الصين – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Thu, 08 Aug 2019 08:40:29 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 مشاركة في برنامج بلا قيود على إذاعة سبوتنك (الحرب التجارية الأمريكية الصينية) https://casrlb.com/?p=1238 Thu, 08 Aug 2019 08:38:14 +0000 http://casrlb.com/?p=1238 طالبت بكين الشركات الحكومية بالتوقف عن شراء المنتجات الزراعية الأمريكية رداً على تصعيد الرئيس ترامب حربه التجارية ضد الصين إذ أنه أعلن الأسبوع الماضي عن خطط لفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 بالمئة على واردات صينية بقيمة 300 مليار دولار.

وتصاعدت التوترات التجارية بين البلدين ، عندما هبطت العملة الصينية (اليوان) لأدنى مستوى خلال 11 عاماً أمام الدولار، مما زاد المخاوف من أن بكين عمدت فعل ذلك لتعزيز صادراتها.

مدير مركز الدراسات والأبحاث  الإنتروستراتيجية في بيروت صلاح النشواتي في حديث ل ” بلا قيود” اعتبر أن “العقوبات التجارية الجديدة التي فرضتها واشنطن على الصين خطوة إلى الوراء في مسار المفاوضات التجارية  وأن الحرب التجارية هي التي تحكم العلاقة بينهما”

وقال النشواتي: “بالرغم من أن بكين وواشنطن أعلنتا ما يشبه الهدنة  في قمة أوساكا لدول مجموعة العشرين في اليابان، إلا أن هذه الانتكاسة في السمار التفاوضي هو أمر طبيعي، ولا يمكن لهذه الحرب أن تنتهي بطريقة جيدة نظراً للأسباب التي تقوم عليها، فواشنطن أكبر قوة أقتصادية في العالم، وهي لا تنازع الصين على الحاضر، وإنما تتخوف من استمرار صعود الصين بذات المنحنى البياني الإيجابي، ما يعني أن المستقبل في هذا السيناريو حكماً لبكين، حيث يشكل فرق الميزان التجاري الصيني الأمريكي لصالح بكين، ومشاريع الصين الانتاجية الضخمة والمتنامية وعملها على تصديرها لكل الكوكب سببان رئيسيان في بدء هذه الحرب المدمرة” 

وأشار النشواتي إلى أن “إدارة ترامب أدركت أن الرؤية الأمريكية تجاه الصين على أنها معمل أمريكي ضخم  خارج الحدود قد بدأت تتغير بحقيقة الأمر الواقع، بانطلاق الصناعات التقليدية والصناعات التكنولوجية  الحكومية الخاصة بالصين، لتصبح أحد أكبر منافسي الشركات الأمريكية على مستوى سوق الدولتين وعلى مستوى العالم “

ونوه النشواتي: ” أن انخفاض قيمة اليوان الصيني، ستؤدي بالضرورة إلى تحييد الزيادة السعرية على السلع والمنتجات الصينية لصالح انخفاض السعر الأصلي، ما يعني أن السلعة الصينية لن يتغير سعرها في السوق الأمريكية، حتى بعد فرض الرسوم، إلا أن هذه السياسة النقدية لا تصلح كحل دائم، بالرغم من أنها تعمل على تصريف الانتاج وتدارك الكساد السلعي، فهي تؤثر مستقبلاً على نسب النمو الاقتصادي للصين، أي أن هذه السياسة النقدية هي لعبة عض أصابع بين واشنطن وبكين، في سباق للتضحية في زيادة نسب النمو مقابل تفادي الدخول بمرحلة الانكماش، وبالتالي الوصول إلى مرحلة الكساد والركود الاقتصادي”

وأضاف النشواتي أن “الرد الأمريكي على سياسة الصين النقدية بتصنيفها كدولة متلاعبة بعملتها سيمكن واشنطن كحد أدنى من فرض عقوبات اقتصادية على الصين ومنعها من المشاركة في عقود المشتريات الحكومية للمؤسسات الفدرالية الأمريكية كخطوة تمثل شرخاً جديداً في العلاقة الاقتصادية بين البلدين “

وختم النشواتي بقوله: “عموماً الحرب التجارية بين الطرفين لن تتوقف، نظراً لتعارض أهداف الدولتين بشكل كبير فيما يتعلق بدور كل دولة على مستوى العالم، فواشنطن تسعى نحو إرضاخ الصين كاقتصاد مخدم للاقتصاد والإنتاج الأمريكي، وبكين تسعى نحو غزو كل الأسواق العالمية بكميات إنتاج يصعب على أي اقتصاد في العالم منافسة أسعاره المنخفضة والناجمة عن كم الانتاج الهائل وحجم التشغيل الكبير.

ومن الممكن في مثل هذه الحالة التوصل إلى حل وسط في حال تعاظم خسائر الطرفين، وفي حال فشلت المشاريع الأمريكي الأخرى كافتعال الأزمات الجيوسياسية الضاغطة على الصين، بحيث تتقاسم الدولتين أسواق العالم باتفاقيات تجارية تحد من قدرة الطرفين على التأثير السلبي بالمستقبل الاقتصادي لأي منهما، وتنمع النظام الشيوعي في الصين من احكام قضبة سياسية مركزية على توجهات الاقتصاد الخارجية.”

للاستماع إلى الحلقة كاملة اضغط هنا.

]]>
تقدير موقف: ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى أزمة الاستراتيجية الروسية في الشراكة الجديدة مع الصين. https://casrlb.com/?p=1231 Tue, 06 Aug 2019 13:04:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1231 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تعليق التزاماتها بمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى (INF)، في شباط/فبراير من عام 2019، كرد على انتهاك موسكو المزعوم للمعاهدة التي تحظر تطوير الصواريخ العاملة في مدى (500-5000كم)، بعد تطوير روسيا لسلسلة من الصواريخ للمنظومة التكتيكية المتنقلة ألكسندر 9M، كان آخرها صاروخ (9М729-Novator) الذي يصل مداه إلى 480كم، ويستطيع تخطي الصواريخ الاعتراضية بقدرته العالية على المناورة في مستويين أثناء التحليق نحو الهدف، وقد علَّقت موسكو العمل بالمعاهدة كرد جوابي، معتبرةً أن الصاروخ السابق لا يشكل خرقاً للمعاهدة، على عكس استخدام الولايات المتحدة منظومة “الصواريخ الأهداف” ونشرها منصات إطلاق من نوع “MK-41” في أوروبا، وقد أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا انسحابهما الرسمي من المعاهدة في 02/08/2019، لتشرع بعدها واشنطن بالدعوة لمعاهدة جديدة، أكثر شمولاً وحداثة، تكون الصين طرفاً فيها، بالتزامن مع إعلان واشنطن عزمها نشر صواريخ متوسطة المدى في منطقة آسيا والهادئ، وفي هذا الإطار يقدِّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية التطورات المرتبطة بفسخ المعاهدة السابقة في سياق الانهيار المخطط للاستقرار الاستراتيجي في العالم، والمرتبط بالاستراتيجيات الدولية السابقة لكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، للفترة الممتدة بين 2008-2018، كما يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الصين وروسيا، التي أدت إلى دمج استراتيجيتي الدولتين، في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية، تواجه عقبات كبيرة ناجمة عن آثار الاستراتيجية الروسية السابقة.

 

الاستراتيجية الروسية وأهدافها السابقة:

كانت ولاتزال الاستراتيجية الدولية الروسية تعمل على ركيزتين أساسيتين، الأولى خلق هيكلية اقتصادية عالمية تعددية جديدة، تكون موازية للأمريكية، والثانية تصحيح الأخطاء التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في السابق، كل ركيزة من هاتين الركيزتين تعمل كموجه للسياسة الخارجية الروسية، وأجنداتها، حيث يعتبر سباق التسلح أحد أهم أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي تداركته موسكو بالتطوير النوعي السري لترسانتها العسكرية بالخفاء، بالتزامن مع إطلاق إدارة أوباما استراتيجيتها المتضمنة الانسحاب من الشرق الأوسط، باتجاه الصين، بحيث تستطيع موسكو تفادي الصدام، وتطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، لمواجهة المنتصر في المواجهة الأمريكية الصينية، في خطة تهدف لوضع واشنطن أمام تطور عسكري روسي غير مسبوق، يحسم إطلاق سباق التسلح لصالح موسكو قبل حتى أن يبدأ، في ذروة الانشغال الأمريكي في المواجهة مع الصين.

