الكيان الإسرائيلي – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Thu, 10 Oct 2019 17:04:19 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 تقدير موقف: عملية حزب الله الحدودية ضد الاحتلال الإسرائيلي بين الردّ والردع! https://casrlb.com/?p=1256 Tue, 03 Sep 2019 16:46:39 +0000 http://casrlb.com/?p=1256 استهدف حزب الله اللبناني في 01/09/2019 آلية عسكرية إسرائيلية محملة بالجنود على الشريط الحدودي الفاصل، كردّ على استهداف إسرائيل عنصرين من عناصر حزب الله العاملين في سورية، واعتبر حزب الله اللبناني العملية العسكرية التي نفذها بمثابة بوابة جديدة لردع الحكومة الإسرائيلية التي غيرت من استراتيجيتها العسكرية المعادية والموجهة ضد إيران ودول الجوار والشعب الفلسطيني، (وقد وضح المركز في التقدير السابق طبيعة هذه الاستراتيجية قبل انطلاق سلسلة الأحداث الأخيرة)، في حين تضاربت الروايات الصادرة عن الحكومة الإسرائيلية التي تلت العملية، في محاولة واضحة لإخفاء الأضرار الناجمة عنها، وفي هذا الإطار يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أنّ ردّ حزب الله اللبناني على إسرائيل سيحقق ردعاً مؤقتاً من الناحية الزمنية وجزئياً من الناحية الجغرافية، وسرعان ما ستعاود إسرائيل عملياتها بطرق أشد سرية وأوسع انتشاراً.

حيث لعب العامل السياسي الداخلي دوراً أساسياً في دفع نتنياهو إلى التصعيد العسكري والإعلامي في سبيل التوظيف الايجابي لحملة الليكود الانتخابية، أي أن الانتخابات القادمة والطموح السياسي لنتنياهو كانت المتغير الرئيس الذي أطلق سلسلة الأحداث الأخيرة واستوجب الرد من قبل حزب الله اللبناني، في مقامرة خسرها نتنياهو بقسوة واضحة، في حين أن العمليات الإسرائيلية ضد العراق وسورية، سارت بشكل مغاير تماماً، نظراً لانعدام التوظيف السياسي لها.

وقد شكلت عملية حزب الله صدمة حقيقية وهلعاً كبيراً في الأوساط السياسية الإسرائيلية، إلى درجة تلفيق الحكومة الإسرائيلية لرواية خاصة حول العملية لا مكان لإصابات بشرية فيها لتفادي شن أي هجوم مضاد على لبنان، إلا أن الردع الذي امتنعت بموجبه الحكومة الإسرائيلية عن شن هجوم مضاد، لم يكن ناتجاً عن العملية الأخيرة، وإنما عن الخسائر الفادحة التي لحقت بها في حرب 2006، والخوف من تكرار السيناريو في ظل غياب أي حلول مضادة فعالة لتكتيكات حزب الله العسكرية إلى يومنا الحالي، بل على العكس ستحاول الحكومة الإسرائيلية جاهدة أن تزيد من موانع الحرب الشاملة و تقليص احتمالية وقوعها، على مختلف المستويات، وحتى على المستوى الدبلوماسي بين الدول الصديقة والدول الحليفة لها، بالتالي فإن ردع الحرب التقليدي بين الطرفين لايزال قائماً وغير متأثر بالتطورات الأخيرة.

وبالنظر إلى الأهداف الإسرائيلية من استراتيجيتها العسكرية الجديدة، فإن الحرب ليست غاية، بل الاستنزاف هو الغاية، والاستنزاف التي تسعى له إسرائيل ليس لبنانياً على وجه الحصر، بل إيرانياً بالدرجة الأولى بالشراكة مع الحصار الاقتصادي الأمريكي، وفي هذه الحالة تتحول حسابات الربح والخسارة التقليدية، إلى حسابات جديدة تتعلق بقدرة الطرفين على تحمل عمليات محدودة ضد بعضهما البعض، وتحمل الخسائر الناتجة عنها، دون افتعال حرب لا يطيقها الطرفين، أي أن مقابل العربة العسكرية التي استهدفها حزب الله، كان هناك الكثير من المستودعات ومخازن السلاح قد دمرت بالكامل في العراق وسورية، وضمن هذا الفرق الهائل في الخسائر والتي تتعامل معها الحكومة الإسرائيلية ككتلة إيرانية واحدة، ستكون الكفة في صالح استمرار العمليات الإسرائيلية، مقابل وضع يهود الفلاشا التي تمارس الحكومة الإسرائيلية عليهم أشد أنواع التمييز العنصري في الواجهة، كما العملية الأخيرة، لتقليل الخسائر.

بالنتيجة رد حزب الله الأخير سيحرم إسرائيل وسيردعها من استخدام أي عملية خارج الحدود في إطار معنوي أو الإعلان عن مسؤوليتها، كما سيردعها أيضاً من الاستهداف المباشر للعناصر البشرية لحزب الله، لكنه لن يردع الحكومة الإسرائيلية من الاستمرار في الاستنزاف، وعمليات الاغتيال السرية الخالية من البصمات إلا في حالة قيام المقاومة بتوحيد جبهات الرد من إيران إلى لبنان، وتبني الرد السريع والمباشر فور وقوع أي عملية من هذا النوع، ضد أي مكون من مكونات المحور وليس فقط حزب الله.

(للاطلاع على تقدير الموقف حول الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الجديدة اضغط هنا).
(للاطلاع على ملف يهود الفلاشا في إسرائيل عبر مقالة خاصة اضغط هنا).

]]>
معضلة المعادلة الأمنية للشرق الأوسط تُرتّب اصطفافات جديدة للإمارات وسورية https://casrlb.com/?p=1227 Thu, 01 Aug 2019 10:40:47 +0000 http://casrlb.com/?p=1227 صلاح النشواتي – المدير العام

لا يزال جوهر الصراع في الشرق الأوسط يصبّ مزيداً من الزيت فوق الملفات الملتهبة في المنطقة، تاركاً دولها، والدول الخارجية التي تلعب أدواراً في هذه الملفات، في سباق وصراع مستمر نحو إعادة ترتيب الأهمية الجيوسياسية لدول المنطقة، بما يخدم مصلحة كل طرف مشارك ورؤيته الخاصة لمستقبل المنطقة، وفي حين تتصارع دول المنطقة وأنظمتها على الحاضر، صراعاً على البقاء، تتصارع من ناحية أخرى القوى الكبرى على مستقبل هذه المنطقة، بكل الوسائل الممكنة، سعياً لجذب عائدات المنطقة المستقبلية وأرباحها باتجاه إحداها، بنسبة أكبر من الأخرى، في استثمار بالغ التكلفة، ومحفوف بالمخاطر قائم على فرض كل دولة كبرى واقعاً راهناً، يحدد اتجاه مسار المستقبل، وذلك ما يشكل جزءاً من ما يدعى “المعادلة الأمنية” للشرق الأوسط، ويحدد طبيعة مرجعيتها.

وبالرغم من الإيحاء الأمني والعسكري لمفهوم “المعادلة الأمنية”، إلا أن التوازن وفرض القوة ليس إلا شكلاً خارجياً لها، لتستند بجوهرها على ربط مصالح الدول بعضها ببعض، إلى درجة تصبح الحرب بين هذه الدول ذات كلفة كبيرة جداً، أكبر من أي عائد متوقع منها، ليصب في المحصلة عائد تفاعل هذه الدول –الصديقة وغير الصديقة- بنسبته الكبرى، في صالح الدولة المرجعية لهذه االمعادلة، بالتالي مفهوم هذه المعادلة هو مفهوم جيواقتصادي، تتخذ من المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، أدوات فعالة، تحوّل مصلحة الصديق والخصم على حد سواء، إلى سلاح فعال لإخضاعهم، وإلزامهم بالمسار المجهز مسبقاً.

وقد شهد الشرق الأوسط مؤخراً، إطلاق أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية الاقتصادية، بمبادرة من قبل حكومة الكيان الإسرائيلي، تمثلت بمشروع سكك السلام الإقليمي، كمشروع يربط كل من سلطنة عمان والإمارات بسكك تصل إلى ميناء حيفا في فلسطين المحتلة، مروراً بالأراضي السعودية، والأردنية، رابطاً بجناحه الشرقي السكك القائمة مسبقاً في كل من العراق والكويت، في مشروع أطلقه “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارة لسلطنة عمان بتاريخ 26/10/2018، على أشلاء جثة جمال الخاشقجي، كدفعة أولى من الرياض ل”جاريد كوشنر” كبير مستشاري الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، مقابل طي الملف، وإبعاد شبهة التورط عن ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، تلته زيارة وزير المواصلات الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في 04/11/2018، للإعلان عن المشروع.

هذا المشروع منح الحكومة الإسرائيلية نفوذاً كبيراً، مكنها من رفع أهميتها الجيوسياسية إلى أقصى المراتب، على حساب تحييد الأهمية الجيوسياسية لكل من سورية ولبنان، بالتالي تحجيم المستقبل الاقتصادي لكلا الدولتين، ليصبح مرور البضائع في الأراضي السورية واللبنانية للوصول إلى المتوسط، ليس أكثر من هدر للوقت والجهد والمال، إضافة إلى أن المشروع أعطى الكيان الإسرائيلي القدرة على ترجيح كفة المعادلة الأمنية للدولة الأكثر مراعاة لمصالحه، في ظل وجود ثلاث معادلات لكل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يشكل مفهوم الأمن الجماعي، كمفهوم جيوبولتيكي أمني، جوهر المعادلة الروسية، ومشروع طريق الحرير الاستراتيجي الاقتصادي، المعادلة الصينية، وتشكل سياسة المحصلة الصفرية لقوى المنطقة، مع الحرص على تخفيض معدل القوة لدى الجميع، من خلال إدارة الصراع، المعادلة الأمريكية.

إلا أن رجحان المعادلة الصينية بسبب طابعها الاقتصادي النفعي البحت، وتأثير النمو الاقتصادي والأرباح على سياسات الحكومات وتوجهاتها، والإدراك المبكر لهذا التأثير من قبل الحكومة الإسرائيلية، جعل من الكيان الإسرائيلي يشرع في تطوير ميناء حيفا المحتل بالتعاقد مع الصين، ليعدل بالنتيجة  مسار طريق الحرير الصيني، ليمر من الإمارات وصولاً إلى فلسطين المحتلة، عن طريق مشروع السكك الأقليمي.

