إدلب – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Thu, 08 Aug 2019 08:18:26 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 مشاركة المركز في تقرير وكالة سبوتنك حول العملية التركية المرتقبة وأثرها على الملف السوري. https://casrlb.com/?p=1235 Thu, 08 Aug 2019 08:15:16 +0000 http://casrlb.com/?p=1235
تواصل وحدات الجيش السوري عملياتها العسكرية في ريف حماة الشمالي حيث حررت أمس واليوم عدة بلدات استراتيجية وأشرفت على بلدتي كفرزيتا واللطامنة في عمق محور القتال، مع استمرار الاستهداف الجوي لمواقع “النصرة” في أرياف حماة وإدلب.

أطلقت الحكومة السورية عمليتها العسكرية لتحرير ما تبقى من الشمال السوري تحت سيطرة الجماعات المسلحة في شهر مايو/ أيار الماضي، بعد تعزيزات جرارة وإمدادات عسكرية كبيرة.

وتمكن الجيش السوري خلال العملية التي أطلقها في شهرمايو الماضي من تحرير عدة بلدات هامة في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي مثل كفرنبودة والمضيق والحماميات والقصيبة والأربعين والزكاة، موقعا خسائر كبيرة بالتنظيمات المسلحة المنتشرة على طول المحاور وجبهات القتال.

وبالتوازي مع العمليات البرية، تشن المقاتلات الحربية الروسية والسورية وسلاح المروحيات عمليات وغارات على مواقع التنظيمات المسلحة في ريف حماة الشمالي وعمق ريف إدلب شملت حتى مواقع للنصرة في مدينة إدلب نفسها.

تصريحات دمشق تشير إلى عمل عسكري كبير وقالت أن الجيش السوري سوف يحرر إدلب كاملة، وهذا يعني دخول الجيش السوري إلى كامل محافظة إدلب، وفي هذه الحالة، فإن الخبراء يختلفون حول مصير النقاط التركية وحتى المدى الذي ستصل إليه العملية العسكرية للجيش السوري.

فمن الخبراء من رأى أن تقدم الجيش السوري وانهيار المجموعات المسلحة بالتوازي مع توجه تركيا للتركيز على شرق الفرات سوف يؤدي إما إلى سحب نقاطها أو إبقائها من دون أن يقترب الجيش السوري منها ناريا بحيث تشارك في تنظيم أي ترتيبات على الأرض، ومنهم من رأى أن المدى المنظور هو إما تصعيد تركي أمريكي ضد الجيش السوري في جبهات القتال في حال اتفقت واشنطن وأنقرة على شرق الفرات، أو تفاهم روسي تركي يؤدي إلى تراجع المسلحين 20 كم مع بقاء التنسيق بالدوريات الروسية التركية.

اعتبر المحلل السياسي والعسكري الدكتور كمال جفا، في حديثه لوكالة “سبوتنيك” أن تركيا أقرب ما تكون لتوجيه تركيزها نحو محاربة الفصائل الكردية شرق الفرات وبالتالي ترك ساحة الاشتباك في إدلب أمام ما أسماه الإعصار السوري الروسي، وقال:

“مضى أكثر من عام على اتفاق سوتشي وبدء نشرالنقاط التركية الـ12 والتي كانت مهمتها الإشراف على عملية انسحاب الفصائل المسلحة من المنطقة المتفق عليها في سوتشي تمهيدا لعملية تطبيع تدريجية تؤدي الى دخول مؤسسات الدولة السورية المدنية والخدمية تدريجيا وتطبيق وتهدئة وتسوية اوضاع المسلحين والمدنيين الذين يحملون في صحيفتهم مخالفات وجرائم”

وأضاف الدكتور جفا: “نكست تركيا بوعودعا بل وضاعفت حجم إمداداتها ودعمها للتنظيمات المسلحة وأمنت لها مسرح عمليات مريح وآمن لمعاودة هجماتها على قوات الجيش والمناطق الآمنة…  اليوم تبدل الموقف وتركيا أخذت ما تحتاجه وأكثر لتحديد خياراتها في موائمة العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة والتلاعب بين المكاسب التي ستجنيها من الطرفين لكن الافتراق أقرب اليوم مع واشنطن وفشل الاتفاق على المنطقة الآمنة سيجرف تركيا إلى ضفة روسيا وخاصة أنها أنهت استعداداتها لبدء عمليتها المنتظرة في شرق الفرات وهذا يعني حكما تحول الأولويات إلى الشمال الشرقي وترك أدواتها في إدلب يواجهون الإعصار السوري الروسي”.

