البيئة – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Tue, 21 May 2019 10:56:47 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 ورقة عمل بحثية حول العلاقات الصينية السورية وآفاقها. https://casrlb.com/?p=964 Tue, 21 May 2019 10:52:06 +0000 http://casrlb.com/?p=964 أنجزت هذه الورقة وأرسلت في تاريخ 15/11/2018 ونشرت في 21/05/2019

 صلاح النشواتي

 

كيف تنظر الحكومة السورية لدور الصين ، وسياسة الصين في سوريا ؟

دائماً ما كانت تشكل الصين بتجربتها ومزاوجتها بين الأنظمة (الشيوعية-الرأسمالية) نموذجاً تسعى إليه الحكومة السورية بقوة، فالصين بالنسبة للحكومة السورية هي تجربة سياسية رائدة على المستويين الداخلي والخارجي، وتنظر إلى الدور الصيني بشكل عام على أنه دور فعال لكنه محدود بذات الوقت، حيث أن الصين تبتعد عادة عن الأزمات الجيوسياسية وعن الصراعات المعقدة كحال الأزمة السورية، كما تعلم الحكومة السورية أن مبدأ الصين الرئيس في السياسة الخارجية هو الاقتصاد قبل كل شيء، حيث أن الاقتصاد هو مولد السياسات في الصين الداخلية منها والخارجية، وتتدخل السياسة فقط لتزيل العقبات الاقتصادية -بغض النظر عن نوعها- سواءً على المستوى الأقليمي أم على المستوى الدولي، لذلك فإن رهان الحكومة السورية على الصين وعلى الدور الصيني هو رهان محدود، بحيث أن هذا الدور هو مفائل وضروري للحكومة السورية التي يسعى الغرب لتدميرها وتقويضها، إلا أنه مضبوط بمحركات ودوافع اقتصادية، وتوجه سورية شرقاً قد يحرمها فرصة التطور أو المنافسة أمام الانتاج الهائل والمتنوع في الصين، وهو مايشكل نوعاً ما عقدة يجب حلها بالنسبة للحكومة السورية، وبكل تأكيد فإن الحكومة السورية لاتفكر في أن تكون منافس للاقتصاديات الشرقية ولكن لا ترغب أيضاً في أن تكون سوق تصريف ومجتمع إستهلاكي فقط، لذلك تسعى الحكومة السورية لإيجاد بدائل يمكن تقديمها للصين مقابل زيادة فعالية الدور الصيني في سورية بما يؤمن إعمارها، وعودتها إلى سكة النمو الاقتصادي وتحقيق تنمية مستدامة في البنى الاقتصادية السورية.

كما تعتبر الحكومة السورية التعاون الأمني والاستخباراتي الموجود حالياً بين البلدين هو تعاون مهم وضروري لكلا البلدين، خاصة أن بعض الإرهابيين في سورية وأخطرهم ينحدرون من أقاليم صينية ومن أقليم شينغيانغ على وجه التحديد، والذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد إلى تصدير أزمة جيوسياسية إلى ذلك الأقليم بصفته العصب الحيوي للمشاريع الاقتصادية التجارية الصينية الدولية، وتحاول الحكومة السورية من هذا المنطلق التأسيس لعلاقة أكثر متانة بين الدولتين، بما يخدم مبادئ كل من بكين ودمشق على حد سواء.

 

 

 

ما الذي يمكن أن تفعله الصين في سوريا ؟

ما التوقعات والمقترحات والنصائح التي يمكن تقديمها للصين سواء في مجالات مكافحة الارهاب والتعاون مع سورية أمنيا واقتصاديا ؟

 

