السعودية – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Mon, 29 Jul 2019 12:49:08 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 تقدير موقف: منظومة “حيتس3” عاملاً محدداً لمسار المواجهة الأمريكية-الإيرانية. https://casrlb.com/?p=1223 Mon, 29 Jul 2019 12:49:08 +0000 http://casrlb.com/?p=1223  

اتجه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، “رون ديرمر”، بزيارة سرية إلى ولاية ألاسكا الأمريكية في 27/07/2019، لإجراء مفاوضات بشأن التعاون الأمني الاستراتيجي بين الدولتين بشأن إيران، ليعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في اليوم التالي نجاح المنظومة المضادة للصواريخ الباليستية “Arrow-3” ، المطوّرة بالتعاون مع الولايات المتحدة، والتي خضعت لاختبارات حيّة في ولاية ألاسكا الأمريكية، على مدى الأسابيع الأخيرة، في ثلاث اختبارات وصفت بالسرية والخارقة، اعترضت خلالها منظومة “حيتس3 أو Arrow3” الإسرائيلية والمطوّرة بالتعاون مع شركة “بوينغ” الأمريكية، اعترضت صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية بعلو كبير وبسرعة فائقة، وفي هذا السياق، يقدّر مركز الدراسات والابحاث الأنتروستراتيجية النجاح المزعوم للمنظومة الإسرائيلية الأمريكية بالمتغيّر العسكري الاستراتيجي، والذي يؤثر على مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية في الشرق الأوسط، حيث ترتكز المواجهة الأمريكية الإيرانية حول الملف النووي بالدرجة الأولى، وذلك بعد الانسحاب الأحادي لواشنطن من ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، بذريعة خرق طهران لقرار مجلس الامن “2231” بتطويرها للصواريخ البالستية، وامتلاك إيران برنامجاً سرياً نووياً، تسعى من خلاله للحصول على القنبلة النووية.

وقد شكل التحريض الذي مارسته حكومة الكيان الإسرائيلي ضد طهران، السبب الرئيس للخطوات شديدة العدائية من قبل واشنطن، والتي فتحت بموجبها الإدارة الأمريكية باب المواجهة مع إيران على مصراعيه، بسياسة أمريكية خارجية تعتمد على ممارسة الضغوط الاقتصادية الشديدة، بالتزامن مع الدعوة لإعادة المفاوضات حول الملف النووي والصاروخي الإيراني، والذي سبّب توتراً أمنياً كبيراً في الخليج، وشكّل تهديداً لحرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي تشرف عليه كل من إيران وسلطنة عمان.

وبالتالي الخطر على الأمن القومي الإسرائيلي الناتج عن البرنامج الصاروخي الإيراني، كان المحرّك الأساسي للتوترات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن، وقد دفع ذلك الحكومة الإسرائيلية إلى العمل بشكل مكثف على تطوير منظومة دفاع صاروخي، قادرة على تحييد الخطر بشكل كامل، منذ توقيع مجموعة (5+1) الاتفاق مع طهران في عام 2015، وصولاً إلى الإعلان عن نجاح كبير للمنظومة يوم أمس، الأمر الذي يُعدّ عاملاً سيسهم في تغيير مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، بعيداً عن حالة الاستعصاء الحالية.

 

ما يعني أنّ نجاح الاختبار في حال كان حقيقياً، سيدفع بواشنطن إلى تقسيم المواجهة مع إيران على مرحلتين زمنيتين، الأولى تمتد حتى عام 2020 وستعمل فيها واشنطن على تخفيض سقف تفاوضها المطروح مع طهران، لتبتعد عن الملف الصاروخي كونه لم يعد يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي الإسرائيلي، وتعمل بالمقابل على زيادة المخاوف السعودية من البرنامج الإيراني، وحثها على زيادة تنسيق التعاون الأمني والعسكري مع الحكومة الإسرائيلية نحو مستويات غير مسبوقة، سعياً إلى الحصول على المنظومة الإسرائيلية الأمريكية الجديدة “حيتس3″، والابتعاد عن المنظومة الروسية “إس400″، وستتسم هذه المرحلة بجدية الدعوة الأمريكية نحو التفاوض، والخطوات المهمة والكبيرة التي ستنجزها واشنطن لتدفع طهران نحو إعادة إطلاق المفاوضات، أما المرحلة الثانية فستبدأ بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة، وستتسم بالسعي المباشر نحو افتعال صدام عسكري مدمر مع إيران، بعد تثبيت الوضع السياسي الداخلي في كل من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، وضمان القدرة على تحييد الخطر الصاروخي الإيراني في الحرب، بالتزامن مع تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط وأفغانستان، وزيادة تعداد القوات العسكرية الحليفة لواشنطن في المنطقة، من خلال مشروع تشكيل القوة البحرية المشتركة لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وزيادة عدد القوات الأوروبية في سورية لملئ الفراغ الأمريكي.

 

في المحصلة يجب على الادعاءات الإسرائيلية والأمريكية، في حال صحت فعلاً، أن تنعكس بشكل مباشر على السياسة الخارجية لكلا الدولتين، ومبادرتهما الإقليمية، ما يترك أمام طهران خيارات إقليمية جديدة، تمكنها من المناورة، لتجنّب الوقوع في مأزق الاختيار الثنائي، الحرب الشاملة أو السلم الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية.