وقد شكل الإعلان عن تطوير الصاروخ الروسي الجديد (9М729-Novator) الشرارة الأولى لانهيار المعاهدات الضابطة لسباق التسلح، ليعلن بعدها الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في شهر آذار/مارس من عام 2018، دخول الأسلحة فائقة القدرة والتكنولوجيا الخدمة العسكرية في الجيش الروسي، والتي حققت هدفها بتشكيل صدمة كبيرة لواشنطن، وعجز أمريكي للتصدي للأسلحة الروسية الجديدة.

وقد سعت موسكو من خلال ذلك لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: إحداث شرخ بين الأمن الأوروبي والأمن الأمريكي، بالتزامن مع المشاريع الطاقوية مع ألمانيا، والتي أحدثت بدورها شرخاً بين المصالح الأوروبية والمصالح الأمريكية، في خطوة مدروسة لفك الارتباط الأوروبي بالولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة بناء تعريف جديد لأمن المنطقة ومصالحها بحيث يشمل روسيا، ويقلص من النفوذ الأمريكي.

 

الهدف الثاني: زيادة حدة المواجهة الصينية الأمريكية المفترضة في الاستراتيجية الأمريكية السابقة، من خلال تخليص واشنطن من قيود الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ما يدفع كلا الطريف لرفع مستوى المواجهة، بشكل استنزافي، يبقي موسكو في مأمن من رد واشنطن، ويأمّن لها فرصة أكبر في التفوق على المنتصر، بحيث تعيد صياغة العلاقات الاستراتيجية في العالم، بما يضمن تحول النظام الدولي نحو التعددية الدولية، تكون فيه روسيا أحد أكبر الأقطاب.

 

التغيَّر الجذري في الاستراتيجية الأمريكية وتأثيرها على بكين وموسكو:

الأهداف الروسية كانت لتتحقق لولا فشل استراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط، والانسحاب منه من جهة، والتغيير الجذري للاستراتيجية الأمريكية في عهد إدراة ترامب من جهة ثانية، والتي ارتكزت على إعادة تعريف أعداء وخصوم واشنطن لتشمل موسكو، وإعادة تعريف الدور الأمريكي حول العالم بالكامل، وانسحبت بموجب ذلك من العديد من الاتفاقيات الدولية، وسلكت مساراً تصعيدياً كان عصياً على كل من روسيا والصين التنبؤ به، أو تركيب استراتيجيتيهما عليه، كاستراتيجيات مضادة.

 

إدراك كل من موسكو وبكين بالتغييرات الجديدة، وأثرها على التوازن الاستراتيجي في العالم، دفع بكليهما إلى التقارب حد الدمج بين استراتيجيتي الدولتين، والذي أعلن عنه بزيارة الرئيس الصيني لموسكو في حزيران/يونيو من العام الحالي.

وبالرغم من المسار الجديد لكل من روسيا والصين، وفعاليته في إعادة صياغة الاستقرار الاستراتيجي لمصلحتي البلدين في وجه واشنطن، إلا أن هذا الدمج يترتب عليه الكثير من الجهود المشتركة لإزالة التناقض بين الاستراتيجيات السابقة للدولتين، النابع من الرؤية المختلفة لمستقبل التوازن الاستراتيجي وطبيعة النظام الدولي، بين كل من بكين وموسكو، ولعل ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يشكل أحد أكبر العقبات أمام الشراكة الجديدة، والذي أصبح في مسار أزموي خاص به، يهدد الأمن القومي الصيني، وينذر بتصعيد أمريكي  مباشر، يخرق الالتفاف الصيني الروسي بأدوات تصعيد غير مباشرة ضد واشنطن، كالملف النووي الكوري الشمالي، والملفات المشابهة، والموضح في تقدير سابق بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، الأمر الذي من شأنه أن يجر اقتصاد بكين وموسكو ومصالحهما الجيوسياسية نحو التأثر بالاضطراب في البيئة الاستراتيجية، ليمتد من الأقاليم ذات النفوذ الأمريكي، إلى الأقاليم التي تنشط فيها المصالح الروسية والصينية، كحال البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان والوارد في تقدير استراتيجي للمركز بعنوان: (بوادر أزمة جيوسياسية جديدة في بحر اليابان)، ومحاولة واشنطن تصدير الأزمة الناشئة إلى بحر الصين الشرقي والجنوبي، ليتحول هذا التأثير بفعل عقبات الاندماج إلى عامل مؤثر في صياغة التوازن الاستراتيجي الجديد التي تطمح له العاصمتين، أي أن المسارات التي خلقتها كل من بكين وموسكو بشكل مستقل في السابق، أصبحت عاملاً مؤثراً على فعالية الشراكة الجديدة وقدرتها على تحقيق أهدافها.

 

في النتيجة قد تدفع المتغيرات الجديدة الناجمة عن الشراكة الصينية الروسية، بكل من موسكو وبكين إلى إعادة التفاوض حول معاهدة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كخيار وحيد لتفادي امتداد التأثير إلى الأقاليم ذات الأولوية للمصالح الجيوسياسية الروسية والصينية، تحت ضغط التهديد الأمريكي بالانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت3)، ونشر صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في محيط الصين، وستضع الدولتين في مسار إجباري لإزالة التناقضات بين استراتيجيتيهما، والذي سيضفي بالضرورة إلى تعديل رؤية الدولتين للنظام الدولي، وتحول الدولتين إلى قطب واحد في مواجهة القطب الأمريكي، أو مواجهة التفكك في العلاقة الثنائية لصالح الولايات المتحدة الامريكية.

]]>
تقدير موقف: ارتفاع أسعار الذهب في العقود الفورية والآجلة (أسبابه ونتائجه). https://casrlb.com/?p=1150 Tue, 25 Jun 2019 10:58:51 +0000 http://casrlb.com/?p=1150  

ارتفعت عقود الذهب الفورية بحلول الساعة 05:50 بتوقيت غرينيتش بنسبة 0.4% إلى 1424.25 دولار للأونصة، وفي وقت سابق من التداولات لامس المعدن الأصفر 1438.63 دولار، وهو أعلى مستوى منذ 14 مايو 2013 فيما قفزت عقود الذهب الآجلة بنسبة 0.7% إلى 1427.50 دولار للأونصة، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الأسباب المتعلقة بارتفاع كل من العقود الفورية والعقود الآجلة للذهب كل على حدى، حيث يمثل السبب الأول والرئيسي لارتفاع العقود بمحاولة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الضغط نحو تخفيض قوة الدولار عن طريق خفض أسعار الفائدة إلى مادون 2.25-2.50% والتي يحددها البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (وهو بنك خاص ويمثل البنك المركزي الأمريكي) وضخ كميات أكبر من الدولارات إلى الأسواق عن طريق زيادة الطلب على القروض الناتج عن انخفاض أسعار الفائدة، كمحاولة من الإدارة الأمريكية لخلق ظروف تنافسية أفضل للسلع الأمريكية التي تعتمد في كلف إنتاجها على الدولار أمام السلع الأخرى، على عكس المعهود في الإدارات الأمريكية السابقة التي كانت تعتبر أن قوة الدولار من قوة الاقتصاد الأمريكي.

أما السبب الثاني  فيكمن أيضاً في سياسة البنك المركزي الأوروبي بخفض قوة اليورو إلى مايقارب 1.12 دولار لذات الأسباب التنافسية، بالإضافة إلى اعتماد عدة دول أوروبية بزيادة احتياطياتها من الذهب كألمانيا.

فيما يكمن السبب الثالث في سعي روسيا للتحرر من الدولار لصالح الذهب وتقليص استثماراتها في السندات الحكومية الأمريكية على مختلف آجالها، وذلك في سياق مواجهة العقوبات الأمريكية بفعالية أكثر وحماية عملتها في التبادلات التجارية الدولية التي تعتمد على الشراء بالعملات المحلية.

 

هذه الأسباب الثلاثة السابقة جعلت من المستثمرين بمختلف أحجامهم، أكثر إقبالاً على شراء عقود الذهب والذي بدوره أدى إلى زيادة الطلب وزيادة أسعار العقود، حيث أصبح الذهب بذلك الملاذ الآمن للمستثمرين.

 

وفيما يتعلق بفارق الارتفاع بين العقود الفورية والعقود الآجلة والذي يبلغ 0.03% لصالح العقود الآجلة، فيكمن ذلك بتخوف المستثمرين من سوق النفط وتقلبات الأسعار في ظل احتدام الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز، ففي حين تؤثر الاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط على الأسعار بدفعها نحو الزيادة، إلا أن الطلب على الطاقة مهدد بالانخفاض، ما يؤثر على أسعار النفط بطريقة غير آمنة بالنسبة للعقود الآجلة.