مما لاشك فيه أن الصين تسعى بشكل واضح إلى تعزيز النظام الدولي القائم على الليبرالية والتنمية والتطوير، وتسعى أيضاً إلى مشاركة أنتاجها وتوسيع حصتها في سوق التجارة العالمي، وطريق الحرير الجديد أحد تجليات هذه الرؤية، ولكن واقع الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف من سيطرة صينية على التجارة ومن زيادة ثقل الاقتصاد الصيني، بما يحول الصين لقطب دولي منافس أو حتى يفوق الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك أطلقت أمريكا في استراتيجيتها الجديدة نمط جديد ونظرة جديدة تجاه الصين، وهي نظرة الخصم، هذه النظرة يقوم عليها الكثير من التداعيات التي تهدف إلى كبح وتيرة النمو الصيني واستغلال نقاط الضعف، وقلب أو عكس اتجاه التوسع الصيني إلى انكماش حاد، ووسائل الضغط في السياسية الأمريكية الجديدة تكمن في أمرين رئيسيين:
الأول: افتعال أزمات جيوسياسي بالمحيط الصيني وقطع أو إعاقة حركة البضائع في المحيط الأقليمي (براً وبحراً)

الثاني: يكمن في شن حرب اقتصادية ضاغطة وكبيرة بفرض رسوم والتعامل على أساس سرقة حقوق الملكية.

 

هذه الوسائل تفرض على الصين إعادة النظر في سياساتها الخارجية وحتى في أدوات العمل لتطبيق استراتيجية طريق الحرير، فبالرغم من أن الصين لا تتدخل في الأزمات الجيوسياسية، إلا أن الاقتصاد هو مولد هذا التدخل في هذه المرة، فبمجرد استحضار أزمة بحر الصين الجنوبي، وملف بورما، وملف الأويغور، يتضح جلياً أن الهدف هو منع الصين من الاستخدام المستقر لطرق بحرية وبرية للنقل التجاري، وإغراقها بفائضها، وخلق كساد في الاقتصاد الصيني، يمهد لهبوط نسب النمو وتقليل عدد المشاريع التنموية، لكي لا تستطيع الصين زيادة نفوذها في دول جديدة على أقل تقدير.

 

من هذا المنطلق وعلى ذات الدوافع يمكن صياغة علاقة (صينية-سورية) ثنائية تكون نموذجاً جديداً للصين في إدارة علاقاتها من جهة، وإدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وحتى تعزيز الشراكات الاستراتيجية كالشراكة مع روسيا.

حيث يجب على الصين من خلال توسعها وامتدادها في القارة الآسيوية وصولاً لباقي قارات العالم القديم مراعاة أمر غاية في الأهمية، ألا وهو المساحة الكبيرة و عدد الدول التي تمر بها، أي أن زيادة طول الأذرع بعيداً جداً عن المركز يسهل على الولايات المتحدة الأمريكية استهدافها أو التهديد بقطعها، من خلال تفجير أزمة هنا أو حرب هناك على امتداد هذا الطريق، ومن هنا من الأفضل أن يكون التوسع الصيني توسعاً لا مركزياً، يعمل بمبدأ مغاير لبمبدأ المركز والأطراف، والتي يمكن أن تكون المركز ومراكز الوصل أو مراكز الثقل، بحيث يكون هذا التوسع والامتداد مصحوب بحضور صيني سياسي قوي في تلك الدول، والسعي لتوجيه مسار التنمية بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في داخل الدول، وتكون مراكز الثقل هي بمثابة صين أخرى، بالتخزين والانتاج والتصدير،

وهو ما يفرض معايير جيوسياسية على مراكز الثقل أهمها أن تتمتع هذه المراكز بالقدرة على الربط بين طريق الحرير البري والطريق البحري كرافد أحتياطي ومعمل سريع التوصيل ورخيص الإنتاج، إضافة إلى توافر مصادر الطاقة الخاصة بها.

 

هذه المعايير يمكن أن تتوفر في سورية، والتي يمكن للصين أن تعتمد سورية كوصل بين القارات الثلاث ووصل الطريق البري بالبحري، لتكون بذلك سورية واجهة صينية للمتوسط ومركز ثقل لطريقي الحرير، بالتالي يمكن صياغة مجموعة من المصالح المتبادلة التي تصبح في نهاية المطاف مصلحة واحدة مشتركة، عوضاً عن إتاحة المجال لتكون سورية هي أرض انطلاق الأزمات والتهديد للطرق والمشاريع الصينية بمختلف الوسائل.

