إيران – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Sun, 05 Jan 2020 10:09:56 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 قضيّة “سليماني” بين عقدة السفارة وخط الدّم https://casrlb.com/?p=1283 Sun, 05 Jan 2020 09:58:29 +0000 http://casrlb.com/?p=1283  

د.عباس مزهر

تصاعدت مؤخّرًا وتيرة الصراع الأميريكي الإيراني في الشرق الأوسط بدرجة حادة، بلغت أعتاب الأعمال الحربية، بدءً من اغتيال قيادات لمحور المقاومة في “سوريا” على يد جيش الكيان الإسرائيلي، وما تلاها من ردود فعل عسكرية لهذا المحور، مرورًا بالعمليات الإيرانية ضدّ ناقلات النفط في الخليج، واعتراض أربعة سفن تجارية، واحتجاز الباخرة البريطانية، وإسقاط الطائرة الأميريكية المسيّرة، والهجوم الخطير على منشأتين نفطيّتين من مرافق شركة “أرامكو” في “السعودية”، وصولاً إلى سلسلة الهجمات الصاروخية المحدودة على القواعد العسكرية الأميريكية في “العراق”، واغتيال كبير المقاولين الأميريكيين المتعاقد مع قاعدة “كركوك”، ممّا دفع أميريكا إلى اتهام إيران” بالوقوف وراء العمليات الأخيرة التي نفّذها الحشد الشعبي العراقي، فقامت بقصف مقرّاته ومخازنه وقتل عدد من مقاتليه. وما لبث أنْ تطوّر النزاع ليبلغ حدًّا هائلاً لا تطيقهُ “أميريكا”، وهو محاصرة سفارتها في “بغداد” واقتحامها وإشعال أسوارها وإحراق العلم الأميريكي الذي كان يعتليها، وإطلاق شعارات طرد الأميريكيين من البلاد. وقد بدا المشهد مشابهًا لاقتحام السفارة الأميريكية في “طهران” عام 1979 أثناء إندلاع الثورة الإسلامية في “إيران”، وهي العقدة التي لم تتعافَ منها “واشنطن” حتى اليوم، حيث لم تتحمّل تكرارها مما لها من تبعات مقلقة على هيبة “الولايات المتحدة الأميريكية” ومفهوم قوّتها ونفوذها، فأرادت رسم خط أحمر بدماء “قاسم سليماني”، على اعتبار أنّه الرجل الإيراني الثاني بعد المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وقائد العمليات العسكرية لمحور المقاومة في “الشرق الأوسط”.

لقد كان اللواء “سليماني” هدفًا للرصد والمتابعة الأميريكية منذ فترة طويلة، لكنّ قرار اغتياله لم يكن واردًا على الإطلاق لما له من تبعات وخيمة وعواقب تفجيريّة. لذلك يأتي تنفيذ هذه العملية المعقّدة كدلالة على مدى شدّة المأزق العميق للوجود الأميريكي في المنطقة، وعلى هول مهاجمة سفارتها في “العراق”. وقد وضعت الاستخبارات العسكرية الأميريكية كلّ إمكاناتها التكنولوجية الضخمة من أقمار اصطناعية ووسائل التعقّب وتقنيات التجسس لتصفية “سليماني”، فاستهدفت – بطائرة مسيّرة – موكبَهُ المؤلّف من مركبتين على طريق مطار “بغداد” الدولي، بالتنسيق مع عامل بشري على الأرض ساهم في تسهيل العمل التجسّسي والوصول إلى دائرته الضيّقة، مما يضع “العراق” والمنطقة في زاوية قاسية وحامية يُمكن أنْ تُبدّل أوجه الصراع والموازين الاستراتيجية فيه، خاصةً وأنّ هذه العملية تُعتبر انتهاكًا سافرًا لسيادة الدولة العراقية وللأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وقد أودت بحياة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعترف به رسميًّا من الحكومة العراقية “أبو مهدي المهندس”، الذي ساند الجيش العراقي في محاربة تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب.

مارست “إيران” عبر السنوات الأخيرة ضغوطًا عسكرية وسياسية تُهدّد الوجود الأميريكي في المنطقة، حيث دعمت الرئيس السوري “بشار الأسد” – عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا – في مواجهة المشروع الأميريكي، وبدأت بتصعيد الضغط على الأميريكيين في “العراق” بهدف إخراجهم منه: بدءً من دعم وتدريب الحشد الشعبي وتزويده بالمال والسلاح الذي ينفّذ بهِ عملياتهِ العسكرية ضدّ الأميريكيين، مرورًا بالمناورة البحرية المشتركة التي أجرتها مع “روسيا” و”الصين” في المحيط الهندي، وصولاً إلى طرح مشروع في مجلس النواب العراقي ينصّ على خروج القوات الأميريكية من “العراق”. وهذا ما ترفضه “أميريكا” جملةً وتفصيلاً، لأنّه يكشف ظهرها في “سوريا” ويُفقدها القدرة على اللعب بالمتناقضات كورقة “الأكراد” والفتن المذهبية، ويُضعف نفوذها في المنطقة، وبالتالي يُهدّد كامل وجودها في “الشرق الأوسط”. بِيدَ أنّ “الولايات المتحدة الأميريكية” ضاقت ذرعًا بالإكراهات الاستراتيجية التي تفرضها “طهران” على وجودها في المنطقة، خاصةً وأنّ المشروع الجيوبوليتيكي الأميريكي يقتضي تثبيت وتكريس وجودها في “العراق”، وذلك لأهداف عديدة: حماية مصالحها في “الشرق الأوسط”، ضمان أمن “الكيان الإسرائيلي”، السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وحركة تجارة النفط، ومحاصرة دول الممانعة، تهميدًا لعزل “روسيا” وقطع طريق الحرير على “الصين”. وقد قامت “أميريكا” بجهود جبّارة لدخول المنطقة عسكريًّا باحتلال أفغانستان عام 2001 بعد استغلال أحداث 11 أيلول وتدمير برجَي التجارة العالميَّين، وكذلك خوض حرب على “العراق” لاحتلاله في العام 2003، فلن ترضى بذهاب جهودها هباءً. لذلك أرادت رسم خط أحمر جديد يتعلّق بوجودها في “العراق”، فقامت باغتيال “سليماني” لتغتال بهِ مشروع محور المقاومة – باعتباره رأس الحربة فيه – القاضي بإخراج “أميريكا” من الأراضي العراقية والسورية، وتوهين وجودها في المنطقة لاحقًا.

وبناءً على ما تقدّم كانت أولى الخطوات الأميركية – بعد اغتيال “سليماني” وتذرّعًا بأيّ ردّ إيراني – تعزيز تواجدها في “العراق” عبر إرسال 3500 جندي أميركي، حيث سينضمّ إليهم 750 آخرين يتمّ استقدامهم من “الكويت”. فقد جاءت هذه العملية رسالةً صارمة إلى “طهران” بأنّ الوجود الأميريكي في “العراق” خطٌّ أحمر لن تسمح “واشنطن” بتجاوزه، وقد ظهر ذلك واضحًا في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأميريكية “مايك بومبيو” مع مسؤولي بعض الدول: روسيا، فرنسا، باكستان، السعودية والعراق نفسه، حيث اعتبر هذا الحدث عملية دفاعية بهدف التصدي لهجمات يُخطّط لها “سليماني” ضد أهداف أميريكية، وأنّ إيران تقوم بأنشطة تُهدّد استقرار المنطقة، مؤكّدًا أنّ “واشنطن” عازمة على حماية مصالحها ومنشآتها في المنطقة. ويبدو أنّ “أميريكا” تريد إخضاع “إيران” لإرادتها ودفعها خارج الجغرافيا العراقية، ورسم خرائط جديدة للصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

من المُلفت أنّ هذا النوع من العمليات التصفوية هو أسلوب جيش الكيان الإسرائيلي والموساد، وليس الأسلوب العسكري والاستخباراتي الأميريكي. فالولايات المتحدة الأميريكية عندما تُشخّص حالة عدائية لمصالحها تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية يتمّ تنفيذها عبر القوات الأميريكية بشكل مختلف عن الاغتيالات المعتمدة إسرائيليًّا. وغالبًا ما تستهدف “أميريكا” – وفق هذه الطريقة – قادة تنظيمات وليس قادة عسكريين لدول، علمًا أنّ محاولات اغتيال “سليماني” السابقة كانت إسرائيلية، لاسيما محاولة اغتياله في “إيران” خلال مراسم عاشوراء الفائتة. لذلك يبدو التأثير الإسرائيلي واضحًا في طريقة اغتيال قائد فيلق القدس الفريق “سليماني”، ورغم التصريحات الإسرائيلية بعدم سعي “تل أبيب” إلى استهدافه إلّا أنّ بصماتها واضحة فيه، وكذلك تأييد الحكومة الإسرائيلية للعملية الأميريكية يكشف رغبتها فيما حدث. وفي كلّ الأحوال يُعتبر حادث الاغتيال الأميريكي جريمة دولية وإرهاب دولة، ومخالفًا لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

إنّ اغتيال اللواء “قاسم سليماني”، الرجل الأقوى في المنطقة ومهندس محور المقاومة كان مفاجئًا وصادمًا، ليس ل”طهران” فحسب، بل للعالم بأسره، فيما لهذا الاغتيال من كسر لنسق المواجهة التقليدي. لذلك جاء حضور المرشد الأعلى السيّد “علي خامنئي” اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لأول مرّة دلالةً على فداحة الفعل الأميريكي الذي هزّ العالم، ورسالة واضحة لرأس الهرم الأميريكي “ترامب” الذي اتخذ شخصيًّا قرار الاغتيال من رأس الهرم الإيراني الذي تولّى شخصيًّا اتخاذ قرار الردّ. ومن الصعب جدًّا التنبّؤ بهذا الردّ، كونهُ مرتبطًا بالبيئة الاستخباراتية العسكرية وطبيعة تقييم الأهداف ومآلات استهدافها، ولكن هناك ساحات عديدة وواسعة أمام الإيرانيين قد تكون في دائرة الاستهداف، منها: القواعد الأميريكية في “العراق” و”سوريا” و”الخليج”، ناقلات النفط أو السفن التجارية في مضيق “هرمز”، أو السفارات الأميريكية في المنطقة، أو مهاجمة حلفاء “واشنطن” عبر حلفاء “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، الأمر الذي سيكون الأكثر دراماتيكية في حال تمّ التنسيق معها للقيام بردّ فعل عابر للحدود. وسيكون محور المقاومة أمام فرصة لإقرار قانون خروج الأميريكي المقدّم في مجلس النواب العراقي والذي اتخذ مسوّغًا أقوى ليتقرّر بعد الاعتداء السافر على السيادة العراقية بالعملية الأميريكية، وكذلك اشتداد المقاومة العراقية ضد الأميريكيين باعتبارهم قوة احتلال، أضف إلى ذلك إعادة محاصرة السفارة الأميريكية في “العراق”، وربّما توسيع رقعة الاحتجاجات ضد سفارات أميركية في المنطقة.