النقاط الإضافية التي حصلت عليها المعادلة الصينية، على حساب الأمريكية والروسية، دفع بكل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إلى إدخال تعديلات جديدة على معادلتيهما، حيث حاولت واشنطن جذب موسكو لتحالف مؤقت، لمواجهة الصين، على شاكلة التحالف الأمريكي السوفيتي ضد النازية، إلا أن موسكو التي لا تزال تعاني من آلام ودروس الماضي، فضلت تعديل مفهومها، بدمج استراتيجي شامل بين الرؤية الروسية العامة (الأوراسية)، والرؤية الصينية، توّج بعناق حار بين رئيسي البلدين، خلال لقائهما الاستثنائي في موسكو 05/06/2019، حول الاصطفاف الدولي من ثلاثي، إلى ثنائي (موسكو وبكين في مواجهة واشنطن) بأطرافه الرئيسية الثلاث.

 

وقد ألقت المعادلة الأمنية الجديدة لروسيا والصين بظلالها على الشرق الأوسط، وسببت سلسلة من التأثيرات المباشرة على سياسات حكوماته، كان أكثرها وضوحاً، على الإمارات وسورية، حيث تراجعت الإمارات عن استراتيجية  السيطرة على المضائق والموانئ، الموجهة ضد تهميش طريق الحرير الصيني للإمارات، والتفافه عليها لصالح باكستان وموانئها، وأدى هذا التراجع بالنتيجة إلى انسحاب القوات الإماراتية من باب المندب والموانئ المطلة عليه في اليمن، وزيادة التنسيق الأمني مع طهران من أجل مضيق هرمز بوفد عسكري إماراتي زار إيران في 30/07/2019، في حين دفعت المعادلة الأمنية الجديدة الحكومة السورية إلى استقبال الرئيس السوري “بشار الأسد” لوزير الشؤون الخارجية العماني “يوسف بن علوي” بدمشق في 07/07/2019، وإطلاق سلسلة من الجولات الخارجية، لتنسيق الحيثيات الجديدة، بدأت بتلبية الدعوة الصينية، وإرسال وزير خارجيتها إلى بكين في 16/07/2018، والعمل على إزالة التوتر في العلاقة مع الأردن، بعد ادعاء الأردن بحجز مواطنين من قبل الحكومة السورية، والتحضير لزيارة وزير النقل السوري لعمّان، في مسعى واضح لدمج مشروع السكك الحديدة ” محور شمال-جنوب” التي أعلنت عنه الحكومة السورية في العام الماضي، والذي يمتد من الأردن إلى تركيا، بعقدة السكك في الأردن، والتي تنطلق منها الحكومة الإسرائيلية في مشروعها للسكك الحديدة. الأمر الذي يطرح تساؤلاً غاية في الأهمية حول هدف مشاريع الحكومة السورية، هل هو المشاركة غير المعلنة في المشروع الإسرائيلي تحت ضغط المعادلة الامنية الروسية الصينية الجديدة، أم أنها تهدف إلى المنافسة مع المشروع؟؟

بمراجعة بسيطة لخريطة المنطقة، ندرك على الفور أن المنافسة شبه مستحيلة، فطريق الحرير الصيني يركز بالدرجة الأولى على العبور الأسرع والأوفر إلى البحر المتوسط، ما يعطي الأفضلية لميناء حيفا، والمرور من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدلاً من قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى سواحل ذات البحر في سورية أو لبنان، بالتالي لا يمكن أن تستفيد الحكومة السورية أو تنافس في مشاريعها للحصول على العبور الدولي وعوائده من خلال الأراضي السورية، وبنفس الوقت ليس من مصلحة الحكومة السورية إرسال البضائع والمنتجات السورية بعيداً عن موانئها في كل هذا الطريق، أي أن مفهوم المشاركة غير وارد أيضاً، لسبب بسيط وهو انتفاء المصلحة.

 

إلا أن حقيقة المشروع تكمن في المساعي الروسية الصينية، لتحويل مشروع سكك السلام الأقليمي، لسلاح ضاغط بيد موسكو وبكين، على الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من سلاح بيد الحكومة الإسرائيلية، كمسار أساسي ووحيد، وذلك بخلق مسار جديد ضاغط على الكيان الإسرائيلي، يربط عقدة السكك في الأردن بميناء طرطوس، الذي استأجرته موسكو لخمسة عقود قادمة، ويعمل على حل مشكلة رفض التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي، كأحد مشاكل المشروع، من خلال الطريق البديل، والذي تعمل سلطنة عمان بالنيابة عن الإمارات والسعودية على تنسيقه مع الحكومة السورية، وتعمل الحكومة السورية بالمقابل من خلال الزيارات الدبلوماسية على الاستفادة من تجربة “مينسك” عاصمة بيلاروسيا، في التنسيق الاستراتيجي المشترك مع موسكو، لبناء صيغة قانونية وسياسية جديدة، تلائم المعادلة الأمنية الروسية الصينية.

هذه المتحوّلات لم تغفل عنها إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية على لإطلاق، بل جعلت واشنطن تعيد تنشيط، خلاياها النائمة في الجنوب السوري، لإطلاق مرحلة جديدة من الاضطرابات الأمنية في درعا وريفها، كممر للمشروع الجديد، بالتزامن مع تخلي واشنطن عن المجموعات المسلحة في إدلب، لخلق مواجهة كبيرة بين روسيا وسورية من جهة، وتركيا من جهة ثانية.

في النتيجة سيمتدّ تأثير هذه المتغيرات إلى أبعد من الإمارات وسورية، ليشمل البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، كمحددات أساسية لتلك البيئة، وستدفع كل دول المنطقة إلى شكل جديد من الصراع، يرتكز بأساسه على الاصطفاف بين هاتين المعادلتين، والتي قد تخلق بمحصلتها، مقاربات جديدة بين دول لطالما كانت مشهورة بالعداء لبعضها البعض، وتدخل بالمقابل دول خارجية أخرى على مسار الصراع في الشرق الأوسط.

]]>
تقدير موقف: منظومة “حيتس3” عاملاً محدداً لمسار المواجهة الأمريكية-الإيرانية. https://casrlb.com/?p=1223 Mon, 29 Jul 2019 12:49:08 +0000 http://casrlb.com/?p=1223  

اتجه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، “رون ديرمر”، بزيارة سرية إلى ولاية ألاسكا الأمريكية في 27/07/2019، لإجراء مفاوضات بشأن التعاون الأمني الاستراتيجي بين الدولتين بشأن إيران، ليعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في اليوم التالي نجاح المنظومة المضادة للصواريخ الباليستية “Arrow-3” ، المطوّرة بالتعاون مع الولايات المتحدة، والتي خضعت لاختبارات حيّة في ولاية ألاسكا الأمريكية، على مدى الأسابيع الأخيرة، في ثلاث اختبارات وصفت بالسرية والخارقة، اعترضت خلالها منظومة “حيتس3 أو Arrow3” الإسرائيلية والمطوّرة بالتعاون مع شركة “بوينغ” الأمريكية، اعترضت صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية بعلو كبير وبسرعة فائقة، وفي هذا السياق، يقدّر مركز الدراسات والابحاث الأنتروستراتيجية النجاح المزعوم للمنظومة الإسرائيلية الأمريكية بالمتغيّر العسكري الاستراتيجي، والذي يؤثر على مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية في الشرق الأوسط، حيث ترتكز المواجهة الأمريكية الإيرانية حول الملف النووي بالدرجة الأولى، وذلك بعد الانسحاب الأحادي لواشنطن من ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، بذريعة خرق طهران لقرار مجلس الامن “2231” بتطويرها للصواريخ البالستية، وامتلاك إيران برنامجاً سرياً نووياً، تسعى من خلاله للحصول على القنبلة النووية.

وقد شكل التحريض الذي مارسته حكومة الكيان الإسرائيلي ضد طهران، السبب الرئيس للخطوات شديدة العدائية من قبل واشنطن، والتي فتحت بموجبها الإدارة الأمريكية باب المواجهة مع إيران على مصراعيه، بسياسة أمريكية خارجية تعتمد على ممارسة الضغوط الاقتصادية الشديدة، بالتزامن مع الدعوة لإعادة المفاوضات حول الملف النووي والصاروخي الإيراني، والذي سبّب توتراً أمنياً كبيراً في الخليج، وشكّل تهديداً لحرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي تشرف عليه كل من إيران وسلطنة عمان.

وبالتالي الخطر على الأمن القومي الإسرائيلي الناتج عن البرنامج الصاروخي الإيراني، كان المحرّك الأساسي للتوترات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن، وقد دفع ذلك الحكومة الإسرائيلية إلى العمل بشكل مكثف على تطوير منظومة دفاع صاروخي، قادرة على تحييد الخطر بشكل كامل، منذ توقيع مجموعة (5+1) الاتفاق مع طهران في عام 2015، وصولاً إلى الإعلان عن نجاح كبير للمنظومة يوم أمس، الأمر الذي يُعدّ عاملاً سيسهم في تغيير مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، بعيداً عن حالة الاستعصاء الحالية.

 

ما يعني أنّ نجاح الاختبار في حال كان حقيقياً، سيدفع بواشنطن إلى تقسيم المواجهة مع إيران على مرحلتين زمنيتين، الأولى تمتد حتى عام 2020 وستعمل فيها واشنطن على تخفيض سقف تفاوضها المطروح مع طهران، لتبتعد عن الملف الصاروخي كونه لم يعد يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي الإسرائيلي، وتعمل بالمقابل على زيادة المخاوف السعودية من البرنامج الإيراني، وحثها على زيادة تنسيق التعاون الأمني والعسكري مع الحكومة الإسرائيلية نحو مستويات غير مسبوقة، سعياً إلى الحصول على المنظومة الإسرائيلية الأمريكية الجديدة “حيتس3″، والابتعاد عن المنظومة الروسية “إس400″، وستتسم هذه المرحلة بجدية الدعوة الأمريكية نحو التفاوض، والخطوات المهمة والكبيرة التي ستنجزها واشنطن لتدفع طهران نحو إعادة إطلاق المفاوضات، أما المرحلة الثانية فستبدأ بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة، وستتسم بالسعي المباشر نحو افتعال صدام عسكري مدمر مع إيران، بعد تثبيت الوضع السياسي الداخلي في كل من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، وضمان القدرة على تحييد الخطر الصاروخي الإيراني في الحرب، بالتزامن مع تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط وأفغانستان، وزيادة تعداد القوات العسكرية الحليفة لواشنطن في المنطقة، من خلال مشروع تشكيل القوة البحرية المشتركة لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وزيادة عدد القوات الأوروبية في سورية لملئ الفراغ الأمريكي.

