الحرس الثوري – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Sat, 20 Jul 2019 08:58:51 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 تقدير موقف: احتجاز ناقلة النفط البريطانية رد إيراني متوقع يغطّي عجز الدبلوماسية الأمريكية. https://casrlb.com/?p=1208 Sat, 20 Jul 2019 08:58:51 +0000 http://casrlb.com/?p=1208 أعلن الحرس الثوري الإيراني 19/07/2019، احتجاز ناقلة “ستينا إمبيرو” النفطية البريطانية في مضيق هرمز، التي تعود ملكيتها لشركة “ستينا بولك” السويدية، بينما احتجز ناقلة ثانية تحمل اسم “مسدار” في ذات اليوم، والتي تديرها شركة بريطانية وتحمل علم ليبيريا، قبل أن يعيد إطلاق سراحها بعد عدة ساعات فقط، ويأتي احتجاز الناقلتين تحت مبررات قوانين الملاحة الدولية، والتي تعتبر إيران أنّ الناقلتين قد خرقتا القوانين بنسب متفاوتة، لتُبقي على الأولى قيد الاحتجاز، وتطلق سراح الثانية.

ولم تُخفِ طهران أنّ الغاية الأساسية من العملية هي الرد على ما أسمته القرصنة البريطانية في مضيق جبل طارق، والتي أدت إلى احتجاز ناقلة “غريس-1” الإيرانية المبحرة تحت علم دولة بنما، والمتوجهة إلى سورية.

 

ويقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الاحتجاز الإيراني للناقلة النفطية، في إطار إظهار القوة الإيرانية أمام الدول الكبرى، والسعي نحو ترسيخ مصداقية عالية للقرارات والوعود التي تطلقها القيادة الإيرانية من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ تبعات عملية الاحتجاز ستعزز موقف واشنطن، ومبادرتها بتشكيل قوة بحرية مشتركة لتقويض النفوذ الإيراني في المضيق. وقد قدّر المركز سابقاً استمرار الاستفزاز المقصود لإيران للدفع نحو تشكيل القوة البحرية المشتركة، ضد ما تصفه واشنطن بالنشاط المزعزع للاستقرار في مضيق هرمز كجزء من تطور مسار المواجهة الإيرانية الأمريكية في الخليج، تحت تقديرات بعنوان: (أزمة استهداف الناقلات النفطية: طبيعتها-الأطراف المتورطة-مستقبلها)، (إسقاط الحرس الثوري طائرة أمريكية: إحباط سيناريو وإطلاق آخر).

وفي حين يأتي رد الفعل الإيراني تحت مبرر قانوني من النادر ما يتم تطبيقه بهذه الشاكلة عادةً، إلا أنّ العملية التي قامت بها إيران، كانت تهدف إلى زيادة وزن الكلمة في التصريحات الإيرانية، لتكون طهران طرفاً يفعل ما يقول دون تردد، ودون مواربة، الأمر الذي من شأنه أن يعزز تلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية تحت قيادته، ومن شأنه أيضاً أن يمتّن بنية الخطاب السياسي الإيراني على المستوى الداخلي، أمام الحرب الدعائية والإعلامية الأمريكية والإسرائيلية، وعلى المستوى الخارجي، نحو تشكيل هاجس للإدارة الأمريكية من مخاطر تجاوز أي خطوط حمراء تعلنها القيادة الإيرانية.

نجاح عملية الاحتجاز بكفاءة عالية ودون وقوع أي صدام مباشر، عزّز فعلياً الخطاب الإيراني وعلى المستويين السابقين، إلا أنّ السياق الكلي للمواجهة والذي تُعدّ عملية الاحتجاز جزءاً منه، هو سياق أمريكي بالمرتبة الأولى، انضوت بريطانيا به فيما بعد، ويرتكز هذا السياق على قياس سلسلة ردود الفعل واستجابتها المتوقعة من طهران على كل استفزاز أو عمل محفّز للاستجابة، بحيث توظف ردود الفعل الإيرانية لتشويه صوة طهران، بخطة معدّة مسبقاً، كتمظهر جديد لصراع الخير والشر في مخيلة الشعوب والدول الليبرالية، تُفضي في محصلتها إلى رصّ صفوف هذه القوى، خاصة بعد تراجع الدور الريادي لواشنطن في قيادة العالم الليبرالي، وتراجع مفعول وقدرة الدبلوماسية التقليدية الأمريكية في ظل الدبلوماسية الشعبوية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، بالتالي حدث احتجاز الناقلة النفطية البريطانية رد فعل متوقع من قبل القاصي والداني، يجعل مسار السياسة الإيرانية وطريقة معالجتها للاستفزازات، مسارًا مقروءًا وواضحًا للجميع، بحيث يمكن البناء عليه من قبل كل من واشنطن وحلفائها، ما يُعدّ أمراً سلبياً في ظل تفاوت القدرات العسكرية بين إيران من ناحية، ودول التحالف من ناحية ثانية.