وتابع “فشل المجموعات الجهادية في تحقيق أي مكسب رغم المهل الممنوحة لهم من قبل تركيا والضغط التركي على الفصائل المحلية لتكون رأس الحربة في عملية شمال شرق الفرات سيؤدي إلى إلغاء دور نقاط المراقبة وعدم جدوى استمرار تواجدها وبالتالي قد تنسحب أو قد تبقى بدون فاعلية مع الحرص السوري على عدم استهدافها وتحاشي إيقاع أي خسائر بها مع اقتراب دائرة النار منها لكي تكون مشاركة في أي ترتيبات على الأرض بعد كسر شوكة المجموعات الإرهابية في معاقلها الأخيرة في إدلب”.
وختم الخبير: “مادامت العين التركية على إنهاء دولة الأمر الواقع “القسدية” والتي تستميت أمريكا لخلقها فلا يمكن أن تستقر تركيا أو تهنأ بسلام دائم وهذا يساعد في تحقيق رؤية الدولة السورية في فرض الأمان والاستقرار على إدلب على مراحل ستكون إدلب وجنوبها تحت سيطرة الدولة السورية في المدى المنظور وستترك عفرين وأعزاز والباب وشمال شرق سورية لحين الوصول إلى حل سياسي وانتخابات برلمانية ورئاسية”.

فيما كان لمدير مركز الدراسات  الإنتروستراتيجية في بيروت صلاح النشواتي رأيا مغايرا لراي الدكتور كمال جفا، وأوضح لوكالة “سبوتنيك”:

“إذا نجح التنسيق والعملية الأمريكية التركية المشتركة حول شرق الفرات فإن الاتجاه سيكون نحو المزيد من الضغط على الحكومة السورية في إدلب عسكريا، وقد يكون هناك هجوم مضاد،  وإذا لم ينجح التنسيق الأمريكي التركي فسيكون التنسيق بين روسيا وتركيا ضد أمريكا وبهذه الحالة ستطبق تركيا اتفاق أستانا بسحب القوات عشرين كيلو بدون تقدم للجيش السوري والإبقاء على نقاط المراقبة التركية وتسيير دوريات مشتركة تركية روسية”.

وقال: “بالنسبة لتركيا فإن إطلاق عمليتها شرق الفرات تمثل أولوية أولى لأنقرة، بداعي تخفيف الضغط الناجم عن ازدياد عدد اللاجئين السوريين في الداخل التركي، ورغبة الحكومة التركية بضخهم إلى الشمال السوري لإنشاء حزام بشري عازل على طول الحدود السورية التركية، لمنع المنطقة الشمالية الشرقية في سورية من التحول لمنطقة آمنة لحزب الكردستان العمالي في حربه مع الجيش التركي، أي أن كل من أنقرة وحزب العمال الكردستاني في سباق لتجعل شمال شرق سورية منطقة آمنه لصالح، هذه المخاوف تتفهمها كل من واشنطن وموسكو، بل في الحقيقة تحولت إلى نقطة للتجاذب من قبل أمريكا وروسيا”.

وبرأي النشواتي فإنه: “وفي حين أن إطلاق عملية عسكرية شرق الفرات على طول الحدود سيتطلب الكثير من القوات، والتي سيتم سحبها من جبهة إدلب التي تضغط عليها عمليات الجيش السوري بقوة، إلا أن المسارعة الأمريكية للتنسيق حول هذه العملية مع أنقرة والتوصل مؤخراً إلى اتفاق ثنائي بهذا الشأن، حرم الحكومة السورية من فرصة مهمة في تخفيف الضغط القادم من جبهة إدلب وتسريع وتيرة تحرير الأراضي من سيطرة المجموعات التركية، وحرم موسكو من الدخول على خط الأزمة واختراق حاجز النهر كحاجز للنفوذ الروسي في سورية، بالتالي في حال نجاح التنسيق الأمريكي التركي حول المنطقة الآمنة، فهذا سيؤدي بالضرورة إلى إطلاق هجوم واسع ومنسق من قبل الطرفين في إدلب ضد كل الحلف الروسي السوري، بالتزامن مع ممارسة الضغط الأممي على الحكومة السورية، أما في حال فشل الجهود الأمريكية في احتواء تركيا، فستكون الفرصة سانحة أمام روسيا لاختراق النهر، وأمام الحكومة السورية بتحصيل تنازلات كبيرة من تركيا أقلها في التطبيق الفعلي لاتفاق أستانا بحسب المجموعات المسلحة 20كم عن خط الاشتباك”.

]]>
تقدير موقف: منظومة S-400 في “تركيا” خطوة نحو فرض معادلة (الشمال السوري مقابل القرم). https://casrlb.com/?p=1167 Fri, 05 Jul 2019 12:50:55 +0000 http://casrlb.com/?p=1167  

تستعد تركيا لاستلام منظومة الدفاع الجوي الروسية إس400 في النصف الأول من هذا الشهر، حيث أكد الرئيس التركي “أردوغان” وصول المنظومة إلى بلاده خلال 10 أيام، بالتزامن مع عمليات البناء الجارية لجدار تركي عازل حول مدينة عفرين في الشمال الغربي من سورية، والترتيبات العسكرية التركية داخل محافظة إدلب السورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الأهداف الاستراتيجية التركية غير المعلنة في سورية، واستخدام أنقرة لمنظومة إس400 كأداة لتحقيق هذه الأهداف.