]]>
تقدير موقف: الاعتداءات الإسرائيلية على سورية (الخلفية الدولية والأهداف الاستراتيجية). https://casrlb.com/?p=1159 Mon, 01 Jul 2019 09:40:05 +0000 http://casrlb.com/?p=1159  

 

قام الاحتلال الإسرائيلي بشن غارات مكثفة بطائرات حربية وصواريخ كروز على سورية ليلاً، في بداية اليوم الأول من شهر تموز لعام 2019، استهدف من خلالها مواقع مختلفة في ريف دمشق وحمص وطرطوس، بالتزامن مع تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” لضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذا العدوان كجزء من سلسلة اعتداءات جديدة، أتت كنتاج متوقع أفرزته النشاطات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لكل من واشنطن وتل أبيب، وتهدف إلى تحويل سورية إلى متنفس عسكري أقليمي لتصريف الضغط الناتج عن التوتر الأمريكي الإيراني المباشر، واستهداف القوات الإيرانية في الخارج كأحد الفواعل الأساسية لهذا التوتر، حيث عملت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في مختلف المناسبات الاقليمية والدولية على إعادة صياغة ظروف استهداف جديدة تسمح للطرفين بتدمير أهداف إيرانية في الخارج في إطار مكافحة نفوذ طهران خارج أراضيها، تحت ضغط الانزلاق لمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تكون شاملة ومدمرة لكل المنطقة، وذات نتائج كارثية لا يمكن لأحد حسابها أو تحملها.

العدوان الإسرائيلي على سورية مبني على خلفية متينة ضمنت الاحتواء للتصعيد ما بعد العدوان، وتتكون هذه الخلفية من ثلاث ركائز أساسية، أولها القمة الأمنية الثلاثية في مدينة القدس المحتلة في 25/06/2019 بين المستشارين الأمنيين لكل من (روسيا-أمريكا-الكيان الإسرائيلي) للتفاهمات الثلاثية، وسعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى جر روسيا نحو موقف معادي لطهران في سورية، مقابل مقعد جاهز لموسكو على طاولة الأمن الأقليمي في الشرق الأوسط، والتوجه نحو إدارة ثلاثية ندية مشتركة للأقليم، هذا العرض أثار حفيظة روسيا لما له من أبعاد خطيرة على الأمن القومي الروسي، وسياسة روسيا الخارجية، كون العرض ينطوي على زيادة الطلبات الأمنية والعسكرية الأمريكية من موسكو، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، والتي من الممكن أن تصل إلى حد طلب استخدام نظام العبور “الدون-فولغا” الواصل من بحر آزوف إلى بحر قزوين، في خطوة للألتفاف على إيران من الخلف، وهو مطلب غير مستبعد نظراً للوجود الأمريكي المسبق في الموانئ الكزخستانية ضمن اتفاقيات مسبقة، الأمر الذي دفع موسكو لخفض سقف التوقعات الإسرائيلية والأمريكية من الاجتماع بتصريح مسبق من الرئيس الروسي حول رفض موسكو المتاجرة بحلفائها، بالتالي خلصت القمة إلى تفاهمات تكاد لا تختلف كثيراً عن التفاهمات والبروتكولات السابقة، وإنما تنطلق منها نحو زيادة خطيرة في  مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي الثلاثي في سورية عبر مراقبة أي تغيّر في النشاط الإيراني العسكري، وضمان روسيا عدم ملئ الفراغ الأمريكي من قبل الحرس الثوري في حال الانسحاب الأمريكي، وحماية المنطقة من أي انزلاق نحو مواجهات شاملة، والإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي في مواجهة إيران داخل الأراضي السورية في حالات الضرورة القصوى، ودون إعلام مسبق للطرف الروسي حول أي هجوم كما في السابق.

 

تفاهمات القدس لم تكن تفاهمات نهائية ولم يتم التصديق عليها، وإنما كانت أشبه بإعداد ورقة عمل لمناقشتها والاتفاق عليها بين كل من الرئيس الأمريكي “ترامب”، والرئيس الروسي “بوتين”، في اللقاء الذي جمعهما في 28/06/2019 على هامش قمة العشرين في أوساكا، والتي قدرها المركز سابقاً بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، كركيزة ثانية لمسار الذي شكل عدوان اليوم إذعاناً بانطلاقه، حيث اتفق الرئيسان على تفعيل التفاهمات السابقة والتي وضعت في قمة هلسنكي في بولندا 15/07/2018، والتي تأكد على إخلاء سورية من كل القوات الأجنبية، وذلك بتعهد واشنطن بحيادها وحياد الناتو إزاء إخراج روسيا وسورية للجيش التركي من الشمال السوري، وتوريط تركيا في ليبيا بمباركة روسية ضمنية وتنسيق سعودي-أمريكي، مقابل الحياد الروسي لإخراج إيران من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي من سورية، يليه انسحاب كامل القوات الأمريكي وخفض التواجد الروسي إلى الحد الأدنى، ورفع العقوبات بالتزامن مع إطلاق اللجنة الدستورية، بما يضمن لكل من واشنطن وموسكو إخراج الساحة السورية من ساحات الصراع الدولي والأقليمي، وغلقها بالكامل.

