في خدمة هذا الغرض، بحيث باتت تعرّف واشنطن مصالحها القومية بما يشمل أكثر من 90% من دول العالم بفضاءاتها الحقيقية والافتراضية -كمساحات للنشاط الجيوبولتيكي الأمريكي- والموزعة على شكل كتل أقليمية يتم ربطها بمعادلات للأمن الأقليمي ضمن الصيغة الأمريكية المفروضة، وذلك لضمان النفوذ والسيطرة على كل كتلة على حدى، ومع ظهور القوى الكبرى المنافسة للقوة الأمريكية، بدأت التكتلات الأقليمية بالتفكك بفعل تداخل مناطق النفوذ، ومحاولة الخصم فرض معادلته في الأقاليم التي يعتبرها مساحات نشاطه الجيبولتيكي الحقيقية، أي أنها مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى رابحها من يستطيع ربط أكبر عدد ممكن من الكتل الأقليمية بمصالحه القومية تحت منظار أمن قومي مشترك وواضح بمعادلات محكمة، وقد شكل الشرق الأوسط أحد أعقد هذه الأقاليم وأكثرها ألتهاباً وتداخلاً، فبالنظر إلى أهمية موقعه ومزاياه الجيوسياسية من ناحية الإشراف على أهم طرق الملاحة البحرية، أو من ناحية الثروات الطبيعية والتنوع البيئي، يدرك أن من يفرض معادلته الأمنية يربح المنطقة لصالحه، ويرتكز بها للوصول إلى مناطق أخرى، في مسعى للتوسع بأشكاله المعاصرة المختلفة.

هذه القواعد هي التي تضبط آليات الصراع الراهن في الشرق الأوسط، وتتحكم في اتجاهه بين قواه الأقليمية و تأثير القوى الكبرى، ومما لا شك فيه أن الجهود الروسية في تجنب أي مواجهات أو استنزاف هنا أو هناك بلغت أوجها شهر نيسان الماضي، حيث توجه لافرنتييف لعرض صفقة مع الرياض حول مستقبل سورية في محورها العربي التي يجب أن تعود إليه بصفتها دولة عربية، أو تحمّل مواجهة سورية غريبة مقسمة بين إيران وتركيا، موجهاً من خلال هذه المبادرة دعوة لواشنطن للتفاهم من جديد بعد أن استعصى الوضع في سورية كمفتاح لأمن الشرق الأوسط وترتيب اصطفافاته، والذي مالبث أن اشترط الرئيس الأسد على لافرنتييف بدء عملية تحرير إدلب كإعلان لصدق النوايا السعودية، ومن ثم يتم فتح ملف التمويل الخليجي للأكراد، في حال أردات السعودية حقاً عودة سورية إلى الخط العروبي.

المبادرة الروسية التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي لاقت استحساناً أمريكياً، ففي نهاية المطاف تسعى واشنطن إلى تطويق إيران في المنطقة وفرض الصيغة الأمريكية الأمنية، وجعل روسيا جزء من هذه الصيغة أو المعادلة في الشرق الأوسط، وبما أن المبادرة تضمن تحييد سورية عن أي مواجهة مع إيران ضد القوات الامريكية أو ضد حليفتها إسرائيل، فلا مشكلة في إطلاق عملية إدلب بتفاهم روسي أمريكي، شرط أن تنحصر حدود هذه العملية على تأمين محيط القاعدة الروسية في سورية والتي تتعرض للقصف بشكل مستمر من فصائل تديرها الاستخبارات الأمريكية، مقابل نأي البيت الأبيض بنفسه مع مسرحياته الكيميائية جانباً.

في هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحضر خدعة جديدة في الخليج بعد ضمان انشغال روسيا والجيش السوري بمعارك طاحنة في إدلب، حيث عملت على رفع التوتر والتصعيد بشكل كبير في المياه الخليجية، وزادت قواتها في المنطقة تحت ذريعة أخطار إيرانية محدقة على المصالح الأمريكية وحلفائها، ليظن الجميع أن هناك معركة قادمة لامحالة، أو على الأقل مواجهة محدودة هنا أو هناك، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية في استهداف السفارة الأمريكية في بغداد وقبلها استهداف سفن تجارية في ميناء الفجيرة الإماراتي و استهداف أنابيب نفط سعودية بغض النظر أيها الملفق لإيران وإيها حقا قامت به القوات الحليفة لها، ما خلق جرعة كبيرة من الخوف والوقوف الحرفي على الهاوية، وفي حين تعمل واشنطن على طرح التفاوض مع الإيرانيين، إلا أن هذا الطرح ليس إلا ورقة إنتخابية لترامب في حال انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية، أما الهدف الأساس من كل هذا التصعيد هو البدء بإطلاق المعادلة الأمريكية للأمن الأقليمي، ليس التفاوض ولا حتى الحرب، وذلك من خلال البدء بتنفيذ إجراءات صفقة القرن دون الإعلان عن طبيعة هذه الإجراءات أو ارتباطها بالصفقة من جهة، وإعلان قمة عسكرية تعيد صياغة القوى العربية في تحالف قومي جديد يشكل الضامن العسكري والأمني للمعادلة الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يعيق (بالشراكة مع الحصار والعقوبات) تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في حال الانسحاب الأمريكي نحو الصين.