نتائج الارتفاع العالمي في أسعار الذهب:

من الممكن أن يؤثر ارتفاع سعر الذهب عالمياً على قيمة الاحتياطيات في الدول التي تعتمد الذهب جزءاً من احتياطياتها، وروسيا التي انتهجت شراء الذهب والاحتفاظ به كأصول لدعم عملتها وتخليها التدريجي عن الدولار، والذي بدوره سيدفع البنك المركزي الروسي إلى تقييم خطواته بالخطوات الناجحة والدفع نحو الاستمرار بها.

وذات الشيء بالنسبة للصين مع فارق قيمة اليوان الصيني التي من الممكن مواجهة الزيادة فيها من خلال زيادة الكتلة النقدية على المدى الطويل، والتي ستمكن الصين من زيادة تمويل مشاريعها ومواجهة المنافسة التجارية بطريقة أكثر فعالية.

أما مستقبل سعر الذهب فيتعلق بالدرجة الأولى بتقدير السوق النفطي لمنحنى الطلب ولاستمرار المخاطر والتهديد في مضيق هرمز،  بالإضافة إلى قرارات البنك المركزي الصيني والروسي في الاستمرار بزيادة الاحتياطيات الذهبية في ظل الأسعار الجديدة أم لا، ومن المتوقع أن يترك مثل هذا الخيار إلى مابعد الاجتماع القادم للدول العشرين في قمة أوساكا اليابانية، والتي ستحدد مسار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، ومستقبل الوضع الأمني لمضيق هرمز في المحادثات التي ينوي الرئيس الأمريكي إطلاقها على هامش القمة.

]]>
تقدير موقف: زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة!! https://casrlb.com/?p=1074 Sun, 23 Jun 2019 10:22:17 +0000 http://casrlb.com/?p=1074  

في إطار زيارة الرئيس الصيني لبيونغ يانغ عاصمة كوريا الشمالية التي بدأت 20/06/2019 واستمرت ليومين كاملين، في زيارة هي الأولى من نوعها لرئيس صيني منذ 14 عاماً، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنترواستراتيجية هذه الزيارة في سياق السعي الصيني للسيطرة على مكاسب وعوائد أي اتفاق أمريكي مع كوريا الشمالية بعد الدفع باتجاهه، كما تعد هذه الزيارة علامة فارقة في السياسة الخارجية الصينية في مواجهة واشنطن وأجنداتها في بحر الصين الشرقي، وفي الملفات المشابهة.

حيث بدأت بكين تنتهج سياسة خارجية تعتمد على تفريغ محتوى السياسات الأمريكية المعادية، لتتوافق معها من حيث الشكل وتستجر المضمون لصالح الصين ومشاريعها الاستراتيجية، فبعد أن طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس الصيني الحضور في قمة العشرين مستخدماً خطاب التهديد الاقتصادي في سبيل ذلك، أعلنت الصين مشاركة رئيسها في القمة، وسبقتها بزيارة تاريخية لبيونغ يانغ تحت عنوان دفع الجهود الدبلوماسية المتعثرة بين بيونغ يانغ وواشنطن، في رسالة قاسية للإدارة الأمريكية شبيهة بالرسالة التي أرسلتها بكين بزيارة الرئيس الصيني لمعامل إنتاج المعادن النادرة، عندما توعدت واشنطن فرض المزيد من الرسوم على البضائع الصينية، كلا الزيارتين حملتا رسالتين قاسيتين بأسلوب ناعم، حول قدرة الصين على تعطيل أهم إنجازات الإدارة الأمريكية، وضرب صورة التفوق التي تسعى إليه بالعمق، فلا الصناعات التكنولوجية المعقدة تستطيع الاستمرار بدون تصدير المعادن النادرة اللازمة لهذه الصناعة من الصين، ولا حتى جهود ترامب وإدارته بالتوصل إلى أي إنجاز في الملف الكوري الشمالي يدعم بقاء ترامب لدورة جديدة، والذي بطبيعة الحال له تأثير على مستقبل أي تفاهمات ممكن أن تنشأ بين واشنطن وطهران بحكم تشابه الملفين.

 

الزيارة الرئاسية الصينية لكوريا الشمالية  شكلت ورقة ضغط إضافية سيستخدمها الرئيس الصيني للضغط على ترامب في محادثاتهما المرتقبة على هامش قمة العشرين القادمة في أوساكا اليابانية، لتجزئة الملف التفاوضي بين بيونغ يانغ وواشنطن، بشكل خطوات متبادلة يقوم بها الطرفان تضمن صدق النوايا، وليس بالشكل الحالي القائم على تطبيق بيونغ يانغ لكل شيء وانتظار رحمة القرار الأمريكي، بالتالي أصبحت الزيارة الصينية بمثابة توكيل رسمي من الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” للصين بالتفاوض والضغط بالنيابه عنه أمام ترامب، وفي ذات الوقت تفويض غير مباشر من الصين لبيونغ يانغ بالاتفاق المسبق على أي تصعيد مستقبلي، مع إبقاء الصين لبوابتها التفاوضية مفتوحة، والذي من المتوقع إطلاقه في أكثر الأوقات حرجاً على الإدارة الأمريكية الحالية في سباقها الانتخابي، في حال عدم رضوخ ترامب لمطالب كل من بكين وبيونغ يانغ.

 بمعنى آخر عكس موقف ترامب القوي الضاغط على كل ملف على حدى، بموقف صيني-كوري شمالي مشترك يقوم على توحيد الجهود لممارسة أقسى أنواع الضغط المشتركة على ترامب.

تفاصيل التفاهمات الصينية-الكورية الشمالية:

يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية تفاصيل التفاهمات الثنائية تحت فصلين:

 

الفصل الأول (التفاهمات الأمنية): حيث قدمت بكين ضمانات أمنية لبيونغ يانغ في سبيل حماية النظام الشيوعي ضد أي تهديد أو اعتداء أمريكي، في حال نزع السلاح النووي الكوري الشمالي، وتحقيق التوازن الاستراتيجي مع القوة النووية الأمريكية بالقوة النووية الصينية، وبالمقابل تنسق بيونغ يانغ كل خطواتها التصعيدية ضد واشنطن مع الصين في الحالات الاضطرارية حسب التقدير الصيني، لاستخدامها لمصالح الطرفين معاً.

 

الفصل الثاني (التفاهمات الاقتصادية): حيث اتفق الطرفان على أولوية بكين على واشنطن في اي استثمار، أو إطلاق لمسار النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، في حال نجاح المبادرة الأمريكية بموافقة كوريا الشمالية، وإلغاء العقوبات الاقتصادية ضد بيونغ يانغ، مقابل قروض وامتيازات سعرية تحصل عليها كوريا الشمالية من الصين، تعوض فيها الصين الوارد المقتطع من الرسوم الأمريكية ضد الصادرات الصينية.

 

تفاهمات من هذا النوع تكون فيها دولة بحجم وقوة الصين طرفاً أساسياً وراعياً لها، لا تعد فقط تفاهمات ثنائية بنطاق إقليمي محدود، وإنما مؤشر مهم لتوجهات وأسس السياسة الخارجية الصينية تشير بالدرجة الأولى إلى إمكانية تطبيق ذات الأسلوب في الملفات المشابهة، كالملف الإيراني على سبيل المثال، حيث ضغطت هذه الزيارة بشكل غير مباشر على رد الفعل الأمريكي تجاه إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، ومن المتوقع في ذات السياق أن تتجه الصين في حال نجاح تجربتها مع كوريا الشمالية، لتطبيق ذات النموذج مع إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن استراتيجية محدثة تجعل الصين صاحبة اليد العليا في الملفات الملتهبة والشائكة بشكل يمنحها نفوذاً وقوة ضاغطة جديدة تمكنها من التصدي للاستراتيجية التقويضية الأمريكية ضد الصين.

]]>
تقدير موقف: التطويق الأزموي للصين (هلال الاضطراب الداخلي). https://casrlb.com/?p=1036 Sat, 15 Jun 2019 13:01:38 +0000 http://casrlb.com/?p=1036 في سياق الاحتجاجات الكبيرة في هونغ كونغ داخل الصين والذي يعد الأكبر منذ عام 1997 واستدعاء بكين لمستشار السفير الأمريكي في الصين أمس، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أحد أهم أجزاء النوع الثاني من الحرب الأمريكية ضد الصين، حيث تتلخص الأجندة الأمريكية ضد الصين بثلاث أنوع متزامنة من الحروب شرحناها سابقاً في لقاء بعنوان (النشواتي لسبوتنك: المواجهة الأمريكية الصينية تعيد صياغة الاستراتيجية الدولية للبيت الأبيض)،تتلخص الانواع الثلاثة ب:

 الأولى: الحرب التجارية، الثانية: افتعال الأزمات الجيوسياسية، الثالثة: تسليح البيئة.

يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بتجزيء النوع الثاني إلى هلالين أزمويين، الأول هو الهلال الخارجي المحيط بالصين، والثاني هو الهلال الدخلي والذي يعتبر أشد خطورة وأكثر وقعاً وتأثيراً على مستقبل نسب النمو الاقتصادي في الصين، والتي بمجرد اختلالها أو إبطائها يعني التأثير على المشاريع الاستراتيجية في التنمية المستدامة، والتي يشكل مشروع (طريق واحد-حزام واحد) عنوانها الرئيس.

ترتكز واشنطن حالياً على ثلاث أقاليم داخلية لتشكيل هلالها الأزموي الداخلي، جزيرة تايوان في المقدمة، حيث تعمل واشنطن على تأجيج وعسكرة الصراع بين جزيرة تايوان والصين، التي تعتبرها الأخيرة جزءاً لايتجزأ من أراضيها، وتعلن أيضاً أنها على استعداد لغزو تايوان إن لزم الأمر، وبالمقابل تقوم واشنطن بزيادة وتيرة صفقات السلاح في الجزيرة لتقويض نفوذ الصين في بحر الصين الجنوبي، الذي يعتبر أحد أهم مرتكزات الطرق البحرية للتصدير نحو غرب آسيا وأفريقيا وأوربا، إضافة إلى الدعم الأمريكي المقدم للحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في تايوان، والذي سيعاد انتخاب رئيسته في 2020 على حساب الأحزاب الأخرى الموالية لبكين كالحزب القومي الصيني المعارض، هذا الدعم بدأ يأخذ في الوقت الراهن أبعاداً أمنية خطيرة، كنقل الخبرة القتالية والتدريب العسكري الاحترافي لقوات تايوان، ولكن ليس في إطار “قانون العلاقات التايوانية” الصادر في واشنطن منذ 40 عاماً فحسب، بل في إطار مناورات عسكرية واسعة في الجزيرة تحاكي ضرب أهداف للجيش الصيني، ومنعه من التقدم إلى الجزيرة كتلك التي نفذت منذ أسبوعين 30/05/2019.

 

وتأتي هونغ كونغ كمرتكز ثاني ونموذج أزموي بعد جزيرة تايوان، حيث تعمل واشنطن نحو خلق شرخ كبير بين المدن التي تتمتع بالحكم الذاتي كمدينة هونغ كونغ ومدينة ماكاو وبين البر الصيني الرئيس (وهي المناطق التي تديرها جمهورية الصين الشعبية بشكل مباشر)، وذلك من خلال توتير العلاقات البينية في الداخل، والعمل على صد أي مساعي صينية لتحصين الأمن في هذه المدن، أو محاولات تمتينها في وجه الأساليب الأمريكية، لقيادة هذه المدن والمناطق الأخرى نحو تشويه صورة الاستقرار الصيني، بالإضافة إلى العمل الحثيث على استخدام حقوق الإنسان كأداة أساسية في سبيل ذلك، وقد بدأ الكونغرس بإعداد رصاصته الأولى في الوقت الحالي بطرح مشروع قانون “حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ”.

 

أما المرتكز الثالث فيمثله ملف المسلمين الأويغور في إقليم تشينغ يانغ غرب الصين، والذي يقطنه أغلبية مسلمة بعدد يقارب 2 مليون نسمة، وحيث أن هذا الأقليم يشكل أهمية جيوسياسية كبرى للصين، سواءً من خلال موقعه وربطه للصين بآسيا الوسطى، أو من خلال ثرواته الكبيرة، وتعمل واشنطن على تصوير الإجراءات الأمنية الصينية على أنها حولت الأقليم إلى سجن كبير فرضته على سكانه، بالشراكة مع إحياء النزعات الدينية والعرقية للأويغور، والتشارك مع تركيا في قيادة هذا الملف، حيث تعتبر تركيا الأويغور جزء من القومية التركية، وتسعى لبسط نفوذها في تلك المنطقة.

الشراكة الأمريكية-التركية في ملف الأويغور الصينيين كانت قد أثمرت سابقاً بتشكيل الحزب الإسلامي التركستاني، وقاد هذا التشكيل المسلح بأشرس وأخطر العمليات الانتحارية والإنغماسية في سورية، ولا يزال هذا الحزب ناشطاً في إدلب السورية، ومن المتوقع أن يتم صياغة تجربة جديدة مشابهة لكن في الداخل الصيني ضمن ذات الأقليم.

 

هذه الأقاليم الثلاثة والمساعي الأمريكية التخريبية فيها ليست انفعالات لحظية أو اصطياد في الماء العكر بشكل مؤسساتي أمريكي فردي، بل أجندة منسقة تبدأ بالتدخل بأدوات إنسانية وديمقراطية، تعمل على ضمان امتدادها لباقي الأقاليم الداخلية  كأقليم التبت على سبيل المثال، ثم يعاد ربط الهلال كاملاً ليشكل طوقاً ملتهباً من الاضطراب يشتت تركيز الحكومة الصينية بالتزامن مع الاستمرار في النوعين الأول والثالث من المواجهة مع بكين، على شاكلة مشابهة لنظرية مكندر الجيوبولتيكية هو الهلال الداخلي والخارجية، ولكن بتعديل أمريكي حول الوجهة والاتجاه.

]]>
تقدير موقف: دمج استراتيجي جديد يهدد مكانة واشنطن عالمياً! https://casrlb.com/?p=1002 Fri, 07 Jun 2019 09:36:59 +0000 http://casrlb.com/?p=1002 في حدث مفصلي بتاريخ العلاقات الدولية وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ في موسكو عدة اتفاقيات تعاون ثنائية، هذا الحدث كان نتيجة جلسة ثنائية بين الرئيسين اتفقا من خلالها على دمج الرؤية الصينية المتمثلة بطريق الحرير الجديد والرؤية الروسية للفضاء الاقتصادي الأورواسي، ما يعني إنتاج رؤية جديدة موحدة بين الطرفين، وهو الذي يتطلب بالضرورة دمج الاستراتيجية العامة لكلا البلدين.

هذه الخطوة المشتركة أدت إلى تعميق التحالف بشكل لايقبل الشك في العلاقة بين الطرفين، مع السعي الحثيث لإنهاء حالة الشك وعدم اليقين المتبادل، كما أنها تشكل صفعة مؤلمة للمساعي الأمريكية من قبل موسكو لفكيك الصيغة الدولية الحالية المتمثلة بالصعود الصيني بمشروعه المنفصل والروسي برؤيته الأوراسية، حيث كانت قد عدلت واشنطن باستراتيجيتها لتعتبر الصين بنظامها السياسي الاقتصادي نظام مشوه، مقابل اعتبار النظام الروسي جزء من الحضارة الغربية، في مسعى لبناء شراكة مع موسكو في مواجهة الصين، وهو ما بدا جلياً من خلال اللقاءات والاتصالات الأمريكية بالروس سواءً ترامب أم وزير خارجيته في 6/05/2019 وتوصيف الصين بالخطر الجيواستراتيجي.

وكانت واشنطن قد حاكت ضد الصين مخططاً كاملاً مؤلفاً من ثلاث أنواع من المواجهة تبدأ بالتجارية لتبطيء نسب النمو الصينية وتنتقل إلى افتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين كنوع ثاني كزيادة تسليح جزيرة تايوان ذات الحكم الذاتي والتي تعتبرها الصين جزء من أراضيها وتنتهي بتسليح البيئة بالضغط الأمريكي على الغلاف الجوي من خلال إطلاق الغازات الدفيئة والانسحاب من اتفاقية المناخ ليتحول هذا الضغط بدوره على سوق الطاقة الصيني كونه أكبر سوق يشهد نمواً في الطلب على الطاقة في الكوكب.

كل هذا يتطلب جر روسيا نحو واشنطن في اعتبار الصين الخطر الأكبر وبناء تحالف على أساس نبذ الخلافات الدينية (الأرثذوكسية-البروتستانتية الأنجيلية) والخلافات الاستراتيجية في منطقة أوراسيا والملفات الساخنة كسورية وأفغانستان وإيران وغيرها.