بالعودة إلى ما أسميناه “عقدة السفارة”، تشكّل السياسة الخارجية “للولايات المتحدة الأميريكية” أسُس حضورها العالمي وهيبتها وشخصيّتها المعنوية، وسفارتها تُعتبر أرضًا أميريكية وفقًا للقوانين الدولية. ولا يزال اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميريكية في “طهران” خلال الثورة “الخمينيّة” يُشكّل عقدة في الوعي السياسي الأميريكي وفشلًا ذريعًا غير مسبوق للدبلوماسية الأميريكية، حيث تمّت مصادرة الوثائق السرية للسفارة واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن ممّا سبّب آنذاك أزمة دولية كبيرة، وكذلك مشكلة في الداخل الأميريكي جعلت الرئيس “جيمي كارتر” عام 1980 يقوم بعملية “مخلب النسر” في الأراضي الإيرانية لكسب الانتخابات الأميريكية، لكنّ العملية فشلت واستتبعت نتائج عكسية أدّت إلى خسارته لصالح “رونالد ريغان” الذي استغلّ حادثة السفارة في حملتهِ الانتخابية، وقام بحلّ الأزمة بالتفاوض الدبلوماسي الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاقية “الجزائر” عام 1981 بين “طهران” و”واشنطن” لتُفضي إلى الإفراج عن الرهائن الدبلوماسيين الأميريكيين بعد دقائق من أداء الرئيس “ريغان” قسم اليمين أمام الكونغرس.

لقد فجّر مشهد اقتحام السفارة الأميريكية في “بغداد” ذعرًا وجوديًّا ل”أميريكا”، حيث أعاد إلى أذهان الأميريكيين مشهد اقتحام سفارتهم في “طهران”، وهذا ما يُوجع “الولايات المتحدّة الأميريكية” ويصيبها في مقتل، خاصة أنّ مكانتها في العالم تعتمد على هيبتها ونفوذها، فلن تتحمّل أيّة ضربة في مركّب القوّة لديها. واليوم تُعاني “أميريكا” من أزمة تدبير قوّتها في “الشرق الأوسط” والعالم، ويواجه “ترامب” أزمة داخلية يسعى إلى الخروج منها. وقد تكون إهانة السفارة الأميريكية في “بغداد” سببًا لإنهاء عهد “ترامب” مثلما كانت إهانة السفارة الأميريكية في “طهران” سببًا لإنهاء عهد “كارتر”، الذي زاد درامية الأزمة بعملية “مخلب النسر”. وقد تُسفر عملية “البرق الأزرق” التي أطلقها “ترامب” لاغتيال “سليماني” عن عواقب وخيمة على عهدهِ، وتكون سببًا لخسارتهِ الانتخابات المقبلة أمام رئيس آخر يُعيد معالجة الأزمات مع “طهران” بالدبلوماسية. كلّ ذلك مرهون بالردّ الإيراني الذي لا مناص من أنّه آتٍ بقسوة وحزم، إنطلاقًا من خط الدمّ الذي حدّدته “الولايات المتّحدة الأميريكية”.

]]>
تقدير موقف: الكيان الإسرائيلي من استراتيجية التفوق الثقيل إلى استراتيجية المقاومة الصهيونية. https://casrlb.com/?p=1253 Sun, 25 Aug 2019 10:50:24 +0000 http://casrlb.com/?p=1253  

شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارات ليلية على قواعد تابعة لإيران داخل الأراضي السورية في 24/08/2019، تلاها استهداف للمركز الإعلامي لحزب الله اللبناني في بيروت من قبل طائرة مسيّرة مفخخة، وقد سبق هاتين الحادثتين عدة غارات على مخازن ومستودعات السلاح للحشد الشعبي وحزب الله العراقي المتحالف مع إيران قبل عدة أيام.

في هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية النشاط العسكري الأخير للاحتلال الإسرائيلي بإعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية في المواجهة مع إيران، عبر التحوّل نحو استراتيجية عسكرية جديدة تقوم على خفض تكاليف العمليات الإسرائيلية، وتوسيع مساحة الاستهداف الاستباقي، ورفع تكاليف الهجوم المضاد للعدو.

وقد انطلق هذا التغيير في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية من تحوّل جوهري في مفهوم العمل العسكري بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، يعمل على نسخ أساليب وتجارب المقاومة الإسلامية المتحالفة مع إيران، والتي نجحت نجاحاً باهراً في العديد من الدول (كاليمن، والعراق، وسورية، وقبلها في لبنان) ما أدّى إلى تحوّل إسرائيل من الحرص على الحفاظ على التوازن الاستراتيجي لصالحها، إلى العمل على كسر توازن الرعب بينها وبين إيران وحركات المقاومة، الأمر الذي سيسمح لإسرائيل بهامش جديد من العمل العسكري ذو الاتجاه الواحد، وذلك بالتخلي عن الأساليب التقليدية للعمليات العسكرية الإسرائيلية كغارات طائرات (F-16)، لصالح تطوير أسلحة جديدة (دفاعية وهجومية)، تحقق هدفين أساسيين:

الأول: محاصرة النشاط الإيراني في الشرق الأوسط:

وذلك عبر استهداف قواعد قوات الحرس الثوري والقوات المتحالفة مع إيران في أيّة دولة تتواجد بها، وقد قامت الحكومة الإسرائيلية العام الماضي بتطوير راجمة جديدة للصواريخ تمكنّها من إطلاق الدرونات المفخخة الجديدة (منظومة هاربي)، الأمر الذي يسمح بضرب أهداف على مسافات أكبر وبدون أيّة خسائر أو مخاطر تُذكر، لتصبح الدرونات المفخخة هي السلاح المعتمد لأيّة غارة خلف خطوط العدو، مقابل تحول الطيران التقليدي لسلاح خاص بالحروب الشاملة واحتواء التصعيد.

الثاني: الحماية والردع الداخليين:

وقد طورت إسرائيل في سبيل ذلك منظومتَي دفاع، الأولى منظومة حيتس-3 للتصدي للصواريخ البالستية بعيدة المدى، والتي من الممكن أن تأتي من سورية أو من إيران، والثانية هي منظومة “القبضة الحديدية” المقاومة للصواريخ المضادة للدروع، ما يمكّن الاحتلال الإسرائيلي من رفع مخاطر وتكاليف أي هجوم شامل على الداخل الإسرائيلي، سواءً من البرّ كهجوم من حزب الله، أو عبر الصواريخ الثقيلة من إيران.

هذه الاستراتيجية العسكرية الجديدة، ستعمل على استنزاف الاقتصاد الإيراني بالشراكة مع الحصار الأمريكي، بحيث تركّز إسرائيل على استهداف المنشآت والمستودعات التي تخضع لنفوذ الحرس الثوري الإيراني، لإجبار الأخير على تمويل النقص من عائد القطاعات الاقتصادية الكبيرة التي يسيطر عليها، في محاولة إسرائيلية للاستفادة من المواجهة الأمريكية-الإيرانية لكسر توازن الرعب من جهة، ومن جهة أخرى تحجيم هيبة القوات الإيرانية أمام باقي الدول، لضمّ الدول المترددة في الدخول مع التحالف الأمريكي ضد طهران.

 

الآثار المترتبة على الغارات الإسرائيلية الجديدة:

سيسبّب نجاح الاعتداءات الأخيرة على كل من العراق وسورية برفع شعبية رئيس الحكومة الإسرائيلية في الداخل الإسرائيلي، خاصة بعد الإعلان الأخير للحكومة الإسرائيلية بأنّ الغارة على سورية كانت لمنع إيران من استهداف الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي سيسمح لنتنياهو بالتفوق على الانشقاقات التي يواجهها في داخل اليمين المتطرف الإسرائيلي.

سيسبّب استمرار هذه العمليات مزيداً من الضغط المعنوي والعسكري على القوات المتحالفة مع إيران، وعلى الرأي العام المؤيد لطهران، وسيحدّ من قدرة طهران على توسيع تحالفاتها العسكرية، إضافة إلى الضغط الناجم عن العمليات على الوضع السياسي والاقتصادي للدول حليفة إيران كسورية والعراق.