 

في المحصلة يجب على الادعاءات الإسرائيلية والأمريكية، في حال صحت فعلاً، أن تنعكس بشكل مباشر على السياسة الخارجية لكلا الدولتين، ومبادرتهما الإقليمية، ما يترك أمام طهران خيارات إقليمية جديدة، تمكنها من المناورة، لتجنّب الوقوع في مأزق الاختيار الثنائي، الحرب الشاملة أو السلم الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية.

]]>
تقدير موقف: طرف ثالث خلف اغتيال نائب القنصل التركي في أربيل. https://casrlb.com/?p=1199 Thu, 18 Jul 2019 12:29:26 +0000 http://casrlb.com/?p=1199 أعلنت وزارة الخارجية التركية، عن مقتل أحد موظفي قنصليتها في مدينة أربيل العراقية، جراء هجوم بأسلحة مزودة بكواتم صوت على نائب القنصل التركي في أربيل، أثناء تواجده خارج مبنى القنصلية، في 17/07/2019، وهروب منفذي العملية، وقد نفى حزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن الحادث، وفضل الجانب التركي انتظار نتائج التحقيق، وفي هذا السياق يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن الجريمة الواقعة في أربيل هي اغتيال سياسي، يهدف إلى جرّ الدول المعنية في هذا الاغتيال (تركيا-الولايات المتحدة الأمريكية) لردود أفعال وتبادل اتهامات مدروسة ومخطط لها مسبقاً، من قبل طرف ثالث، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية على مستوى الملفات المستعصية في المنطقة.

 

يتضح من طريقة تنفيذ الاغتيال، أن العملية معدة مسبقاً ومخطط لها، وليست عملية جنائية عابرة، خاصة أن منفذي العملية لاذو بالفرار في أقل من دقيقتين بعد إطلاق النار على الدبلوماسي التركي، ما يشير إلى أن الاغتيال هو عملية استخباراتية بشكل بحت، نظّم وحضر له بدقة عالية من قبل جهاز استخباراتي تابعة لأحد دول المنطقة، ونفذ من قبل مجموعة مسلحة معادية لتركيا.

 

هوية الجهة المنفذة:

طبيعة الاستهداف ومكانه الجغرافي يرشح حزب العمال الكردستاني لأن يكون رأس الحربة والمنفذ لهذه العملية، إلا أن الحزب سارع لإخلاء مسؤوليته عن الحادث، في سلوك غير اضطراري من قبل حزب PKK””، والذي عادة يجاهر بإنجازاته العسكرية ضد تركيا في أثناء المواجهة بينهما.

وما يدفع إلى استبعاد حزب “PKK” كمنفذ، مساعي الحزب نفسه إلى تجنيب أربيل أي ضغط من الممكن أن يمارس عليها ويعزز الاتهامات ضدها، بغض النظر عن نشاط حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وبالتالي جرار عدو وفتح جبهة ضد البشمركة من الخلف، الأمر الذي من الممكن أن يضع قوات “PKK” في أزمة حقيقية وحصار خانق.

 

الجهة الأخرى المرشحة للعب هذا الدور هي القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في سورية، حيث ترفض قوات سورية الديمقراطية أي دور تصالحي مع تركيا، وتقف ضد الجهود الأمريكية في تحويل قوات سورية الديمقراطية إلى كيان صديق للأتراك،

وتبدي تخوفاً واضحة من استبدال القوات الأمريكية بقوات أوروبية في شرق سورية، كعامل ممكن أن يشجع بدء عملية عسكرية تركية في الشمال السوري، الأمر الذي يجعل من قوات سورية الديمقراطية أحد الأدوات الجاهزة والمناسبة لتنفيذ عملية الاغتيال.

 

هوية الجهة المخططة للاغتيال:

تعمل الجهة المخططة للعملية على جلب سلسلة من ردود الفعل كأثر ناتج عن الاغتيال، وتهدف من خلالها تعديل وضع الملفات في المنطقة، والضغط على سياسات الدول وأجنداتها بالنتيجة.

أهم الأهداف التي تسعى الجهة المخططة لتحقيقها:

  • تأزيم العلاقة الأمريكية التركية: وذلك على خلفية ملف دعم الأكراد في شرق سورية، بالتالي دفع أنقرة على مواجهة أمر واقع، بضرورة الرد على عملية الاغتيال، وإعادة تنشيط مقترح العملية التركية في الشمال السوري، خاصة بعد وصول منظومة إس-400 الروسية إلى تركيا، الأمر الذي سيعطل انسحاب القوات الأمريكية، وسيدخل العلاقة التركية الأمريكية في أزمة جديدة وتوتر متصاعد يضاف إلى التوتر الحالي.
  • إنهاء وعرقلة مسار التصالح الخليجي الإخواني: حيث تسعى أنقرة والرياض إلى إيجاد مخرج للأزمة فيما بينهما، والوصول إلى حلول وسطية بين الطرفين، وتخفيض من حدة المسار التصادمي، والذي يرخي بظلاله على كل من السودان وليبيا، من خلال توقيع الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير في السودان رغم هشاشته، والبيان السداسي لكل من (فرنسا وبريطانيا ومصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا) الداعي إلى وقف القتال حول العاصمة الليبية طرابلس، بالتالي تهدف الجهة المنفذة إلى عرقلة المسار التصالحي، من خلال إعادة ملف الدعم الإماراتي والسعودي لقوات سورية الديمقراطية في الشرق السوري إلى الواجهة.

 

  • عرقلة الجهود الأمريكية في تشكيل الناتو العربي: فمجرد عودة ملف الأكراد إلى الواجهة وانتهاء أي مساعي لمنع التصادم الخليجي الإخواني، سينتهي معها الأمل في تشكيل تحالف عسكري بين دول الخليج العربية، بسبب الأزمة الخليجية، وتعذر تجاوزها نحو أي نوع من أنواع التعاون العسكري، والهادف بالأصل إلى التصدي لإيران.

 

هذه النتائج المترتبة على عملية الاغتيال تضيّق دائرة الاتهام لتشمل إيران، والكيان الإسرائيلي، إلا أن ضلوع إيران خلف هذه العملية أمر مستبعد لسببين:

الأول: من جهة التخطيط والتنفيذ بسبب عدم قدرة إيران على الوصول إلى قوات سورية الديمقراطية وعقد مثل هكذا مخطط استخباراتي معها، ما يعني في مثل هذا السيناريو أن إيران في موقع المخطط والمنفذ للعملية على يد الحرس الثوري، والتي ستتطلب تنسيقاً مسبقاً مع حكومة أربيل، التي لا مصلحة لها بهذا النوع من الاتفاقيات، لحرف نتائج التحقيق نحو قوات سورية الديمقراطية، لحصد الأهداف المطلوبة.

الثاني: من جهة الآثار المترتبة مع النتائج المطلوبة، فليس من مصلحة طهران بأي شكل من الإشكال، ولا حتى من مصلحة الدولة السورية كحليف أساسي لإيران، الإبقاء على الوجود الأمريكي في سورية، وعرقلة استبداله بقوات أوروبية تتشارك معها علاقات جيدة نسبياً، كما أن إفقاد الولايات المتحدة الأمريكية القدرة على رأب الصدع الخليجي، والذي سيحتاج بطبيعته إلى وقت طويل نسبياً، سيدفع بواشنطن لتطبيق سيناريو أسرع وأكثر خطورة ضد طهران، والمتمثل بالقوات البحرية المشتركة لحماية الملاحة في مضيق هرمز، خاصة مع إعلان “برايان هوك” المبعوث الأمريكي لشؤون إيران عن اجتماعاً دولياً لبحث “مواجهة التهديد الإيراني” في منطقة الخليج.

 

ما يترك بالضرورة طرفاً وحيداً على قائمة الاتهام وهو الكيان الإسرائيلي، والتي تستطيع استخباراتها التواصل مع قوات سورية الديمقراطية بكل سهولة، إضافة إلى سعي الحكومة الإسرائيلية إلى عرقلة الانسحاب الأمريكي من سورية، بشتى الطرق والوسائل المتاحة، كما ترفض بشكل مطلق المبادرة الأمريكية بإنشاء ناتو عربي يملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي، وتشجع تشكيل قوات بحرية دولية لمواجهة طهران، كخيار أكثر أماناً من توحيد القوة العسكرية للعرب في محيطها، بظل الغياب الأمريكي، الأمر الذي يتطلب عملية اغتيال من هذا النوع ضد تركيا، لتواصل الحكومة الإسرائيلية فيما بعد العمل على تعميق الشرخ بين أنقرة وواشنطن من جهة، وبين أنقرة ودول الاتحاد الأوروبي مع مصر من جهة أخرى.

 

صحة هذا السيناريو والأطراف التي تقف خلفه مع أهدافها، تتعلق بشكل مباشر بنتائج التحقيق في عملية الاغتيال، وبالطرف الذي ستوجه له تركيا تهمة التنفيذ، بعد عدة أيام من الآن.