 

أما الركيزة الثالثة فكانت زيارة الرئيس ترامب إلى كوريا الشمالية، حيث سارع ترامب تحت الضغط الصيني الموضح في تقدير المركز السابق بعنوان : (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، سارع إلى احتواء المواجهة المشتركة التي ستفرض عليه بعد الزيارة الصينية، بزيارة أقرب ما تكون لزيارة خفض تصعيد، بعد اجتماعه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ”، الوارد تفصيلياً في تقدير للمركز بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، ليعمل الرئيس “ترامب” على إحياء العلاقة مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” في مسعى أمريكي لفصل الملفات، واحتواء المساعي الصينية بنمذجة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط عموماً، وفي سورية خصوصاً مع الصراع في كوريا الشمالية، خاصة بعد دعوة الصين لزيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين في 16/06/2019، وتنسيق زيارته إلى كوريا الشمالية، في زيارة سياسية-عسكرية بحتة، عاد منها وزير الخارجية بالعديد من الملفات والأبحاث العسكرية المتعلقة بالأسلحة الصاروخية، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى قصف أهداف محددة بناءً على نتائج الزيارة الأمريكية، والنجاح الأمريكي في فصل الملفات، والذي شكل السبب الرئيس لاختيار مراكز البحوث والمستودعات العسكرية السورية والإيرانية كأهداف أساسية للعدوان، علماً أن تصريح وزير الخارجية السورية صباح اليوم شرح الزيارة لكوريا الشمالية في إطار “جلب عمال بناء”، وتعاون اقتصادي بين كوريا الشمالية وسورية.

بناءً على الركائز الثلاث السابقة، التي شرحت الخلفيات الدولية، والأهداف الاستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على سورية، يتوقع مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية ارتفاع وتيرة وشدة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، تحت ذريعة الضرورة القصوى، واعتماد كل من واشنطن والكيان الإسرائيلي أسلوب الرد على إيران في سورية، والذي بدوره سيولد استنكار روسي للاستخدام المفرط والمتكرر للقوة، بسبب خرق سقف التفاهمات السابقة وسلوك الكيان الإسرائيلي الاستفزازي لباقي الأطراف، كتحليق الطيران الإسرائيلي فوق المضادات الروسية على الشريط الساحلي السوري، الأمر الذي سيحرج موسكو ويعرّض التفاهمات السابقة لاحتمالية الانهيار أو تعليق العمل بها، وذلك بحسب  الظروف الدولية والأقليمية المستجدة وقدرتها على التأثير في بنية الصراعات الاستراتيجية حول العالم.

]]>
تقدير موقف: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها. https://casrlb.com/?p=1058 Tue, 18 Jun 2019 11:22:34 +0000 http://casrlb.com/?p=1058 في سياق زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان إلى سورية 13/06/2019 واجتماعه في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور شرقي سورية مع نائب وزير الخارجية الأمريكي، جويل رابيون، والمستشار الرئيسي لقوات التحالف الدولي، ويليام روباك، وعددا من شيوخ ووجهاء وإداريين من قبائل ومجالس المنطقة، وفي إطار زيارة وفد سعودي أمريكي مشترك لمدينة الرقة ومطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى فريق إعلامي إسرائيلي من القناة 12 العبرية (الثانية سابقاً) عمل على إعداد تقارير عن مدينة الرقة بالتنسيق مع فصائل “قسد” التابعة لقوات جيش الاحتلال الأمريكي، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الإجراءات الأمريكية السعودية المشتركة في سورية ضمن مشروع الاستئصال الجيوسياسي للجغرافية السورية، حيث تعمل واشنطن على استصلاح فشل استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مواجهة الصين، الناتج عن فشل الانسحاب الأمريكي الذي كان مقرراً بعد تطبيق مشروع الربيع العربي في عام 2011، والاستعصاء العسكري الذي عانت منه واشنطن في الشرق الأوسط بسبب تحول موقف تركيا من وكيل أمريكي في المنطقة، إلى ربط حكومات الإخوان الجديدة وإحياء الإمبراطورية العثمانية بها، إضافةً إلى تمدد النفوذ الإيراني، وظهور تنظيم داعش.

هذا الاستعصاء دفع وشنطن إلى اعتماد الرياض مركزاً لثورات مضادة على الإخوان والذي شكل أحد نتائجه القطيعة مع تركيا وقطر، ودفع بالملف السوري إلى مزيد من التعقيد، ودفع بالساحة السورية إلى ساحة صراع بين غرفة عمليات تركية وفصائل تابعة لها، وغرفة عمليات سعودية على ذات الشاكلة، حتى تم إنهاء ملف الفصائل السعودية في محيط دمشق والجنوب السوري باتفاق روسي-تركي-إيراني، وسحب الفصائل التركية إلى الشمال.