]]>
تقدير موقف: معركة إدلب من منظور الأجندة التركية(توصيف-وتوصيات). https://casrlb.com/?p=1249 Thu, 15 Aug 2019 11:27:40 +0000 http://casrlb.com/?p=1249 انتهت الجولة الثالثة عشر من محادثات أستانا في 02/08/2019 باتفاق على محاربة الإرهاب، وتطبيق اتفاق سوتشي 17/9/2018 المنبثق عن قمة أردوغان-بوتين، والقاضي بتحديد منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20كم، إضافة إلى تشكيل اللجنة الدستورية في سورية وتأجيل إعلانها إلى حين عودة المبعوث الأممي إلى سورية “غير بيدرسن”، هذه التفاهمات الثلاثية بين كل من تركيا وروسيا وإيران دفعت إلى إطلاق سورية وروسيا عملية عسكرية تهدف إلى تطبيق الاتفاق، واقتحام جنوب إدلب لخلق طوق يمتد من بلدة الهبيط إلى تل سكيك، ويحصر معه المجموعات المسلحة جنوب الطوق (شمال حماه)، بالتزامن مع محاولة السيطرة على ريف اللاذقية الشمالية لتوسيع مساحة السيطرة وإبعاد النار عن القاعدة الروسية “قاعدة حميميم”.

وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية وجود هدف تركي غير معلن تسعى أنقرة لتطبيقه استناداً إلى جهود الجيشين الروسي والسوري، يتلخّص في تنقية الوجود المسلح في إدلب من العناصر الأجنبية ومن تنظيم النصرة، وتحويل منطقة شمال حماه إلى مشكلة سورية روسية، بعد أن كانت مشكلة تركية تمنعها من مواصلة أجندتها في الشمال السوري وفي آسيا الوسطى.

تسعى أنقرة إلى ضمّ إدلب لمنطقة غصن الزيتون ودرع الفرات ومن ثم دمجها مع العملية التركية (المنطقة الآمنة) شرق سورية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بدون حل معضلة وجود جبهة النصرة، وانتشار الفصائل المصنفة إرهابية على كامل مساحة محافظة إدلب السورية، وقد أعلنت بعض التقارير المسربة في 24/07/2019 عزم تركيا توكيل نائب والي هاطاي (لواء اسكندرون سابقاً) بمهمة إدارة محافظة إدلب بالتنسيق مع ما يسمى “الحكومة السورية المؤقتة”، على أن يتولى ما يسمى “الجيش الوطني” مهمة حماية المنطقة، كخطوة لاحقة بعد تنقيته من النصرة والفصائل الإرهابية، ليصبح محط اعتراف وحماية دولية وإقليمية، ونواة للتأثير على مخرجات عملية الحل السياسي في سورية.

 

الأجندة التركية السابقة تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف على عدة مستويات

المستوى الداخلي:

يسعى حزب العدالة والتنمية إلى نزع نقاط القوة من يد المعارضة في الداخل، والتي يمثل ملف اللجوء السوري أهمها، وذلك بحقن اللاجئين السوريين في المناطق التي تخضع للسيطرة والإدراة التركية داخل سورية.

المستوى الإقليمي:

أولاً: تسعى أنقرة إلى خلق منطقة عازلة على طول الحدود السورية التركية، تمنع حزب العمال الكردستاني من استخدام الجغرافية السورية كمنطقة آمنة لعملياته ضد تركيا وتنهي تهديده على الأمن القومي التركي، تمهيداً لضم المنطقة إلى تركيا باستفتاء، مستفيدة من السابقة الروسية باستفتاء القرم وإعادتها إلى الدولة الروسية، ومن اعتراف الحكومة السورية بالمناطق التي تعاني من ذات الإشكالية وفتح علاقات دبلوماسية معها (أوسيتيا-أبخازيا-القرم).

ثانياً: تهدف أنقرة إلى إطلاق عملية إعمار غير مركزية في سورية، بحيث يستمر الحصار على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، كأداة (تركية-أمريكية) لتوجيه مسار العملية السياسية، من خلال النهوض بالمنطقة الشمالية الغربية والشرقية في سورية، والموضح في تقدير سابق للمركز بعنوان: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها ).

.

 

المستوى الدولي:

تهدف أنقرة إلى خلق مواءمة أمنية مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تستطيع استكمال دورها التوافقي وتطبيق مشاريعها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، حيث عدّلت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها الأمنية لتؤدي بجزء منها إلى التخلي عن دعم المنظمات الإرهابية وتوجيهها من الخلف، نحو تعزيز أكبر إشكالية أمنية في آسيا، وهي انتشار الجماعات الإرهابية، وبدأت واشنطن بموجب ذلك العمل على تخفيض دورها الداعم للأمن والاستقرار في آسيا الوسطى، مانعةً خصوم واشنطن من تجيير الفائدة الأمنية نحو تطوير اقتصادياتها ومنظوماتها العسكرية، وشرعت في سبيل ذلك للتفاوض مع طالبان لسحب القوات الأمريكي وزيادة الوجود الاستخباراتي الامريكي في آن معاً، ونقل ثقلها إلى جزيرة سريلانكا جنوبي الهند، والموضح في ملف منشور على وكالة سبوتنك 13/07/2019، وعلى موقع المركز تحت عنوان (إجراءات واشنطن في الملفين (الأفغاني والسريلانكي) تعديل في الاستراتيجية الأمريكية يستهدف الأمن الآسيوي)، في حين أن السياسات الأمنية الروسية حافظت على ثباتها النسبي منذ مشاركتها في الحرب الدائرة في سورية لصالح الحكومة السورية، والتي تركز بشكل كبير على تدمير كل أشكال التنظيمات الإرهابية، درءً لمخاطر انتقالها للعمل في الداخل الروسي.

وانطلاقاً من السياسات الأمنية لكلّ من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، سعت تركيا إلى التنازل عن المجموعات الإرهابية في إدلب، بدون تشويه سمعتها الدولية كدولة راعية لمصالح المسلمين حول العالم، وذلك بالزجّ بها في معركة متفق عليها مسبقاً في اجتماع استانا 13، في خطة على مرحلتين، الأولى تهدف إلى ترحيل الإرهابيين إلى شمال حماة بذريعة المعركة، بالتزامن مع إغلاق الطوق السوري الروسي جنوب إدلب، لتحقق بذلك هدف أساسي لها بإرضاء موسكو، بخطة تركية أشبه بتلك التي نُفّذت في محيط العاصمة دمشق، والتي قامت على تخابر الفصائل التركية في ريف دمشق ضد الفصائل السعودية، ومن ثم تنسيق انسحاب الفصائل إلى الشمال السورية، إلا أنها معاسكة تماماً، وذلك بترحيل الفصائل الإرهابية إلى الداخل السوري، وعمل كل من سورية وروسيا على ضمان عدم عودة تلك الفصائل من خلال الطوق الذي يسعى الجيشين لاستكماله، في عملية أشبه بابتلاع السم المركز، بغض النظر عن الاستنزاف المستمر للقوات السورية خلال العمليات العسكرية، خاصة عندما تصل القوات لمحاولة اقتحام مدينة خان شيخون. أما المرحلة الثانية من الخطة التركية، فهي المرحلة التي درست بعناية مع واشنطن، حيث ستتوجه القوات السورية والإيرانية والروسية للقضاء على الفصائل الإرهابية شمال حماه، والتي ستؤدي إلى تشظي الجسم الإرهابي إلى خلايا صغيرة ستسعى إلى الانتشار في أكبر مساحة ممكنة في المناطق المحيطة، وستتحول المشاركة الإيرانية في تلك المعركة إلى وسيلة إلهاء واستنزاف، بالتزامن مع عزل المجموعات الشيعية الموالية لإيران في كشمير وإدخالها في صدام مع فروع المجموعات الإرهابية في تلك المنطقة كرد انتقامي (سيتم توضيح هذا الملف في تقدير خاص لاحقاً)، وتضع روسيا في موقع المستهدف الأول في آسيا الوسطى من قبل المجموعات الإرهابية التي تسعى واشنطن لإطلاقها كما وضحنا سابقاً.

 

  • من هنا يوصي مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية بعدم إغلاق الطوق بشكل كامل على ريف حماه الشمالي، وعدم اقتحام مدينة خان شيخون، وتوجيه الطوق نحو شمال المدينة، مع إبقاء مخرج غير واسع، بالتزامن مع إطلاق عملية ضاغطة من جنوب الجبهة، تؤمّن عملية حقن معاكسة للمجموعات الإرهابية إلى داخل إدلب، وتدمّر بذلك المشروع الإدراي التركي لإدلب، وتُدخل جميع الفصائل في اقتتال شديد، وتُفشل الأهداف التركية الأمريكية سابقة الذكر. وننوّه أنّ أنقرة قد شرعت سابقاً ببناء جدار حول مدينة عفرين في احتياط مسبق لهذا السيناريو، والذي بالإمكان أيضاً إحباطه بمجموعة لاحقة من الخطوات تحتاج إلى دراسة وتوصيات خاصة.
]]>
تقدير موقف: منظومة “حيتس3” عاملاً محدداً لمسار المواجهة الأمريكية-الإيرانية. https://casrlb.com/?p=1223 Mon, 29 Jul 2019 12:49:08 +0000 http://casrlb.com/?p=1223  

اتجه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، “رون ديرمر”، بزيارة سرية إلى ولاية ألاسكا الأمريكية في 27/07/2019، لإجراء مفاوضات بشأن التعاون الأمني الاستراتيجي بين الدولتين بشأن إيران، ليعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي في اليوم التالي نجاح المنظومة المضادة للصواريخ الباليستية “Arrow-3” ، المطوّرة بالتعاون مع الولايات المتحدة، والتي خضعت لاختبارات حيّة في ولاية ألاسكا الأمريكية، على مدى الأسابيع الأخيرة، في ثلاث اختبارات وصفت بالسرية والخارقة، اعترضت خلالها منظومة “حيتس3 أو Arrow3” الإسرائيلية والمطوّرة بالتعاون مع شركة “بوينغ” الأمريكية، اعترضت صواريخ باليستية خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية بعلو كبير وبسرعة فائقة، وفي هذا السياق، يقدّر مركز الدراسات والابحاث الأنتروستراتيجية النجاح المزعوم للمنظومة الإسرائيلية الأمريكية بالمتغيّر العسكري الاستراتيجي، والذي يؤثر على مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية في الشرق الأوسط، حيث ترتكز المواجهة الأمريكية الإيرانية حول الملف النووي بالدرجة الأولى، وذلك بعد الانسحاب الأحادي لواشنطن من ما يعرف بالاتفاق النووي الإيراني، بذريعة خرق طهران لقرار مجلس الامن “2231” بتطويرها للصواريخ البالستية، وامتلاك إيران برنامجاً سرياً نووياً، تسعى من خلاله للحصول على القنبلة النووية.