 

استغلال تركيا للمساعي والجهود الأمريكية والروسية في سورية:

تعمل تركيا في بناء تفاهماتها الثنائية مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على حدى، على أساس النفوذ التركي في الشمال السوري، والدور الذي يلعبه الشمال كعامل عدم استقرار للأمن القومي بحسب تقدير أنقرة، وتستغل أنقرة هذه التفاهمات لبناء مسار خاص لمصالحها على حساب مصالح وأهداف كل من واشنطن وموسكو في سورية، فمن جهة تكرس أنقرة المشروع الأمريكي في شرق سورية والهادف إلى عزل سورية عن إيران، من خلال الوصول إلى شكل جديد للنظام السوري، يسمح بحكم ذاتي للأقاليم السورية، ويضمن حرية أكبر في اتخاذ القرار، والمفصل سابقاً في تقدير موقف بعنوان: (الاستئصال الجيوسياسي أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها)، وذلك بمشاركة المخاوف التركية من عودة محافظة إدلب إلى سيطرة الحكومة السورية مع الإدارة الأمريكية، وأثّر ذلك على إظهار الوجود الأمريكي في سورية كعقبة أخيرة في استقرار البلد، وعلى مستقبل الحل السياسي للأزمة السورية، وقد نالت أنقرة دعمًا أمريكيًّا سابقًا بتفاهمات ثنائية سلّمت من خلالها واشنطن غرفة عمليات إدلب إلى أنقرة، والذي قدّره المركز سابقاً تحت عنوان: (معركة إدلب ومستقبلها)، ومن جهة أخرى تستثمر تركيا في الجهود الروسية لحل الأزمة السورية من خلال ثلاثية أستانا، وتضغط نحو تشكيل لجنة دستورية بمعايير تسمح لأنقرة ضمان حصتها من التأثير في القرار السياسي السوري، وخصوصاً في الشمال السوري كمنطقة نفوذ تركية، وتمرّر بذلك مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ورؤيتها لشكل النظام السوري الجديد بالنيابة عن الإدارة الأمريكية.

 

استخدام أنقرة للأهمية الجيوسياسية لتركيا لتحقيق أهدافها:

الإدراك الصحيح للحكومة التركية بأهمية اصطفافها بين المحور الأطلسي والمحور الأوراسي، مكّنها من جمع المتناقضات مع بعضها البعض، وممارسة الضغط على كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ففي حين أن أنقرة تنضوي تحت مظلة ثلاثية أستانا، وتعقد صفقات عسكرية مع الروس كمنظومة إس-400، وصفقات طاقوية كمدّ أنبوب الغاز التركي الروسي المشترك، تستثمر هذه الإجراءات للضغط على الإدارة الأمريكي لمراعاة مصالح تركيا الخاصة تحت وطأة الانزياح نحو المحور الأوراسي، وبالمقابل تضغط على موسكو من خلال  سعي الحكومة التركية لخلق ثلاثية ثانية على غرار الأولى تتألف من (الولايات المتحدة الأمريكية – تركيا – أوكرانيا)، وأنشأت في سبيل ذلك المجلس الاستراتيجي التركي الأوكراني، وتمنتع عن الاعتراف بعودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

كلا الدولتين، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، لا تستطيعان المغامرة بخسارة إحداهما لتركيا لصالح الدولة الأخرى، فلا واشنطن تستطيع تحمل تبعات انزياح أنقرة كرأس حربة للناتو ضد روسيا من المحور الأطلسي، ولا موسكو تستطيع تحمل عودة تركيا إلى الدور الأساسي لها في الناتو لما يشكله ذلك من تهديد على مستقبل الوجود الروسي في البحر الأبيض المتوسط وفي البحر الأسود.

هذه الضغوطات أجبرت روسيا بقبول السلوك الأرعن لتركيا في الشمال السوري ودعمها للكثير من التنظيمات الإرهابية، وأجبرت إدارة ترامب على غض النظر عن صفقة إس-400 الروسية، لتستثمر أنقرة هذه المكاسب بتعزيز وجودها في إدلب والعمل على نشر المنظومة الدفاعية الروسية على الحدود الشمالية لسورية، بالتالي تحقيق أول أهدافها غير المعلنة بإقامة منطقة حظر طيران في الشمال السوري، وتحويل كامل الشمال إلى منطقة آمنة لتركيا وجماعاتها، أما الهدف الثاني فهو بدء ضخ اللاجئين السوريين من الأراضي التركية نحو شمال شرق سورية، والعمل على خلق شريط بشري عازل بينها وبين قوات سورية الديمقراطية، ولو استدعى ذلك القيام بعملية عسكرية تركية تحت مظلة المنظومة الدفاعية الجديدة لتحقيق هذا الهدف.