]]>
حراك الفلاشا: هزّة في جسد الكيان الإسرائيلي تكشف زيف الأمة وأزمة الهوية!! https://casrlb.com/?p=1171 Mon, 08 Jul 2019 07:48:25 +0000 http://casrlb.com/?p=1171  

د.عباس مزهر – رئيس قسم الأنتلجينسيا 

انفجرت مؤخّرًا قضيّة اليهود الفلاشا في احتجاجات عنيفة إثر مقتل الشاب اليهودي الأثيوبي “سولومون تيكاه”، لكنّ جذور هذه الأزمة تعود إلى تاريخ نشأة الكيان الإسرائيلي، حيث أنّ موقف المجتمع الإسرائيلي من يهود الفلاشا بُنيَوي عضوي وعقائدي. فبعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، تمّ استقدام عشرات الآلاف منهم من “إفريقيا” لاستخدامهم بالأعمال البسيطة في مزارع ومصانع وممتلكات اليهود الأوروبيين، وذلك بمبادرة سابقة عام 1900م من “يعقوب فايتلوفيتش” – أشكينازي بولندي من روّاد الحركة الصهيونية – الذي وضع نظرية “القبيلة الضائعة” حول اليهود الإثيوبيين، وأقنع البارون “دو روتشيلد” بتمويل رحلته إلى “غوندار” معتبرًا أنّ اليهود السود هناك هم قبيلة “دان” الضائعة، وذلك بهدف تصحيح عقيدتهم ووصل الانقطاع التاريخي لهم، لكنّ “الآليانس” أي “الاتحاد الإسرائيلي العالمي” لم يكن راضيًا عن دمج اليهود السود في المجتمع الإسرائيلي الذي كان يتمّ التحضير له آنذاك، رغم تعرضهم للاضطهاد الشديد في بلدهم، كما رفضت “الوكالة اليهودية” هذا المشروع بسبب اختلاف لون بشرتهم. هذا الأمر دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطلع السبعينيات إلى اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، مما فرض على الجمعيات اليهودية محاولة درء هذه التهمة، إلا أن مسار السياسة الحكومية الإسرائيلية في هذا الملف، تجعل مصير المحاولة الفشل الحتمي، حيث منعت “غولدا مائير” فور تقلّدها رئاسة الوزراء مشروع هجرة “الفلاشا” إلى الأراضي الفلسطينية بذريعة عدم انطباق “قانون العودة” عليهم، وأعادت قسمًا كبيرًا منهم إلى “إثيوبيا”، واستمرّ هذا القرار حتى العام 1975 حيث قام “اسحاق رابين” بتعليق منع هجرة الفلاشا إلى فلسطين المحتلة، بشرط إسكانهم في الأطراف وخضوعهم لتأهيل يهودي يشرف عليه الحاخامات، لتغيير عاداتهم وتقاليدهم، لكن تعالت أصوات سياسية ودينية في “تل أبيب” معتبرةً أنّهم أدنى من اليهود المتحضّرين ومشكوك في يهوديّتهم، وبأنّهم إذا نجحوا في تغيير عاداتهم وطقوسهم فلن ينجحوا في تغيير لون بشرتهم، كما لم يكتب “لإسحاق رابين” الكثير من الحظ إذ اغتالوه زملاؤه على وقع الكثير من الملفات إحداها ملف الفلاشا.

لتنطلق بعدها مطلع التسعينيات عملية “سليمان” لجلبهم بطريقة سريّة، نفذها الموساد الإسرائيلي بدقّة وكتمان، لتوزيعهم على المناطق الملتهبة والمضطربة المحاذية للعرب المسلمين كدروع بشرية في أي مواجهة ولتقليل الضرر بالجسد اليهودي الأبيض.

واستمرت عملية الموساد حتى عام 2003، حيث وضعت الحكومة الإسرائيلية قرار “2948” بشأن هجرة اليهود الفلاشا، وذلك عبر وزارة الخارجية وتحت إشراف كبار حاخامات إسرائيل، شرط إثباتهم أنّهم من نسل يهودي، في قرار لا يكاد يتحمله عقل أي كائن بشري يمتلك القليل من الضمير أو الإنسانية، لتتوقف العملية مجدداً ويعلق استخدام القانون نتيجة الاحتجاجات الكبيرة التي قام بها البيض ضد زيادة عدد السود، وتشويه السود للصورة الأممية لليهود البيض، بوصفهم عرق أسمى من الديانة نفسها، لتتخبط الهوية الإسرائيلية بين العرقية والدينية والقومية والطبقية!!.

 

إذًا، تعرّض “الفلاشا” منذ قيام الحركة الصهيونية للتمييز العنصري، تبدأ من الابتزاز الجنسي على أيدي “الموساد” الإسرائيلي، مقابل تسجيل أسمائهم في لوائح “قانون العودة”،و تطبيق الحاخامات البيض ما سُمّيَ بقانون “التوبة” على اليهود الأفارقة، وتتجلى بوضوح فيما بعد بالحق بالتعليم والتوظيف والسكن، فلا يحقّ لأبنائهم الجلوس مع اليهود البيض على مقاعد الدراسة، وهم ممنوعون من تشكيل الجمعيات وتأسيس أحزاب مؤثرة، ولا يرتقون في الجيش إلى رتب عالية، بل يوضعون كجنود في مقدّمة المعارك ليكونوا متاريس للجنود اليهود البيض، إضافة إلى حرمانهم من العديد من الحقوق المدينة داخل الدولة.

اعتقد “الفلاشا” أنّ هجرتهم إلى “فلسطين” ستحمل إليهم العسل واللبن في “أرض الميعاد”، فاصطحبوا معهم رمادًا أحمر يرمز إلى البقرة المقدّسة لملاقاة “المسيح” المخلّص، لرشّ الرماد في هيكل “سليمان”،  لكنهم لم يجدوا الهيكل ولا “المسيح” ولا “النعيم”، بل كيان عسكري على شكل دولة، لا يرى إلا التمييز، ولا يصنفهم إلا في خانة الدروع البشرية سواءً في الحياة المدنية أم في الحياة العسكرية، فكانت صدمة كبيرة لهم توازي صدمة “الخروج الموسوي”، ومعاناة تفوق عذابات الشتات، مما كرّس عندهم شعورًا بالاضطهاد والمذلّة أدّى إلى بلورة وعيٍ مقهور لديهم، فبدأوا بالرفض والاحتجاجات منذ العام 1996. إثر تسرّب فضيحة عرفت باسم “الدم الفلاشي”، وهي أمر رسمي مرفق بقرار حاخامي ينصّ على وجوب التخلّص من أكياس الدماء التي تبرّع بها اليهود الإثيوبيّون بسبب أنّه دم أسود فاسد، لا يجوز حقنه في أجساد اليهود البيض، وهذا حدث عنصري لم يحصل في تاريخ الأمم الأكثر عنصريّة. .

ليتكرر المشهد في العام 1997 بسبب الفقر والتهميش، بمظاهرات راح ضحيتها 11 شابًّا من اليهود السود وجرح العشرات،  وفرض حظر التجوال على السود، وفي كانون الثاني من العام 2012 كرر يهود “الفلاشا” محاولتهم للتظاهر من أمام مبنى “الكينيست”، احتجاجًا على التمييز العنصري وللمطالبة بالمساواة وتوفير فرص العمل والعيش الكريم، وانتهت المحاولة بفتح وابل من النيران من قبل الجيش والشرطة الإسرائيلية خلّف عدداً أكبر بكثير من العدد المصرح به رسمياً. وفي العام 2015 انتشر فيديو يصوّر جنديًّا إسرائيليًّا أسود من يهود “الفلاشا” يتعرّض للضرب المُبرح على أيدي الشرطة الإسرائيلية، فخرج “الفلاشا” إلى الشوارع مندّدين بهذا التصرّف العنصري ومطالبين بحقوقهم كمواطنين إسرائيليين، لكنّهم تعرّضوا للضرب والاعتقالات والقمع الشديد، فظلّوا مكبوتين وصامتين إلى مطلع تموز من العام 2019 حيث انفجرت الأوضاع بعد مقتل الشاب الأثيوبي “سولومون تيكاه”، ما جعل “إسرائيل” تشهد أعنف موجة احتجاجات للفلاشا لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسرائيلي.

اليهود “الفلاشا” واليهود “العرب” وحدة في المعاناة والمصير:

لم يقتصر التمييز العنصري في الكيان الإسرائيلي على يهود “الفلاشا”، بل تعرّض اليهود المشرقيون للمعاناة نفسها، وخاصة اليهود العرب. فقد كان يهود “اليمن” أوّل الوافدين من يهود العرب إلى فلسطين في أواسط القرن التاسع عشر، ليكونوا سخرة اليهود (الأشكيناز)، في سلوك لا يقل بشاعة وعنصرية عمّا جرى بحق “الفلاشا”، وأطلق عليهم تسمية “مزراحيم” أي المشرقيّين، وتم تصنيفهم كمتخلّفين وبدائيين ولاعقلانيين ومحبَطين، وهم مصدر شك وعدم ثقة بحجّة تدنّي مستواهم الثقافي والاجتماعي مقارنةً بيهود الأشكيناز، فعملت السلطات الإسرائيلية على “أسرلة”، اليهود الشرقيين لأنّ سماتهم الشرقية مناقضة للسمة الأوروبية لإسرائيل، فخضعوا بين عاميّ 1948 و1956 لبرنامج “محو الذاكرة” في مخيّمات “التأهيل القسري”، ورغم ذلك جرى توطينهم في الضواحي والمستوطنات البعيدة عن المدن الرئيسية لاسيما في “الجليل” وعلى طول “الحدود الشرقية”، وتمّ استخدامهم كأيدي عاملة رخيصة في قطاعات الصناعة والزراعة والأعمال الدُّنيا وينالون الأجور الأدنى. هذا التمييز العنصري بحق اليهود الشرقيين أدى إلى ظهور حركات تمرّد واحتجاج في صفوفهم، كان أبرزها ثورة “الفهود السود” في العام 1971 حيث شنّوا هجمات بالقنابل على الشرطة الإسرائيلية والمراكز الحكومية، وتظاهر عشرات الآلاف منهم في الشوارع فتعرّضوا لبطش شديد واعتقالات وقتل، وقد وصفتهم “غولدا مائير” رئيسة الحكومة آنذاك “بالأولاد الأشرار وغير الشرعيين”، ونعتتهم الصحافة الإسرائيلية ب”حثالة البروليتاريا” وبالعِرق الذي يحاول تقسيم الأمة اليهودية!!، أمة لا يستطيع أحد أن يعلم على أي أساس تقوم إذا كانت كل الممارسات الإسرائيلية تثبت حجم الانتقائية، وحجم تكفير الآخر ابن نفس الديانة، واعتبارهم (أولاد حرام) إن صح التعبير؟!.

 كما تبنّى “دايفيد بن غوريون” – أول رئيس حكومة إسرائيلية – هذا الموقف في مذكّراته حيث كتب عن اليهود الشرقيين والفلاشيين: “نحن نعتبرهم مثل الزنوج الذين أُحضِروا إلى أميريكا كعبيد، أمّا يهود أوروبا فقد شكّلوا شخصية الشعب اليهودي في العالم بأسره، والصهيونية في الأساس هي حركة اليهود الأوروبيين”. هذا الكلام ليس عرَضًا، فهو يصدر عن رؤساء حكومات إسرائيلية، وكذلك تصريحات المؤسسات الدينية اليهودية كانت أشدّ حدّة وأكثر “تكفيراً”، من الجانبين السياسي والاجتماعي، فالعنصرية الإسرائيلية الأشكنازية تجاه اليهود المشرقيين والأفريقيين متأصلة في بُنية الدولة وفي طبيعة المجتمع الإسرائيلي.