وقد شكل التحريض الذي مارسته حكومة الكيان الإسرائيلي ضد طهران، السبب الرئيس للخطوات شديدة العدائية من قبل واشنطن، والتي فتحت بموجبها الإدارة الأمريكية باب المواجهة مع إيران على مصراعيه، بسياسة أمريكية خارجية تعتمد على ممارسة الضغوط الاقتصادية الشديدة، بالتزامن مع الدعوة لإعادة المفاوضات حول الملف النووي والصاروخي الإيراني، والذي سبّب توتراً أمنياً كبيراً في الخليج، وشكّل تهديداً لحرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي تشرف عليه كل من إيران وسلطنة عمان.

وبالتالي الخطر على الأمن القومي الإسرائيلي الناتج عن البرنامج الصاروخي الإيراني، كان المحرّك الأساسي للتوترات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن، وقد دفع ذلك الحكومة الإسرائيلية إلى العمل بشكل مكثف على تطوير منظومة دفاع صاروخي، قادرة على تحييد الخطر بشكل كامل، منذ توقيع مجموعة (5+1) الاتفاق مع طهران في عام 2015، وصولاً إلى الإعلان عن نجاح كبير للمنظومة يوم أمس، الأمر الذي يُعدّ عاملاً سيسهم في تغيير مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، بعيداً عن حالة الاستعصاء الحالية.

 

ما يعني أنّ نجاح الاختبار في حال كان حقيقياً، سيدفع بواشنطن إلى تقسيم المواجهة مع إيران على مرحلتين زمنيتين، الأولى تمتد حتى عام 2020 وستعمل فيها واشنطن على تخفيض سقف تفاوضها المطروح مع طهران، لتبتعد عن الملف الصاروخي كونه لم يعد يشكل تهديداً حقيقياً للأمن القومي الإسرائيلي، وتعمل بالمقابل على زيادة المخاوف السعودية من البرنامج الإيراني، وحثها على زيادة تنسيق التعاون الأمني والعسكري مع الحكومة الإسرائيلية نحو مستويات غير مسبوقة، سعياً إلى الحصول على المنظومة الإسرائيلية الأمريكية الجديدة “حيتس3″، والابتعاد عن المنظومة الروسية “إس400″، وستتسم هذه المرحلة بجدية الدعوة الأمريكية نحو التفاوض، والخطوات المهمة والكبيرة التي ستنجزها واشنطن لتدفع طهران نحو إعادة إطلاق المفاوضات، أما المرحلة الثانية فستبدأ بعد الانتخابات الأمريكية المقبلة، وستتسم بالسعي المباشر نحو افتعال صدام عسكري مدمر مع إيران، بعد تثبيت الوضع السياسي الداخلي في كل من الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، وضمان القدرة على تحييد الخطر الصاروخي الإيراني في الحرب، بالتزامن مع تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط وأفغانستان، وزيادة تعداد القوات العسكرية الحليفة لواشنطن في المنطقة، من خلال مشروع تشكيل القوة البحرية المشتركة لحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وزيادة عدد القوات الأوروبية في سورية لملئ الفراغ الأمريكي.

 

في المحصلة يجب على الادعاءات الإسرائيلية والأمريكية، في حال صحت فعلاً، أن تنعكس بشكل مباشر على السياسة الخارجية لكلا الدولتين، ومبادرتهما الإقليمية، ما يترك أمام طهران خيارات إقليمية جديدة، تمكنها من المناورة، لتجنّب الوقوع في مأزق الاختيار الثنائي، الحرب الشاملة أو السلم الكامل مع الولايات المتحدة الأمريكية.

]]>
تقدير موقف: احتجاز ناقلة النفط البريطانية رد إيراني متوقع يغطّي عجز الدبلوماسية الأمريكية. https://casrlb.com/?p=1208 Sat, 20 Jul 2019 08:58:51 +0000 http://casrlb.com/?p=1208 أعلن الحرس الثوري الإيراني 19/07/2019، احتجاز ناقلة “ستينا إمبيرو” النفطية البريطانية في مضيق هرمز، التي تعود ملكيتها لشركة “ستينا بولك” السويدية، بينما احتجز ناقلة ثانية تحمل اسم “مسدار” في ذات اليوم، والتي تديرها شركة بريطانية وتحمل علم ليبيريا، قبل أن يعيد إطلاق سراحها بعد عدة ساعات فقط، ويأتي احتجاز الناقلتين تحت مبررات قوانين الملاحة الدولية، والتي تعتبر إيران أنّ الناقلتين قد خرقتا القوانين بنسب متفاوتة، لتُبقي على الأولى قيد الاحتجاز، وتطلق سراح الثانية.

ولم تُخفِ طهران أنّ الغاية الأساسية من العملية هي الرد على ما أسمته القرصنة البريطانية في مضيق جبل طارق، والتي أدت إلى احتجاز ناقلة “غريس-1” الإيرانية المبحرة تحت علم دولة بنما، والمتوجهة إلى سورية.

 

ويقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الاحتجاز الإيراني للناقلة النفطية، في إطار إظهار القوة الإيرانية أمام الدول الكبرى، والسعي نحو ترسيخ مصداقية عالية للقرارات والوعود التي تطلقها القيادة الإيرانية من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ تبعات عملية الاحتجاز ستعزز موقف واشنطن، ومبادرتها بتشكيل قوة بحرية مشتركة لتقويض النفوذ الإيراني في المضيق. وقد قدّر المركز سابقاً استمرار الاستفزاز المقصود لإيران للدفع نحو تشكيل القوة البحرية المشتركة، ضد ما تصفه واشنطن بالنشاط المزعزع للاستقرار في مضيق هرمز كجزء من تطور مسار المواجهة الإيرانية الأمريكية في الخليج، تحت تقديرات بعنوان: (أزمة استهداف الناقلات النفطية: طبيعتها-الأطراف المتورطة-مستقبلها)، (إسقاط الحرس الثوري طائرة أمريكية: إحباط سيناريو وإطلاق آخر).

وفي حين يأتي رد الفعل الإيراني تحت مبرر قانوني من النادر ما يتم تطبيقه بهذه الشاكلة عادةً، إلا أنّ العملية التي قامت بها إيران، كانت تهدف إلى زيادة وزن الكلمة في التصريحات الإيرانية، لتكون طهران طرفاً يفعل ما يقول دون تردد، ودون مواربة، الأمر الذي من شأنه أن يعزز تلاحم الجبهة الداخلية الإيرانية تحت قيادته، ومن شأنه أيضاً أن يمتّن بنية الخطاب السياسي الإيراني على المستوى الداخلي، أمام الحرب الدعائية والإعلامية الأمريكية والإسرائيلية، وعلى المستوى الخارجي، نحو تشكيل هاجس للإدارة الأمريكية من مخاطر تجاوز أي خطوط حمراء تعلنها القيادة الإيرانية.

نجاح عملية الاحتجاز بكفاءة عالية ودون وقوع أي صدام مباشر، عزّز فعلياً الخطاب الإيراني وعلى المستويين السابقين، إلا أنّ السياق الكلي للمواجهة والذي تُعدّ عملية الاحتجاز جزءاً منه، هو سياق أمريكي بالمرتبة الأولى، انضوت بريطانيا به فيما بعد، ويرتكز هذا السياق على قياس سلسلة ردود الفعل واستجابتها المتوقعة من طهران على كل استفزاز أو عمل محفّز للاستجابة، بحيث توظف ردود الفعل الإيرانية لتشويه صوة طهران، بخطة معدّة مسبقاً، كتمظهر جديد لصراع الخير والشر في مخيلة الشعوب والدول الليبرالية، تُفضي في محصلتها إلى رصّ صفوف هذه القوى، خاصة بعد تراجع الدور الريادي لواشنطن في قيادة العالم الليبرالي، وتراجع مفعول وقدرة الدبلوماسية التقليدية الأمريكية في ظل الدبلوماسية الشعبوية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، بالتالي حدث احتجاز الناقلة النفطية البريطانية رد فعل متوقع من قبل القاصي والداني، يجعل مسار السياسة الإيرانية وطريقة معالجتها للاستفزازات، مسارًا مقروءًا وواضحًا للجميع، بحيث يمكن البناء عليه من قبل كل من واشنطن وحلفائها، ما يُعدّ أمراً سلبياً في ظل تفاوت القدرات العسكرية بين إيران من ناحية، ودول التحالف من ناحية ثانية.