ومن المهم الإشارة إلى أن تنويع الطرق ومراكز الثقل تلعب دوراً مهماً في استقرار الخطوط الرئيسية حيث لافائدة من محاولة افتعال أزمات فيها طالما أن البدائل على القيد العمل في الأساس، على سبيل المثال أي أزمة ممكن أن تحدث في البحر الأحمر بين مصر والسودان والذي مرده للخلاف التركي الخليجي، يعني فرصة لواشنطن بعرقلة الحركة وزيادة نفوذها في المنطقة.

 

المصالح الصينية-السورية المشتركة:

أولاً: الموارد الطبيعية:

سورية بلد غني بالموارد الطبيعية، وهو أمر يجب أن تهتم الصين به جيداً، حيث أحد أكبر المشاكل التي ستعاني منها مستقبلاً هي انعدام تجدد الموارد الطبيعية في الصين نتيجة حجم الانتاج الضخم والاستهلاك الكبير للمواد الأولية بسرعة أكبر من تجديد هذه الموارد نفسها، وهو مايحتم البحث المسبق عن حلول لواقع الصين الحالي قبل أن تصبح هذه المشاكل مستحيلة الحل، بالتالي سورية بغناها بالموارد الطبيعية تشكل نموذجاً مهماً للصين من خلال اعتمادها كمركز ثقل كما ذكرنا سابقاً، وهو بحد ذاته مايمكن سورية من استغلال هذه الموارد وحمايتها من الهدر غير الفعال وتطويرها بأحدث الوسائل.

 

ثانياً: الطاقة:

من أهم الشروط لمراكز الثقل هو وجود مصادر طاقة ذاتية قادرة على إطلاق الصناعات الثقيلة وتغذيتها دون الحاجة إلى مصادر خارجية، كنوع من الأمن الطاقوي للأنتاج والتجارة، وهو شرط موجود في سورية ويمكن العمل عليه بحيث تستطيع التكنلوجيا الصينية تحقيق زيادة في الانتاج بما يخص الطاقة، بالإضافة إلى تنوع مصادر الطاقة من الغاز والنفط والطاقات المتجددة (الشمسية والرياح) بحكم تنوع المناطق الجغرافية في سورية، وهو مايصب بمصلحة الدولتين.

 

ثالثاً: رخص اليد العاملة:

من أهم ميزات الصناعة الصينية هي انخفاض تكلفة الانتاج والذي يعد انخفاض أجور اليد العاملة أحد أهم أسباب ذلك، بالتالي هو شرط ضروري للحفاظ على القدرة التنافسية للسلع أمام الأسواق الأخرى، وهو شرط يتوفر في اليد العاملة السورية وأجور تشغيلها، مع فارق مهم وهو المسافة القريبة والمتساوية تقريباً بين القارات الثلاث، بالتالي بالنسبة لسورية خفض معدلات البطالة بشكل قياسي مقابل تشغيل خطوط الانتاج بأجور منخفضة.

 

رابعاً: التحويلات المالية وتطوير الأنظمة المصرفية:

القطاع المصرفي والقطاع المالي في سورية لايزال يعتمد بدرجة كبيرة على الطرق التقليدية في التحويلات والتعاملات، وذلك بسبب العقوبات الأمريكية التي حرمت سورية من الاستفادة من الأنظمة المتطورة في الدفع المالي والتحويلات المالية والذي يؤخر بدوره النمو والتطور، وهو ما تستطيع الصين توفيره بسهولة بمجرد ربط سورية بالبنك الآسيوي وحتى تصدير النماذج الصينية للدفع الألكتروني ذات الاستخدام الداخلي، مايسهل المعاملات البنكية والمالية بين كل من سورية والصين ويجعلها اكثر كفاءة وسرعة، ويعزز أيضاً وضع اليوان الصيني كعملة تبادلية دولية تستند إلى أصول سلعية بعيداً عن الدولار وأنظمته.