أي أنّ النتيجة السياقية لاحتجاز الناقلة البريطانية، ستمكّن لندن وواشنطن من حصد دفعة قوية جديدة نحو تشكيل القوة البحرية المشتركة لحماية المضائق، بحيث تستطيع هذه الدفعة حسم التردد في المشاركة لدى الكثير من الدول كاليابان التي تؤيد حكومتها إرسال قطع بحرية عسكرية والمشاركة في حماية حرية الملاحة، وتواجه مخاوف من رد فعل الأحزاب المعارضة للحكومة، الأمر الذي سيعزز ميزان القوة الأمريكي في الخليج، بشكل فائق للردع، وكاسر لتوازن الرعب في المنطقة، بالتالي تحصد إيران محصلة ردود أفعالها في السياق العام بنتائج غير مرغوبة تشكل تهديدًا للأمن القومي الإيراني.

]]>
تقدير موقف: طرف ثالث خلف اغتيال نائب القنصل التركي في أربيل. https://casrlb.com/?p=1199 Thu, 18 Jul 2019 12:29:26 +0000 http://casrlb.com/?p=1199 أعلنت وزارة الخارجية التركية، عن مقتل أحد موظفي قنصليتها في مدينة أربيل العراقية، جراء هجوم بأسلحة مزودة بكواتم صوت على نائب القنصل التركي في أربيل، أثناء تواجده خارج مبنى القنصلية، في 17/07/2019، وهروب منفذي العملية، وقد نفى حزب العمال الكردستاني مسؤوليته عن الحادث، وفضل الجانب التركي انتظار نتائج التحقيق، وفي هذا السياق يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن الجريمة الواقعة في أربيل هي اغتيال سياسي، يهدف إلى جرّ الدول المعنية في هذا الاغتيال (تركيا-الولايات المتحدة الأمريكية) لردود أفعال وتبادل اتهامات مدروسة ومخطط لها مسبقاً، من قبل طرف ثالث، لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية على مستوى الملفات المستعصية في المنطقة.

 

يتضح من طريقة تنفيذ الاغتيال، أن العملية معدة مسبقاً ومخطط لها، وليست عملية جنائية عابرة، خاصة أن منفذي العملية لاذو بالفرار في أقل من دقيقتين بعد إطلاق النار على الدبلوماسي التركي، ما يشير إلى أن الاغتيال هو عملية استخباراتية بشكل بحت، نظّم وحضر له بدقة عالية من قبل جهاز استخباراتي تابعة لأحد دول المنطقة، ونفذ من قبل مجموعة مسلحة معادية لتركيا.

 

هوية الجهة المنفذة:

طبيعة الاستهداف ومكانه الجغرافي يرشح حزب العمال الكردستاني لأن يكون رأس الحربة والمنفذ لهذه العملية، إلا أن الحزب سارع لإخلاء مسؤوليته عن الحادث، في سلوك غير اضطراري من قبل حزب PKK””، والذي عادة يجاهر بإنجازاته العسكرية ضد تركيا في أثناء المواجهة بينهما.

وما يدفع إلى استبعاد حزب “PKK” كمنفذ، مساعي الحزب نفسه إلى تجنيب أربيل أي ضغط من الممكن أن يمارس عليها ويعزز الاتهامات ضدها، بغض النظر عن نشاط حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وبالتالي جرار عدو وفتح جبهة ضد البشمركة من الخلف، الأمر الذي من الممكن أن يضع قوات “PKK” في أزمة حقيقية وحصار خانق.

 

الجهة الأخرى المرشحة للعب هذا الدور هي القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في سورية، حيث ترفض قوات سورية الديمقراطية أي دور تصالحي مع تركيا، وتقف ضد الجهود الأمريكية في تحويل قوات سورية الديمقراطية إلى كيان صديق للأتراك،

وتبدي تخوفاً واضحة من استبدال القوات الأمريكية بقوات أوروبية في شرق سورية، كعامل ممكن أن يشجع بدء عملية عسكرية تركية في الشمال السوري، الأمر الذي يجعل من قوات سورية الديمقراطية أحد الأدوات الجاهزة والمناسبة لتنفيذ عملية الاغتيال.