أي أنّ النتيجة السياقية لاحتجاز الناقلة البريطانية، ستمكّن لندن وواشنطن من حصد دفعة قوية جديدة نحو تشكيل القوة البحرية المشتركة لحماية المضائق، بحيث تستطيع هذه الدفعة حسم التردد في المشاركة لدى الكثير من الدول كاليابان التي تؤيد حكومتها إرسال قطع بحرية عسكرية والمشاركة في حماية حرية الملاحة، وتواجه مخاوف من رد فعل الأحزاب المعارضة للحكومة، الأمر الذي سيعزز ميزان القوة الأمريكي في الخليج، بشكل فائق للردع، وكاسر لتوازن الرعب في المنطقة، بالتالي تحصد إيران محصلة ردود أفعالها في السياق العام بنتائج غير مرغوبة تشكل تهديدًا للأمن القومي الإيراني.

]]>
تقدير موقف: الاعتداءات الإسرائيلية على سورية (الخلفية الدولية والأهداف الاستراتيجية). https://casrlb.com/?p=1159 Mon, 01 Jul 2019 09:40:05 +0000 http://casrlb.com/?p=1159  

 

قام الاحتلال الإسرائيلي بشن غارات مكثفة بطائرات حربية وصواريخ كروز على سورية ليلاً، في بداية اليوم الأول من شهر تموز لعام 2019، استهدف من خلالها مواقع مختلفة في ريف دمشق وحمص وطرطوس، بالتزامن مع تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” لضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذا العدوان كجزء من سلسلة اعتداءات جديدة، أتت كنتاج متوقع أفرزته النشاطات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لكل من واشنطن وتل أبيب، وتهدف إلى تحويل سورية إلى متنفس عسكري أقليمي لتصريف الضغط الناتج عن التوتر الأمريكي الإيراني المباشر، واستهداف القوات الإيرانية في الخارج كأحد الفواعل الأساسية لهذا التوتر، حيث عملت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في مختلف المناسبات الاقليمية والدولية على إعادة صياغة ظروف استهداف جديدة تسمح للطرفين بتدمير أهداف إيرانية في الخارج في إطار مكافحة نفوذ طهران خارج أراضيها، تحت ضغط الانزلاق لمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تكون شاملة ومدمرة لكل المنطقة، وذات نتائج كارثية لا يمكن لأحد حسابها أو تحملها.

العدوان الإسرائيلي على سورية مبني على خلفية متينة ضمنت الاحتواء للتصعيد ما بعد العدوان، وتتكون هذه الخلفية من ثلاث ركائز أساسية، أولها القمة الأمنية الثلاثية في مدينة القدس المحتلة في 25/06/2019 بين المستشارين الأمنيين لكل من (روسيا-أمريكا-الكيان الإسرائيلي) للتفاهمات الثلاثية، وسعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى جر روسيا نحو موقف معادي لطهران في سورية، مقابل مقعد جاهز لموسكو على طاولة الأمن الأقليمي في الشرق الأوسط، والتوجه نحو إدارة ثلاثية ندية مشتركة للأقليم، هذا العرض أثار حفيظة روسيا لما له من أبعاد خطيرة على الأمن القومي الروسي، وسياسة روسيا الخارجية، كون العرض ينطوي على زيادة الطلبات الأمنية والعسكرية الأمريكية من موسكو، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، والتي من الممكن أن تصل إلى حد طلب استخدام نظام العبور “الدون-فولغا” الواصل من بحر آزوف إلى بحر قزوين، في خطوة للألتفاف على إيران من الخلف، وهو مطلب غير مستبعد نظراً للوجود الأمريكي المسبق في الموانئ الكزخستانية ضمن اتفاقيات مسبقة، الأمر الذي دفع موسكو لخفض سقف التوقعات الإسرائيلية والأمريكية من الاجتماع بتصريح مسبق من الرئيس الروسي حول رفض موسكو المتاجرة بحلفائها، بالتالي خلصت القمة إلى تفاهمات تكاد لا تختلف كثيراً عن التفاهمات والبروتكولات السابقة، وإنما تنطلق منها نحو زيادة خطيرة في  مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي الثلاثي في سورية عبر مراقبة أي تغيّر في النشاط الإيراني العسكري، وضمان روسيا عدم ملئ الفراغ الأمريكي من قبل الحرس الثوري في حال الانسحاب الأمريكي، وحماية المنطقة من أي انزلاق نحو مواجهات شاملة، والإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي في مواجهة إيران داخل الأراضي السورية في حالات الضرورة القصوى، ودون إعلام مسبق للطرف الروسي حول أي هجوم كما في السابق.

 

تفاهمات القدس لم تكن تفاهمات نهائية ولم يتم التصديق عليها، وإنما كانت أشبه بإعداد ورقة عمل لمناقشتها والاتفاق عليها بين كل من الرئيس الأمريكي “ترامب”، والرئيس الروسي “بوتين”، في اللقاء الذي جمعهما في 28/06/2019 على هامش قمة العشرين في أوساكا، والتي قدرها المركز سابقاً بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، كركيزة ثانية لمسار الذي شكل عدوان اليوم إذعاناً بانطلاقه، حيث اتفق الرئيسان على تفعيل التفاهمات السابقة والتي وضعت في قمة هلسنكي في بولندا 15/07/2018، والتي تأكد على إخلاء سورية من كل القوات الأجنبية، وذلك بتعهد واشنطن بحيادها وحياد الناتو إزاء إخراج روسيا وسورية للجيش التركي من الشمال السوري، وتوريط تركيا في ليبيا بمباركة روسية ضمنية وتنسيق سعودي-أمريكي، مقابل الحياد الروسي لإخراج إيران من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي من سورية، يليه انسحاب كامل القوات الأمريكي وخفض التواجد الروسي إلى الحد الأدنى، ورفع العقوبات بالتزامن مع إطلاق اللجنة الدستورية، بما يضمن لكل من واشنطن وموسكو إخراج الساحة السورية من ساحات الصراع الدولي والأقليمي، وغلقها بالكامل.

 

أما الركيزة الثالثة فكانت زيارة الرئيس ترامب إلى كوريا الشمالية، حيث سارع ترامب تحت الضغط الصيني الموضح في تقدير المركز السابق بعنوان : (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، سارع إلى احتواء المواجهة المشتركة التي ستفرض عليه بعد الزيارة الصينية، بزيارة أقرب ما تكون لزيارة خفض تصعيد، بعد اجتماعه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ”، الوارد تفصيلياً في تقدير للمركز بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، ليعمل الرئيس “ترامب” على إحياء العلاقة مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” في مسعى أمريكي لفصل الملفات، واحتواء المساعي الصينية بنمذجة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط عموماً، وفي سورية خصوصاً مع الصراع في كوريا الشمالية، خاصة بعد دعوة الصين لزيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين في 16/06/2019، وتنسيق زيارته إلى كوريا الشمالية، في زيارة سياسية-عسكرية بحتة، عاد منها وزير الخارجية بالعديد من الملفات والأبحاث العسكرية المتعلقة بالأسلحة الصاروخية، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى قصف أهداف محددة بناءً على نتائج الزيارة الأمريكية، والنجاح الأمريكي في فصل الملفات، والذي شكل السبب الرئيس لاختيار مراكز البحوث والمستودعات العسكرية السورية والإيرانية كأهداف أساسية للعدوان، علماً أن تصريح وزير الخارجية السورية صباح اليوم شرح الزيارة لكوريا الشمالية في إطار “جلب عمال بناء”، وتعاون اقتصادي بين كوريا الشمالية وسورية.

بناءً على الركائز الثلاث السابقة، التي شرحت الخلفيات الدولية، والأهداف الاستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على سورية، يتوقع مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية ارتفاع وتيرة وشدة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، تحت ذريعة الضرورة القصوى، واعتماد كل من واشنطن والكيان الإسرائيلي أسلوب الرد على إيران في سورية، والذي بدوره سيولد استنكار روسي للاستخدام المفرط والمتكرر للقوة، بسبب خرق سقف التفاهمات السابقة وسلوك الكيان الإسرائيلي الاستفزازي لباقي الأطراف، كتحليق الطيران الإسرائيلي فوق المضادات الروسية على الشريط الساحلي السوري، الأمر الذي سيحرج موسكو ويعرّض التفاهمات السابقة لاحتمالية الانهيار أو تعليق العمل بها، وذلك بحسب  الظروف الدولية والأقليمية المستجدة وقدرتها على التأثير في بنية الصراعات الاستراتيجية حول العالم.

]]>
تقدير موقف: إسقاط الحرس الثوري طائرة أمريكية (إحباط سيناريو وإطلاق آخر). https://casrlb.com/?p=1065 Thu, 20 Jun 2019 10:47:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1065  

في سياق إسقاط الحرس الثوري الإيراني لطائرة مسيرة أمريكية في صباح 20/06/2019 وفي ظل التصعيد الكبير والتوتر الحاصل في مضيق هرمز، يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن رد الفعل الهجومي السريع للحرس الثوري أحبط سيناريو تجسس واستفزاز يحضر لإيران بالتزامن مع جولة “برايان هوك” المبعوث الخاص لواشنطن المعني بشؤون إيران، التي بدأت أمس في الدول الخليجية (السعودية-البحرين-الإمارات-الكويت-عمان)، وستشمل بعدها (ألمانيا-فرنسا-بريطانيا)، حيث كانت تسعى واشنطن للتجسس على المواقع القتالية الإيرانية في مضيق هرمز، والأسلحة والقواعد الموجودة، لاستخدام هذه الصور والمقاطع كوسيلة إقناع في جولاتها الدبلوماسية نحو تشكيل قوات بحرية مشتركة تعمل تحت أمرة إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كما فصلناها في تقدير سابق بعنوان: ((أزمة استهداف الناقلات النفطية (طبيعتها-الأطراف المتورطة-مستقبلها).))، وفي حين أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تجهز سيناريو مغاير تماماً، يتمثل برد فعل طبيعي متوقع باعتراض الطائرة الأمريكية عن طريق مقاتلة إيرانية، ومن ثم إسقاط المقاتلة الإيرانية في خطوة تصعيدية جديدة، تظهر فيها الولايات المتحدة أنها المتحكم والضابط للحركة الإيرانية، وتستغل في الداخل الأمريكي لحملة ترامب الانتخابية.

