أمريكا – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Sun, 05 Jan 2020 10:09:56 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 قضيّة “سليماني” بين عقدة السفارة وخط الدّم https://casrlb.com/?p=1283 Sun, 05 Jan 2020 09:58:29 +0000 http://casrlb.com/?p=1283  

د.عباس مزهر

تصاعدت مؤخّرًا وتيرة الصراع الأميريكي الإيراني في الشرق الأوسط بدرجة حادة، بلغت أعتاب الأعمال الحربية، بدءً من اغتيال قيادات لمحور المقاومة في “سوريا” على يد جيش الكيان الإسرائيلي، وما تلاها من ردود فعل عسكرية لهذا المحور، مرورًا بالعمليات الإيرانية ضدّ ناقلات النفط في الخليج، واعتراض أربعة سفن تجارية، واحتجاز الباخرة البريطانية، وإسقاط الطائرة الأميريكية المسيّرة، والهجوم الخطير على منشأتين نفطيّتين من مرافق شركة “أرامكو” في “السعودية”، وصولاً إلى سلسلة الهجمات الصاروخية المحدودة على القواعد العسكرية الأميريكية في “العراق”، واغتيال كبير المقاولين الأميريكيين المتعاقد مع قاعدة “كركوك”، ممّا دفع أميريكا إلى اتهام إيران” بالوقوف وراء العمليات الأخيرة التي نفّذها الحشد الشعبي العراقي، فقامت بقصف مقرّاته ومخازنه وقتل عدد من مقاتليه. وما لبث أنْ تطوّر النزاع ليبلغ حدًّا هائلاً لا تطيقهُ “أميريكا”، وهو محاصرة سفارتها في “بغداد” واقتحامها وإشعال أسوارها وإحراق العلم الأميريكي الذي كان يعتليها، وإطلاق شعارات طرد الأميريكيين من البلاد. وقد بدا المشهد مشابهًا لاقتحام السفارة الأميريكية في “طهران” عام 1979 أثناء إندلاع الثورة الإسلامية في “إيران”، وهي العقدة التي لم تتعافَ منها “واشنطن” حتى اليوم، حيث لم تتحمّل تكرارها مما لها من تبعات مقلقة على هيبة “الولايات المتحدة الأميريكية” ومفهوم قوّتها ونفوذها، فأرادت رسم خط أحمر بدماء “قاسم سليماني”، على اعتبار أنّه الرجل الإيراني الثاني بعد المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وقائد العمليات العسكرية لمحور المقاومة في “الشرق الأوسط”.

لقد كان اللواء “سليماني” هدفًا للرصد والمتابعة الأميريكية منذ فترة طويلة، لكنّ قرار اغتياله لم يكن واردًا على الإطلاق لما له من تبعات وخيمة وعواقب تفجيريّة. لذلك يأتي تنفيذ هذه العملية المعقّدة كدلالة على مدى شدّة المأزق العميق للوجود الأميريكي في المنطقة، وعلى هول مهاجمة سفارتها في “العراق”. وقد وضعت الاستخبارات العسكرية الأميريكية كلّ إمكاناتها التكنولوجية الضخمة من أقمار اصطناعية ووسائل التعقّب وتقنيات التجسس لتصفية “سليماني”، فاستهدفت – بطائرة مسيّرة – موكبَهُ المؤلّف من مركبتين على طريق مطار “بغداد” الدولي، بالتنسيق مع عامل بشري على الأرض ساهم في تسهيل العمل التجسّسي والوصول إلى دائرته الضيّقة، مما يضع “العراق” والمنطقة في زاوية قاسية وحامية يُمكن أنْ تُبدّل أوجه الصراع والموازين الاستراتيجية فيه، خاصةً وأنّ هذه العملية تُعتبر انتهاكًا سافرًا لسيادة الدولة العراقية وللأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وقد أودت بحياة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعترف به رسميًّا من الحكومة العراقية “أبو مهدي المهندس”، الذي ساند الجيش العراقي في محاربة تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب.