 

خامساً: العامل الأمني وتعزيز الأمن القومي الصيني والسوري:

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحويل سورية إلى مركز تصدير للمتطرفين الإسلاميين والذي يشكل الأويغور منهم نسبة ملحوظة، وهذا التصدير تعنى به آسيا الوسطى والصين بدرجة كبيرة كونه موجه ضدها، بالإضافة إلى الضغط على الصين بلمفات حقوق الأنسان من خلال البروبغندات الإعلامية كحال ملف أقليم مسلمين تشينغ يانغ الذي ظهر على السطح مؤخراً، بالتالي من مصلحة الصين رفع درجة التعاون الاستخباراتي والأمني في الفترة الحالية مع سورية، ومحاولة وأد هذه الحركات الأرهابية قبل انطلاقها من جديد بوجهات متختلفة قد تضر بالأمن القومي الصيني وتهدد كل مشاريعها الاستراتيجية، لذلك من الخطأ تجاهل أو استبعاد سورية من المشاريع الكبرى، لما لذلك من خدمة للمصالح الأمريكية في إيجاد بقعة جغرافية قادرة على تهديد الطرق التجارية بموقع جغرافي مميز، ويتم تصدير الإرهاب منها إلى آسيا الوسطى، في حين أن الصين تستطيع الاتفاق مع الحكومة السورية لتفريغ هذه الأداة الأمريكية من محتواها، حيث يمكن السماح للمسلمين الأويغور لدراسة المنهاج الإسلامية بالسفر حصراً إلى سورية، بالاتفاق مع الحكومة السورية، وإخضاع مايتم تدريسهم للرقابة، بحيث تحمي الوافدين من عمليات غسل الأدمغة أو التورط في شبكات إستخباراتية غربية، وبذات الوقت تخفيف الضغط عن ملف الأويغور في الصين والتي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأجيجه وخلق أزمة جيوسياسية منه، ويكمن التعاون الأمني والاستخباراتي المشترك من خلال تزويد سورية في المرحلة الراهنة بمستلزمات متطورة لمكافحة الإرهاب ودعم هذه العملية في المحافل الدولية، إضافة إلى تعاون ثقافي مشترك ينضوي تحته موضوع الدراسات الإسلامية بين سورية وأقليم شينغ يانغ، بالتالي نزع فتيل التطرف مسبقاً، وتمكين الصين من معرفة كيفية التعامل مع هؤلاء وكشف خلفياتهم الثقافية والدينية دون تعريضهم للضغط المباشر التي ستستثمره الاستخبارات الأمريكية، ومن هنا يمكن تحويل سورية إلى مركز تأهيل وسوق عمل في ذات الوقت بالنسبة لهؤلاء، مايحولهم من أزمة خطيرة تشعر بكين بالقلق الدائم حيالها، إلى عامل مساهم في تطوير المشاريع الصينية الاستراتيجية، في خطوة أفضل بأضعاف من تحييد الخطر فقط.

 

مما سبق يتضح أن أحد أهم وسائل مواجهة الصين لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخصم يكمن في إيجاد مراكز ثقل إضافية على طريق الحرير تعمل على تنويع الطرق وحماية التدفق السلس والدائم، بالإضافة إلى تلافي الأزمات الجيوسياسية المفتعلة، وهو ماتشكل سورية أحد أهم النماذج في مراكز الثقل على الكثير من المستويات (الجيوسياسية، الأمنية، الاقتصادية)، بحيث تصبح العلاقات الثنائية علاقة ذات طابع استراتيجي مشترك، وهو مايفتح الباب لتحقيق السلام الأقليمي القائم على الاعتمادية الدولية، كرؤية معززة لرؤية الأمن الجماعي الروسية، وهو مايمكن دراسته ببحث خاص يفصل كيفية تحويل سورية من منطقة صراع مشاريع ودول كبرى إلى منطقة حلول كبرى، بالإضافة إلى دراسة آلية تعامل الصين وسورية في إشكالية الوجود الأمريكي والتي تستطيع الصين بالشراكة مع سورية ورسيا إنهاء الشذوذ في هذا الملف.