 

الهدف الاستراتيجي التركي للشمال السوري:

الهدفان السابقان لتركيا بالتزامن مع دعم ما يسمى بالحكومة السورية المؤقتة ووضع الشمال تحت سيطرتها من الناحية الشكلية وتحت إشراف تركي، والضغط نحو منح الشمال نوعاً من الحكم الذاتي في ناتج أيّة تسوية سياسية للأزمة السورية، ستشكل بالمجمل الأرضية الصلبة لسلخ الشمال وضمها نحو الأراضي التركية، بخطوة مستقبلية بعد تسوية الأزمة السورية، تحاكي استفتاء القرم، وتعلن عن انضمام الشمال السوري إلى الأراضي التركية باستفتاء شرعي، وتقوم بطرح مبادلة الاعتراف الروسي بنتائج الاستفتاء التركي، باعترافها بنتائج استفتاء القرم، وقطع التواصل مع المكونات ذات الأصول التركية في شبه الجزيرة الروسية، كنوع من إرث حزب العدالة والتنمية بتوسيع الأراضي التركية.

 

هذه الأهداف التركية ستخلق مزيداً من التصعيد في الشرق الأوسط خلال القادم من الأيام، وتعقّد العلاقات بشكل أكبر بين دول المنطقة، كما أن نجاح المشروع التركي من فشله مرهون بنتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم، وشكل علاقته بالتيارات والأحزاب القومية داخل تركيا.

]]>
الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!! https://casrlb.com/?p=1013 Tue, 11 Jun 2019 08:47:24 +0000 http://casrlb.com/?p=1013 صلاح النشواتي- المدير العام

في ظل الصراع بين القوى الثلاث الأساسية في الشرق الأوسط متمثلةً بكل من (إيران-تركيا-السعودية) سعت إيران إلى رسم تحالف جديد يتناسب مع طبيعة نظامها السياسي الإسلامي، حيث تمكنت طهران من إيجاد صيغة شرق أوسطية مرضية تتلخص في تحالف إثنان ضد الثالث، والذي تبلور منذ وصول حركة الإخوان المسلمين إلى الحكم في تركيا، ومن ثم انطلاق ثورات الربيع العربي الإخوانية، والتي نالت مباركة إيرانية قبل أن تدرك طهران أن الثورات بأكملها ليست أكثر من أجندة فرعية لواشنطن في عهد أوباما ضمن استراتيجية كبرى، ما دفع طهران إلى اتخاذ مواقف حازمة وسريعة ضد هذه الثورات وخصوصاً عندما وصل مدها إلى سورية، ولكن سرعان ما تغير الموقف الإيراني من الإخوان في المنطقة بعد أن انقلبت الإدارة الأمريكية على تركيا بثورات مضادة بسبب إحيائها الحلم العثماني مع الحكومات الإخوانية في المنطقة عام 2013 وسعيها لملئ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي المجدول سابقاً في 2011 من العراق وأفغانستان.

هذا الانقلاب الأمريكي سمح لطهران بإعادة تنسيقها وتواصلها مع الحركات الإخوانية في كل المنطقة، باستثناء الملف السوري التي أخذت على عاتقها الإبقاء على التحالف مع البعث السوري والدولة السورية، فتلخص دعمها للجيش السوري بمحاربة داعش والفصائل التابعة للسعودية بالشراكة مع تركيا في إطار استانا الذي نظمه ووضع إطاره الروس في إعلان موسكو 30/12/2016 كحصاد للإنقاذ والدعم الروسي والإيراني المقدم لأردوغان عشية الإنقلاب التركي المدبر أمريكياً من قاعدة أنجرليك التابعة للناتو في 15/07/2016.

وبعد انتهاء معركة ريف دمشق التي انقضت باتفاق ثلاثي (تركي-روسي-إيراني) على سحب الفصائل التابعة لتركيا والإيقاع بالفصائل السعودية، وبعدها معركة الجنوب التي ضغط فيها الكيان الإسرائيلي على السعودية بإنهاء تواجد فصائلها جنوباً خوفاً من فتح معركة تصل إلى الجولان السوري المحتل، لم يتبقى سوى منطقة الشمال السوري ضمن اتفاق استانا، والتي تعد منطقة المصالح التركية، ليطلق الجيش السوري معركة إدلب في الشهر الماضي بالشراكة مع روسيا (ذكرنا تفاصيلها في مقال سابق بعنوان واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو).

هذه المعركة أوصلت طهران إلى اللحظة الحرجة، التي ظهر أنه لابد من مواجهتها مهما طال الزمن، فهي أمام أحد خيارين أحلاهما مرّ، فإما أن يشارك الحرس الثوري الإيراني مع قواته الرديفة في معركة إدلب، ويخسر بالمقابل آخر قوة إقليمية حليفة له (تركيا-قطر) في وجه واشنطن، ويخسر أيضاً تحالفه الكامل مع الإخوان المسلمين وبالأخص حركة حماس، أو ينأى بنفسه عن معركة إدلب، ويكتفي بالمراقبة.