 

هوية الجهة المخططة للاغتيال:

تعمل الجهة المخططة للعملية على جلب سلسلة من ردود الفعل كأثر ناتج عن الاغتيال، وتهدف من خلالها تعديل وضع الملفات في المنطقة، والضغط على سياسات الدول وأجنداتها بالنتيجة.

أهم الأهداف التي تسعى الجهة المخططة لتحقيقها:

  • تأزيم العلاقة الأمريكية التركية: وذلك على خلفية ملف دعم الأكراد في شرق سورية، بالتالي دفع أنقرة على مواجهة أمر واقع، بضرورة الرد على عملية الاغتيال، وإعادة تنشيط مقترح العملية التركية في الشمال السوري، خاصة بعد وصول منظومة إس-400 الروسية إلى تركيا، الأمر الذي سيعطل انسحاب القوات الأمريكية، وسيدخل العلاقة التركية الأمريكية في أزمة جديدة وتوتر متصاعد يضاف إلى التوتر الحالي.
  • إنهاء وعرقلة مسار التصالح الخليجي الإخواني: حيث تسعى أنقرة والرياض إلى إيجاد مخرج للأزمة فيما بينهما، والوصول إلى حلول وسطية بين الطرفين، وتخفيض من حدة المسار التصادمي، والذي يرخي بظلاله على كل من السودان وليبيا، من خلال توقيع الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير في السودان رغم هشاشته، والبيان السداسي لكل من (فرنسا وبريطانيا ومصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا) الداعي إلى وقف القتال حول العاصمة الليبية طرابلس، بالتالي تهدف الجهة المنفذة إلى عرقلة المسار التصالحي، من خلال إعادة ملف الدعم الإماراتي والسعودي لقوات سورية الديمقراطية في الشرق السوري إلى الواجهة.

 

  • عرقلة الجهود الأمريكية في تشكيل الناتو العربي: فمجرد عودة ملف الأكراد إلى الواجهة وانتهاء أي مساعي لمنع التصادم الخليجي الإخواني، سينتهي معها الأمل في تشكيل تحالف عسكري بين دول الخليج العربية، بسبب الأزمة الخليجية، وتعذر تجاوزها نحو أي نوع من أنواع التعاون العسكري، والهادف بالأصل إلى التصدي لإيران.

 

هذه النتائج المترتبة على عملية الاغتيال تضيّق دائرة الاتهام لتشمل إيران، والكيان الإسرائيلي، إلا أن ضلوع إيران خلف هذه العملية أمر مستبعد لسببين:

الأول: من جهة التخطيط والتنفيذ بسبب عدم قدرة إيران على الوصول إلى قوات سورية الديمقراطية وعقد مثل هكذا مخطط استخباراتي معها، ما يعني في مثل هذا السيناريو أن إيران في موقع المخطط والمنفذ للعملية على يد الحرس الثوري، والتي ستتطلب تنسيقاً مسبقاً مع حكومة أربيل، التي لا مصلحة لها بهذا النوع من الاتفاقيات، لحرف نتائج التحقيق نحو قوات سورية الديمقراطية، لحصد الأهداف المطلوبة.

الثاني: من جهة الآثار المترتبة مع النتائج المطلوبة، فليس من مصلحة طهران بأي شكل من الإشكال، ولا حتى من مصلحة الدولة السورية كحليف أساسي لإيران، الإبقاء على الوجود الأمريكي في سورية، وعرقلة استبداله بقوات أوروبية تتشارك معها علاقات جيدة نسبياً، كما أن إفقاد الولايات المتحدة الأمريكية القدرة على رأب الصدع الخليجي، والذي سيحتاج بطبيعته إلى وقت طويل نسبياً، سيدفع بواشنطن لتطبيق سيناريو أسرع وأكثر خطورة ضد طهران، والمتمثل بالقوات البحرية المشتركة لحماية الملاحة في مضيق هرمز، خاصة مع إعلان “برايان هوك” المبعوث الأمريكي لشؤون إيران عن اجتماعاً دولياً لبحث “مواجهة التهديد الإيراني” في منطقة الخليج.