 

 

 

]]>
النشواتي لسبوتنك: المواجهة الأمريكية الصينية تعيد صياغة الاستراتيجية الدولية للبيت الأبيض https://casrlb.com/?p=957 Mon, 20 May 2019 14:14:02 +0000 http://casrlb.com/?p=957

تدور حرب أمريكية سياسية دبلوماسية واقتصادية مع مجموعة من الدول الكبرى وفي مقدمتها روسيا والصين.

محور حديثنا اليوم عن الحرب التجارية الأمريكية الصينية، وإصرار واشنطن على مهاجمة الصين وكبح صعودها، لتعود من جديد وتحاول للحد من التمدد الروسي على الساحة العالمية لأن الولايات المتحدة تعي تماماً أنها غير قادرة على مواجهة قوتين عظميتين كروسيا والصين في آن واحد.

حول هذا الموضوع كان لبرنامج “ماوراء الحدث” حوار خاص مع  مدير”مركز الدراسات والأبحاث الإنتروستراتيجية” في بيروت الأستاذ صلاح النشواتي.

سبوتنيك: أستاذ صلاح أهلاً ومرحباً بكم

صلاح النشواتي: أهلاً ومرحباً بكم و”بسبوتنيك”

سبوتنيك: ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية من الصين؟ ولماذا كل هذه المواجهة مع بكين رغم أن بكين وليدة قواعد اللعبة الأمريكية الاقتصادية الدولية؟

النشواتي: مشكلة البيت الأبيض مع الصين ليس موضوع النمو الاقتصادي المستمر منذ 40 عاماً تقريباً، إنما مشاريع التنمية المستدامة التي أطلقتها الصين على مستوى استراتيجي، هذه المشاريع تستطيع تطويع الأموال والمبالغ المهولة التي تنتج من النمو المستمر، وتحويلها إلى مشاريع توسعية كبرى، فطريق الحرير ليس المشكلة المباشرة، على سبيل المثال للولايات المتحدة الأمريكية، بل النتائج التي ستترتب على نجاحه، حيث ستستطيع الصين حرفياً أن تصبح بنك العالم الجديد، أي أن المشكلة الأولى لواشنطن مع الصين هي في قدرة الصين على نزع سلاح العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأبد، أي تدمير الهيمنة الأمريكية وأحد أهم وسائلها بالكامل، مقابل سيطرة بكين على النظام الدولي بشكله الحالي أحادي القطبية بعد إزاحة واشنطن منه. أما المشكلة الثانية : فتكمن في نموذج الصين الشيوعي الرأسمالي والذي ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً خطيراً لنظامها الليبرالي، وتسعى إلى تصوير النظام الصيني على أنه نظام مشوه أو مسخ، وهو لاينتمي إلى الحضارة الغربية، ويجب الوقوف بوجه هذه النماذج من الأنظمة التي تستطيع الإستفادة من القواعد الرأسمالية لتجميع الأرباح والأموال، وفي ذات الوقت تستطيع السيطرة عليها والتحكم بحركتها وإتجاه تدفقها بالقرار السيادي للقيادة الصينية، والذي أدى بدوره إلى نشوء نوع جديد من الإستراتيجيات الدولية وهي الاستراتيجية الاقتصادية الدولية، كنتيجة طبيعية لشكل النظام الصيني، والذي يستطيع التحكم برؤوس الأموال وتوجهها، وهي خاصية لايسمح في الرؤية الأمبريالية للعالم أن تملكها إلا الولايات المتحدة الأمريكية، بالتالي لا تعلم واشنطن بعد كيفكة مواجهتها بالطريقة الفعالة. أي أن البيت الأبيض يخوض مواجهة جديدة لايعرف عنها شيئاً من قبل ويحاول حسم هذه المواجهة بالحرب التجارية وبوسائل أخرى أشد خطورة.