 

فعلياً اختار الحرس الثوري الخيار الثاني، فيما يتعلق بمعركة إدلب رغم كل ضراوتها وشراستها، كونه الخيار الأكثر منطقية بالنسبة لمصالحه، لكن الخيار الثاني حمل معه إجراءات أكبر بكثير من عدم المشاركة في المعركة حفاظاً على العلاقات التركية-الإيرانية، حيث اتضح أن هذا الخيار شمل مشاركة الحرس الثوري الإيراني في تقديم الدعم الكامل لقوات الوفاق الوطني الإخوانية في ليبيا في حربها ضد قائد الجيش الليبي المشير “خليفة حفتر”، حيث رصدت المواقع المسؤولة عن تتبع الحركة الجوية طائرة شحن ليبية بتوقيت  10:45 مساءً من طراز “Ilyushin Il-76TD”  خرجت من مطار طرابلس الليبي في رحلة ذهاب وعودة باتجاه سورية، وقامت بإطفاء جهاز التتبع الخاص بها، في حركة مشابهة تماماً لسلوك الحرس الثوري الإيراني مع ناقلات نفطه، حيث يقوم بإطفاء أجهزة التتبع للناقلات بعد عبورها مضيق ملقا في سنغافورا، كأسلوب للالتفاف على العقوبات الأمريكية الجائرة على إيران، ومن ثم يقوم ببيعها في السوق السوداء الصينية، واستلام ثمنها عن طريق شركات نصف وهمية بين آسيا وأوروبا، ما يعني أن طائرة الشحن القادمة من ليبيا في 01/06/2019 كانت تتجه نحو مطار التيفور العسكري السوري الذي يتواجد فيه الحرس الثوري لتلقي الدعم، والذي تعرض في مساء ذات اليوم لعدوان إسرائيلي عنيف.

هذه المعطيات تضعنا أمام سؤالين مفصليين:

الأول: ماذا قدمت إيران لحكومة الوفاق الإخوانية في ليبيا ولماذا؟

الثاني: لماذا قام الكيان الإسرائيلي باستهداف مطار التيفور بعد الرحلة الليبية إليه؟

 

يتضح من خلال المصادر الإعلامية أن طهران كانت تقدم عناصر الطائرات المسيرة بالإضافة إلى تقنياتها إلى ليبيا انطلاقاً من سورية، حيث أشار مسؤول رفيع في حكومة الوفاق الوطني، في تصريح لصحيفة “ذي إندبندنت” البريطانية، أن القوات الحكومية حصلت في الأيام الأخيرة على طائرات مسيرة، وتمكنت من تحديثها لتبدأ استخدامها عند جبهات القتال مع قوات “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير خليفة حفتر في محيط العاصمة طرابلس، وبعيداً عن التحالف الوثيق بين إيران والإخوان، تأتي ليبيا في أولويات الدعم بالنسبة للحرس الثوري لهدف استراتيجي أعمق، حيث تحارب حكومة الوفاق قائد الجيش الليبي “خليفة حفتر” المدعوم من السعودية، والتي تسعى الرياض وحلفها في دعم حفتر لبسط كامل نفوذه على ليبيا، للتحكم فيما بعد بإنتاج النفط الليبي، بالتالي استخدامه بالتوافق مع واشنطن لتغطية النقص في المعروض من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات، بالنفط الليبي، دون أن تتأثر الأسواق وأسعارها، تحت إشراف مباشر من الرياض والقاهرة، وهو أمر لاترغب به طهران على الإطلاق، بل على العكس، حيث تسعى للضغط على الموقف الأمريكي من خلال الإبقاء على الإنتاج الليبي معطلاً، بالتالي الضغط على أسعار النفط نحو الصعود، والذي لاتستطيع الإدارة الأمريكية تحمله طويلاً، إضافة إلى أن خطورة العقوبات الاقتصادية على القطاع النفطي الإيراني لاتنحصر فقط بخفض المبيعات وتضاؤل الواردات، بل بخسارة طهران لزبائنها وحصتها السوقية بشكل دائم من جهة، ولخروج الكثير من الآبار النفطية القديمة في حال التوقف عن الانتاج وحاجتها إلى مبالغ طائلة لإصلاحها من جهة ثانية.

أما العدوان الإسرائيلي في تلك الليلة على مطار التيفور السوري، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أو التحليل، بأن التنسيق (السعودي-الإماراتي-الأمريكي-الإسرائيلي) هو تنسيق رباعي في إطار غرفة عمليات استخباراتية عسكرية مشتركة، تعمل على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع.

هذه المواجهة بين السعودية وإيران في ليبيا كساحة جديدة، دفع بمجلس الأمن للانعقاد وتمديد قراره رقم “2420” القاضي بحظر توريد الأسلحة للأطراف الليبية، كما دفع بروسيا إلى التدخل ومحاولة إيقاف المعركة الدامية التي تجري بين الطرفين الليبين، حيث أرسلت موسكو بنائب وزير خارجيتها سيرغي فيرشينين في 10/06/2019 ليلتقي بمساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة علي أصغر حجي، لتتركز المحادثات على العديد من الملفات أهمها ليبيا.