 

ما يترك بالضرورة طرفاً وحيداً على قائمة الاتهام وهو الكيان الإسرائيلي، والتي تستطيع استخباراتها التواصل مع قوات سورية الديمقراطية بكل سهولة، إضافة إلى سعي الحكومة الإسرائيلية إلى عرقلة الانسحاب الأمريكي من سورية، بشتى الطرق والوسائل المتاحة، كما ترفض بشكل مطلق المبادرة الأمريكية بإنشاء ناتو عربي يملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي، وتشجع تشكيل قوات بحرية دولية لمواجهة طهران، كخيار أكثر أماناً من توحيد القوة العسكرية للعرب في محيطها، بظل الغياب الأمريكي، الأمر الذي يتطلب عملية اغتيال من هذا النوع ضد تركيا، لتواصل الحكومة الإسرائيلية فيما بعد العمل على تعميق الشرخ بين أنقرة وواشنطن من جهة، وبين أنقرة ودول الاتحاد الأوروبي مع مصر من جهة أخرى.

 

صحة هذا السيناريو والأطراف التي تقف خلفه مع أهدافها، تتعلق بشكل مباشر بنتائج التحقيق في عملية الاغتيال، وبالطرف الذي ستوجه له تركيا تهمة التنفيذ، بعد عدة أيام من الآن.

]]>
واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو!! https://casrlb.com/?p=968 Fri, 24 May 2019 08:47:49 +0000 http://casrlb.com/?p=968 صلاح النشواتي

لاتزال الإدارة الأمريكية تعيش أحلك لحظاتها في صراع مستمر وشرس لتحقيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، ساعية إلى تدمير أي قوة منافسة أو حضارة ناهضة ممكن أن تهدد التفوق أو التفرد الأمريكي على العالم، مستخدمة كل أنواع القوة وأشكالها في خدمة هذا الغرض، بحيث باتت تعرّف واشنطن مصالحها القومية بما يشمل أكثر من 90% من دول العالم بفضاءاتها الحقيقية والافتراضية -كمساحات للنشاط الجيوبولتيكي الأمريكي- والموزعة على شكل كتل أقليمية يتم ربطها بمعادلات للأمن الأقليمي ضمن الصيغة الأمريكية المفروضة، وذلك لضمان النفوذ والسيطرة على كل كتلة على حدى، ومع ظهور القوى الكبرى المنافسة للقوة الأمريكية، بدأت التكتلات الأقليمية بالتفكك بفعل تداخل مناطق النفوذ، ومحاولة الخصم فرض معادلته في الأقاليم التي يعتبرها مساحات نشاطه الجيبولتيكي الحقيقية، أي أنها مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى رابحها من يستطيع ربط أكبر عدد ممكن من الكتل الأقليمية بمصالحه القومية تحت منظار أمن قومي مشترك وواضح بمعادلات محكمة، وقد شكل الشرق الأوسط أحد أعقد هذه الأقاليم وأكثرها ألتهاباً وتداخلاً، فبالنظر إلى أهمية موقعه ومزاياه الجيوسياسية من ناحية الإشراف على أهم طرق الملاحة البحرية، أو من ناحية الثروات الطبيعية والتنوع البيئي، يدرك أن من يفرض معادلته الأمنية يربح المنطقة لصالحه، ويرتكز بها للوصول إلى مناطق أخرى، في مسعى للتوسع بأشكاله المعاصرة المختلفة.

هذه القواعد هي التي تضبط آليات الصراع الراهن في الشرق الأوسط، وتتحكم في اتجاهه بين قواه الأقليمية و تأثير القوى الكبرى، ومما لا شك فيه أن الجهود الروسية في تجنب أي مواجهات أو استنزاف هنا أو هناك بلغت أوجها شهر نيسان الماضي، حيث توجه لافرنتييف لعرض صفقة مع الرياض حول مستقبل سورية في محورها العربي التي يجب أن تعود إليه بصفتها دولة عربية، أو تحمّل مواجهة سورية غريبة مقسمة بين إيران وتركيا، موجهاً من خلال هذه المبادرة دعوة لواشنطن للتفاهم من جديد بعد أن استعصى الوضع في سورية كمفتاح لأمن الشرق الأوسط وترتيب اصطفافاته، والذي مالبث أن اشترط الرئيس الأسد على لافرنتييف بدء عملية تحرير إدلب كإعلان لصدق النوايا السعودية، ومن ثم يتم فتح ملف التمويل الخليجي للأكراد، في حال أردات السعودية حقاً عودة سورية إلى الخط العروبي.