سبوتنيك: أنت تتحدث عن مواجهة تشكل أحد مظاهرها الحرب التجارية ما هي المظاهر الأخرى؟ يعني لو تعطينا صورة متكاملة عن كيفية وطبيعة هذه المواجهة؟

النشواتي: بالتأكيد، تواجه الولايات المتحدة الأمريكية الصين بثلاث طرق، الأولى هي الحرب التجارية والتي تسعى واشنطن من خلالها إلى تعديل الميزان التجاري بينهما بالقوة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أي ليس فقط الحد من حرية تدفق السلع الصينية إلى الأسواق الأمريكية من خلال فرض الرسوم والضرائب، بل أيضاً تحويل هذا التدفق لمصدر دخل بالنسبة للحكومة الأمريكية لتمويل نشاطاتها فيما بعد ضد الصين نفسها وضد الخصوم الآخرين للولايات المتحدة الأمريكية.

هذا النوع من الحروب خطير جداً وبالغ القسوة والتأثير، حتى أنه يفوق بتأثيره الحروب العسكرية، إنظر مثلاً إلى تأثير توقيع واحد من ترامب بفرض رسوم تبلغ 200 مليار دولار، هذه الرسوم تعادل نصف كلفة إعادة إعمار سوريا التي دخلت بحرب مدمرة منذ مدة أصبحت تقارب العقد من الزمن، وهي خسائر يتكبدها فعلياً الطرف الآخر، وبنفس الشاكلة توقيع الحكومة الصينية لفرض رسوم تبلغ 60 مليار دولار على البضائع الأمريكية.

بالرغم من الفائض في الميزان التجاري لصالح الصين بفارق كبير، إلا أن هذا الفارق يتحول إلى سلاح بيد واشنطن في الحروب التجارية، ومع ذلك الربح في هذه الحرب ليس بهذه السهولة، فعلى الولايات الأمريكية أن تبدأ بالإعتياد على غياب الخدمات الصينية الأساسية، كبدء الصين بالتوقف عن إستيراد القمامة من أمريكا لتدويرها، وأيضاً غياب السلع الرخيصة والتي تعطي قيمة مضافة لدخل الفرد الأمريكي وما لذلك من تبعات على دورة الإنتاج والإستهلاك في الإقتصاد الأمريكي، لذلك لايمكن أن تستمر هذه الحرب التجارية طويلاً، أو أن تأخذ أشكالاً تصعيدية بشكل أكبر (كإستخدام السندات الحكومية التي تملكها بكين ضد أمريكا والتي تبلغ 1.1تريليون دولار)، كون إقتصاد البلدين مرتبطين ببعضهما البعض، بحيث أي عملية تصعيد خطيرة في هذه الحرب ستهدد كلا الطرفين، يعني بالمحصلة هي ليست أكثر من أداة للضغط نحو التفاوض، ولكسب الوقت نحو تطبيق طرق أخرى يمكن أن تحتمل التصيعد في المواجهة دون الإضرار الكلي بالفاعل.

أما الطريقة الثانية: فتكمن في إفتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين، ومحاولة إفقاد الصين السيطرة والنفوذ على المجال الجيوسياسي المحيط بها، لإعاقة المشاريع الإستراتيجية الصينية البحرية والبرية، وقد بدأت هذه العملية منذ إفتعال أزمة الجزر المتنازع عليها مع الفلبين وقرار المحكمة الدائمة للتحكيم لصالح الفلبين، إلا أن ذلك لم يؤتي النتائج المطلوبة بسبب جنوح الرئيس الفلبيني نحو التحالف مع موسكو وتعزيز العلاقة معها، بينما تستمر واشنطن في ذات النهج من مينمار و توقيت تعويم قضية الروهينغا المسلمة التي تقطن الساحل المطل على خليج البنغال وهو الساحل التي تقوم فيه اليوم كل من القوات البحرية الأمريكية والفرنسية واليابانية والأسترالية بمنوارات عسكرية، إلى رفع درجة التوتر الهندي-الباكستاني حيث شهدنا مؤخراً حوادث خطيرة في هذا الشأن، وصولاً إلى إستخدام ملف حقوق الإنسان لإستهداف إقليم “شينغيانغ” ذي الأغلبية المسلمة والذي يعتبر الركيزة الجيوستراتيجية للمشاريع الصينية وصلة الوصل مع آسيا.

بالمحصلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية طريقة لرفع التوتر والتصعيد والتي بدورها ترفع كلف المشاريع الإقتصادية وكلف التأمين عليها، وتجعل من الدخول بتحالفات عضوية مع الصين كدولة مركز جديد أمر محفوف بالمخاطر والتهديدات.

الطريقة الثالثة: تكمن في سعي واشنطن لتسليح البيئة خدمة لمصالحها، فانسحاب دونالد ترامب من اتفاقية المناخ لم يكن أكثر من وسيلة لمواجهة الصين، فمن جهة يقوم بتوفير إستهلاك النفط لصالح الفحم الحجري الموجود بكثرة في أمريكا لتحقيق مكاسب إقتصادية أكبر، ومن جهة أخرى تعود أمريكا لتضغط على النظام البيئي للكوكب بشكل كامل، ما سيدفع المجتمع الدولي والدول المسؤولة عن الإنبعاثات الكربونية إلى الضغط على بعضها البعض للخفض السريع من ضخ الكربون في الجو، وسيتناسب هذا الضغط بالضرورة مع حجم أسواق الطاقة ونموها في العالم، وبما أن الصين هي أكبر هذه الأسواق فهي المعني الأول بهذا الضغط الناجم الذي يترجم بأعباء جديدة على الإقتصاد الصيني يعيق النمو ويؤثر بها، إضافة إلى أن الصين تعاني بالأساس من مشاكل نضوب الموارد المتجددة في بيئتها المحيطة وتسعى تعويض هذا الضغط على مواردها بالتوسع الجيوسياسي، وهو الأمر المتعذر القيام به في حال الإستمرار الأمريكي بمحاولة إفتعال وإدارة الأزمات الجيوسياسية ضد الصين.

هذه المواجهة التي تخوضها واشنطن ضد الصين للتمسك الأمريكي بالسطيرة على العالم، تثبت أن الإدارة الأمريكية تجاوزت شعار أمريكا أولاً إلى شعار الأحادية الأمريكية أو تدمير الكوكب والبشرية.

سبوتنيك: ألا يمكن للتحالف الصيني الروسي في هذه الحالة أن يزيل الضغوط على بكين في المواجهة الأمريكية سواء في الحد من قدرة واشنطن على افتعال الأزمات الجيوسياسية أو من خلال الغاز الروسي لمواجهة آثار استخدام البيئة كسلاح ضاغط على النمو الإقتصادي الصيني من قبل الإدارة الأمريكية؟

النشواتي:  كلام صحيح ولا غبار عليه، ومن هذه البوابة بالتحديد سعت بكين لتطوير علاقتها مع موسكو والإنتقال حتى إلى طور الشراكة الإستراتيجية، ومد أنابيب الطاقة والغاز كبديل صديق للبيئة، خاصة أن موسكو تعاني أيضاً من مشكلة إفتعال الأزمات الجيوسياسية مع واشنطن أيضاً، وتسعى نحو عالم متعدد الأقطاب، أي ثلاث قوى كبرى تسعى لأن تحقق أهدافها وطموحها، وبكين تعي تماماً إمكانية جذب موسكو لبناء تحالف إثنان ضد الثالث، ولكن المشكلة تكمن في الرؤية الروسية لعالم متعدد الأقطاب والرؤية الصينية بإستبدال الدور الأمريكي الأحادي بقيادة النظام الدولي بالدور الصيني.

ما سبق يعني أن موسكو في النهاية ترى كل من الرؤية الأمريكية والرؤية الصينية خطراً مستقبلياً على رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة حدة وشدة الإستقطاب الدولي نحو تغيير الإصطفافات والتحالفات غير المستقرة.