وبينما نجد الحكومة الإسرائيلية تبذل جهدًا كبيرًا لاسترجاع أشلاء جنود يهود أشكيناز نراها لا تهتمّ إذا كان الأسير فلاشيًّا أسود، كأحد الأدلة القطعية على نازية اليهود أنفسهم تجاه أبناء ديانتهم، ولولا الخوف من الرأي العام وصورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، لنُظّمت بكل تأكيد واستناداً على عينة الأدلة التي ذكرها المقال، محارق سرية عرقية من قبل الحكومة الإسرائيلية ضد كل أصناف وأعراق اليهود الآخرين بلا شك.

هذا التمييز العنصري الإسرائيلي بحق اليهود الشرقيين و”الفلاشا”، كلّها أمور أدّت إلى انقسام ثقافي وعرقي وطبقي حاد وعميق بين فئتين: الأولى يهودية أشكينازية غربية تدّعي التفوّق ويظهر فيها التأثير المرض النفسي الجمعي الذي دفعها إلى ممارسة ذات التصنيف والممارسات التي تعرضوا واختزنوها في ذاكرتهم الجماعية، وأخرى يهودية مشرقية وإفريقية تزرح بالدونية والتهميش تحت وطأة المرض النفسي الجماعي والجرح النرجسي للجماعة الأولى.

هذه الأحداث تثبت بالدليل القاطع فشل إسرائيل في طرح نفسها كنموذج للديموقراطية والتعدّدية في الشرق الأوسط، وتثبت زيف ادعائها حول حقوق الإنسان وحتى حق الأقليات في التواجد بوطن آمن، وهي ذات الفكرة الذي أسس عليها المشروع الصهيوني اليهودي كوطن بديل آمن لكل اليهود، وبطلان الحق بالادعاء بأنهم شعب الله المختار بعد كل هذا الظلم والتنكيل.

كما أعادت إلى الواجهة مسألة الأمن الإسرائيلي المضطرب، وأكّدت هشاشة الجبهة الداخلية المتصارعة والمتآكلة. وسقوط مفهوم البُنية الأساسية التي قام عليها “الشعب اليهودي الإسرائيلي”، والتي وصفها “آحاد عاهام” الملقب بأبو المفكرين الصهاينة،  بما عرف “بالفولك” الشعب العضوي الذي يشكل جسداً واحداً لأمة يهودية، إلا أن الواقع عكس ذلك تماماً ويشير إلى هشاشة المجتمع الإسرائيلي وانتفاء صفة اليهودية كدين جامع لليهود، وبروز الطبقية والعنصرية كمكون أساسي يحكم كل فئات المجتمع.

]]>
تقدير موقف: الاعتداءات الإسرائيلية على سورية (الخلفية الدولية والأهداف الاستراتيجية). https://casrlb.com/?p=1159 Mon, 01 Jul 2019 09:40:05 +0000 http://casrlb.com/?p=1159  

 

قام الاحتلال الإسرائيلي بشن غارات مكثفة بطائرات حربية وصواريخ كروز على سورية ليلاً، في بداية اليوم الأول من شهر تموز لعام 2019، استهدف من خلالها مواقع مختلفة في ريف دمشق وحمص وطرطوس، بالتزامن مع تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” لضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذا العدوان كجزء من سلسلة اعتداءات جديدة، أتت كنتاج متوقع أفرزته النشاطات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لكل من واشنطن وتل أبيب، وتهدف إلى تحويل سورية إلى متنفس عسكري أقليمي لتصريف الضغط الناتج عن التوتر الأمريكي الإيراني المباشر، واستهداف القوات الإيرانية في الخارج كأحد الفواعل الأساسية لهذا التوتر، حيث عملت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في مختلف المناسبات الاقليمية والدولية على إعادة صياغة ظروف استهداف جديدة تسمح للطرفين بتدمير أهداف إيرانية في الخارج في إطار مكافحة نفوذ طهران خارج أراضيها، تحت ضغط الانزلاق لمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تكون شاملة ومدمرة لكل المنطقة، وذات نتائج كارثية لا يمكن لأحد حسابها أو تحملها.

العدوان الإسرائيلي على سورية مبني على خلفية متينة ضمنت الاحتواء للتصعيد ما بعد العدوان، وتتكون هذه الخلفية من ثلاث ركائز أساسية، أولها القمة الأمنية الثلاثية في مدينة القدس المحتلة في 25/06/2019 بين المستشارين الأمنيين لكل من (روسيا-أمريكا-الكيان الإسرائيلي) للتفاهمات الثلاثية، وسعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى جر روسيا نحو موقف معادي لطهران في سورية، مقابل مقعد جاهز لموسكو على طاولة الأمن الأقليمي في الشرق الأوسط، والتوجه نحو إدارة ثلاثية ندية مشتركة للأقليم، هذا العرض أثار حفيظة روسيا لما له من أبعاد خطيرة على الأمن القومي الروسي، وسياسة روسيا الخارجية، كون العرض ينطوي على زيادة الطلبات الأمنية والعسكرية الأمريكية من موسكو، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، والتي من الممكن أن تصل إلى حد طلب استخدام نظام العبور “الدون-فولغا” الواصل من بحر آزوف إلى بحر قزوين، في خطوة للألتفاف على إيران من الخلف، وهو مطلب غير مستبعد نظراً للوجود الأمريكي المسبق في الموانئ الكزخستانية ضمن اتفاقيات مسبقة، الأمر الذي دفع موسكو لخفض سقف التوقعات الإسرائيلية والأمريكية من الاجتماع بتصريح مسبق من الرئيس الروسي حول رفض موسكو المتاجرة بحلفائها، بالتالي خلصت القمة إلى تفاهمات تكاد لا تختلف كثيراً عن التفاهمات والبروتكولات السابقة، وإنما تنطلق منها نحو زيادة خطيرة في  مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي الثلاثي في سورية عبر مراقبة أي تغيّر في النشاط الإيراني العسكري، وضمان روسيا عدم ملئ الفراغ الأمريكي من قبل الحرس الثوري في حال الانسحاب الأمريكي، وحماية المنطقة من أي انزلاق نحو مواجهات شاملة، والإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي في مواجهة إيران داخل الأراضي السورية في حالات الضرورة القصوى، ودون إعلام مسبق للطرف الروسي حول أي هجوم كما في السابق.

 

تفاهمات القدس لم تكن تفاهمات نهائية ولم يتم التصديق عليها، وإنما كانت أشبه بإعداد ورقة عمل لمناقشتها والاتفاق عليها بين كل من الرئيس الأمريكي “ترامب”، والرئيس الروسي “بوتين”، في اللقاء الذي جمعهما في 28/06/2019 على هامش قمة العشرين في أوساكا، والتي قدرها المركز سابقاً بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، كركيزة ثانية لمسار الذي شكل عدوان اليوم إذعاناً بانطلاقه، حيث اتفق الرئيسان على تفعيل التفاهمات السابقة والتي وضعت في قمة هلسنكي في بولندا 15/07/2018، والتي تأكد على إخلاء سورية من كل القوات الأجنبية، وذلك بتعهد واشنطن بحيادها وحياد الناتو إزاء إخراج روسيا وسورية للجيش التركي من الشمال السوري، وتوريط تركيا في ليبيا بمباركة روسية ضمنية وتنسيق سعودي-أمريكي، مقابل الحياد الروسي لإخراج إيران من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي من سورية، يليه انسحاب كامل القوات الأمريكي وخفض التواجد الروسي إلى الحد الأدنى، ورفع العقوبات بالتزامن مع إطلاق اللجنة الدستورية، بما يضمن لكل من واشنطن وموسكو إخراج الساحة السورية من ساحات الصراع الدولي والأقليمي، وغلقها بالكامل.

 

أما الركيزة الثالثة فكانت زيارة الرئيس ترامب إلى كوريا الشمالية، حيث سارع ترامب تحت الضغط الصيني الموضح في تقدير المركز السابق بعنوان : (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، سارع إلى احتواء المواجهة المشتركة التي ستفرض عليه بعد الزيارة الصينية، بزيارة أقرب ما تكون لزيارة خفض تصعيد، بعد اجتماعه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ”، الوارد تفصيلياً في تقدير للمركز بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، ليعمل الرئيس “ترامب” على إحياء العلاقة مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” في مسعى أمريكي لفصل الملفات، واحتواء المساعي الصينية بنمذجة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط عموماً، وفي سورية خصوصاً مع الصراع في كوريا الشمالية، خاصة بعد دعوة الصين لزيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين في 16/06/2019، وتنسيق زيارته إلى كوريا الشمالية، في زيارة سياسية-عسكرية بحتة، عاد منها وزير الخارجية بالعديد من الملفات والأبحاث العسكرية المتعلقة بالأسلحة الصاروخية، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى قصف أهداف محددة بناءً على نتائج الزيارة الأمريكية، والنجاح الأمريكي في فصل الملفات، والذي شكل السبب الرئيس لاختيار مراكز البحوث والمستودعات العسكرية السورية والإيرانية كأهداف أساسية للعدوان، علماً أن تصريح وزير الخارجية السورية صباح اليوم شرح الزيارة لكوريا الشمالية في إطار “جلب عمال بناء”، وتعاون اقتصادي بين كوريا الشمالية وسورية.

بناءً على الركائز الثلاث السابقة، التي شرحت الخلفيات الدولية، والأهداف الاستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على سورية، يتوقع مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية ارتفاع وتيرة وشدة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، تحت ذريعة الضرورة القصوى، واعتماد كل من واشنطن والكيان الإسرائيلي أسلوب الرد على إيران في سورية، والذي بدوره سيولد استنكار روسي للاستخدام المفرط والمتكرر للقوة، بسبب خرق سقف التفاهمات السابقة وسلوك الكيان الإسرائيلي الاستفزازي لباقي الأطراف، كتحليق الطيران الإسرائيلي فوق المضادات الروسية على الشريط الساحلي السوري، الأمر الذي سيحرج موسكو ويعرّض التفاهمات السابقة لاحتمالية الانهيار أو تعليق العمل بها، وذلك بحسب  الظروف الدولية والأقليمية المستجدة وقدرتها على التأثير في بنية الصراعات الاستراتيجية حول العالم.