لكن وعي القيادة الروسية لنمط التحالفات الأمريكية السوفيتية السابقة حال دون الوقوع في نفس الفخ، حيث تحالفت واشنطن مع السوفييت ضد النازية سابقاً، ومن ثم أعادت التحالف مع الصين ضد السوفييت، والآن تريد التحالف مع وريث السوفييت ضد الصين وهكذا دواليك حتى تنهي الإدارة الأمريكية أي خطر كبير صاعد على مكانتها العالمية.

ومن أكبر المعوقات التي تواجه روسيا والصين كلاً على حدى، هو أن الرؤية الصينية لاتسعة لعالم متعدد أقطاب على عكس الروسية، وإنما تسعى بكين إلى النمو اللامحدود ووصل الكرة الأرضية بكاملها بطرق تجارية تغذيها المنتجات الصينية وصولاً إلى تحولها إلى معمل العالم وبنكه الأكبر، أي استحلال مكان الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً وليس بناء شراكات أو عالم متعدد أقطاب.

بينما لاتستطيع روسيا الاندماج مع الاستراتيجية الصينية المتمثلة بطريق الحرير الجديد، حتى ولو أرادت الصين ذلك وأبدت حسن نية كما شهدنا في اللقاء الذي نتحدث عنه، إلا في حال دمج الرؤية بشكل كامل، كون روسيا إلى اليوم لاتستطيع تحقيق المنافسة العادلة أمام القوة والضخامة الانتاجية الصينية، وليست أكثر من مورد مواد طبيعية بالنسبة للصين، وهو ما كانت تعول عليه أمريكا بقوة.

إدراك الرئيس الصيني شي جين بينغ المخاطر الاستراتيجية وقدرت النظام الصيني على رؤية المخاطر الاستراتيجية المقبلة، دفع بالصين صاحبة النظام الشيوعي الجامد إلى المرونة وتعديل رؤيتها بالشراكة مع روسيا لتندمج استراتيجيتي البلدين بمشروع جيواستراتيجي جديد يمثل عهداً جديداً لمفهوم الأوراسية التي امتدت في هذا الاندماج وتوسعت لتشمل كل القارة الآسيوية والقارة الأوروبية تحت اعتراف بأنها قارة واحدة بالمطلق.

بعد هذا المتغير الكبير ستصبح حسابات البيت الأبيض أكثر تعقيداً وأكثر عدوانية بشكل يدفع جنون الإدارة الأمريكية في هذا التوقيت بالتحديد إلى تقصد استهداف الأمن والسلم الدولي على مستوى كل العالم في حال فشلت في اعادة استمالة موسكو بالكامل.

 

لا يزال مفتاح الجحيم في هذا الكوكب في يد موسكو و طريقة إدارة تحالفاتها.

]]>
ورقة عمل بحثية حول العلاقات الصينية السورية وآفاقها. https://casrlb.com/?p=964 Tue, 21 May 2019 10:52:06 +0000 http://casrlb.com/?p=964 أنجزت هذه الورقة وأرسلت في تاريخ 15/11/2018 ونشرت في 21/05/2019

 صلاح النشواتي

 

كيف تنظر الحكومة السورية لدور الصين ، وسياسة الصين في سوريا ؟

دائماً ما كانت تشكل الصين بتجربتها ومزاوجتها بين الأنظمة (الشيوعية-الرأسمالية) نموذجاً تسعى إليه الحكومة السورية بقوة، فالصين بالنسبة للحكومة السورية هي تجربة سياسية رائدة على المستويين الداخلي والخارجي، وتنظر إلى الدور الصيني بشكل عام على أنه دور فعال لكنه محدود بذات الوقت، حيث أن الصين تبتعد عادة عن الأزمات الجيوسياسية وعن الصراعات المعقدة كحال الأزمة السورية، كما تعلم الحكومة السورية أن مبدأ الصين الرئيس في السياسة الخارجية هو الاقتصاد قبل كل شيء، حيث أن الاقتصاد هو مولد السياسات في الصين الداخلية منها والخارجية، وتتدخل السياسة فقط لتزيل العقبات الاقتصادية -بغض النظر عن نوعها- سواءً على المستوى الأقليمي أم على المستوى الدولي، لذلك فإن رهان الحكومة السورية على الصين وعلى الدور الصيني هو رهان محدود، بحيث أن هذا الدور هو مفائل وضروري للحكومة السورية التي يسعى الغرب لتدميرها وتقويضها، إلا أنه مضبوط بمحركات ودوافع اقتصادية، وتوجه سورية شرقاً قد يحرمها فرصة التطور أو المنافسة أمام الانتاج الهائل والمتنوع في الصين، وهو مايشكل نوعاً ما عقدة يجب حلها بالنسبة للحكومة السورية، وبكل تأكيد فإن الحكومة السورية لاتفكر في أن تكون منافس للاقتصاديات الشرقية ولكن لا ترغب أيضاً في أن تكون سوق تصريف ومجتمع إستهلاكي فقط، لذلك تسعى الحكومة السورية لإيجاد بدائل يمكن تقديمها للصين مقابل زيادة فعالية الدور الصيني في سورية بما يؤمن إعمارها، وعودتها إلى سكة النمو الاقتصادي وتحقيق تنمية مستدامة في البنى الاقتصادية السورية.

كما تعتبر الحكومة السورية التعاون الأمني والاستخباراتي الموجود حالياً بين البلدين هو تعاون مهم وضروري لكلا البلدين، خاصة أن بعض الإرهابيين في سورية وأخطرهم ينحدرون من أقاليم صينية ومن أقليم شينغيانغ على وجه التحديد، والذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد إلى تصدير أزمة جيوسياسية إلى ذلك الأقليم بصفته العصب الحيوي للمشاريع الاقتصادية التجارية الصينية الدولية، وتحاول الحكومة السورية من هذا المنطلق التأسيس لعلاقة أكثر متانة بين الدولتين، بما يخدم مبادئ كل من بكين ودمشق على حد سواء.

 

 

 

ما الذي يمكن أن تفعله الصين في سوريا ؟

ما التوقعات والمقترحات والنصائح التي يمكن تقديمها للصين سواء في مجالات مكافحة الارهاب والتعاون مع سورية أمنيا واقتصاديا ؟

 

مما لاشك فيه أن الصين تسعى بشكل واضح إلى تعزيز النظام الدولي القائم على الليبرالية والتنمية والتطوير، وتسعى أيضاً إلى مشاركة أنتاجها وتوسيع حصتها في سوق التجارة العالمي، وطريق الحرير الجديد أحد تجليات هذه الرؤية، ولكن واقع الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف من سيطرة صينية على التجارة ومن زيادة ثقل الاقتصاد الصيني، بما يحول الصين لقطب دولي منافس أو حتى يفوق الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك أطلقت أمريكا في استراتيجيتها الجديدة نمط جديد ونظرة جديدة تجاه الصين، وهي نظرة الخصم، هذه النظرة يقوم عليها الكثير من التداعيات التي تهدف إلى كبح وتيرة النمو الصيني واستغلال نقاط الضعف، وقلب أو عكس اتجاه التوسع الصيني إلى انكماش حاد، ووسائل الضغط في السياسية الأمريكية الجديدة تكمن في أمرين رئيسيين:
الأول: افتعال أزمات جيوسياسي بالمحيط الصيني وقطع أو إعاقة حركة البضائع في المحيط الأقليمي (براً وبحراً)

الثاني: يكمن في شن حرب اقتصادية ضاغطة وكبيرة بفرض رسوم والتعامل على أساس سرقة حقوق الملكية.

 

هذه الوسائل تفرض على الصين إعادة النظر في سياساتها الخارجية وحتى في أدوات العمل لتطبيق استراتيجية طريق الحرير، فبالرغم من أن الصين لا تتدخل في الأزمات الجيوسياسية، إلا أن الاقتصاد هو مولد هذا التدخل في هذه المرة، فبمجرد استحضار أزمة بحر الصين الجنوبي، وملف بورما، وملف الأويغور، يتضح جلياً أن الهدف هو منع الصين من الاستخدام المستقر لطرق بحرية وبرية للنقل التجاري، وإغراقها بفائضها، وخلق كساد في الاقتصاد الصيني، يمهد لهبوط نسب النمو وتقليل عدد المشاريع التنموية، لكي لا تستطيع الصين زيادة نفوذها في دول جديدة على أقل تقدير.

 

من هذا المنطلق وعلى ذات الدوافع يمكن صياغة علاقة (صينية-سورية) ثنائية تكون نموذجاً جديداً للصين في إدارة علاقاتها من جهة، وإدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وحتى تعزيز الشراكات الاستراتيجية كالشراكة مع روسيا.