لكن النفوذ السعودي في سورية لم ينته بالكامل وذلك بسبب جهود التحالف الدولي الذي قادته واشنطن في محاربة داعش، في الشمال الشرقي من سورية وإقامة قاعدة التنف على مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية لحماية الخليج من أي توجه لداعش جنوباً بعملية مولتها السعودية والإمارات لإنشاء قوات سورية الديمقراطية، وتسليم قيادتها للأكراد، منعاً لأي تحالف يمكن أن ينشأ بين القوات الجديدة وتركيا، على شاكلة تحالف النصرة مع تركيا على حساب علاقتها مع السعودية، وهو ما حول قسد إلى وريث داعش في المنطقة بعد فشل واشنطن في الاستثمار بداعش لتوجيهه نحو التمدد باتجاه تركيا وروسيا والصين، وتحولها نحو القضاء عليه نهائياً خوفاً من العمليات الروسية السورية الإيرانية المشتركة ضد داعش من أن تودي بسيطرة الجيش السوري على كل المساحات التي كان يشغلها التنظيم.

هذه الجهود الأمريكية-السعودية في تشكيل قوات سورية الديمقراطية سرعان ماتحولت إلى مشروع جديد يستهدف الحكومة السورية من جهة، والنفوذ الإيراني في سورية من جهة أخرى، بمشروع مزدوج مؤلف من مرحلتين:

المرحلة الأولى: القطع الجغرافي وترسيخ مناطق النفوذ (مناطق الاستقرار القلق سابقاً)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة مع السعودية على ترسيخ مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، ضمن منطقتين الأولى في شرق وشرق شمال سورية بالتعاون مع الرياض، وذلك بهدف الضغط على الطريق البري الذي يصل طهران بدمشق، ملحقاً بإجراءات في الأراضي العراقية، وتحويل نهر الفرات إلى حاجز جغرافي طبيعي في وجه الحكومة السورية، ليتم فيما بعد استبدال القوات الأميركية بقوات أخرى أوروبية (فرنسية-بريطانية-ألمانية) لملء الفراغ، بالتزامن مع إجراءات لضبط القلق التركي من أي تهديدات قد تشكلها قوات سورية الديمقراطية.

أما المنطقة الثانية في الشمال والشمال الغربي السوري فتعمل واشنطن على تحويل هذه المنقطة إلى ملف توافقي مع أنقرة ضد روسيا وسورية بالتفاهم معها حول مستقبل الشمال ضمن الأطماع التركية، على حساب التفاهمات الأولية السابقة مع موسكو.

كلا المنطقتين يحتويان على مايقارب 78% من القمح والماء والنفط السوري، ويشكلان جغرافيات الوصل مع دول الجوار، واقتطاع هاتين المنطقتين يعني حرمان سورية من مناطق الثقل الجيوسياسي، في مشروع يهدف إلى تفريغ الجغرافية السورية من أهيمتها الجيوسياسية ضمن منع أي تهديد للمصالح الأمريكية أو للكيان الإسرائيلي.

 

المرحلة الثانية: إعادة الإعمار اللامركزية (خطة رؤساء الأقاليم)، حيث ترتكز هذه المرحلة على ردة فعل الحكومة السورية وجهود روسيا الدبلوماسية الداعية إلى عودة اللاجئين والنازحين السوريين، وذلك من خلال فرض أقصى العقوبات الممكنة على الحكومة السورية وكل من يتعامل معها، وقطع أي إمدادات يمكن أن تأتي من الأقاليم السورية المحتلة، لتحويل عودة اللاجئين على مزيد من الضغوط والأعباء على الداخل السوري من جهة، والعمل على استقطاب اليد العاملة ورؤوس الأموال من المناطق التي التي تخضع للحكومة السورية نحو الأقاليم المحتلة من جهة ثانية، وذلك من خلال عملية استقطاب اقتصادي كبيرة تبدأ بحركة إعمار ضخمة جداً في الشرق والشمال السوري، تتيح لرؤوس الأموال حركة كبيرة وأرباح سريعة وتتيح لليد العاملة نسب أجور عالية جداً بالمقارنة مع المناطق المحاصرة التي تعاني بغالبيتها من الجوع والفقر المدقع، ومن ثم توجيه الأعداد المستقطبة للمشاركة في انتخابات تؤمن المصالح الأمريكية ضد الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بحيث يضمن المشروع الأمريكي تحويل جهود الحكومة السورية بإعادة النازحين، من جهود تضمن عدم تعرضهن للتأثير الأمريكي في الانتخابات القادمة، إلى جهود تشكل ضغطاً كبيراً مع الحصار والعقوبات على الحكومة السورية وتسهم في زيادة فشلها، وبالتالي خفض شعبيتها كأثر جانبي، وتأمن اليد العاملة ورؤوس الأموال السورية لشرعنة عملية إعادة الإعمار واستخدامها كأصوات معادية في كل من الشرق والشمال والشمال الغربي من سورية، وتنتهي المرحلة الثانية بإعلان نظام أقاليمي في سورية وإنشاء مجلس للأقليم الشرقي ومجلس للأقليم الشمالي وإعلان رئيس لكل أقليم مخول بعقد اتفاقيات تجارية واقتصادية ودبلوماسية مع أطراف خارجية باسم سورية ضمن مصالح أقليمه.

المرحلة الثانية من الاستئصال الجيوسياسي قد بدأت بالفعل بزيارة الوزير السعودي إلي مناطق قسد في سورية، وبتكثيف الجهود الروسية في إعادة النازحين السوريين، وما تصوير الوفد الإعلامي الإسرائيلي لمدينة الرقة إلا لعرض المدينة الجديدة لاحقاً والتي ستبنى بأموال سعودية-إسرائيلية مشتركة.