مارست “إيران” عبر السنوات الأخيرة ضغوطًا عسكرية وسياسية تُهدّد الوجود الأميريكي في المنطقة، حيث دعمت الرئيس السوري “بشار الأسد” – عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا – في مواجهة المشروع الأميريكي، وبدأت بتصعيد الضغط على الأميريكيين في “العراق” بهدف إخراجهم منه: بدءً من دعم وتدريب الحشد الشعبي وتزويده بالمال والسلاح الذي ينفّذ بهِ عملياتهِ العسكرية ضدّ الأميريكيين، مرورًا بالمناورة البحرية المشتركة التي أجرتها مع “روسيا” و”الصين” في المحيط الهندي، وصولاً إلى طرح مشروع في مجلس النواب العراقي ينصّ على خروج القوات الأميريكية من “العراق”. وهذا ما ترفضه “أميريكا” جملةً وتفصيلاً، لأنّه يكشف ظهرها في “سوريا” ويُفقدها القدرة على اللعب بالمتناقضات كورقة “الأكراد” والفتن المذهبية، ويُضعف نفوذها في المنطقة، وبالتالي يُهدّد كامل وجودها في “الشرق الأوسط”. بِيدَ أنّ “الولايات المتحدة الأميريكية” ضاقت ذرعًا بالإكراهات الاستراتيجية التي تفرضها “طهران” على وجودها في المنطقة، خاصةً وأنّ المشروع الجيوبوليتيكي الأميريكي يقتضي تثبيت وتكريس وجودها في “العراق”، وذلك لأهداف عديدة: حماية مصالحها في “الشرق الأوسط”، ضمان أمن “الكيان الإسرائيلي”، السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وحركة تجارة النفط، ومحاصرة دول الممانعة، تهميدًا لعزل “روسيا” وقطع طريق الحرير على “الصين”. وقد قامت “أميريكا” بجهود جبّارة لدخول المنطقة عسكريًّا باحتلال أفغانستان عام 2001 بعد استغلال أحداث 11 أيلول وتدمير برجَي التجارة العالميَّين، وكذلك خوض حرب على “العراق” لاحتلاله في العام 2003، فلن ترضى بذهاب جهودها هباءً. لذلك أرادت رسم خط أحمر جديد يتعلّق بوجودها في “العراق”، فقامت باغتيال “سليماني” لتغتال بهِ مشروع محور المقاومة – باعتباره رأس الحربة فيه – القاضي بإخراج “أميريكا” من الأراضي العراقية والسورية، وتوهين وجودها في المنطقة لاحقًا.

وبناءً على ما تقدّم كانت أولى الخطوات الأميركية – بعد اغتيال “سليماني” وتذرّعًا بأيّ ردّ إيراني – تعزيز تواجدها في “العراق” عبر إرسال 3500 جندي أميركي، حيث سينضمّ إليهم 750 آخرين يتمّ استقدامهم من “الكويت”. فقد جاءت هذه العملية رسالةً صارمة إلى “طهران” بأنّ الوجود الأميريكي في “العراق” خطٌّ أحمر لن تسمح “واشنطن” بتجاوزه، وقد ظهر ذلك واضحًا في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأميريكية “مايك بومبيو” مع مسؤولي بعض الدول: روسيا، فرنسا، باكستان، السعودية والعراق نفسه، حيث اعتبر هذا الحدث عملية دفاعية بهدف التصدي لهجمات يُخطّط لها “سليماني” ضد أهداف أميريكية، وأنّ إيران تقوم بأنشطة تُهدّد استقرار المنطقة، مؤكّدًا أنّ “واشنطن” عازمة على حماية مصالحها ومنشآتها في المنطقة. ويبدو أنّ “أميريكا” تريد إخضاع “إيران” لإرادتها ودفعها خارج الجغرافيا العراقية، ورسم خرائط جديدة للصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

من المُلفت أنّ هذا النوع من العمليات التصفوية هو أسلوب جيش الكيان الإسرائيلي والموساد، وليس الأسلوب العسكري والاستخباراتي الأميريكي. فالولايات المتحدة الأميريكية عندما تُشخّص حالة عدائية لمصالحها تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية يتمّ تنفيذها عبر القوات الأميريكية بشكل مختلف عن الاغتيالات المعتمدة إسرائيليًّا. وغالبًا ما تستهدف “أميريكا” – وفق هذه الطريقة – قادة تنظيمات وليس قادة عسكريين لدول، علمًا أنّ محاولات اغتيال “سليماني” السابقة كانت إسرائيلية، لاسيما محاولة اغتياله في “إيران” خلال مراسم عاشوراء الفائتة. لذلك يبدو التأثير الإسرائيلي واضحًا في طريقة اغتيال قائد فيلق القدس الفريق “سليماني”، ورغم التصريحات الإسرائيلية بعدم سعي “تل أبيب” إلى استهدافه إلّا أنّ بصماتها واضحة فيه، وكذلك تأييد الحكومة الإسرائيلية للعملية الأميريكية يكشف رغبتها فيما حدث. وفي كلّ الأحوال يُعتبر حادث الاغتيال الأميريكي جريمة دولية وإرهاب دولة، ومخالفًا لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