حيث يجب على الصين من خلال توسعها وامتدادها في القارة الآسيوية وصولاً لباقي قارات العالم القديم مراعاة أمر غاية في الأهمية، ألا وهو المساحة الكبيرة و عدد الدول التي تمر بها، أي أن زيادة طول الأذرع بعيداً جداً عن المركز يسهل على الولايات المتحدة الأمريكية استهدافها أو التهديد بقطعها، من خلال تفجير أزمة هنا أو حرب هناك على امتداد هذا الطريق، ومن هنا من الأفضل أن يكون التوسع الصيني توسعاً لا مركزياً، يعمل بمبدأ مغاير لبمبدأ المركز والأطراف، والتي يمكن أن تكون المركز ومراكز الوصل أو مراكز الثقل، بحيث يكون هذا التوسع والامتداد مصحوب بحضور صيني سياسي قوي في تلك الدول، والسعي لتوجيه مسار التنمية بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في داخل الدول، وتكون مراكز الثقل هي بمثابة صين أخرى، بالتخزين والانتاج والتصدير،

وهو ما يفرض معايير جيوسياسية على مراكز الثقل أهمها أن تتمتع هذه المراكز بالقدرة على الربط بين طريق الحرير البري والطريق البحري كرافد أحتياطي ومعمل سريع التوصيل ورخيص الإنتاج، إضافة إلى توافر مصادر الطاقة الخاصة بها.

 

هذه المعايير يمكن أن تتوفر في سورية، والتي يمكن للصين أن تعتمد سورية كوصل بين القارات الثلاث ووصل الطريق البري بالبحري، لتكون بذلك سورية واجهة صينية للمتوسط ومركز ثقل لطريقي الحرير، بالتالي يمكن صياغة مجموعة من المصالح المتبادلة التي تصبح في نهاية المطاف مصلحة واحدة مشتركة، عوضاً عن إتاحة المجال لتكون سورية هي أرض انطلاق الأزمات والتهديد للطرق والمشاريع الصينية بمختلف الوسائل.

ومن المهم الإشارة إلى أن تنويع الطرق ومراكز الثقل تلعب دوراً مهماً في استقرار الخطوط الرئيسية حيث لافائدة من محاولة افتعال أزمات فيها طالما أن البدائل على القيد العمل في الأساس، على سبيل المثال أي أزمة ممكن أن تحدث في البحر الأحمر بين مصر والسودان والذي مرده للخلاف التركي الخليجي، يعني فرصة لواشنطن بعرقلة الحركة وزيادة نفوذها في المنطقة.

 

المصالح الصينية-السورية المشتركة:

أولاً: الموارد الطبيعية:

سورية بلد غني بالموارد الطبيعية، وهو أمر يجب أن تهتم الصين به جيداً، حيث أحد أكبر المشاكل التي ستعاني منها مستقبلاً هي انعدام تجدد الموارد الطبيعية في الصين نتيجة حجم الانتاج الضخم والاستهلاك الكبير للمواد الأولية بسرعة أكبر من تجديد هذه الموارد نفسها، وهو مايحتم البحث المسبق عن حلول لواقع الصين الحالي قبل أن تصبح هذه المشاكل مستحيلة الحل، بالتالي سورية بغناها بالموارد الطبيعية تشكل نموذجاً مهماً للصين من خلال اعتمادها كمركز ثقل كما ذكرنا سابقاً، وهو بحد ذاته مايمكن سورية من استغلال هذه الموارد وحمايتها من الهدر غير الفعال وتطويرها بأحدث الوسائل.

 

ثانياً: الطاقة:

من أهم الشروط لمراكز الثقل هو وجود مصادر طاقة ذاتية قادرة على إطلاق الصناعات الثقيلة وتغذيتها دون الحاجة إلى مصادر خارجية، كنوع من الأمن الطاقوي للأنتاج والتجارة، وهو شرط موجود في سورية ويمكن العمل عليه بحيث تستطيع التكنلوجيا الصينية تحقيق زيادة في الانتاج بما يخص الطاقة، بالإضافة إلى تنوع مصادر الطاقة من الغاز والنفط والطاقات المتجددة (الشمسية والرياح) بحكم تنوع المناطق الجغرافية في سورية، وهو مايصب بمصلحة الدولتين.

 

ثالثاً: رخص اليد العاملة:

من أهم ميزات الصناعة الصينية هي انخفاض تكلفة الانتاج والذي يعد انخفاض أجور اليد العاملة أحد أهم أسباب ذلك، بالتالي هو شرط ضروري للحفاظ على القدرة التنافسية للسلع أمام الأسواق الأخرى، وهو شرط يتوفر في اليد العاملة السورية وأجور تشغيلها، مع فارق مهم وهو المسافة القريبة والمتساوية تقريباً بين القارات الثلاث، بالتالي بالنسبة لسورية خفض معدلات البطالة بشكل قياسي مقابل تشغيل خطوط الانتاج بأجور منخفضة.

 

رابعاً: التحويلات المالية وتطوير الأنظمة المصرفية:

القطاع المصرفي والقطاع المالي في سورية لايزال يعتمد بدرجة كبيرة على الطرق التقليدية في التحويلات والتعاملات، وذلك بسبب العقوبات الأمريكية التي حرمت سورية من الاستفادة من الأنظمة المتطورة في الدفع المالي والتحويلات المالية والذي يؤخر بدوره النمو والتطور، وهو ما تستطيع الصين توفيره بسهولة بمجرد ربط سورية بالبنك الآسيوي وحتى تصدير النماذج الصينية للدفع الألكتروني ذات الاستخدام الداخلي، مايسهل المعاملات البنكية والمالية بين كل من سورية والصين ويجعلها اكثر كفاءة وسرعة، ويعزز أيضاً وضع اليوان الصيني كعملة تبادلية دولية تستند إلى أصول سلعية بعيداً عن الدولار وأنظمته.

 

خامساً: العامل الأمني وتعزيز الأمن القومي الصيني والسوري:

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحويل سورية إلى مركز تصدير للمتطرفين الإسلاميين والذي يشكل الأويغور منهم نسبة ملحوظة، وهذا التصدير تعنى به آسيا الوسطى والصين بدرجة كبيرة كونه موجه ضدها، بالإضافة إلى الضغط على الصين بلمفات حقوق الأنسان من خلال البروبغندات الإعلامية كحال ملف أقليم مسلمين تشينغ يانغ الذي ظهر على السطح مؤخراً، بالتالي من مصلحة الصين رفع درجة التعاون الاستخباراتي والأمني في الفترة الحالية مع سورية، ومحاولة وأد هذه الحركات الأرهابية قبل انطلاقها من جديد بوجهات متختلفة قد تضر بالأمن القومي الصيني وتهدد كل مشاريعها الاستراتيجية، لذلك من الخطأ تجاهل أو استبعاد سورية من المشاريع الكبرى، لما لذلك من خدمة للمصالح الأمريكية في إيجاد بقعة جغرافية قادرة على تهديد الطرق التجارية بموقع جغرافي مميز، ويتم تصدير الإرهاب منها إلى آسيا الوسطى، في حين أن الصين تستطيع الاتفاق مع الحكومة السورية لتفريغ هذه الأداة الأمريكية من محتواها، حيث يمكن السماح للمسلمين الأويغور لدراسة المنهاج الإسلامية بالسفر حصراً إلى سورية، بالاتفاق مع الحكومة السورية، وإخضاع مايتم تدريسهم للرقابة، بحيث تحمي الوافدين من عمليات غسل الأدمغة أو التورط في شبكات إستخباراتية غربية، وبذات الوقت تخفيف الضغط عن ملف الأويغور في الصين والتي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأجيجه وخلق أزمة جيوسياسية منه، ويكمن التعاون الأمني والاستخباراتي المشترك من خلال تزويد سورية في المرحلة الراهنة بمستلزمات متطورة لمكافحة الإرهاب ودعم هذه العملية في المحافل الدولية، إضافة إلى تعاون ثقافي مشترك ينضوي تحته موضوع الدراسات الإسلامية بين سورية وأقليم شينغ يانغ، بالتالي نزع فتيل التطرف مسبقاً، وتمكين الصين من معرفة كيفية التعامل مع هؤلاء وكشف خلفياتهم الثقافية والدينية دون تعريضهم للضغط المباشر التي ستستثمره الاستخبارات الأمريكية، ومن هنا يمكن تحويل سورية إلى مركز تأهيل وسوق عمل في ذات الوقت بالنسبة لهؤلاء، مايحولهم من أزمة خطيرة تشعر بكين بالقلق الدائم حيالها، إلى عامل مساهم في تطوير المشاريع الصينية الاستراتيجية، في خطوة أفضل بأضعاف من تحييد الخطر فقط.