]]>
واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو!! https://casrlb.com/?p=968 Fri, 24 May 2019 08:47:49 +0000 http://casrlb.com/?p=968 صلاح النشواتي

لاتزال الإدارة الأمريكية تعيش أحلك لحظاتها في صراع مستمر وشرس لتحقيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، ساعية إلى تدمير أي قوة منافسة أو حضارة ناهضة ممكن أن تهدد التفوق أو التفرد الأمريكي على العالم، مستخدمة كل أنواع القوة وأشكالها في خدمة هذا الغرض، بحيث باتت تعرّف واشنطن مصالحها القومية بما يشمل أكثر من 90% من دول العالم بفضاءاتها الحقيقية والافتراضية -كمساحات للنشاط الجيوبولتيكي الأمريكي- والموزعة على شكل كتل أقليمية يتم ربطها بمعادلات للأمن الأقليمي ضمن الصيغة الأمريكية المفروضة، وذلك لضمان النفوذ والسيطرة على كل كتلة على حدى، ومع ظهور القوى الكبرى المنافسة للقوة الأمريكية، بدأت التكتلات الأقليمية بالتفكك بفعل تداخل مناطق النفوذ، ومحاولة الخصم فرض معادلته في الأقاليم التي يعتبرها مساحات نشاطه الجيبولتيكي الحقيقية، أي أنها مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى رابحها من يستطيع ربط أكبر عدد ممكن من الكتل الأقليمية بمصالحه القومية تحت منظار أمن قومي مشترك وواضح بمعادلات محكمة، وقد شكل الشرق الأوسط أحد أعقد هذه الأقاليم وأكثرها ألتهاباً وتداخلاً، فبالنظر إلى أهمية موقعه ومزاياه الجيوسياسية من ناحية الإشراف على أهم طرق الملاحة البحرية، أو من ناحية الثروات الطبيعية والتنوع البيئي، يدرك أن من يفرض معادلته الأمنية يربح المنطقة لصالحه، ويرتكز بها للوصول إلى مناطق أخرى، في مسعى للتوسع بأشكاله المعاصرة المختلفة.

هذه القواعد هي التي تضبط آليات الصراع الراهن في الشرق الأوسط، وتتحكم في اتجاهه بين قواه الأقليمية و تأثير القوى الكبرى، ومما لا شك فيه أن الجهود الروسية في تجنب أي مواجهات أو استنزاف هنا أو هناك بلغت أوجها شهر نيسان الماضي، حيث توجه لافرنتييف لعرض صفقة مع الرياض حول مستقبل سورية في محورها العربي التي يجب أن تعود إليه بصفتها دولة عربية، أو تحمّل مواجهة سورية غريبة مقسمة بين إيران وتركيا، موجهاً من خلال هذه المبادرة دعوة لواشنطن للتفاهم من جديد بعد أن استعصى الوضع في سورية كمفتاح لأمن الشرق الأوسط وترتيب اصطفافاته، والذي مالبث أن اشترط الرئيس الأسد على لافرنتييف بدء عملية تحرير إدلب كإعلان لصدق النوايا السعودية، ومن ثم يتم فتح ملف التمويل الخليجي للأكراد، في حال أردات السعودية حقاً عودة سورية إلى الخط العروبي.

المبادرة الروسية التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي لاقت استحساناً أمريكياً، ففي نهاية المطاف تسعى واشنطن إلى تطويق إيران في المنطقة وفرض الصيغة الأمريكية الأمنية، وجعل روسيا جزء من هذه الصيغة أو المعادلة في الشرق الأوسط، وبما أن المبادرة تضمن تحييد سورية عن أي مواجهة مع إيران ضد القوات الامريكية أو ضد حليفتها إسرائيل، فلا مشكلة في إطلاق عملية إدلب بتفاهم روسي أمريكي، شرط أن تنحصر حدود هذه العملية على تأمين محيط القاعدة الروسية في سورية والتي تتعرض للقصف بشكل مستمر من فصائل تديرها الاستخبارات الأمريكية، مقابل نأي البيت الأبيض بنفسه مع مسرحياته الكيميائية جانباً.

في هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحضر خدعة جديدة في الخليج بعد ضمان انشغال روسيا والجيش السوري بمعارك طاحنة في إدلب، حيث عملت على رفع التوتر والتصعيد بشكل كبير في المياه الخليجية، وزادت قواتها في المنطقة تحت ذريعة أخطار إيرانية محدقة على المصالح الأمريكية وحلفائها، ليظن الجميع أن هناك معركة قادمة لامحالة، أو على الأقل مواجهة محدودة هنا أو هناك، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية في استهداف السفارة الأمريكية في بغداد وقبلها استهداف سفن تجارية في ميناء الفجيرة الإماراتي و استهداف أنابيب نفط سعودية بغض النظر أيها الملفق لإيران وإيها حقا قامت به القوات الحليفة لها، ما خلق جرعة كبيرة من الخوف والوقوف الحرفي على الهاوية، وفي حين تعمل واشنطن على طرح التفاوض مع الإيرانيين، إلا أن هذا الطرح ليس إلا ورقة إنتخابية لترامب في حال انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية، أما الهدف الأساس من كل هذا التصعيد هو البدء بإطلاق المعادلة الأمريكية للأمن الأقليمي، ليس التفاوض ولا حتى الحرب، وذلك من خلال البدء بتنفيذ إجراءات صفقة القرن دون الإعلان عن طبيعة هذه الإجراءات أو ارتباطها بالصفقة من جهة، وإعلان قمة عسكرية تعيد صياغة القوى العربية في تحالف قومي جديد يشكل الضامن العسكري والأمني للمعادلة الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يعيق (بالشراكة مع الحصار والعقوبات) تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في حال الانسحاب الأمريكي نحو الصين.