المبادرة الروسية التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي لاقت استحساناً أمريكياً، ففي نهاية المطاف تسعى واشنطن إلى تطويق إيران في المنطقة وفرض الصيغة الأمريكية الأمنية، وجعل روسيا جزء من هذه الصيغة أو المعادلة في الشرق الأوسط، وبما أن المبادرة تضمن تحييد سورية عن أي مواجهة مع إيران ضد القوات الامريكية أو ضد حليفتها إسرائيل، فلا مشكلة في إطلاق عملية إدلب بتفاهم روسي أمريكي، شرط أن تنحصر حدود هذه العملية على تأمين محيط القاعدة الروسية في سورية والتي تتعرض للقصف بشكل مستمر من فصائل تديرها الاستخبارات الأمريكية، مقابل نأي البيت الأبيض بنفسه مع مسرحياته الكيميائية جانباً.

في هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحضر خدعة جديدة في الخليج بعد ضمان انشغال روسيا والجيش السوري بمعارك طاحنة في إدلب، حيث عملت على رفع التوتر والتصعيد بشكل كبير في المياه الخليجية، وزادت قواتها في المنطقة تحت ذريعة أخطار إيرانية محدقة على المصالح الأمريكية وحلفائها، ليظن الجميع أن هناك معركة قادمة لامحالة، أو على الأقل مواجهة محدودة هنا أو هناك، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية في استهداف السفارة الأمريكية في بغداد وقبلها استهداف سفن تجارية في ميناء الفجيرة الإماراتي و استهداف أنابيب نفط سعودية بغض النظر أيها الملفق لإيران وإيها حقا قامت به القوات الحليفة لها، ما خلق جرعة كبيرة من الخوف والوقوف الحرفي على الهاوية، وفي حين تعمل واشنطن على طرح التفاوض مع الإيرانيين، إلا أن هذا الطرح ليس إلا ورقة إنتخابية لترامب في حال انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية، أما الهدف الأساس من كل هذا التصعيد هو البدء بإطلاق المعادلة الأمريكية للأمن الأقليمي، ليس التفاوض ولا حتى الحرب، وذلك من خلال البدء بتنفيذ إجراءات صفقة القرن دون الإعلان عن طبيعة هذه الإجراءات أو ارتباطها بالصفقة من جهة، وإعلان قمة عسكرية تعيد صياغة القوى العربية في تحالف قومي جديد يشكل الضامن العسكري والأمني للمعادلة الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يعيق (بالشراكة مع الحصار والعقوبات) تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في حال الانسحاب الأمريكي نحو الصين.

ولضمان نجاح التطبيق العملي للمعادلة الأمنية الأمريكية كان لابد من الحرص على تدمير الصيغة الثلاثية لاستانا (إيران-تركيا-روسيا) بشكل كامل، كونها تشكل نواة حقيقية للمعادلة الأمنية الروسية، فقامت واشنطن سابقاً بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لقطع علاقاته مع الإخوان المسلمين، ولتطويق جهوده في العراق، وبدأت بزرع بذور الشقاق بين طهران وموسكو بعد ذلك من خلال التفاهمات لاحقة، وقد ظهر مفعول ذلك جلياً بعد تصريح الرئيس بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني وتحميل إيران المسؤولية في حال الانسحاب منه، إضافة إلى الإعلان غير المباشر بتخلي موسكو عن طهران في هذه الحالة، حيث عبر عن ذلك الرئيس الروسي بقوله: “روسيا ليست فريق إطفاء حرائق”.

وفي الطرف المقابل عملت واشنطن على إعادة تسليم غرفة قيادة العمليات في إدلب لتركيا، بعد أن كانت تخضع للاستخبارات الأمريكية في مقابل اتفاق سابق فاشل يتعلق بدخول تركيا إلى الشرق السوري بعد استبدال النفوذ الأمريكي-التركي بين إدلب وشرق الفرات، لتكون بالمحصلة قد أخلت مسؤوليتها أمام التفاهمات مع موسكو، وجعلت من تركيا رأس حربة تهدد مسار العمليات العسكرية في إدلب وتهدد أيضاً أمن القاعدة الروسية في حميميم، خاصة بعد مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق على حساب أنقرة وطهران، لتتحول بعدها إدلب إلى عملية استنزاف لكل الأطراف بلا استثناء في مسعى أمريكي لإضعاف الجميع، وساحة إشغال كبيرة تمارس من خلالها الإدارة الأمريكية كل أنواع الابتزاز السياسي والدبلوماسي بغية فكفكة أي تعاون أوروبي روسي جديد في الشرق الأوسط، متذرعة باستخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب ورمي الإتهامات المفبركة هنا وهناك، ما يتيح للإدارة الأمريكية نكز الجرح الأوروبي المرتبط بقضية اغتيال العميل السوفييتي السابق سكريبال في سالزبوري البريطانية باستخدام سلاح كيميائي، والتحريض ضد روسيا وسورية في الداخل الأوروبي.