]]>
تقدير موقف: أزمة استهداف ناقلات النفط (طبيعتها–الأطراف المتورطة–مستقبلها). https://casrlb.com/?p=1051 Sun, 16 Jun 2019 08:32:07 +0000 http://casrlb.com/?p=1051 تعاني منطقة خليج عمان اضطرابات أمنية شديدة وذلك على أثر استهداف 4 ناقلات نفط في ميناء الفجيرة بتاريخ 12/05/2019، تلاها استهداف ناقلتين قرب ميناء جاسك الإيراني في 13/06/2019، وتتهم كل من السعودية والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إيران بالضلوع خلف هذه التهديدات والتوترات في المنطقة، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذه الحوادث الأمنية ضمن إطار التهديدات المفتعلة من قبل حلفاء واشنطن لمواجهة إيران وشن حرب مشتركة شاملة عليها، حيث يتضح وجود تباين خطير بين موقف واشنطن من المواجهة العسكرية مع إيران، وبين موقف كل من السعودية والإمارات والكيان الإسرائيلي، حيث تسعى كل الدول الثلاث السابقة نحو افتعال أسباب عمل عسكري من خلال التهديدات الأمنية التي يتم التخطيط لها بعناية فائقة لجر واشنطن للحرب الشاملة ضد إيران على غرار حرب الغواصات النازية حيث استهدفت الغواصات الألمانية سفن الإمداد القادمة إلى بريطانيا في محاولة لقطع الإمداد عنها، وتسبب إغراق سفن أمريكية في دخول الولايات المتحدة الأمريكية للحرب العالمية الثانية إلى صالح دول الحلفاء، لكن بفارق بسيط عن الواقع الراهن، يكمن في أن حوادث خليج عمان منذ تفجير ناقلات النفط الأربع في ميناء الفجيرة الإماراتي، وبعدها استهداف سفينتين بطوربيدات وألغام ملصقة مسبقاً، يحمل بصمات لجهة صاحبة السوابق المماثلة من التوريط الاستخباراتي القذر، كالكيان الإسرائيلي الذي برع في مثل هذه العمليات كحادثة 08/07/1967 والتي استهدف فيها الكيان الإسرائيلي سفينة أمريكية “USS Liberty”، لجر واشنطن للحرب بعد اتهام مصر بالعملية، والتي تم كشفها من قبل الإدارة الأمريكية دون تحريك ساكن.

 

أسلوب التنفيذ وتوقيته الذي تزامن مع مغادرة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من طهران بدون أي نتائج تذكر، ودقة الاستهداف مع العلم المسبق بوجود 11 مواطن روسي على أحد هاتين الناقلتين، لدفع موسكو نحو ردة فعل مضادة، وتعليق “يوتاكا كاتادا”، مالك ومشغل ناقلة كوكوكا، أحد البواخر المستهدفة أن تكون الألغام هي السبب، نافياً بذلك الرواية الأمريكية، حيث أكد على مشاهدة أجسام تشبه الطوربيدات تصطدم بالسفينة، وذلك وفقاً لتعليقه على موقع “The Mind Unleashed” الأمريكي للاخبار، يشير بشكل غير قابل للشك بدور غرفة العمليات الاستخباراتية العسكرية المشتركة (الإسرائيلية-السعودية-الإماراتية-الاستخبارات العسكرية الأمريكية)، والتي أثبتنا وجودها وطبيعة عملها في مقال ((الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!!))،

 تلك الأطراف السابقة كانت تنتظر ردة فعل طهران على الرسالة الأمريكية  لممارسة أقصى أنواع الضغوط على البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووضعه تحت تبعات القفزات الفجائية لأسعار النفط، لجره إلى الحرب ضد طهران، ظناً منها أن الوقت يمر في صالح إيران وتطوير قنبلتها النووية، والذي يعني تزايد مخاطر وتكاليف العمل العسكري مع مرور الوقت،  حتى تصبح أمراً مستحيلاً، ويقوم منظور التكلفة ودور عامل الوقت في زيادتها  بالمقارنة بين تكاليف الوضع الراهن، والتكاليف التي تم تقديرها في عام 2012 عندما اقترح الكيان الإسرائيلي شن عملية عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

 

وفي آخر تقدير لتكلفة الحرب المباشرة ضد طهران والتي وصلت إلى 7 تريليونات دولار، بالإضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تمنع دونالد ترامب وإدارته من تحقيق الحلم الأمريكي-الصهيوني بتدمير البرنامج النووي والبالستي الإيراني، لكن لا تمنع الحلم ذاته ومساعي تحقيقه كأهداف استراتيجية، حيث بدأت واشنطن بالتفكير بطريقة تخفيض تكاليف الحرب وضمان نتائجها، وعلى شاكلة سيناريو الغزو العراقي، ليس هناك أفضل من تقاسم هذه التكلفة على عدة دول فيما بينها تشترك بتوجيه ضربة ضد إيران، وتواجه إيران بالمقابل الكثير من الأعداء الأقوياء إلى درجة تصبح القدرة على إنهاء الحرب وضمان نتيجتها أمراً محسوماً، بمعنى آخر بناء تحالف دولي ضد إيران ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار العالمي من وجهة النظر الأمريكية.

 

هذا التحالف سيتم  تشكيله على مرحلتين، الأولى تتلخص في اتهام إيران دون تثبيت التهم بشكل مطلق، ثم الاتجاه نحو تشكيل قوة بحرية مشتركة بين واشنطن وحلفائها مهمتها حماية الاساطيل البحرية المدنية، ومن شأن ذلك أن يعزل القوة الإيرانية وسيطرتها عن مياه الخليج، ويشدد الرقابة على ناقلاتها وحركة قواتها البحرية، بالتالي حصار دولي غير مباشر ضد إيران، وهي خطوة قد بدأت مناقشتها بالفعل، ويتم اقتراح المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة كجهة حيادية تقود هذه العملية.

أما الخطوة الثانية فتكمن في استجرار طهران لإبداء أي رد فعل ضد القوات البحرية المشتركة والتي تقودها أحد المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ليتم على الفور طلب جلسة طارئة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تتخذ قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء، ولا يوجد فيتو فيها لأحد على عكس مجلس الأمن، وطرح عملية عسكرية ضد طهران تحت غطاء أممي شرعي، ما يعني أن الحوادث الأمنية في الخليج ستستمر حتى تشكيل القوة البحرية المشتركة لكن بوتيرة تتناسب مع جدية العواصم الحليفة لواشنطن ومدى تقييمها للمخاطر في المنطقة.

بالمحصلة ستنجح واشنطن بتشكيل القوة البحرية المشتركة، ولكن من الصعب جداً أن تنجح في تأمين غطاء أممي لأي ضربة ضد طهران، لذلك في حال إصرارها على استجرار الحرب سيترتب عليها تحمل التكلفة الباهظة هي وحلفائها، بحرب لن تقتصر حينها على المنشآت والبرامج الاستراتيجية العسكرية لإيران، وإنما تدمير إيران بالكامل أو خسارة الحرب بالكامل.

]]>
الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!! https://casrlb.com/?p=1013 Tue, 11 Jun 2019 08:47:24 +0000 http://casrlb.com/?p=1013 صلاح النشواتي- المدير العام

في ظل الصراع بين القوى الثلاث الأساسية في الشرق الأوسط متمثلةً بكل من (إيران-تركيا-السعودية) سعت إيران إلى رسم تحالف جديد يتناسب مع طبيعة نظامها السياسي الإسلامي، حيث تمكنت طهران من إيجاد صيغة شرق أوسطية مرضية تتلخص في تحالف إثنان ضد الثالث، والذي تبلور منذ وصول حركة الإخوان المسلمين إلى الحكم في تركيا، ومن ثم انطلاق ثورات الربيع العربي الإخوانية، والتي نالت مباركة إيرانية قبل أن تدرك طهران أن الثورات بأكملها ليست أكثر من أجندة فرعية لواشنطن في عهد أوباما ضمن استراتيجية كبرى، ما دفع طهران إلى اتخاذ مواقف حازمة وسريعة ضد هذه الثورات وخصوصاً عندما وصل مدها إلى سورية، ولكن سرعان ما تغير الموقف الإيراني من الإخوان في المنطقة بعد أن انقلبت الإدارة الأمريكية على تركيا بثورات مضادة بسبب إحيائها الحلم العثماني مع الحكومات الإخوانية في المنطقة عام 2013 وسعيها لملئ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي المجدول سابقاً في 2011 من العراق وأفغانستان.

هذا الانقلاب الأمريكي سمح لطهران بإعادة تنسيقها وتواصلها مع الحركات الإخوانية في كل المنطقة، باستثناء الملف السوري التي أخذت على عاتقها الإبقاء على التحالف مع البعث السوري والدولة السورية، فتلخص دعمها للجيش السوري بمحاربة داعش والفصائل التابعة للسعودية بالشراكة مع تركيا في إطار استانا الذي نظمه ووضع إطاره الروس في إعلان موسكو 30/12/2016 كحصاد للإنقاذ والدعم الروسي والإيراني المقدم لأردوغان عشية الإنقلاب التركي المدبر أمريكياً من قاعدة أنجرليك التابعة للناتو في 15/07/2016.

وبعد انتهاء معركة ريف دمشق التي انقضت باتفاق ثلاثي (تركي-روسي-إيراني) على سحب الفصائل التابعة لتركيا والإيقاع بالفصائل السعودية، وبعدها معركة الجنوب التي ضغط فيها الكيان الإسرائيلي على السعودية بإنهاء تواجد فصائلها جنوباً خوفاً من فتح معركة تصل إلى الجولان السوري المحتل، لم يتبقى سوى منطقة الشمال السوري ضمن اتفاق استانا، والتي تعد منطقة المصالح التركية، ليطلق الجيش السوري معركة إدلب في الشهر الماضي بالشراكة مع روسيا (ذكرنا تفاصيلها في مقال سابق بعنوان واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو).

هذه المعركة أوصلت طهران إلى اللحظة الحرجة، التي ظهر أنه لابد من مواجهتها مهما طال الزمن، فهي أمام أحد خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن يشارك الحرس الثوري الإيراني مع قواته الرديفة في معركة إدلب، ويخسر بالمقابل آخر قوة إقليمية حليفة له (تركيا-قطر) في وجه واشنطن، ويخسر أيضاً تحالفه الكامل مع الإخوان المسلمين وبالأخص حركة حماس، أو ينأى بنفسه عن معركة إدلب، ويكتفي بالمراقبة.