ولضمان نجاح التطبيق العملي للمعادلة الأمنية الأمريكية كان لابد من الحرص على تدمير الصيغة الثلاثية لاستانا (إيران-تركيا-روسيا) بشكل كامل، كونها تشكل نواة حقيقية للمعادلة الأمنية الروسية، فقامت واشنطن سابقاً بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لقطع علاقاته مع الإخوان المسلمين، ولتطويق جهوده في العراق، وبدأت بزرع بذور الشقاق بين طهران وموسكو بعد ذلك من خلال التفاهمات لاحقة، وقد ظهر مفعول ذلك جلياً بعد تصريح الرئيس بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني وتحميل إيران المسؤولية في حال الانسحاب منه، إضافة إلى الإعلان غير المباشر بتخلي موسكو عن طهران في هذه الحالة، حيث عبر عن ذلك الرئيس الروسي بقوله: “روسيا ليست فريق إطفاء حرائق”.

وفي الطرف المقابل عملت واشنطن على إعادة تسليم غرفة قيادة العمليات في إدلب لتركيا، بعد أن كانت تخضع للاستخبارات الأمريكية في مقابل اتفاق سابق فاشل يتعلق بدخول تركيا إلى الشرق السوري بعد استبدال النفوذ الأمريكي-التركي بين إدلب وشرق الفرات، لتكون بالمحصلة قد أخلت مسؤوليتها أمام التفاهمات مع موسكو، وجعلت من تركيا رأس حربة تهدد مسار العمليات العسكرية في إدلب وتهدد أيضاً أمن القاعدة الروسية في حميميم، خاصة بعد مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق على حساب أنقرة وطهران، لتتحول بعدها إدلب إلى عملية استنزاف لكل الأطراف بلا استثناء في مسعى أمريكي لإضعاف الجميع، وساحة إشغال كبيرة تمارس من خلالها الإدارة الأمريكية كل أنواع الابتزاز السياسي والدبلوماسي بغية فكفكة أي تعاون أوروبي روسي جديد في الشرق الأوسط، متذرعة باستخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب ورمي الإتهامات المفبركة هنا وهناك، ما يتيح للإدارة الأمريكية نكز الجرح الأوروبي المرتبط بقضية اغتيال العميل السوفييتي السابق سكريبال في سالزبوري البريطانية باستخدام سلاح كيميائي، والتحريض ضد روسيا وسورية في الداخل الأوروبي.

مجمل هذه الأحداث والوقائع والتي تبدو عشوائية هي تفاصيل بمجموعها تشكل الصورة الكاملة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية، وتتلخص هذه الصورة بفرط الوحدات المكونة للأقليم في الشرق الأوسط وإعادة ترتيبها على قاعدة معادلة الأمن الأقليمي الأمريكية، مع الحرص على تحويل روسيا إلى جزء من هذه المعادلة لتقويض نفوذها وتسييره بالضرورة لخدمة أهداف ذات المعادلة، والمفاتيح الأخيرة التي تسمح بإطلاق المعادلة هي الحدود العراقية-السورية، حيث سيتركز كل الضغط الأمريكي القادم عليها، بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وتحويل العراق إلى بيئة وعرة لطهران، بعد استهداف العلاقة بين كل من إيران وتركيا.

هذه التكتيكات الجديدة نوعاً ما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية تعد مؤشراً مهماً على فهم ترامب حدود الأسلحة الاقتصادية كالعقوبات والفصل الاقتصادي للدول من الشبكات الدولية، حيث كان يعتقد في السابق أنها أسلحة كافية لربح أي مواجهة وتدمير أي خصم، ليتضح له فيما بعد أنها لازمة ولكن غير كافية بعد أن أهمل السياسة والخدع السياسية في العلاقات الدولية لصالح الوقاحة والتصريحات الشعبوية، وتعتبر الخلافات الداخلية في البيت الأبيض من جهة، وبين البنتاغون والخارجية من جهة أخرى، أحد المظاهر الخادعة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لتشويش الصورة الكلية التي تعمل على تركيبها، وأيضاً لخداع الخصوم حول أجنداتها والتي كان ترامب قد كشف أغلبها كنوع من التحدي الشعبوي أمام دول العالم في القدرة على تحقيقها وهي مكشوفة بالمطلق.