مجمل هذه الأحداث والوقائع والتي تبدو عشوائية هي تفاصيل بمجموعها تشكل الصورة الكاملة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية، وتتلخص هذه الصورة بفرط الوحدات المكونة للأقليم في الشرق الأوسط وإعادة ترتيبها على قاعدة معادلة الأمن الأقليمي الأمريكية، مع الحرص على تحويل روسيا إلى جزء من هذه المعادلة لتقويض نفوذها وتسييره بالضرورة لخدمة أهداف ذات المعادلة، والمفاتيح الأخيرة التي تسمح بإطلاق المعادلة هي الحدود العراقية-السورية، حيث سيتركز كل الضغط الأمريكي القادم عليها، بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وتحويل العراق إلى بيئة وعرة لطهران، بعد استهداف العلاقة بين كل من إيران وتركيا.

هذه التكتيكات الجديدة نوعاً ما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية تعد مؤشراً مهماً على فهم ترامب حدود الأسلحة الاقتصادية كالعقوبات والفصل الاقتصادي للدول من الشبكات الدولية، حيث كان يعتقد في السابق أنها أسلحة كافية لربح أي مواجهة وتدمير أي خصم، ليتضح له فيما بعد أنها لازمة ولكن غير كافية بعد أن أهمل السياسة والخدع السياسية في العلاقات الدولية لصالح الوقاحة والتصريحات الشعبوية، وتعتبر الخلافات الداخلية في البيت الأبيض من جهة، وبين البنتاغون والخارجية من جهة أخرى، أحد المظاهر الخادعة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لتشويش الصورة الكلية التي تعمل على تركيبها، وأيضاً لخداع الخصوم حول أجنداتها والتي كان ترامب قد كشف أغلبها كنوع من التحدي الشعبوي أمام دول العالم في القدرة على تحقيقها وهي مكشوفة بالمطلق.

بالمحصلة نحن أمام مزيد من التصعيد والتلاعب السياسي، وبما لا شك فيه نحن أمام حقبة جديدة من الخداع والتكتيكات السياسية، والتي ستسارع كل الأطراف اعتمادها قريباً ضد بعضها البعض كنتيجة حتمية لانتشار حالة عدم اليقين، إلى حين فرض إحدى القوى الكبرى لمعادلتها للأمن الأقليمي بشكل مطلق، وهذا لايعني زوال لقوى أو دمار قوى أخرى، وإنما يعني ضبط إيقاع المنطقة بما يخدم مصالح وأجندات الطرف المستفيد على حساب ردود أفعال الأطراف الموجودة.

 

 

]]>
الشرق الأوسط تحت وطأة الصراع الثلاثي والمفتاح سورية https://casrlb.com/?p=961 Fri, 17 May 2019 14:22:49 +0000 http://casrlb.com/?p=961 الباحث مازن بكري

لا يزال الشرق الأوسط تلك الجغرافيا الملتهبة التي تتشابك فيها مصالح القوى المتجاورة وتتعارض أيضاً في كثير من الأحيان، فوجود دول فيه كانت في سابق عصرها إمبراطوريات ودولاً كبرى كلاً على حدى، جعل من الزمن الحاضر كسياق مستمر للماضي جملة معقدة من المطامح والتناقضات التي يُبنى على أساسها تحالف هنا أو مواجهة هناك، هذا بالإضافة إلى المتغيّر المربك في المنطقة وهو الكيان الإسرائيلي كلاعب جديد في المنطقة.