ولضمان نجاح التطبيق العملي للمعادلة الأمنية الأمريكية كان لابد من الحرص على تدمير الصيغة الثلاثية لاستانا (إيران-تركيا-روسيا) بشكل كامل، كونها تشكل نواة حقيقية للمعادلة الأمنية الروسية، فقامت واشنطن سابقاً بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لقطع علاقاته مع الإخوان المسلمين، ولتطويق جهوده في العراق، وبدأت بزرع بذور الشقاق بين طهران وموسكو بعد ذلك من خلال التفاهمات لاحقة، وقد ظهر مفعول ذلك جلياً بعد تصريح الرئيس بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني وتحميل إيران المسؤولية في حال الانسحاب منه، إضافة إلى الإعلان غير المباشر بتخلي موسكو عن طهران في هذه الحالة، حيث عبر عن ذلك الرئيس الروسي بقوله: “روسيا ليست فريق إطفاء حرائق”.

وفي الطرف المقابل عملت واشنطن على إعادة تسليم غرفة قيادة العمليات في إدلب لتركيا، بعد أن كانت تخضع للاستخبارات الأمريكية في مقابل اتفاق سابق فاشل يتعلق بدخول تركيا إلى الشرق السوري بعد استبدال النفوذ الأمريكي-التركي بين إدلب وشرق الفرات، لتكون بالمحصلة قد أخلت مسؤوليتها أمام التفاهمات مع موسكو، وجعلت من تركيا رأس حربة تهدد مسار العمليات العسكرية في إدلب وتهدد أيضاً أمن القاعدة الروسية في حميميم، خاصة بعد مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق على حساب أنقرة وطهران، لتتحول بعدها إدلب إلى عملية استنزاف لكل الأطراف بلا استثناء في مسعى أمريكي لإضعاف الجميع، وساحة إشغال كبيرة تمارس من خلالها الإدارة الأمريكية كل أنواع الابتزاز السياسي والدبلوماسي بغية فكفكة أي تعاون أوروبي روسي جديد في الشرق الأوسط، متذرعة باستخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب ورمي الإتهامات المفبركة هنا وهناك، ما يتيح للإدارة الأمريكية نكز الجرح الأوروبي المرتبط بقضية اغتيال العميل السوفييتي السابق سكريبال في سالزبوري البريطانية باستخدام سلاح كيميائي، والتحريض ضد روسيا وسورية في الداخل الأوروبي.

مجمل هذه الأحداث والوقائع والتي تبدو عشوائية هي تفاصيل بمجموعها تشكل الصورة الكاملة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية، وتتلخص هذه الصورة بفرط الوحدات المكونة للأقليم في الشرق الأوسط وإعادة ترتيبها على قاعدة معادلة الأمن الأقليمي الأمريكية، مع الحرص على تحويل روسيا إلى جزء من هذه المعادلة لتقويض نفوذها وتسييره بالضرورة لخدمة أهداف ذات المعادلة، والمفاتيح الأخيرة التي تسمح بإطلاق المعادلة هي الحدود العراقية-السورية، حيث سيتركز كل الضغط الأمريكي القادم عليها، بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وتحويل العراق إلى بيئة وعرة لطهران، بعد استهداف العلاقة بين كل من إيران وتركيا.

هذه التكتيكات الجديدة نوعاً ما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية تعد مؤشراً مهماً على فهم ترامب حدود الأسلحة الاقتصادية كالعقوبات والفصل الاقتصادي للدول من الشبكات الدولية، حيث كان يعتقد في السابق أنها أسلحة كافية لربح أي مواجهة وتدمير أي خصم، ليتضح له فيما بعد أنها لازمة ولكن غير كافية بعد أن أهمل السياسة والخدع السياسية في العلاقات الدولية لصالح الوقاحة والتصريحات الشعبوية، وتعتبر الخلافات الداخلية في البيت الأبيض من جهة، وبين البنتاغون والخارجية من جهة أخرى، أحد المظاهر الخادعة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لتشويش الصورة الكلية التي تعمل على تركيبها، وأيضاً لخداع الخصوم حول أجنداتها والتي كان ترامب قد كشف أغلبها كنوع من التحدي الشعبوي أمام دول العالم في القدرة على تحقيقها وهي مكشوفة بالمطلق.

بالمحصلة نحن أمام مزيد من التصعيد والتلاعب السياسي، وبما لا شك فيه نحن أمام حقبة جديدة من الخداع والتكتيكات السياسية، والتي ستسارع كل الأطراف اعتمادها قريباً ضد بعضها البعض كنتيجة حتمية لانتشار حالة عدم اليقين، إلى حين فرض إحدى القوى الكبرى لمعادلتها للأمن الأقليمي بشكل مطلق، وهذا لايعني زوال لقوى أو دمار قوى أخرى، وإنما يعني ضبط إيقاع المنطقة بما يخدم مصالح وأجندات الطرف المستفيد على حساب ردود أفعال الأطراف الموجودة.

 

 

]]>