هذا التصور الأمريكي مبني بالأساس على تحليل النصائح الأمنية الروسية المقدمة لإيران في مواجهة المواقف المشابهة، والتي وصلت ذروتها في مشاركة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني “علي شمخاني” الاجتماع الدولي العاشر لكبار المسؤولين الأمنيين من مختلف دول العالم في روسيا 18/06/2019، وعقده سلسلة لقاءات مع مسؤولين مشاركين في الاجتماع لبحث “المبادرات السياسية والعسكرية والأمنية المشتركة وتضافر الجهود لمواجهة وإدارة التهديدات الأمنية”، حيث توقعت واشنطن أن يكون رد الفعل الإيراني مشابه لرد الفعل الروسي، والتي تقوم على اعتراض طائرات التجسس الأمريكية بمقاتلات حربية.

فعلياً أفشل الصاروخ الإيراني هذا المشهد وقلبه رأساً على عقب، وبالطبع ردة الفعل التي قام بها الحرس الثوري ليست من مبدأ الدراية بالمفاعيل الاستراتيجية، وإنما تعمل على مبدأ القرار المسبق بالحسم العسكري الكامل، دون الاشتباك مع المباشر مع العدو، وهو تكتيك عسكري اتخذته القيادة الإيرانية لإبراز أدواتها وفصائلها العسكرية على أنها تخضع لعقلية (الفاعل المجنون)، والذي يرد على الاستفزازات بخطوات عسكرية تصعيدية مقصودة بدون أي حساب للعواقب، ما يدفع الخصم للتفكير ملياً وتحمل عقلانية مفرطة في التعامل مع الموقف، على شاكلة تكتيك (الفاعل المجنون) التي تطبقه الحكومة الإسرائيلية في عدوانها على سورية، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في تجاربه النووية والصاروخية.

 

ومن الملاحظ أيضاً أن القيادة الإيرانية قررت قيادة المعركة من الخلف، حيث ظهرت قدرات كبيرة جداً ومتطورة لدى الحوثيين في الآونة الأخيرة، في استهداف المنشآت السعودية، والتوعد بطول المطارات والموانئ الإماراتية، في حين توهم طهران واشنطن بأن المواجهة قد تكون في العراق ببعض حوادث أمنية كإطلاق صواريخ مجهولة نحو السفارة الأمريكية في بغداد في 14/06/2019، وسقوط صاروخ قرب مقرات الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية بالبصرة أمس، إلا أن المواجهة الحقيقية في اليمن والتي ستتمدد بشكل متسارع جداً لتخفيف الضغط عن مضيق هرمز، بالتزامن مع رد الفعل العسكري الحاسم والسريع لأي استفزاز.

ضمن هذه المعطيات والنتائج أصبح من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقدم على أي عمل عسكري كرد على اسقاط الطائرة، نتيجة وقوعها تحت تأثير العقلانية المفرطة، ولكن ستكثف بشكل كبير تصريحاتها العدائية ونشاطها الدبلوماسي وضغوطها على حلفائها للمشاركة في المواجهة ضد إيران، بالتزامن مع زيادة دعم العمليات السعودية ضد اليمن، وهو الذي يشكل المبرر الأساسي لتوجيه لكمة قوية للكونغرس من قبل ترامب، من خلال استخدام الفيتو على قراره بمنع توريد الأسلحة إلى السعودية والإمارات على خلفية المشاركة في الحرب اليمنية.

]]>
تقدير موقف: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها. https://casrlb.com/?p=1058 Tue, 18 Jun 2019 11:22:34 +0000 http://casrlb.com/?p=1058 في سياق زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان إلى سورية 13/06/2019 واجتماعه في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور شرقي سورية مع نائب وزير الخارجية الأمريكي، جويل رابيون، والمستشار الرئيسي لقوات التحالف الدولي، ويليام روباك، وعددا من شيوخ ووجهاء وإداريين من قبائل ومجالس المنطقة، وفي إطار زيارة وفد سعودي أمريكي مشترك لمدينة الرقة ومطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى فريق إعلامي إسرائيلي من القناة 12 العبرية (الثانية سابقاً) عمل على إعداد تقارير عن مدينة الرقة بالتنسيق مع فصائل “قسد” التابعة لقوات جيش الاحتلال الأمريكي، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الإجراءات الأمريكية السعودية المشتركة في سورية ضمن مشروع الاستئصال الجيوسياسي للجغرافية السورية، حيث تعمل واشنطن على استصلاح فشل استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مواجهة الصين، الناتج عن فشل الانسحاب الأمريكي الذي كان مقرراً بعد تطبيق مشروع الربيع العربي في عام 2011، والاستعصاء العسكري الذي عانت منه واشنطن في الشرق الأوسط بسبب تحول موقف تركيا من وكيل أمريكي في المنطقة، إلى ربط حكومات الإخوان الجديدة وإحياء الإمبراطورية العثمانية بها، إضافةً إلى تمدد النفوذ الإيراني، وظهور تنظيم داعش.

هذا الاستعصاء دفع وشنطن إلى اعتماد الرياض مركزاً لثورات مضادة على الإخوان والذي شكل أحد نتائجه القطيعة مع تركيا وقطر، ودفع بالملف السوري إلى مزيد من التعقيد، ودفع بالساحة السورية إلى ساحة صراع بين غرفة عمليات تركية وفصائل تابعة لها، وغرفة عمليات سعودية على ذات الشاكلة، حتى تم إنهاء ملف الفصائل السعودية في محيط دمشق والجنوب السوري باتفاق روسي-تركي-إيراني، وسحب الفصائل التركية إلى الشمال.

لكن النفوذ السعودي في سورية لم ينته بالكامل وذلك بسبب جهود التحالف الدولي الذي قادته واشنطن في محاربة داعش، في الشمال الشرقي من سورية وإقامة قاعدة التنف على مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية لحماية الخليج من أي توجه لداعش جنوباً بعملية مولتها السعودية والإمارات لإنشاء قوات سورية الديمقراطية، وتسليم قيادتها للأكراد، منعاً لأي تحالف يمكن أن ينشأ بين القوات الجديدة وتركيا، على شاكلة تحالف النصرة مع تركيا على حساب علاقتها مع السعودية، وهو ما حول قسد إلى وريث داعش في المنطقة بعد فشل واشنطن في الاستثمار بداعش لتوجيهه نحو التمدد باتجاه تركيا وروسيا والصين، وتحولها نحو القضاء عليه نهائياً خوفاً من العمليات الروسية السورية الإيرانية المشتركة ضد داعش من أن تودي بسيطرة الجيش السوري على كل المساحات التي كان يشغلها التنظيم.

هذه الجهود الأمريكية-السعودية في تشكيل قوات سورية الديمقراطية سرعان ماتحولت إلى مشروع جديد يستهدف الحكومة السورية من جهة، والنفوذ الإيراني في سورية من جهة أخرى، بمشروع مزدوج مؤلف من مرحلتين:

المرحلة الأولى: القطع الجغرافي وترسيخ مناطق النفوذ (مناطق الاستقرار القلق سابقاً)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة مع السعودية على ترسيخ مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، ضمن منطقتين الأولى في شرق وشرق شمال سورية بالتعاون مع الرياض، وذلك بهدف الضغط على الطريق البري الذي يصل طهران بدمشق، ملحقاً بإجراءات في الأراضي العراقية، وتحويل نهر الفرات إلى حاجز جغرافي طبيعي في وجه الحكومة السورية، ليتم فيما بعد استبدال القوات الأميركية بقوات أخرى أوروبية (فرنسية-بريطانية-ألمانية) لملء الفراغ، بالتزامن مع إجراءات لضبط القلق التركي من أي تهديدات قد تشكلها قوات سورية الديمقراطية.

أما المنطقة الثانية في الشمال والشمال الغربي السوري فتعمل واشنطن على تحويل هذه المنقطة إلى ملف توافقي مع أنقرة ضد روسيا وسورية بالتفاهم معها حول مستقبل الشمال ضمن الأطماع التركية، على حساب التفاهمات الأولية السابقة مع موسكو.

كلا المنطقتين يحتويان على مايقارب 78% من القمح والماء والنفط السوري، ويشكلان جغرافيات الوصل مع دول الجوار، واقتطاع هاتين المنطقتين يعني حرمان سورية من مناطق الثقل الجيوسياسي، في مشروع يهدف إلى تفريغ الجغرافية السورية من أهيمتها الجيوسياسية ضمن منع أي تهديد للمصالح الأمريكية أو للكيان الإسرائيلي.