وبالرغم من الحرص الروسي على تخفيض مستوى الزيارة، ربما لإخفاء أهميتها، إلا أن الملفت في الأمر أن نائب وزير الخارجية الروسي ناقش في طهران الملفات المشتركة جملة واحدة، مع العلم أن موسكو تؤيد سيطرة خليفة حفتر على طرابلس، دون أن تدعمه بشكل مباشر، وبمجرد مناقشة الملفات على شكل حزمة واحدة بين الطرفين الروسي والإيراني، يتم قراءتها على أن موسكو تفاوض طهران للتخلي عن دورها في ليبيا ومساعدة الجيش السوري في إدلب، مقابل تعهد موسكو بتنشيط ودعم الحراك الأوروبي لإنقاذ الاتفاق النووي، بالإضافة إلى ضمانات أمنية بعدم تأييد التصعيد الأمريكي ضد ظهران، ووقف الصراع الناعم في سورية بين الطرفين والذي تمثل بتيارات العلمانية تارةً، وطرح موضوع عودة حماس إلى سورية تارةً أخرى، وتوحيد الجهود نحو الاستقرار في المنطقة وتركيب معادلة أمن إقليمية برعاية روسية، تخدم مصالح جميع الأطراف على حساب المعادلة الأمنية التي تحاول واشنطن فرضها، وتبقى التفاهمات الروسية-الإيرانية الجديدة بما تتضمنه من مشاكل الملف الفلسطيني والتصدي لصفقة القرن، رهينة نتائج الزيارة المقبلة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السعودية.

]]>
تقدير موقف: معركة إدلب ومستقبلها https://casrlb.com/?p=1005 Sat, 08 Jun 2019 09:56:28 +0000 http://casrlb.com/?p=1005 شكلت معركة أدلب مساحة إضافية لواشنطن لفرض معادلتها للأمن الأقليمي في الشرق الأوسط كونها دفعت كل أعداء سورية إلى تجاوز خلافاتهم، كواشنطن وأنقرة، حيث انقلبت الولايات المتحدة الأمريكية على توافقها مع روسيا حول مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق، مقابل تفاهمات بينية بين واشنطن وتركيا تقضي بتسليم غرفة عمليات إدلب لأنقرة، وهي تسعى في سبيل ذلك لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: الضغط على موسكو وإحراجها بتبني موقف معادي لطهران في سورية، وليس الاكتفاء بالحياد الروسي السوري كما التوافقات السابقة.

الهدف الثاني: يكمن في وضع مصالح أنقرة في مواجهة مباشرة مع المصالح الروسية، كرأس حربة ضد روسيا في سورية، ما يشكل بدوره ضغطاً كبيراً على العلاقة التركية الروسية، وعائقاً أمام تطورها، يمكن الاستفادة منه في الضغط على أنقرة للتخلي عن صفقة S-400.

هذين الهدفين لخدمة غرض أساسي يكمن في تفكيك نواة المعادلة الروسية للأمن الأقليمي المتمثلة بثلاثية استانا والتي ستحل محلها المعادلة الأمنية الأمريكية لضمان المصالح الأمريكي بتطويق إيران، وحشر روسيا في دور الحامي للامن القومي الإسرائيلي، وشرطي منع التصادم.

أما مايخص مستقبل المعركة فهي برمجت منذ اللحظة الأولى للصمت الأمريكي عنها، وعن سيناريوهاته الكيميائية، لتكون معركة استنزاف لجميع الأطراف بلا استثناء، حتى لجبهة النصرة، بغرض تصفية أكبر عدد ممكن من الأجانب، كتنقية ناتجة عن الاستنزاف، مع الحرص على عدم تحقيق الجيش السوري والقوات الروسية أي تقدم يقلب الموازين، لتقوم أمريكا فيما بعد بالضغط لوقف إطلاق النار، ودمج جبهة النصرة فيما تبقى بداخلها من السوريين بالتسوية السياسية، لتكون مكوناً مهدداً بعدم الاستقرار الدائم لاحقاً.

]]>
واشنطن تمارس الخداع المزدوج ضد طهران وموسكو!! https://casrlb.com/?p=968 Fri, 24 May 2019 08:47:49 +0000 http://casrlb.com/?p=968 صلاح النشواتي