 

مما سبق يتضح أن أحد أهم وسائل مواجهة الصين لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخصم يكمن في إيجاد مراكز ثقل إضافية على طريق الحرير تعمل على تنويع الطرق وحماية التدفق السلس والدائم، بالإضافة إلى تلافي الأزمات الجيوسياسية المفتعلة، وهو ماتشكل سورية أحد أهم النماذج في مراكز الثقل على الكثير من المستويات (الجيوسياسية، الأمنية، الاقتصادية)، بحيث تصبح العلاقات الثنائية علاقة ذات طابع استراتيجي مشترك، وهو مايفتح الباب لتحقيق السلام الأقليمي القائم على الاعتمادية الدولية، كرؤية معززة لرؤية الأمن الجماعي الروسية، وهو مايمكن دراسته ببحث خاص يفصل كيفية تحويل سورية من منطقة صراع مشاريع ودول كبرى إلى منطقة حلول كبرى، بالإضافة إلى دراسة آلية تعامل الصين وسورية في إشكالية الوجود الأمريكي والتي تستطيع الصين بالشراكة مع سورية ورسيا إنهاء الشذوذ في هذا الملف.

 

 

 

]]>
النشواتي لسبوتنك: المواجهة الأمريكية الصينية تعيد صياغة الاستراتيجية الدولية للبيت الأبيض https://casrlb.com/?p=957 Mon, 20 May 2019 14:14:02 +0000 http://casrlb.com/?p=957

تدور حرب أمريكية سياسية دبلوماسية واقتصادية مع مجموعة من الدول الكبرى وفي مقدمتها روسيا والصين.

محور حديثنا اليوم عن الحرب التجارية الأمريكية الصينية، وإصرار واشنطن على مهاجمة الصين وكبح صعودها، لتعود من جديد وتحاول للحد من التمدد الروسي على الساحة العالمية لأن الولايات المتحدة تعي تماماً أنها غير قادرة على مواجهة قوتين عظميتين كروسيا والصين في آن واحد.

حول هذا الموضوع كان لبرنامج “ماوراء الحدث” حوار خاص مع  مدير”مركز الدراسات والأبحاث الإنتروستراتيجية” في بيروت الأستاذ صلاح النشواتي.

سبوتنيك: أستاذ صلاح أهلاً ومرحباً بكم

صلاح النشواتي: أهلاً ومرحباً بكم و”بسبوتنيك”

سبوتنيك: ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من الصين؟ ولماذا كل هذه المواجهة مع بكين رغم أن بكين وليدة قواعد اللعبة الأمريكية الاقتصادية الدولية؟

النشواتي: مشكلة البيت الأبيض مع الصين ليس موضوع النمو الاقتصادي المستمر منذ 40 عاماً تقريباً، إنما مشاريع التنمية المستدامة التي أطلقتها الصين على مستوى استراتيجي، هذه المشاريع تستطيع تطويع الأموال والمبالغ المهولة التي تنتج من النمو المستمر، وتحويلها إلى مشاريع توسعية كبرى، فطريق الحرير ليس المشكلة المباشرة، على سبيل المثال للولايات المتحدة الأمريكية، بل النتائج التي ستترتب على نجاحه، حيث ستستطيع الصين حرفياً أن تصبح بنك العالم الجديد، أي أن المشكلة الأولى لواشنطن مع الصين هي في قدرة الصين على نزع سلاح العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأبد، أي تدمير الهيمنة الأمريكية وأحد أهم وسائلها بالكامل، مقابل سيطرة بكين على النظام الدولي بشكله الحالي أحادي القطبية بعد إزاحة واشنطن منه. أما المشكلة الثانية : فتكمن في نموذج الصين الشيوعي الرأسمالي والذي ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً خطيراً لنظامها الليبرالي، وتسعى إلى تصوير النظام الصيني على أنه نظام مشوه أو مسخ، وهو لاينتمي إلى الحضارة الغربية، ويجب الوقوف بوجه هذه النماذج من الأنظمة التي تستطيع الإستفادة من القواعد الرأسمالية لتجميع الأرباح والأموال، وفي ذات الوقت تستطيع السيطرة عليها والتحكم بحركتها وإتجاه تدفقها بالقرار السيادي للقيادة الصينية، والذي أدى بدوره إلى نشوء نوع جديد من الإستراتيجيات الدولية وهي الاستراتيجية الاقتصادية الدولية، كنتيجة طبيعية لشكل النظام الصيني، والذي يستطيع التحكم برؤوس الأموال وتوجهها، وهي خاصية لايسمح في الرؤية الأمبريالية للعالم أن تملكها إلا الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي لا تعلم واشنطن بعد كيفكة مواجهتها بالطريقة الفعالة. أي أن البيت الأبيض يخوض مواجهة جديدة لايعرف عنها شيئاً من قبل ويحاول حسم هذه المواجهة بالحرب التجارية وبوسائل أخرى أشد خطورة.

سبوتنيك: أنت تتحدث عن مواجهة تشكل أحد مظاهرها الحرب التجارية ما هي المظاهر الأخرى؟ يعني لو تعطينا صورة متكاملة عن كيفية وطبيعة هذه المواجهة؟

النشواتي: بالتأكيد، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية الصين بثلاث طرق، الأولى هي الحرب التجارية والتي تسعى واشنطن من خلالها إلى تعديل الميزان التجاري بينهما بالقوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أي ليس فقط الحد من حرية تدفق السلع الصينية إلى الأسواق الأمريكية من خلال فرض الرسوم والضرائب، بل أيضاً تحويل هذا التدفق لمصدر دخل بالنسبة للحكومة الأمريكية لتمويل نشاطاتها فيما بعد ضد الصين نفسها وضد الخصوم الآخرين للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا النوع من الحروب خطير جداً وبالغ القسوة والتأثير، حتى أنه يفوق بتأثيره الحروب العسكرية، إنظر مثلاً إلى تأثير توقيع واحد من ترامب بفرض رسوم تبلغ 200 مليار دولار، هذه الرسوم تعادل نصف كلفة إعادة إعمار سوريا التي دخلت بحرب مدمرة منذ مدة أصبحت تقارب العقد من الزمن، وهي خسائر يتكبدها فعلياً الطرف الآخر، وبنفس الشاكلة توقيع الحكومة الصينية لفرض رسوم تبلغ 60 مليار دولار على البضائع الأمريكية.

بالرغم من الفائض في الميزان التجاري لصالح الصين بفارق كبير، إلا أن هذا الفارق يتحول إلى سلاح بيد واشنطن في الحروب التجارية، ومع ذلك الربح في هذه الحرب ليس بهذه السهولة، فعلى الولايات الأمريكية أن تبدأ بالإعتياد على غياب الخدمات الصينية الأساسية، كبدء الصين بالتوقف عن إستيراد القمامة من أمريكا لتدويرها، وأيضاً غياب السلع الرخيصة والتي تعطي قيمة مضافة لدخل الفرد الأمريكي وما لذلك من تبعات على دورة الإنتاج والإستهلاك في الإقتصاد الأمريكي، لذلك لايمكن أن تستمر هذه الحرب التجارية طويلاً، أو أن تأخذ أشكالاً تصعيدية بشكل أكبر (كإستخدام السندات الحكومية التي تملكها بكين ضد أمريكا والتي تبلغ 1.1تريليون دولار)، كون إقتصاد البلدين مرتبطين ببعضهما البعض، بحيث أي عملية تصعيد خطيرة في هذه الحرب ستهدد كلا الطرفين، يعني بالمحصلة هي ليست أكثر من أداة للضغط نحو التفاوض، ولكسب الوقت نحو تطبيق طرق أخرى يمكن أن تحتمل التصيعد في المواجهة دون الإضرار الكلي بالفاعل.

أما الطريقة الثانية: فتكمن في إفتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين، ومحاولة إفقاد الصين السيطرة والنفوذ على المجال الجيوسياسي المحيط بها، لإعاقة المشاريع الإستراتيجية الصينية البحرية والبرية، وقد بدأت هذه العملية منذ إفتعال أزمة الجزر المتنازع عليها مع الفلبين وقرار المحكمة الدائمة للتحكيم لصالح الفلبين، إلا أن ذلك لم يؤتي النتائج المطلوبة بسبب جنوح الرئيس الفلبيني نحو التحالف مع موسكو وتعزيز العلاقة معها، بينما تستمر واشنطن في ذات النهج من مينمار و توقيت تعويم قضية الروهينغا المسلمة التي تقطن الساحل المطل على خليج البنغال وهو الساحل التي تقوم فيه اليوم كل من القوات البحرية الأمريكية والفرنسية واليابانية والأسترالية بمنوارات عسكرية، إلى رفع درجة التوتر الهندي-الباكستاني حيث شهدنا مؤخراً حوادث خطيرة في هذا الشأن، وصولاً إلى إستخدام ملف حقوق الإنسان لإستهداف إقليم “شينغيانغ” ذي الأغلبية المسلمة والذي يعتبر الركيزة الجيوستراتيجية للمشاريع الصينية وصلة الوصل مع آسيا.

بالمحصلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية طريقة لرفع التوتر والتصعيد والتي بدورها ترفع كلف المشاريع الإقتصادية وكلف التأمين عليها، وتجعل من الدخول بتحالفات عضوية مع الصين كدولة مركز جديد أمر محفوف بالمخاطر والتهديدات.

الطريقة الثالثة: تكمن في سعي واشنطن لتسليح البيئة خدمة لمصالحها، فانسحاب دونالد ترامب من اتفاقية المناخ لم يكن أكثر من وسيلة لمواجهة الصين، فمن جهة يقوم بتوفير إستهلاك النفط لصالح الفحم الحجري الموجود بكثرة في أمريكا لتحقيق مكاسب إقتصادية أكبر، ومن جهة أخرى تعود أمريكا لتضغط على النظام البيئي للكوكب بشكل كامل، ما سيدفع المجتمع الدولي والدول المسؤولة عن الإنبعاثات الكربونية إلى الضغط على بعضها البعض للخفض السريع من ضخ الكربون في الجو، وسيتناسب هذا الضغط بالضرورة مع حجم أسواق الطاقة ونموها في العالم، وبما أن الصين هي أكبر هذه الأسواق فهي المعني الأول بهذا الضغط الناجم الذي يترجم بأعباء جديدة على الإقتصاد الصيني يعيق النمو ويؤثر بها، إضافة إلى أن الصين تعاني بالأساس من مشاكل نضوب الموارد المتجددة في بيئتها المحيطة وتسعى تعويض هذا الضغط على مواردها بالتوسع الجيوسياسي، وهو الأمر المتعذر القيام به في حال الإستمرار الأمريكي بمحاولة إفتعال وإدارة الأزمات الجيوسياسية ضد الصين.

هذه المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد الصين للتمسك الأمريكي بالسطيرة على العالم، تثبت أن الإدارة الأمريكية تجاوزت شعار أمريكا أولاً إلى شعار الأحادية الأمريكية أو تدمير الكوكب والبشرية.

سبوتنيك: ألا يمكن للتحالف الصيني الروسي في هذه الحالة أن يزيل الضغوط على بكين في المواجهة الأمريكية سواء في الحد من قدرة واشنطن على افتعال الأزمات الجيوسياسية أو من خلال الغاز الروسي لمواجهة آثار استخدام البيئة كسلاح ضاغط على النمو الإقتصادي الصيني من قبل الإدارة الأمريكية؟

النشواتي:  كلام صحيح ولا غبار عليه، ومن هذه البوابة بالتحديد سعت بكين لتطوير علاقتها مع موسكو والإنتقال حتى إلى طور الشراكة الإستراتيجية، ومد أنابيب الطاقة والغاز كبديل صديق للبيئة، خاصة أن موسكو تعاني أيضاً من مشكلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية مع واشنطن أيضاً، وتسعى نحو عالم متعدد الأقطاب، أي ثلاث قوى كبرى تسعى لأن تحقق أهدافها وطموحها، وبكين تعي تماماً إمكانية جذب موسكو لبناء تحالف إثنان ضد الثالث، ولكن المشكلة تكمن في الرؤية الروسية لعالم متعدد الأقطاب والرؤية الصينية بإستبدال الدور الأمريكي الأحادي بقيادة النظام الدولي بالدور الصيني.

ما سبق يعني أن موسكو في النهاية ترى كل من الرؤية الأمريكية والرؤية الصينية خطراً مستقبلياً على رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة حدة وشدة الإستقطاب الدولي نحو تغيير الإصطفافات والتحالفات غير المستقرة.

سبوتنيك: أفهم من حديثك أستاذ صلاح أن تحالف بكين موسكو ليس تحالفاً مستقراً؟

النشواتي: حتى أنني ما كنت لأسميه تحالفاً في ظل هذه الظروف بكل صراحة أكثر من ما أسميه تعاوناً وثيقاً لبناء تحالف، فالضغط المطبق من الصين على الولايات المتحدة الأمريكية سواء في الحرب التجارية أم في التحالف مع موسكو، جعل من الإدارة الأمريكية تعيد التفكير ملياً بالصيغة التي يجب عليها إتباعها، وسرعان ماوجدت نفسها تفاضل حتى على الإستراتيجية الأمريكية العامة أي إستراتيجيتهم الدولية، فلا مجال لمواجهة كل من موسكو وبكين معاً، بالتالي لابد من المفاضلة بينهما ودراسة أي دولة يجب أن يتم تدميرها والسيطرة عليها أولاً، وأي دولة ممكن تحمل الأضرار الناجمة عن التحالف معها بشكل أطول من الأخرى لتكون شريكة مؤقتة للمرحلة القادمة.

سبوتنيك: هذا يعني أنك تعتقد بأن البيت الأبيض قد أخضع الاستراتيجية الأمريكية لتعديلات غير معلنة؟

النشواتي: بالضبط هذا ما أتكلم عنه، هذه التعديلات جعلت من الإدارة الأمريكية تعمل بنصيحة كسينجر بالتحالف مع موسكو ضد بكين، على شاكلة التحالف مع السوفييت ضد النازية ومن ثم الإنقلاب عليهم، أو على شاكلة التحالف مع الصينين فيما بعد ضد السوفييت في عهد الرئيس نيكسون والآن تنقلب أمريكا على الصينيين أيضاً.

وتطبيق التحالف العملي مع موسكو ضد بكين يكمن في تحييد دور موسكو بالتصدي للجهود الأمريكية في افتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين الحيوي أو في مناطق نفوذها كفنزويلا مثلاً، والذي سبب التدخل الروسي بعرقلة مشروع البيت الأبيض وتعقد الأوضاع فيها، حتى يتسنى لواشنطن تطويق الصين بشكل جدي وتفكيك مشاريعها وبناها الإستراتيجية الحالية أو المستقبلية منها.

طبعاً مجرد تعديل الإستراتيجية الأمريكية العامة بهذا الشكل وقبل حتى إنتهاء الولاية الأولى لترامب يعني أن الإدارة الأمريكية تعاني وتتألم وبشكل كبير، ويعني أيضاً أن ذات الإدارة قد إصطدمت بواقع أنها لم تعد تستطيع تطويع ومعاداة الجميع بل هي بحاجة للدبلوماسية والسياسة من جديد بعد أن جسّد وصول ترامب بأسلوبه الشعبوي للسلطة قمة الغطرسة الأمريكية والتخلي عن اللياقة والدبلوماسية والعمل السياسي الحقيقي.

والصادم في الأمر أن مسار ترامب من الناحية الإستراتيجية بدأ يتشابه من حيث الشكل مع مسار سلفه أوباما والذي أدى فشل استراتيجيته وتعديلها إلى التراجع التي تعيشه أمريكا اليوم، بالمجمل هذا يرشح أن يكون هناك فشل جديد للولايات المتحدة وذي وقع أشد تأثيراً من فشل أوباما، ولكن الدور الرئيس ومفتاح فشل أو نجاح واشنطن يكمن في موسكو وإدارتها لتحالفاتها بالشكل الصحيح والواعي بعيداً عن تكرار أخطاء الماضي.

سبوتنيك: يبدو أننا أستاذ صلاح بحاجة إلى المزيد من اللقاءات حتى نوضح أثر هذه التعديلات ليس فقط على المواجهة مع الصين بل على باقي الأجندات والأزمات الجيوسياسية في العالم.

النشواتي: نعم بالتأكيد

سبوتنيك: أستاذ صلاح شكراً جزيلاً لكم على هذا الحوار القيّم والمثير ونتمنى أن نتابع في لقاءات قادمة تفاصيل أكثر

النشواتي: نعم بكل سرور، شكراً جزيلاً لكم ولوكالة “سبوتنيك” التي تحاول كشف الحقائق والتعّمق فيما يجري حول العالم.

سبوتنيك: أهلاً بكم وعلى الرحب والسعة.

أجرى الحوار: نواف إبراهيم 

]]>