سبوتنيك: أفهم من حديثك أستاذ صلاح أن تحالف بكين موسكو ليس تحالفاً مستقراً؟

النشواتي: حتى أنني ما كنت لأسميه تحالفاً في ظل هذه الظروف بكل صراحة أكثر من ما أسميه تعاوناً وثيقاً لبناء تحالف، فالضغط المطبق من الصين على الولايات المتحدة الأمريكية سواء في الحرب التجارية أم في التحالف مع موسكو، جعل من الإدارة الأمريكية تعيد التفكير ملياً بالصيغة التي يجب عليها إتباعها، وسرعان ماوجدت نفسها تفاضل حتى على الإستراتيجية الأمريكية العامة أي إستراتيجيتهم الدولية، فلا مجال لمواجهة كل من موسكو وبكين معاً، بالتالي لابد من المفاضلة بينهما ودراسة أي دولة يجب أن يتم تدميرها والسيطرة عليها أولاً، وأي دولة ممكن تحمل الأضرار الناجمة عن التحالف معها بشكل أطول من الأخرى لتكون شريكة مؤقتة للمرحلة القادمة.

سبوتنيك: هذا يعني أنك تعتقد بأن البيت الأبيض قد أخضع الاستراتيجية الأمريكية لتعديلات غير معلنة؟

النشواتي: بالضبط هذا ما أتكلم عنه، هذه التعديلات جعلت من الإدارة الأمريكية تعمل بنصيحة كسينجر بالتحالف مع موسكو ضد بكين، على شاكلة التحالف مع السوفييت ضد النازية ومن ثم الإنقلاب عليهم، أو على شاكلة التحالف مع الصينين فيما بعد ضد السوفييت في عهد الرئيس نيكسون والآن تنقلب أمريكا على الصينيين أيضاً.

وتطبيق التحالف العملي مع موسكو ضد بكين يكمن في تحييد دور موسكو بالتصدي للجهود الأمريكية في افتعال الأزمات الجيوسياسية في محيط الصين الحيوي أو في مناطق نفوذها كفنزويلا مثلاً، والذي سبب التدخل الروسي بعرقلة مشروع البيت الأبيض وتعقد الأوضاع فيها، حتى يتسنى لواشنطن تطويق الصين بشكل جدي وتفكيك مشاريعها وبناها الإستراتيجية الحالية أو المستقبلية منها.

طبعاً مجرد تعديل الإستراتيجية الأمريكية العامة بهذا الشكل وقبل حتى إنتهاء الولاية الأولى لترامب يعني أن الإدارة الأمريكية تعاني وتتألم وبشكل كبير، ويعني أيضاً أن ذات الإدارة قد إصطدمت بواقع أنها لم تعد تستطيع تطويع ومعاداة الجميع بل هي بحاجة للدبلوماسية والسياسة من جديد بعد أن جسّد وصول ترامب بأسلوبه الشعبوي للسلطة قمة الغطرسة الأمريكية والتخلي عن اللياقة والدبلوماسية والعمل السياسي الحقيقي.

والصادم في الأمر أن مسار ترامب من الناحية الإستراتيجية بدأ يتشابه من حيث الشكل مع مسار سلفه أوباما والذي أدى فشل استراتيجيته وتعديلها إلى التراجع التي تعيشه أمريكا اليوم، بالمجمل هذا يرشح أن يكون هناك فشل جديد للولايات المتحدة وذي وقع أشد تأثيراً من فشل أوباما، ولكن الدور الرئيس ومفتاح فشل أو نجاح واشنطن يكمن في موسكو وإدارتها لتحالفاتها بالشكل الصحيح والواعي بعيداً عن تكرار أخطاء الماضي.

سبوتنيك: يبدو أننا أستاذ صلاح بحاجة إلى المزيد من اللقاءات حتى نوضح أثر هذه التعديلات ليس فقط على المواجهة مع الصين بل على باقي الأجندات والأزمات الجيوسياسية في العالم.

النشواتي: نعم بالتأكيد

سبوتنيك: أستاذ صلاح شكراً جزيلاً لكم على هذا الحوار القيّم والمثير ونتمنى أن نتابع في لقاءات قادمة تفاصيل أكثر

النشواتي: نعم بكل سرور، شكراً جزيلاً لكم ولوكالة “سبوتنيك” التي تحاول كشف الحقائق والتعّمق فيما يجري حول العالم.

سبوتنيك: أهلاً بكم وعلى الرحب والسعة.

أجرى الحوار: نواف إبراهيم 

]]>