وفي خضم هذا المشهد تتصارع القوى الإقليمية في سعيها لبسط النفوذ في الشرق الأوسط، مستعينةً بكل الوسائل الممكنة من تحالفات بينية في الإقليم إلى تحالفات مع قوى كبرى خارجه، ولأنّ من يفرض سيطرته على هذه المنطقة يتحكّم بموازيين القوى على المستوى الدولي، سعت القوى الأساسية فيه (إيران – تركيا – السعودية) إلى فرض نموذجها ونظامها على كل الإقليم ضمن مسار إلغائي مسيطر يحمل في جوهره شكل ومضمون كل طرف من الأطراف، وبحكم الهوية الثقافية العامة لشعوب المنطقة والمبنية على العروبة والإسلام، اتّخذت نماذج السيطرة للقوى الأساسية ذات الصيغة، فاعتمدت الرياض مؤخراً اللعب على الانتماء العروبي، بينما اتجهت أنقرة نحو استخدام الإسلام السياسي السنّي، متمثلاً بالإخوان المسملين سبيلاً نحو التغلغل في الإقليم، وكذلك طهران بثورتها كإسلام سياسي شيعي.

إنّ الصراع بين القوى الثلاث، أي الإسلام السياسي الشيعي المتمثل بالنظام الإيراني، والإسلام السياسي السني المتمثل بالإخوان المسلمين، و المملكة العربية السعودية، كان دائماً يحمل إصطفافاً وفصلاً سنياً شيعياً بين هذه القوى، بالإضافة إلى تباين في داخل الفصل السنّي الواحد مبني على القومية والأجندات السياسية بين السعودية وتركيا ما قبل عام 2010، بحيث تتصّدر السعودية قيادة العالم السنّي في محاولات دائمة لطيّ تركيا تحت جناح المملكة. وعلاقتهما مع الملف الفلسطيني أحد أهم الأمثلة، حيث تدعم تركيا حركة حماس وتدعم السعودية السلطة الفلسطينية للاستيلاء على كامل الملف الفلسطيني وطيّ حماس تحت جناح السلطة.

كذلك يشترك كل من جماعة الإخوان المسلمين والمملكة العربية السعودية بأجندة سياسية واحدة وهي دعم حركات الجهاد الإسلامي المسلح سواء الإرهابي منها كالقاعدة أو المقاومة كحماس. وبالرغم من شدة العداء بين هذه القوى السياسية في الشرق الأوسط وسعيها المستميت للتفّرد في السيطرة، إلا أنّ العلاقات البينية كانت تأخذ دائماً طابع “اثنين ضد الثالث”، أي التعاون الثنائي بين قوتين لمواجهة القوة الثالثة، وعلى هذه القاعدة دائماً ما كانت تحلم الجمهورية الإسلامية في إيران ببناء شراكة مع القوى الإخوانية في الشرق الأوسط لاستغلال هذه الشراكة في مواجهة السعودية، خاصة أنّ الإخوان المسلمين في نهاية المطاف نظام إسلام سياسي متطابق تماماً مع نظام الجمهورية الإيرانية من حيث الشكل والمضمون، بإستثناء الصبغة الطائفية.

وقد نجحت طهران بالفعل في بناء هذا التحالف المتين عام 2013 بعد الكثير من المحاولات، وهو تاريخ إستلام الرياض دفة إسقاط الأنظمة الإخوانية التي وصلت إلى السلطة بفعل الربيع العربي كمشروع أمريكي، والتي أعادت واشنطن الانقلاب عليه بثورات مضادة نتيجة لظهور العثمانية الجديدة وزيادة النفوذ الإيراني بدلاً من تقلصه (اليمن والحوثيين، مصر في عهد مرسي)، مما رشح السعودية والدول العربية التابعة لها لتصبح رأس الحربة ضد كلا المشروعين المتحالفين (الإسلامي الإخواني في تركيا وقطر، والثوري الإسلامي في إيران) متحالفة في سبيل ذلك مع الوكيل الأمريكي في المنطقة “الكيان الإسرائيلي”، والذي يشكّل سيطرة أيّة قوة من هذه القوى الثلاث على الشرق الأوسط مصدر قلق وجودي لمستقبل مشاريعه في المنطقة، وبالرغم من التنافس الذي لا مفرّ منه في أي مستقبل لكلّ من الكيان الإسرائيلي والمملكة السعودية إلا أنّ الدور الأمريكي، كراعي وحامي لكلَيهما، يعمل كضامن بينهما لسمتقبل كل جهة على حدى، ويسعى إلى صياغة وفرض اتفاقية السلام على هذا الأساس (صفقة القرن).