بالمحصلة نحن أمام مزيد من التصعيد والتلاعب السياسي، وبما لا شك فيه نحن أمام حقبة جديدة من الخداع والتكتيكات السياسية، والتي ستسارع كل الأطراف اعتمادها قريباً ضد بعضها البعض كنتيجة حتمية لانتشار حالة عدم اليقين، إلى حين فرض إحدى القوى الكبرى لمعادلتها للأمن الأقليمي بشكل مطلق، وهذا لايعني زوال لقوى أو دمار قوى أخرى، وإنما يعني ضبط إيقاع المنطقة بما يخدم مصالح وأجندات الطرف المستفيد على حساب ردود أفعال الأطراف الموجودة.

 

 

]]>
الشرق الأوسط تحت وطأة الصراع الثلاثي والمفتاح سورية https://casrlb.com/?p=961 Fri, 17 May 2019 14:22:49 +0000 http://casrlb.com/?p=961 الباحث مازن بكري

لا يزال الشرق الأوسط تلك الجغرافيا الملتهبة التي تتشابك فيها مصالح القوى المتجاورة وتتعارض أيضاً في كثير من الأحيان، فوجود دول فيه كانت في سابق عصرها إمبراطوريات ودولاً كبرى كلاً على حدى، جعل من الزمن الحاضر كسياق مستمر للماضي جملة معقدة من المطامح والتناقضات التي يُبنى على أساسها تحالف هنا أو مواجهة هناك، هذا بالإضافة إلى المتغيّر المربك في المنطقة وهو الكيان الإسرائيلي كلاعب جديد في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد تتصارع القوى الإقليمية في سعيها لبسط النفوذ في الشرق الأوسط، مستعينةً بكل الوسائل الممكنة من تحالفات بينية في الإقليم إلى تحالفات مع قوى كبرى خارجه، ولأنّ من يفرض سيطرته على هذه المنطقة يتحكّم بموازيين القوى على المستوى الدولي، سعت القوى الأساسية فيه (إيران – تركيا – السعودية) إلى فرض نموذجها ونظامها على كل الإقليم ضمن مسار إلغائي مسيطر يحمل في جوهره شكل ومضمون كل طرف من الأطراف، وبحكم الهوية الثقافية العامة لشعوب المنطقة والمبنية على العروبة والإسلام، اتّخذت نماذج السيطرة للقوى الأساسية ذات الصيغة، فاعتمدت الرياض مؤخراً اللعب على الانتماء العروبي، بينما اتجهت أنقرة نحو استخدام الإسلام السياسي السنّي، متمثلاً بالإخوان المسملين سبيلاً نحو التغلغل في الإقليم، وكذلك طهران بثورتها كإسلام سياسي شيعي.

إنّ الصراع بين القوى الثلاث، أي الإسلام السياسي الشيعي المتمثل بالنظام الإيراني، والإسلام السياسي السني المتمثل بالإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية، كان دائماً يحمل إصطفافاً وفصلاً سنياً شيعياً بين هذه القوى، بالإضافة إلى تباين في داخل الفصل السنّي الواحد مبني على القومية والأجندات السياسية بين السعودية وتركيا ما قبل عام 2010، بحيث تتصّدر السعودية قيادة العالم السنّي في محاولات دائمة لطيّ تركيا تحت جناح المملكة. وعلاقتهما مع الملف الفلسطيني أحد أهم الأمثلة، حيث تدعم تركيا حركة حماس وتدعم السعودية السلطة الفلسطينية للاستيلاء على كامل الملف الفلسطيني وطيّ حماس تحت جناح السلطة.

كذلك يشترك كل من جماعة الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بأجندة سياسية واحدة وهي دعم حركات الجهاد الإسلامي المسلح سواء الإرهابي منها كالقاعدة أو المقاومة كحماس. وبالرغم من شدة العداء بين هذه القوى السياسية في الشرق الأوسط وسعيها المستميت للتفّرد في السيطرة، إلا أنّ العلاقات البينية كانت تأخذ دائماً طابع “اثنين ضد الثالث”، أي التعاون الثنائي بين قوتين لمواجهة القوة الثالثة، وعلى هذه القاعدة دائماً ما كانت تحلم الجمهورية الإسلامية في إيران ببناء شراكة مع القوى الإخوانية في الشرق الأوسط لاستغلال هذه الشراكة في مواجهة السعودية، خاصة أنّ الإخوان المسلمين في نهاية المطاف نظام إسلام سياسي متطابق تماماً مع نظام الجمهورية الإيرانية من حيث الشكل والمضمون، بإستثناء الصبغة الطائفية.

وقد نجحت طهران بالفعل في بناء هذا التحالف المتين عام 2013 بعد الكثير من المحاولات، وهو تاريخ إستلام الرياض دفة إسقاط الأنظمة الإخوانية التي وصلت إلى السلطة بفعل الربيع العربي كمشروع أمريكي، والتي أعادت واشنطن الانقلاب عليه بثورات مضادة نتيجة لظهور العثمانية الجديدة وزيادة النفوذ الإيراني بدلاً من تقلصه (اليمن والحوثيين، مصر في عهد مرسي)، مما رشح السعودية والدول العربية التابعة لها لتصبح رأس الحربة ضد كلا المشروعين المتحالفين (الإسلامي الإخواني في تركيا وقطر، والثوري الإسلامي في إيران) متحالفة في سبيل ذلك مع الوكيل الأمريكي في المنطقة “الكيان الإسرائيلي”، والذي يشكّل سيطرة أيّة قوة من هذه القوى الثلاث على الشرق الأوسط مصدر قلق وجودي لمستقبل مشاريعه في المنطقة، وبالرغم من التنافس الذي لا مفرّ منه في أي مستقبل لكلّ من الكيان الإسرائيلي والمملكة السعودية إلا أنّ الدور الأمريكي، كراعي وحامي لكلَيهما، يعمل كضامن بينهما لسمتقبل كل جهة على حدى، ويسعى إلى صياغة وفرض اتفاقية السلام على هذا الأساس (صفقة القرن).