لاتزال الإدارة الأمريكية تعيش أحلك لحظاتها في صراع مستمر وشرس لتحقيق استراتيجيتها على المستوى الدولي، ساعية إلى تدمير أي قوة منافسة أو حضارة ناهضة ممكن أن تهدد التفوق أو التفرد الأمريكي على العالم، مستخدمة كل أنواع القوة وأشكالها في خدمة هذا الغرض، بحيث باتت تعرّف واشنطن مصالحها القومية بما يشمل أكثر من 90% من دول العالم بفضاءاتها الحقيقية والافتراضية -كمساحات للنشاط الجيوبولتيكي الأمريكي- والموزعة على شكل كتل أقليمية يتم ربطها بمعادلات للأمن الأقليمي ضمن الصيغة الأمريكية المفروضة، وذلك لضمان النفوذ والسيطرة على كل كتلة على حدى، ومع ظهور القوى الكبرى المنافسة للقوة الأمريكية، بدأت التكتلات الأقليمية بالتفكك بفعل تداخل مناطق النفوذ، ومحاولة الخصم فرض معادلته في الأقاليم التي يعتبرها مساحات نشاطه الجيبولتيكي الحقيقية، أي أنها مواجهة واسعة النطاق بين القوى الكبرى رابحها من يستطيع ربط أكبر عدد ممكن من الكتل الأقليمية بمصالحه القومية تحت منظار أمن قومي مشترك وواضح بمعادلات محكمة، وقد شكل الشرق الأوسط أحد أعقد هذه الأقاليم وأكثرها ألتهاباً وتداخلاً، فبالنظر إلى أهمية موقعه ومزاياه الجيوسياسية من ناحية الإشراف على أهم طرق الملاحة البحرية، أو من ناحية الثروات الطبيعية والتنوع البيئي، يدرك أن من يفرض معادلته الأمنية يربح المنطقة لصالحه، ويرتكز بها للوصول إلى مناطق أخرى، في مسعى للتوسع بأشكاله المعاصرة المختلفة.

هذه القواعد هي التي تضبط آليات الصراع الراهن في الشرق الأوسط، وتتحكم في اتجاهه بين قواه الأقليمية و تأثير القوى الكبرى، ومما لا شك فيه أن الجهود الروسية في تجنب أي مواجهات أو استنزاف هنا أو هناك بلغت أوجها شهر نيسان الماضي، حيث توجه لافرنتييف لعرض صفقة مع الرياض حول مستقبل سورية في محورها العربي التي يجب أن تعود إليه بصفتها دولة عربية، أو تحمّل مواجهة سورية غريبة مقسمة بين إيران وتركيا، موجهاً من خلال هذه المبادرة دعوة لواشنطن للتفاهم من جديد بعد أن استعصى الوضع في سورية كمفتاح لأمن الشرق الأوسط وترتيب اصطفافاته، والذي مالبث أن اشترط الرئيس الأسد على لافرنتييف بدء عملية تحرير إدلب كإعلان لصدق النوايا السعودية، ومن ثم يتم فتح ملف التمويل الخليجي للأكراد، في حال أردات السعودية حقاً عودة سورية إلى الخط العروبي.

المبادرة الروسية التي حملها المبعوث الخاص للرئيس الروسي لاقت استحساناً أمريكياً، ففي نهاية المطاف تسعى واشنطن إلى تطويق إيران في المنطقة وفرض الصيغة الأمريكية الأمنية، وجعل روسيا جزء من هذه الصيغة أو المعادلة في الشرق الأوسط، وبما أن المبادرة تضمن تحييد سورية عن أي مواجهة مع إيران ضد القوات الامريكية أو ضد حليفتها إسرائيل، فلا مشكلة في إطلاق عملية إدلب بتفاهم روسي أمريكي، شرط أن تنحصر حدود هذه العملية على تأمين محيط القاعدة الروسية في سورية والتي تتعرض للقصف بشكل مستمر من فصائل تديرها الاستخبارات الأمريكية، مقابل نأي البيت الأبيض بنفسه مع مسرحياته الكيميائية جانباً.

في هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحضر خدعة جديدة في الخليج بعد ضمان انشغال روسيا والجيش السوري بمعارك طاحنة في إدلب، حيث عملت على رفع التوتر والتصعيد بشكل كبير في المياه الخليجية، وزادت قواتها في المنطقة تحت ذريعة أخطار إيرانية محدقة على المصالح الأمريكية وحلفائها، ليظن الجميع أن هناك معركة قادمة لامحالة، أو على الأقل مواجهة محدودة هنا أو هناك، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية في استهداف السفارة الأمريكية في بغداد وقبلها استهداف سفن تجارية في ميناء الفجيرة الإماراتي و استهداف أنابيب نفط سعودية بغض النظر أيها الملفق لإيران وإيها حقا قامت به القوات الحليفة لها، ما خلق جرعة كبيرة من الخوف والوقوف الحرفي على الهاوية، وفي حين تعمل واشنطن على طرح التفاوض مع الإيرانيين، إلا أن هذا الطرح ليس إلا ورقة إنتخابية لترامب في حال انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية، أما الهدف الأساس من كل هذا التصعيد هو البدء بإطلاق المعادلة الأمريكية للأمن الأقليمي، ليس التفاوض ولا حتى الحرب، وذلك من خلال البدء بتنفيذ إجراءات صفقة القرن دون الإعلان عن طبيعة هذه الإجراءات أو ارتباطها بالصفقة من جهة، وإعلان قمة عسكرية تعيد صياغة القوى العربية في تحالف قومي جديد يشكل الضامن العسكري والأمني للمعادلة الأمريكية في الشرق الأوسط من جهة أخرى، بما يعيق (بالشراكة مع الحصار والعقوبات) تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة في حال الانسحاب الأمريكي نحو الصين.