 

المرحلة الثانية: إعادة الإعمار اللامركزية (خطة رؤساء الأقاليم)، حيث ترتكز هذه المرحلة على ردة فعل الحكومة السورية وجهود روسيا الدبلوماسية الداعية إلى عودة اللاجئين والنازحين السوريين، وذلك من خلال فرض أقصى العقوبات الممكنة على الحكومة السورية وكل من يتعامل معها، وقطع أي إمدادات يمكن أن تأتي من الأقاليم السورية المحتلة، لتحويل عودة اللاجئين على مزيد من الضغوط والأعباء على الداخل السوري من جهة، والعمل على استقطاب اليد العاملة ورؤوس الأموال من المناطق التي التي تخضع للحكومة السورية نحو الأقاليم المحتلة من جهة ثانية، وذلك من خلال عملية استقطاب اقتصادي كبيرة تبدأ بحركة إعمار ضخمة جداً في الشرق والشمال السوري، تتيح لرؤوس الأموال حركة كبيرة وأرباح سريعة وتتيح لليد العاملة نسب أجور عالية جداً بالمقارنة مع المناطق المحاصرة التي تعاني بغالبيتها من الجوع والفقر المدقع، ومن ثم توجيه الأعداد المستقطبة للمشاركة في انتخابات تؤمن المصالح الأمريكية ضد الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بحيث يضمن المشروع الأمريكي تحويل جهود الحكومة السورية بإعادة النازحين، من جهود تضمن عدم تعرضهن للتأثير الأمريكي في الانتخابات القادمة، إلى جهود تشكل ضغطاً كبيراً مع الحصار والعقوبات على الحكومة السورية وتسهم في زيادة فشلها، وبالتالي خفض شعبيتها كأثر جانبي، وتأمن اليد العاملة ورؤوس الأموال السورية لشرعنة عملية إعادة الإعمار واستخدامها كأصوات معادية في كل من الشرق والشمال والشمال الغربي من سورية، وتنتهي المرحلة الثانية بإعلان نظام أقاليمي في سورية وإنشاء مجلس للأقليم الشرقي ومجلس للأقليم الشمالي وإعلان رئيس لكل أقليم مخول بعقد اتفاقيات تجارية واقتصادية ودبلوماسية مع أطراف خارجية باسم سورية ضمن مصالح أقليمه.

المرحلة الثانية من الاستئصال الجيوسياسي قد بدأت بالفعل بزيارة الوزير السعودي إلي مناطق قسد في سورية، وبتكثيف الجهود الروسية في إعادة النازحين السوريين، وما تصوير الوفد الإعلامي الإسرائيلي لمدينة الرقة إلا لعرض المدينة الجديدة لاحقاً والتي ستبنى بأموال سعودية-إسرائيلية مشتركة.

]]>
تقدير موقف: أزمة استهداف ناقلات النفط (طبيعتها–الأطراف المتورطة–مستقبلها). https://casrlb.com/?p=1051 Sun, 16 Jun 2019 08:32:07 +0000 http://casrlb.com/?p=1051 تعاني منطقة خليج عمان اضطرابات أمنية شديدة وذلك على أثر استهداف 4 ناقلات نفط في ميناء الفجيرة بتاريخ 12/05/2019، تلاها استهداف ناقلتين قرب ميناء جاسك الإيراني في 13/06/2019، وتتهم كل من السعودية والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إيران بالضلوع خلف هذه التهديدات والتوترات في المنطقة، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذه الحوادث الأمنية ضمن إطار التهديدات المفتعلة من قبل حلفاء واشنطن لمواجهة إيران وشن حرب مشتركة شاملة عليها، حيث يتضح وجود تباين خطير بين موقف واشنطن من المواجهة العسكرية مع إيران، وبين موقف كل من السعودية والإمارات والكيان الإسرائيلي، حيث تسعى كل الدول الثلاث السابقة نحو افتعال أسباب عمل عسكري من خلال التهديدات الأمنية التي يتم التخطيط لها بعناية فائقة لجر واشنطن للحرب الشاملة ضد إيران على غرار حرب الغواصات النازية حيث استهدفت الغواصات الألمانية سفن الإمداد القادمة إلى بريطانيا في محاولة لقطع الإمداد عنها، وتسبب إغراق سفن أمريكية في دخول الولايات المتحدة الأمريكية للحرب العالمية الثانية إلى صالح دول الحلفاء، لكن بفارق بسيط عن الواقع الراهن، يكمن في أن حوادث خليج عمان منذ تفجير ناقلات النفط الأربع في ميناء الفجيرة الإماراتي، وبعدها استهداف سفينتين بطوربيدات وألغام ملصقة مسبقاً، يحمل بصمات لجهة صاحبة السوابق المماثلة من التوريط الاستخباراتي القذر، كالكيان الإسرائيلي الذي برع في مثل هذه العمليات كحادثة 08/07/1967 والتي استهدف فيها الكيان الإسرائيلي سفينة أمريكية “USS Liberty”، لجر واشنطن للحرب بعد اتهام مصر بالعملية، والتي تم كشفها من قبل الإدارة الأمريكية دون تحريك ساكن.

 

أسلوب التنفيذ وتوقيته الذي تزامن مع مغادرة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من طهران بدون أي نتائج تذكر، ودقة الاستهداف مع العلم المسبق بوجود 11 مواطن روسي على أحد هاتين الناقلتين، لدفع موسكو نحو ردة فعل مضادة، وتعليق “يوتاكا كاتادا”، مالك ومشغل ناقلة كوكوكا، أحد البواخر المستهدفة أن تكون الألغام هي السبب، نافياً بذلك الرواية الأمريكية، حيث أكد على مشاهدة أجسام تشبه الطوربيدات تصطدم بالسفينة، وذلك وفقاً لتعليقه على موقع “The Mind Unleashed” الأمريكي للاخبار، يشير بشكل غير قابل للشك بدور غرفة العمليات الاستخباراتية العسكرية المشتركة (الإسرائيلية-السعودية-الإماراتية-الاستخبارات العسكرية الأمريكية)، والتي أثبتنا وجودها وطبيعة عملها في مقال ((الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!!))،

 تلك الأطراف السابقة كانت تنتظر ردة فعل طهران على الرسالة الأمريكية  لممارسة أقصى أنواع الضغوط على البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووضعه تحت تبعات القفزات الفجائية لأسعار النفط، لجره إلى الحرب ضد طهران، ظناً منها أن الوقت يمر في صالح إيران وتطوير قنبلتها النووية، والذي يعني تزايد مخاطر وتكاليف العمل العسكري مع مرور الوقت،  حتى تصبح أمراً مستحيلاً، ويقوم منظور التكلفة ودور عامل الوقت في زيادتها  بالمقارنة بين تكاليف الوضع الراهن، والتكاليف التي تم تقديرها في عام 2012 عندما اقترح الكيان الإسرائيلي شن عملية عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

 

وفي آخر تقدير لتكلفة الحرب المباشرة ضد طهران والتي وصلت إلى 7 تريليونات دولار، بالإضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تمنع دونالد ترامب وإدارته من تحقيق الحلم الأمريكي-الصهيوني بتدمير البرنامج النووي والبالستي الإيراني، لكن لا تمنع الحلم ذاته ومساعي تحقيقه كأهداف استراتيجية، حيث بدأت واشنطن بالتفكير بطريقة تخفيض تكاليف الحرب وضمان نتائجها، وعلى شاكلة سيناريو الغزو العراقي، ليس هناك أفضل من تقاسم هذه التكلفة على عدة دول فيما بينها تشترك بتوجيه ضربة ضد إيران، وتواجه إيران بالمقابل الكثير من الأعداء الأقوياء إلى درجة تصبح القدرة على إنهاء الحرب وضمان نتيجتها أمراً محسوماً، بمعنى آخر بناء تحالف دولي ضد إيران ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار العالمي من وجهة النظر الأمريكية.

 

هذا التحالف سيتم  تشكيله على مرحلتين، الأولى تتلخص في اتهام إيران دون تثبيت التهم بشكل مطلق، ثم الاتجاه نحو تشكيل قوة بحرية مشتركة بين واشنطن وحلفائها مهمتها حماية الاساطيل البحرية المدنية، ومن شأن ذلك أن يعزل القوة الإيرانية وسيطرتها عن مياه الخليج، ويشدد الرقابة على ناقلاتها وحركة قواتها البحرية، بالتالي حصار دولي غير مباشر ضد إيران، وهي خطوة قد بدأت مناقشتها بالفعل، ويتم اقتراح المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة كجهة حيادية تقود هذه العملية.

أما الخطوة الثانية فتكمن في استجرار طهران لإبداء أي رد فعل ضد القوات البحرية المشتركة والتي تقودها أحد المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ليتم على الفور طلب جلسة طارئة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تتخذ قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء، ولا يوجد فيتو فيها لأحد على عكس مجلس الأمن، وطرح عملية عسكرية ضد طهران تحت غطاء أممي شرعي، ما يعني أن الحوادث الأمنية في الخليج ستستمر حتى تشكيل القوة البحرية المشتركة لكن بوتيرة تتناسب مع جدية العواصم الحليفة لواشنطن ومدى تقييمها للمخاطر في المنطقة.

بالمحصلة ستنجح واشنطن بتشكيل القوة البحرية المشتركة، ولكن من الصعب جداً أن تنجح في تأمين غطاء أممي لأي ضربة ضد طهران، لذلك في حال إصرارها على استجرار الحرب سيترتب عليها تحمل التكلفة الباهظة هي وحلفائها، بحرب لن تقتصر حينها على المنشآت والبرامج الاستراتيجية العسكرية لإيران، وإنما تدمير إيران بالكامل أو خسارة الحرب بالكامل.