 

فعلياً اختار الحرس الثوري الخيار الثاني، فيما يتعلق بمعركة إدلب رغم كل ضراوتها وشراستها، كونه الخيار الأكثر منطقية بالنسبة لمصالحه، لكن الخيار الثاني حمل معه إجراءات أكبر بكثير من عدم المشاركة في المعركة حفاظاً على العلاقات التركية-الإيرانية، حيث اتضح أن هذا الخيار شمل مشاركة الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم الكامل لقوات الوفاق الوطني الإخوانية في ليبيا في حربها ضد قائد الجيش الليبي المشير “خليفة حفتر”، حيث رصدت المواقع المسؤولة عن تتبع الحركة الجوية طائرة شحن ليبية بتوقيت  10:45 مساءً من طراز “Ilyushin Il-76TD”  خرجت من مطار طرابلس الليبي في رحلة ذهاب وعودة باتجاه سورية، وقامت بإطفاء جهاز التتبع الخاص بها، في حركة مشابهة تماماً لسلوك الحرس الثوري الإيراني مع ناقلات نفطه، حيث يقوم بإطفاء أجهزة التتبع للناقلات بعد عبورها مضيق ملقا في سنغافورا، كأسلوب للالتفاف على العقوبات الأمريكية الجائرة على إيران، ومن ثم يقوم ببيعها في السوق السوداء الصينية، واستلام ثمنها عن طريق شركات نصف وهمية بين آسيا وأوروبا، ما يعني أن طائرة الشحن القادمة من ليبيا في 01/06/2019 كانت تتجه نحو مطار التيفور العسكري السوري الذي يتواجد فيه الحرس الثوري لتلقي الدعم، والذي تعرض في مساء ذات اليوم لعدوان إسرائيلي عنيف.

هذه المعطيات تضعنا أمام سؤالين مفصليين:

الأول: ماذا قدمت إيران لحكومة الوفاق الإخوانية في ليبيا ولماذا؟

الثاني: لماذا قام الكيان الإسرائيلي باستهداف مطار التيفور بعد الرحلة الليبية إليه؟

 

يتضح من خلال المصادر الإعلامية أن طهران كانت تقدم عناصر الطائرات المسيرة بالإضافة إلى تقنياتها إلى ليبيا انطلاقاً من سورية، حيث أشار مسؤول رفيع في حكومة الوفاق الوطني، في تصريح لصحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية، أن القوات الحكومية حصلت في الأيام الأخيرة على طائرات مسيرة، وتمكنت من تحديثها لتبدأ استخدامها عند جبهات القتال مع قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر في محيط العاصمة طرابلس، وبعيداً عن التحالف الوثيق بين إيران والإخوان، تأتي ليبيا في أولويات الدعم بالنسبة للحرس الثوري لهدف استراتيجي أعمق، حيث تحارب حكومة الوفاق قائد الجيش الليبي “خليفة حفتر” المدعوم من السعودية، والتي تسعى الرياض وحلفها في دعم حفتر لبسط كامل نفوذه على ليبيا، للتحكم فيما بعد بإنتاج النفط الليبي، بالتالي استخدامه بالتوافق مع واشنطن لتغطية النقص في المعروض من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، بالنفط الليبي، دون أن تتأثر الأسواق وأسعارها، تحت إشراف مباشر من الرياض والقاهرة، وهو أمر لاترغب به طهران على الإطلاق، بل على العكس، حيث تسعى للضغط على الموقف الأمريكي من خلال الإبقاء على الإنتاج الليبي معطلاً، بالتالي الضغط على أسعار النفط نحو الصعود، والذي لاتستطيع الإدارة الأمريكية تحمله طويلاً، إضافة إلى أن خطورة العقوبات الاقتصادية على القطاع النفطي الإيراني لاتنحصر فقط بخفض المبيعات وتضاؤل الواردات، بل بخسارة طهران لزبائنها وحصتها السوقية بشكل دائم من جهة، ولخروج الكثير من الآبار النفطية القديمة في حال التوقف عن الانتاج وحاجتها إلى مبالغ طائلة لإصلاحها من جهة ثانية.

أما العدوان الإسرائيلي في تلك الليلة على مطار التيفور السوري، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أو التحليل، بأن التنسيق (السعودي-الإماراتي-الأمريكي-الإسرائيلي) هو تنسيق رباعي في إطار غرفة عمليات استخباراتية عسكرية مشتركة، تعمل على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع.

هذه المواجهة بين السعودية وإيران في ليبيا كساحة جديدة، دفع بمجلس الأمن للانعقاد وتمديد قراره رقم “2420” القاضي بحظر توريد الأسلحة للأطراف الليبية، كما دفع بروسيا إلى التدخل ومحاولة إيقاف المعركة الدامية التي تجري بين الطرفين الليبين، حيث أرسلت موسكو بنائب وزير خارجيتها سيرغي فيرشينين في 10/06/2019 ليلتقي بمساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة علي أصغر حجي، لتتركز المحادثات على العديد من الملفات أهمها ليبيا.

وبالرغم من الحرص الروسي على تخفيض مستوى الزيارة، ربما لإخفاء أهميتها، إلا أن الملفت في الأمر أن نائب وزير الخارجية الروسي ناقش في طهران الملفات المشتركة جملة واحدة، مع العلم أن موسكو تؤيد سيطرة خليفة حفتر على طرابلس، دون أن تدعمه بشكل مباشر، وبمجرد مناقشة الملفات على شكل حزمة واحدة بين الطرفين الروسي والإيراني، يتم قراءتها على أن موسكو تفاوض طهران للتخلي عن دورها في ليبيا ومساعدة الجيش السوري في إدلب، مقابل تعهد موسكو بتنشيط ودعم الحراك الأوروبي لإنقاذ الاتفاق النووي، بالإضافة إلى ضمانات أمنية بعدم تأييد التصعيد الأمريكي ضد ظهران، ووقف الصراع الناعم في سورية بين الطرفين والذي تمثل بتيارات العلمانية تارةً، وطرح موضوع عودة حماس إلى سورية تارةً أخرى، وتوحيد الجهود نحو الاستقرار في المنطقة وتركيب معادلة أمن إقليمية برعاية روسية، تخدم مصالح جميع الأطراف على حساب المعادلة الأمنية التي تحاول واشنطن فرضها، وتبقى التفاهمات الروسية-الإيرانية الجديدة بما تتضمنه من مشاكل الملف الفلسطيني والتصدي لصفقة القرن، رهينة نتائج الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية.

]]>
تقدير موقف: ثقل واشنطن في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مطلب إسرائيلي أم مصلحة استراتيجية أمريكية؟! https://casrlb.com/?p=992 Tue, 28 May 2019 01:38:30 +0000 http://casrlb.com/?p=992 ثقل واشنطن في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مطلب إسرائيلي أم مصلحة استراتيجية أمريكية؟!

شهد لبنان زيارات أمريكية متوالية منذ شهر آذار الماضي بسلسلة لقاءات شملت وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومساعده لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد، تركزت هذه اللقاءات بالدرجة الأولى على ملف ترسيم الحدود البحرية مع الكيان الإسرائيلي، وبالرغم من حجم الملفات الاستراتيجية والمصيرية العالقة في العالم أمام الإدارة الأمريكية، إلا أن واشنطن قررت إعطاء كل هذا الثقل لملف بسيط يشمل خلاف حدودي بحري على مساحة تقارب 850 كم مربع، ومع التركيز الشديد في البداية على ترسيم الحدود البحرية وفصلها عن الحدود البرية، إلا أن إصرار لبنان على لسان رئيس مجلس نوابه بالترسيم الشامل، وضع واشنطن في موقف أكثر تعقيداً، وقد حاولت في سبيل ذلك تهديد الرئيس نبيه بري بالعقوبات بذريعة علاقة حركته بحزب الله، إلا أن الاصرار الأمريكي الشديد حول إنجاز هذا الملف وعدم بدء مواجهات مفتوحة وطويلة، جعل الإدارة الأمريكية تقبل بمناقشة الترسيم البري والبحري كملف واحد، وبالشروط اللبنانية، ليظهر من ناحية الشكل أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحقيق مطالب الكيان الإسرائيلي، في حين أن واشنطن تسعى لمصلحة استراتيجية أمريكية صرفة، فترسيم الحدود البحرية دوناً عن البرية، له علاقة مباشرة بقدرة الكيان الإسرائيلي على إنتاج الغاز من المتوسط، وذلك بخفض المخاطر الناجمة عن التهديدات اللبنانية، والتي ترفع بدورها كلف الاستثمار والإنتاج بالضرورة.

مستقبل الغاز التي تعمل إسرائيل على استخراجه في بيئة آمنة هو أحد أهم أسس المشروع الأمريكي، فمن المقدر لهذا الغاز أن يصدر بأنبوب خاص (إيست ميد) من المتوسط مروراً بالمناطق المتنازع عليها وتحت مرمى التهديدات اللبنانية في المناطق الأخرى وصولاً إلى أوروبا، رابطاً معه حقول المتوسط المكتشفة في مصر، والذي سيشكل بدوره رافداً مهماً للغاز إلى أوروبا في مواجهة محاولات روسيا للسيطرة على سوق الطاقة الأوروبية عن طريق أنابيبها، وتبعات المشروع الروسي على المصالح الأوروبية-الأمريكية المشتركة ضمن المواجهة البينية الكبرى، بالتالي فإن خوف واشنطن من استغلال المواجهة بين لبنان والكيان الإسرائيلي بدعم الخلاف حول الحدود البحرية وتمتين العلاقة الروسية اللبنانية في سبيل ذلك، بما يشمل عروض التسليح للبنان والذي قدمته موسكو سابقاً كملف على شكل مساعدات عسكرية، وأيضاً دعم حزب الله بأسلحة بحرية متطورة لعرقلة المشاريع الإسرائيلية بالوكالة في غاز المتوسط التي تضر بالمشاريع الروسية، دفع الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بثلاث خطوات متزامنة:

الأولى: إبداء المرونة والتنازل أمام المطالب اللبنانية.

الثانية: الضغط لرفض المساعدات العسكرية الروسية بكل أشكالها.