الدور السعودي الجديد الموكل من واشنطن دفع بالرياض إلى التخلّي عن جميع الحركات الإسلامية بشقّيها السياسي والجهادي، وهو ما سمح لإيران بإستغلال هذا الموقع الجديد بلعب دور دولي وإقليمي أكبر من المعتاد، وفي أحد أهم ساحات المواجهة (سورية)  فتحولت إلى دولة ضامنة جنباً إلى جنب مع تركيا وروسيا في أستانا نهاية عام  2016، بعد أن دعمت أردوغان في التصدي لمحاولة الانقلاب بالشراكة مع موسكو، كما استثمرت هذا التحالف لتحقيق غايات أوسع وأبعد من زيادة الدور الإقليمي والدولي، وذلك في مواجهة السعودية والكيان الإسرائيلي بطموحات وقدرات إيرانية تركية مشتركة، فقامت بفك الحصار الذي فرض على قطر مطلع حزيران 2017 بصفتها داعمة للإخوان المسلمين، وهو الحصار الذي كان مستحيلاً على الدوحة تحمّله لولا تدخل إيران الذي أسعف النظام الأميري في قطر، وعطّل مخطط إستهداف رئة الإخوان المسلمين، وزادت في مستوى دعم حركة حماس كذراع إخواني في مواجهة الكيان الإسرائيلي، وبالمقابل رفض تركي للالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران.

ومن جهة أخرى عملت كل من تركيا وإيران من خلال منصّة أستانا التي أحدثتها روسيا على إخراج الفصائل التابعة للسعودية من الملف السوري وذلك باستهدافها في محيط دمشق وفي الجنوب السوري من قبل الجيش السوري، بالتزامن مع انسحاب الفصائل التركية إلى الشمال بدون قتال، وخلخلة صفوف الفصائل السعودية في اتفاق استخباراتي عكسري إيراني تركي روسي مسبق.

ولا تزال إلى اليوم تشتد وطأة هذه المواجهة ضمن الساحة السورية في اصطفافاتها الإقليمية الجديدة إيران تركيا قطر من جهة، والسعودية والدول العربية التابعة لها مع الكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، في حين تكمن المساعي الروسية لإعادة سورية إلى كنف المملكة العربية السعودية، وهو ما يتعارض مع موقف الحكومة السوري من التحالف الإيراني الذي بدوره يتعارض مع تحالف إيران مع الإخوان المسلمين كجماعة محظورة في سورية…!!

هذه المواجهات في الشرق الأوسط  تجعل كلاً من سورية والعراق أهمية كبيرة لكل الأطراف الثلاث، وبالأخصّ سورية ومستقبلها كدولة ولجهة اصطفافها ضمن هذا الصراع. وكل هذا يثير العديد من الأسئلة الجديّة حول الحكومة السورية وسياستها الخارجية، فهل مثلاً ترى نفسها مع تحالف الإسلام السياسي متمثلاً بإيران، وفي هذه الحالة عليها أن تقبل بتحالف حليفها مع ألد أعدائها وهم الأخوان المسملين وهم أيضاً يسيطرون على كل الشمال السوري ويسعون للسيطرة على شرقه؟ أم ترى الحكومة السورية نفسها ضمن مبادئها البعثية والعروبية ضمن البيئة العربية في كنف المملكة السعودية والتي تشترط أن تكون بعيدة عن إيران أو على الأقل أن لا تصطفّ معها في أيّة مواجهة بين طهران والرياض أو طهران والكيان الإسرائيلي؟

يبدو أنّ كلا الخيارين غير منطقي للقيادة السورية، فلا استمرارها مع إيران وقوى الإسلام السياسي سيحلّ مشكلة العداء الدائم للمملكة وللإخوان ولا سيحلّ مشكلة الحصار والعقوبات واليأس من أيّة عملية إعمار، وفي ذات الوقت العودة إلى الحضن السعودي يعني الارتماء لقرارات الرياض وإسرائيل والاعتراف غير المباشر بشرعية استيلاء الكيان الإسرائيلي على الجولان والدخول في مواجهة أشدّ شراسة مع الأخوان المتغلغلين في الداخل وتركيا الإخوانية التي تحتلّ شمال البلاد!!!

فهل يلعب الرئيس السوري دور بيضة القبّان أم ستستمر المماطلة ريثما تقع كارثة تمزيق سورية إلى مناطق نفوذ دائمة وإخراجها من دورها الجوسياسي؟ القادم من الأيام سيكشف الكثير من القرارات والخيارات في ما يتعلق بمستقبل المواجهات الشرق أوسطية!!!!

 

]]>