ولضمان نجاح التطبيق العملي للمعادلة الأمنية الأمريكية كان لابد من الحرص على تدمير الصيغة الثلاثية لاستانا (إيران-تركيا-روسيا) بشكل كامل، كونها تشكل نواة حقيقية للمعادلة الأمنية الروسية، فقامت واشنطن سابقاً بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية لقطع علاقاته مع الإخوان المسلمين، ولتطويق جهوده في العراق، وبدأت بزرع بذور الشقاق بين طهران وموسكو بعد ذلك من خلال التفاهمات لاحقة، وقد ظهر مفعول ذلك جلياً بعد تصريح الرئيس بوتين حول الاتفاق النووي الإيراني وتحميل إيران المسؤولية في حال الانسحاب منه، إضافة إلى الإعلان غير المباشر بتخلي موسكو عن طهران في هذه الحالة، حيث عبر عن ذلك الرئيس الروسي بقوله: “روسيا ليست فريق إطفاء حرائق”.

وفي الطرف المقابل عملت واشنطن على إعادة تسليم غرفة قيادة العمليات في إدلب لتركيا، بعد أن كانت تخضع للاستخبارات الأمريكية في مقابل اتفاق سابق فاشل يتعلق بدخول تركيا إلى الشرق السوري بعد استبدال النفوذ الأمريكي-التركي بين إدلب وشرق الفرات، لتكون بالمحصلة قد أخلت مسؤوليتها أمام التفاهمات مع موسكو، وجعلت من تركيا رأس حربة تهدد مسار العمليات العسكرية في إدلب وتهدد أيضاً أمن القاعدة الروسية في حميميم، خاصة بعد مبادرة لافرنتييف بين الرياض ودمشق على حساب أنقرة وطهران، لتتحول بعدها إدلب إلى عملية استنزاف لكل الأطراف بلا استثناء في مسعى أمريكي لإضعاف الجميع، وساحة إشغال كبيرة تمارس من خلالها الإدارة الأمريكية كل أنواع الابتزاز السياسي والدبلوماسي بغية فكفكة أي تعاون أوروبي روسي جديد في الشرق الأوسط، متذرعة باستخدام الأسلحة الكيميائية في إدلب ورمي الإتهامات المفبركة هنا وهناك، ما يتيح للإدارة الأمريكية نكز الجرح الأوروبي المرتبط بقضية اغتيال العميل السوفييتي السابق سكريبال في سالزبوري البريطانية باستخدام سلاح كيميائي، والتحريض ضد روسيا وسورية في الداخل الأوروبي.

مجمل هذه الأحداث والوقائع والتي تبدو عشوائية هي تفاصيل بمجموعها تشكل الصورة الكاملة التي تسعى إليها الإدارة الأمريكية، وتتلخص هذه الصورة بفرط الوحدات المكونة للأقليم في الشرق الأوسط وإعادة ترتيبها على قاعدة معادلة الأمن الأقليمي الأمريكية، مع الحرص على تحويل روسيا إلى جزء من هذه المعادلة لتقويض نفوذها وتسييره بالضرورة لخدمة أهداف ذات المعادلة، والمفاتيح الأخيرة التي تسمح بإطلاق المعادلة هي الحدود العراقية-السورية، حيث سيتركز كل الضغط الأمريكي القادم عليها، بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في الداخل العراقي وتحويل العراق إلى بيئة وعرة لطهران، بعد استهداف العلاقة بين كل من إيران وتركيا.

هذه التكتيكات الجديدة نوعاً ما بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية تعد مؤشراً مهماً على فهم ترامب حدود الأسلحة الاقتصادية كالعقوبات والفصل الاقتصادي للدول من الشبكات الدولية، حيث كان يعتقد في السابق أنها أسلحة كافية لربح أي مواجهة وتدمير أي خصم، ليتضح له فيما بعد أنها لازمة ولكن غير كافية بعد أن أهمل السياسة والخدع السياسية في العلاقات الدولية لصالح الوقاحة والتصريحات الشعبوية، وتعتبر الخلافات الداخلية في البيت الأبيض من جهة، وبين البنتاغون والخارجية من جهة أخرى، أحد المظاهر الخادعة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لتشويش الصورة الكلية التي تعمل على تركيبها، وأيضاً لخداع الخصوم حول أجنداتها والتي كان ترامب قد كشف أغلبها كنوع من التحدي الشعبوي أمام دول العالم في القدرة على تحقيقها وهي مكشوفة بالمطلق.

بالمحصلة نحن أمام مزيد من التصعيد والتلاعب السياسي، وبما لا شك فيه نحن أمام حقبة جديدة من الخداع والتكتيكات السياسية، والتي ستسارع كل الأطراف اعتمادها قريباً ضد بعضها البعض كنتيجة حتمية لانتشار حالة عدم اليقين، إلى حين فرض إحدى القوى الكبرى لمعادلتها للأمن الأقليمي بشكل مطلق، وهذا لايعني زوال لقوى أو دمار قوى أخرى، وإنما يعني ضبط إيقاع المنطقة بما يخدم مصالح وأجندات الطرف المستفيد على حساب ردود أفعال الأطراف الموجودة.

 

 

]]>