الثالثة: العمل على تصنيف حزب الله كمنظمة إجرامية عابرة للحدود والذي أطلق بخبر عابر حول طرح مكافئة 10ملايين دولار لكل من يدلي بمعلومات حول أساليب وطرق تمويل حزب الله  كبداية لتلفيق أتهام مبني على شهود وإفادات مفبركة.

هذه الخطوات الثلاث هي بمثابة تكتيك بالغ الأهمية لقطع الطريق أمام موسكو في أي محاولة لها للدخول إلى لبنان أو إيقاف المشاريع الإسرائيلية نحو أوروبا، سواء بشكل مباشر أو بالوكالة.

]]>
الشرق الأوسط تحت وطأة الصراع الثلاثي والمفتاح سورية https://casrlb.com/?p=961 Fri, 17 May 2019 14:22:49 +0000 http://casrlb.com/?p=961 الباحث مازن بكري

لا يزال الشرق الأوسط تلك الجغرافيا الملتهبة التي تتشابك فيها مصالح القوى المتجاورة وتتعارض أيضاً في كثير من الأحيان، فوجود دول فيه كانت في سابق عصرها إمبراطوريات ودولاً كبرى كلاً على حدى، جعل من الزمن الحاضر كسياق مستمر للماضي جملة معقدة من المطامح والتناقضات التي يُبنى على أساسها تحالف هنا أو مواجهة هناك، هذا بالإضافة إلى المتغيّر المربك في المنطقة وهو الكيان الإسرائيلي كلاعب جديد في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد تتصارع القوى الإقليمية في سعيها لبسط النفوذ في الشرق الأوسط، مستعينةً بكل الوسائل الممكنة من تحالفات بينية في الإقليم إلى تحالفات مع قوى كبرى خارجه، ولأنّ من يفرض سيطرته على هذه المنطقة يتحكّم بموازيين القوى على المستوى الدولي، سعت القوى الأساسية فيه (إيران – تركيا – السعودية) إلى فرض نموذجها ونظامها على كل الإقليم ضمن مسار إلغائي مسيطر يحمل في جوهره شكل ومضمون كل طرف من الأطراف، وبحكم الهوية الثقافية العامة لشعوب المنطقة والمبنية على العروبة والإسلام، اتّخذت نماذج السيطرة للقوى الأساسية ذات الصيغة، فاعتمدت الرياض مؤخراً اللعب على الانتماء العروبي، بينما اتجهت أنقرة نحو استخدام الإسلام السياسي السنّي، متمثلاً بالإخوان المسملين سبيلاً نحو التغلغل في الإقليم، وكذلك طهران بثورتها كإسلام سياسي شيعي.

إنّ الصراع بين القوى الثلاث، أي الإسلام السياسي الشيعي المتمثل بالنظام الإيراني، والإسلام السياسي السني المتمثل بالإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية، كان دائماً يحمل إصطفافاً وفصلاً سنياً شيعياً بين هذه القوى، بالإضافة إلى تباين في داخل الفصل السنّي الواحد مبني على القومية والأجندات السياسية بين السعودية وتركيا ما قبل عام 2010، بحيث تتصّدر السعودية قيادة العالم السنّي في محاولات دائمة لطيّ تركيا تحت جناح المملكة. وعلاقتهما مع الملف الفلسطيني أحد أهم الأمثلة، حيث تدعم تركيا حركة حماس وتدعم السعودية السلطة الفلسطينية للاستيلاء على كامل الملف الفلسطيني وطيّ حماس تحت جناح السلطة.

كذلك يشترك كل من جماعة الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بأجندة سياسية واحدة وهي دعم حركات الجهاد الإسلامي المسلح سواء الإرهابي منها كالقاعدة أو المقاومة كحماس. وبالرغم من شدة العداء بين هذه القوى السياسية في الشرق الأوسط وسعيها المستميت للتفّرد في السيطرة، إلا أنّ العلاقات البينية كانت تأخذ دائماً طابع “اثنين ضد الثالث”، أي التعاون الثنائي بين قوتين لمواجهة القوة الثالثة، وعلى هذه القاعدة دائماً ما كانت تحلم الجمهورية الإسلامية في إيران ببناء شراكة مع القوى الإخوانية في الشرق الأوسط لاستغلال هذه الشراكة في مواجهة السعودية، خاصة أنّ الإخوان المسلمين في نهاية المطاف نظام إسلام سياسي متطابق تماماً مع نظام الجمهورية الإيرانية من حيث الشكل والمضمون، بإستثناء الصبغة الطائفية.

وقد نجحت طهران بالفعل في بناء هذا التحالف المتين عام 2013 بعد الكثير من المحاولات، وهو تاريخ إستلام الرياض دفة إسقاط الأنظمة الإخوانية التي وصلت إلى السلطة بفعل الربيع العربي كمشروع أمريكي، والتي أعادت واشنطن الانقلاب عليه بثورات مضادة نتيجة لظهور العثمانية الجديدة وزيادة النفوذ الإيراني بدلاً من تقلصه (اليمن والحوثيين، مصر في عهد مرسي)، مما رشح السعودية والدول العربية التابعة لها لتصبح رأس الحربة ضد كلا المشروعين المتحالفين (الإسلامي الإخواني في تركيا وقطر، والثوري الإسلامي في إيران) متحالفة في سبيل ذلك مع الوكيل الأمريكي في المنطقة “الكيان الإسرائيلي”، والذي يشكّل سيطرة أيّة قوة من هذه القوى الثلاث على الشرق الأوسط مصدر قلق وجودي لمستقبل مشاريعه في المنطقة، وبالرغم من التنافس الذي لا مفرّ منه في أي مستقبل لكلّ من الكيان الإسرائيلي والمملكة السعودية إلا أنّ الدور الأمريكي، كراعي وحامي لكلَيهما، يعمل كضامن بينهما لسمتقبل كل جهة على حدى، ويسعى إلى صياغة وفرض اتفاقية السلام على هذا الأساس (صفقة القرن).

الدور السعودي الجديد الموكل من واشنطن دفع بالرياض إلى التخلّي عن جميع الحركات الإسلامية بشقّيها السياسي والجهادي، وهو ما سمح لإيران بإستغلال هذا الموقع الجديد بلعب دور دولي وإقليمي أكبر من المعتاد، وفي أحد أهم ساحات المواجهة (سورية)  فتحولت إلى دولة ضامنة جنباً إلى جنب مع تركيا وروسيا في أستانا نهاية عام  2016، بعد أن دعمت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب بالشراكة مع موسكو، كما استثمرت هذا التحالف لتحقيق غايات أوسع وأبعد من زيادة الدور الإقليمي والدولي، وذلك في مواجهة السعودية والكيان الإسرائيلي بطموحات وقدرات إيرانية تركية مشتركة، فقامت بفك الحصار الذي فرض على قطر مطلع حزيران 2017 بصفتها داعمة للإخوان المسلمين، وهو الحصار الذي كان مستحيلاً على الدوحة تحمّله لولا تدخل إيران الذي أسعف النظام الأميري في قطر، وعطّل مخطط إستهداف رئة الإخوان المسلمين، وزادت في مستوى دعم حركة حماس كذراع إخواني في مواجهة الكيان الإسرائيلي، وبالمقابل رفض تركي للالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران.

ومن جهة أخرى عملت كل من تركيا وإيران من خلال منصّة أستانا التي أحدثتها روسيا على إخراج الفصائل التابعة للسعودية من الملف السوري وذلك باستهدافها في محيط دمشق وفي الجنوب السوري من قبل الجيش السوري، بالتزامن مع انسحاب الفصائل التركية إلى الشمال بدون قتال، وخلخلة صفوف الفصائل السعودية في اتفاق استخباراتي عكسري إيراني تركي روسي مسبق.

ولا تزال إلى اليوم تشتد وطأة هذه المواجهة ضمن الساحة السورية في اصطفافاتها الإقليمية الجديدة إيران تركيا قطر من جهة، والسعودية والدول العربية التابعة لها مع الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، في حين تكمن المساعي الروسية لإعادة سورية إلى كنف المملكة العربية السعودية، وهو ما يتعارض مع موقف الحكومة السوري من التحالف الإيراني الذي بدوره يتعارض مع تحالف إيران مع الإخوان المسلمين كجماعة محظورة في سورية…!!

هذه المواجهات في الشرق الأوسط  تجعل كلاً من سورية والعراق أهمية كبيرة لكل الأطراف الثلاث، وبالأخصّ سورية ومستقبلها كدولة ولجهة اصطفافها ضمن هذا الصراع. وكل هذا يثير العديد من الأسئلة الجديّة حول الحكومة السورية وسياستها الخارجية، فهل مثلاً ترى نفسها مع تحالف الإسلام السياسي متمثلاً بإيران، وفي هذه الحالة عليها أن تقبل بتحالف حليفها مع ألد أعدائها وهم الأخوان المسملين وهم أيضاً يسيطرون على كل الشمال السوري ويسعون للسيطرة على شرقه؟ أم ترى الحكومة السورية نفسها ضمن مبادئها البعثية والعروبية ضمن البيئة العربية في كنف المملكة السعودية والتي تشترط أن تكون بعيدة عن إيران أو على الأقل أن لا تصطفّ معها في أيّة مواجهة بين طهران والرياض أو طهران والكيان الإسرائيلي؟

يبدو أنّ كلا الخيارين غير منطقي للقيادة السورية، فلا استمرارها مع إيران وقوى الإسلام السياسي سيحلّ مشكلة العداء الدائم للمملكة وللإخوان ولا سيحلّ مشكلة الحصار والعقوبات واليأس من أيّة عملية إعمار، وفي ذات الوقت العودة إلى الحضن السعودي يعني الارتماء لقرارات الرياض وإسرائيل والاعتراف غير المباشر بشرعية استيلاء الكيان الإسرائيلي على الجولان والدخول في مواجهة أشدّ شراسة مع الأخوان المتغلغلين في الداخل وتركيا الإخوانية التي تحتلّ شمال البلاد!!!

فهل يلعب الرئيس السوري دور بيضة القبّان أم ستستمر المماطلة ريثما تقع كارثة تمزيق سورية إلى مناطق نفوذ دائمة وإخراجها من دورها الجوسياسي؟ القادم من الأيام سيكشف الكثير من القرارات والخيارات في ما يتعلق بمستقبل المواجهات الشرق أوسطية!!!!

 

]]>