]]>
الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!! https://casrlb.com/?p=1013 Tue, 11 Jun 2019 08:47:24 +0000 http://casrlb.com/?p=1013 صلاح النشواتي- المدير العام

في ظل الصراع بين القوى الثلاث الأساسية في الشرق الأوسط متمثلةً بكل من (إيران-تركيا-السعودية) سعت إيران إلى رسم تحالف جديد يتناسب مع طبيعة نظامها السياسي الإسلامي، حيث تمكنت طهران من إيجاد صيغة شرق أوسطية مرضية تتلخص في تحالف إثنان ضد الثالث، والذي تبلور منذ وصول حركة الإخوان المسلمين إلى الحكم في تركيا، ومن ثم انطلاق ثورات الربيع العربي الإخوانية، والتي نالت مباركة إيرانية قبل أن تدرك طهران أن الثورات بأكملها ليست أكثر من أجندة فرعية لواشنطن في عهد أوباما ضمن استراتيجية كبرى، ما دفع طهران إلى اتخاذ مواقف حازمة وسريعة ضد هذه الثورات وخصوصاً عندما وصل مدها إلى سورية، ولكن سرعان ما تغير الموقف الإيراني من الإخوان في المنطقة بعد أن انقلبت الإدارة الأمريكية على تركيا بثورات مضادة بسبب إحيائها الحلم العثماني مع الحكومات الإخوانية في المنطقة عام 2013 وسعيها لملئ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي المجدول سابقاً في 2011 من العراق وأفغانستان.

هذا الانقلاب الأمريكي سمح لطهران بإعادة تنسيقها وتواصلها مع الحركات الإخوانية في كل المنطقة، باستثناء الملف السوري التي أخذت على عاتقها الإبقاء على التحالف مع البعث السوري والدولة السورية، فتلخص دعمها للجيش السوري بمحاربة داعش والفصائل التابعة للسعودية بالشراكة مع تركيا في إطار استانا الذي نظمه ووضع إطاره الروس في إعلان موسكو 30/12/2016 كحصاد للإنقاذ والدعم الروسي والإيراني المقدم لأردوغان عشية الإنقلاب التركي المدبر أمريكياً من قاعدة أنجرليك التابعة للناتو في 15/07/2016.

وبعد انتهاء معركة ريف دمشق التي انقضت باتفاق ثلاثي (تركي-روسي-إيراني) على سحب الفصائل التابعة لتركيا والإيقاع بالفصائل السعودية، وبعدها معركة الجنوب التي ضغط فيها الكيان الإسرائيلي على السعودية بإنهاء تواجد فصائلها جنوباً خوفاً من فتح معركة تصل إلى الجولان السوري المحتل، لم يتبقى سوى منطقة الشمال السوري ضمن اتفاق استانا، والتي تعد منطقة المصالح التركية، ليطلق الجيش السوري معركة إدلب في الشهر الماضي بالشراكة مع روسيا (ذكرنا تفاصيلها في مقال سابق بعنوان واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو).

هذه المعركة أوصلت طهران إلى اللحظة الحرجة، التي ظهر أنه لابد من مواجهتها مهما طال الزمن، فهي أمام أحد خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن يشارك الحرس الثوري الإيراني مع قواته الرديفة في معركة إدلب، ويخسر بالمقابل آخر قوة إقليمية حليفة له (تركيا-قطر) في وجه واشنطن، ويخسر أيضاً تحالفه الكامل مع الإخوان المسلمين وبالأخص حركة حماس، أو ينأى بنفسه عن معركة إدلب، ويكتفي بالمراقبة.

 

فعلياً اختار الحرس الثوري الخيار الثاني، فيما يتعلق بمعركة إدلب رغم كل ضراوتها وشراستها، كونه الخيار الأكثر منطقية بالنسبة لمصالحه، لكن الخيار الثاني حمل معه إجراءات أكبر بكثير من عدم المشاركة في المعركة حفاظاً على العلاقات التركية-الإيرانية، حيث اتضح أن هذا الخيار شمل مشاركة الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم الكامل لقوات الوفاق الوطني الإخوانية في ليبيا في حربها ضد قائد الجيش الليبي المشير “خليفة حفتر”، حيث رصدت المواقع المسؤولة عن تتبع الحركة الجوية طائرة شحن ليبية بتوقيت  10:45 مساءً من طراز “Ilyushin Il-76TD”  خرجت من مطار طرابلس الليبي في رحلة ذهاب وعودة باتجاه سورية، وقامت بإطفاء جهاز التتبع الخاص بها، في حركة مشابهة تماماً لسلوك الحرس الثوري الإيراني مع ناقلات نفطه، حيث يقوم بإطفاء أجهزة التتبع للناقلات بعد عبورها مضيق ملقا في سنغافورا، كأسلوب للالتفاف على العقوبات الأمريكية الجائرة على إيران، ومن ثم يقوم ببيعها في السوق السوداء الصينية، واستلام ثمنها عن طريق شركات نصف وهمية بين آسيا وأوروبا، ما يعني أن طائرة الشحن القادمة من ليبيا في 01/06/2019 كانت تتجه نحو مطار التيفور العسكري السوري الذي يتواجد فيه الحرس الثوري لتلقي الدعم، والذي تعرض في مساء ذات اليوم لعدوان إسرائيلي عنيف.

هذه المعطيات تضعنا أمام سؤالين مفصليين:

الأول: ماذا قدمت إيران لحكومة الوفاق الإخوانية في ليبيا ولماذا؟

الثاني: لماذا قام الكيان الإسرائيلي باستهداف مطار التيفور بعد الرحلة الليبية إليه؟

 

يتضح من خلال المصادر الإعلامية أن طهران كانت تقدم عناصر الطائرات المسيرة بالإضافة إلى تقنياتها إلى ليبيا انطلاقاً من سورية، حيث أشار مسؤول رفيع في حكومة الوفاق الوطني، في تصريح لصحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية، أن القوات الحكومية حصلت في الأيام الأخيرة على طائرات مسيرة، وتمكنت من تحديثها لتبدأ استخدامها عند جبهات القتال مع قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر في محيط العاصمة طرابلس، وبعيداً عن التحالف الوثيق بين إيران والإخوان، تأتي ليبيا في أولويات الدعم بالنسبة للحرس الثوري لهدف استراتيجي أعمق، حيث تحارب حكومة الوفاق قائد الجيش الليبي “خليفة حفتر” المدعوم من السعودية، والتي تسعى الرياض وحلفها في دعم حفتر لبسط كامل نفوذه على ليبيا، للتحكم فيما بعد بإنتاج النفط الليبي، بالتالي استخدامه بالتوافق مع واشنطن لتغطية النقص في المعروض من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، بالنفط الليبي، دون أن تتأثر الأسواق وأسعارها، تحت إشراف مباشر من الرياض والقاهرة، وهو أمر لاترغب به طهران على الإطلاق، بل على العكس، حيث تسعى للضغط على الموقف الأمريكي من خلال الإبقاء على الإنتاج الليبي معطلاً، بالتالي الضغط على أسعار النفط نحو الصعود، والذي لاتستطيع الإدارة الأمريكية تحمله طويلاً، إضافة إلى أن خطورة العقوبات الاقتصادية على القطاع النفطي الإيراني لاتنحصر فقط بخفض المبيعات وتضاؤل الواردات، بل بخسارة طهران لزبائنها وحصتها السوقية بشكل دائم من جهة، ولخروج الكثير من الآبار النفطية القديمة في حال التوقف عن الانتاج وحاجتها إلى مبالغ طائلة لإصلاحها من جهة ثانية.

أما العدوان الإسرائيلي في تلك الليلة على مطار التيفور السوري، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أو التحليل، بأن التنسيق (السعودي-الإماراتي-الأمريكي-الإسرائيلي) هو تنسيق رباعي في إطار غرفة عمليات استخباراتية عسكرية مشتركة، تعمل على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع.

هذه المواجهة بين السعودية وإيران في ليبيا كساحة جديدة، دفع بمجلس الأمن للانعقاد وتمديد قراره رقم “2420” القاضي بحظر توريد الأسلحة للأطراف الليبية، كما دفع بروسيا إلى التدخل ومحاولة إيقاف المعركة الدامية التي تجري بين الطرفين الليبين، حيث أرسلت موسكو بنائب وزير خارجيتها سيرغي فيرشينين في 10/06/2019 ليلتقي بمساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة علي أصغر حجي، لتتركز المحادثات على العديد من الملفات أهمها ليبيا.

وبالرغم من الحرص الروسي على تخفيض مستوى الزيارة، ربما لإخفاء أهميتها، إلا أن الملفت في الأمر أن نائب وزير الخارجية الروسي ناقش في طهران الملفات المشتركة جملة واحدة، مع العلم أن موسكو تؤيد سيطرة خليفة حفتر على طرابلس، دون أن تدعمه بشكل مباشر، وبمجرد مناقشة الملفات على شكل حزمة واحدة بين الطرفين الروسي والإيراني، يتم قراءتها على أن موسكو تفاوض طهران للتخلي عن دورها في ليبيا ومساعدة الجيش السوري في إدلب، مقابل تعهد موسكو بتنشيط ودعم الحراك الأوروبي لإنقاذ الاتفاق النووي، بالإضافة إلى ضمانات أمنية بعدم تأييد التصعيد الأمريكي ضد ظهران، ووقف الصراع الناعم في سورية بين الطرفين والذي تمثل بتيارات العلمانية تارةً، وطرح موضوع عودة حماس إلى سورية تارةً أخرى، وتوحيد الجهود نحو الاستقرار في المنطقة وتركيب معادلة أمن إقليمية برعاية روسية، تخدم مصالح جميع الأطراف على حساب المعادلة الأمنية التي تحاول واشنطن فرضها، وتبقى التفاهمات الروسية-الإيرانية الجديدة بما تتضمنه من مشاكل الملف الفلسطيني والتصدي لصفقة القرن، رهينة نتائج الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية.

]]>