الدور السعودي الجديد الموكل من واشنطن دفع بالرياض إلى التخلّي عن جميع الحركات الإسلامية بشقّيها السياسي والجهادي، وهو ما سمح لإيران بإستغلال هذا الموقع الجديد بلعب دور دولي وإقليمي أكبر من المعتاد، وفي أحد أهم ساحات المواجهة (سورية)  فتحولت إلى دولة ضامنة جنباً إلى جنب مع تركيا وروسيا في أستانا نهاية عام  2016، بعد أن دعمت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب بالشراكة مع موسكو، كما استثمرت هذا التحالف لتحقيق غايات أوسع وأبعد من زيادة الدور الإقليمي والدولي، وذلك في مواجهة السعودية والكيان الإسرائيلي بطموحات وقدرات إيرانية تركية مشتركة، فقامت بفك الحصار الذي فرض على قطر مطلع حزيران 2017 بصفتها داعمة للإخوان المسلمين، وهو الحصار الذي كان مستحيلاً على الدوحة تحمّله لولا تدخل إيران الذي أسعف النظام الأميري في قطر، وعطّل مخطط إستهداف رئة الإخوان المسلمين، وزادت في مستوى دعم حركة حماس كذراع إخواني في مواجهة الكيان الإسرائيلي، وبالمقابل رفض تركي للالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران.

ومن جهة أخرى عملت كل من تركيا وإيران من خلال منصّة أستانا التي أحدثتها روسيا على إخراج الفصائل التابعة للسعودية من الملف السوري وذلك باستهدافها في محيط دمشق وفي الجنوب السوري من قبل الجيش السوري، بالتزامن مع انسحاب الفصائل التركية إلى الشمال بدون قتال، وخلخلة صفوف الفصائل السعودية في اتفاق استخباراتي عكسري إيراني تركي روسي مسبق.

ولا تزال إلى اليوم تشتد وطأة هذه المواجهة ضمن الساحة السورية في اصطفافاتها الإقليمية الجديدة إيران تركيا قطر من جهة، والسعودية والدول العربية التابعة لها مع الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، في حين تكمن المساعي الروسية لإعادة سورية إلى كنف المملكة العربية السعودية، وهو ما يتعارض مع موقف الحكومة السوري من التحالف الإيراني الذي بدوره يتعارض مع تحالف إيران مع الإخوان المسلمين كجماعة محظورة في سورية…!!

هذه المواجهات في الشرق الأوسط  تجعل كلاً من سورية والعراق أهمية كبيرة لكل الأطراف الثلاث، وبالأخصّ سورية ومستقبلها كدولة ولجهة اصطفافها ضمن هذا الصراع. وكل هذا يثير العديد من الأسئلة الجديّة حول الحكومة السورية وسياستها الخارجية، فهل مثلاً ترى نفسها مع تحالف الإسلام السياسي متمثلاً بإيران، وفي هذه الحالة عليها أن تقبل بتحالف حليفها مع ألد أعدائها وهم الأخوان المسملين وهم أيضاً يسيطرون على كل الشمال السوري ويسعون للسيطرة على شرقه؟ أم ترى الحكومة السورية نفسها ضمن مبادئها البعثية والعروبية ضمن البيئة العربية في كنف المملكة السعودية والتي تشترط أن تكون بعيدة عن إيران أو على الأقل أن لا تصطفّ معها في أيّة مواجهة بين طهران والرياض أو طهران والكيان الإسرائيلي؟

يبدو أنّ كلا الخيارين غير منطقي للقيادة السورية، فلا استمرارها مع إيران وقوى الإسلام السياسي سيحلّ مشكلة العداء الدائم للمملكة وللإخوان ولا سيحلّ مشكلة الحصار والعقوبات واليأس من أيّة عملية إعمار، وفي ذات الوقت العودة إلى الحضن السعودي يعني الارتماء لقرارات الرياض وإسرائيل والاعتراف غير المباشر بشرعية استيلاء الكيان الإسرائيلي على الجولان والدخول في مواجهة أشدّ شراسة مع الأخوان المتغلغلين في الداخل وتركيا الإخوانية التي تحتلّ شمال البلاد!!!

فهل يلعب الرئيس السوري دور بيضة القبّان أم ستستمر المماطلة ريثما تقع كارثة تمزيق سورية إلى مناطق نفوذ دائمة وإخراجها من دورها الجوسياسي؟ القادم من الأيام سيكشف الكثير من القرارات والخيارات في ما يتعلق بمستقبل المواجهات الشرق أوسطية!!!!

 

]]>