إنّ اغتيال اللواء “قاسم سليماني”، الرجل الأقوى في المنطقة ومهندس محور المقاومة كان مفاجئًا وصادمًا، ليس ل”طهران” فحسب، بل للعالم بأسره، فيما لهذا الاغتيال من كسر لنسق المواجهة التقليدي. لذلك جاء حضور المرشد الأعلى السيّد “علي خامنئي” اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لأول مرّة دلالةً على فداحة الفعل الأميريكي الذي هزّ العالم، ورسالة واضحة لرأس الهرم الأميريكي “ترامب” الذي اتخذ شخصيًّا قرار الاغتيال من رأس الهرم الإيراني الذي تولّى شخصيًّا اتخاذ قرار الردّ. ومن الصعب جدًّا التنبّؤ بهذا الردّ، كونهُ مرتبطًا بالبيئة الاستخباراتية العسكرية وطبيعة تقييم الأهداف ومآلات استهدافها، ولكن هناك ساحات عديدة وواسعة أمام الإيرانيين قد تكون في دائرة الاستهداف، منها: القواعد الأميريكية في “العراق” و”سوريا” و”الخليج”، ناقلات النفط أو السفن التجارية في مضيق “هرمز”، أو السفارات الأميريكية في المنطقة، أو مهاجمة حلفاء “واشنطن” عبر حلفاء “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، الأمر الذي سيكون الأكثر دراماتيكية في حال تمّ التنسيق معها للقيام بردّ فعل عابر للحدود. وسيكون محور المقاومة أمام فرصة لإقرار قانون خروج الأميريكي المقدّم في مجلس النواب العراقي والذي اتخذ مسوّغًا أقوى ليتقرّر بعد الاعتداء السافر على السيادة العراقية بالعملية الأميريكية، وكذلك اشتداد المقاومة العراقية ضد الأميريكيين باعتبارهم قوة احتلال، أضف إلى ذلك إعادة محاصرة السفارة الأميريكية في “العراق”، وربّما توسيع رقعة الاحتجاجات ضد سفارات أميركية في المنطقة.

بالعودة إلى ما أسميناه “عقدة السفارة”، تشكّل السياسة الخارجية “للولايات المتحدة الأميريكية” أسُس حضورها العالمي وهيبتها وشخصيّتها المعنوية، وسفارتها تُعتبر أرضًا أميريكية وفقًا للقوانين الدولية. ولا يزال اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميريكية في “طهران” خلال الثورة “الخمينيّة” يُشكّل عقدة في الوعي السياسي الأميريكي وفشلًا ذريعًا غير مسبوق للدبلوماسية الأميريكية، حيث تمّت مصادرة الوثائق السرية للسفارة واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن ممّا سبّب آنذاك أزمة دولية كبيرة، وكذلك مشكلة في الداخل الأميريكي جعلت الرئيس “جيمي كارتر” عام 1980 يقوم بعملية “مخلب النسر” في الأراضي الإيرانية لكسب الانتخابات الأميريكية، لكنّ العملية فشلت واستتبعت نتائج عكسية أدّت إلى خسارته لصالح “رونالد ريغان” الذي استغلّ حادثة السفارة في حملتهِ الانتخابية، وقام بحلّ الأزمة بالتفاوض الدبلوماسي الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاقية “الجزائر” عام 1981 بين “طهران” و”واشنطن” لتُفضي إلى الإفراج عن الرهائن الدبلوماسيين الأميريكيين بعد دقائق من أداء الرئيس “ريغان” قسم اليمين أمام الكونغرس.

لقد فجّر مشهد اقتحام السفارة الأميريكية في “بغداد” ذعرًا وجوديًّا ل”أميريكا”، حيث أعاد إلى أذهان الأميريكيين مشهد اقتحام سفارتهم في “طهران”، وهذا ما يُوجع “الولايات المتحدّة الأميريكية” ويصيبها في مقتل، خاصة أنّ مكانتها في العالم تعتمد على هيبتها ونفوذها، فلن تتحمّل أيّة ضربة في مركّب القوّة لديها. واليوم تُعاني “أميريكا” من أزمة تدبير قوّتها في “الشرق الأوسط” والعالم، ويواجه “ترامب” أزمة داخلية يسعى إلى الخروج منها. وقد تكون إهانة السفارة الأميريكية في “بغداد” سببًا لإنهاء عهد “ترامب” مثلما كانت إهانة السفارة الأميريكية في “طهران” سببًا لإنهاء عهد “كارتر”، الذي زاد درامية الأزمة بعملية “مخلب النسر”. وقد تُسفر عملية “البرق الأزرق” التي أطلقها “ترامب” لاغتيال “سليماني” عن عواقب وخيمة على عهدهِ، وتكون سببًا لخسارتهِ الانتخابات المقبلة أمام رئيس آخر يُعيد معالجة الأزمات مع “طهران” بالدبلوماسية. كلّ ذلك مرهون بالردّ الإيراني الذي لا مناص من أنّه آتٍ بقسوة وحزم، إنطلاقًا من خط الدمّ الذي حدّدته “الولايات المتّحدة الأميريكية”.

]]>
مشاركة في برنامج بلا قيود على إذاعة سبوتنك (الحرب التجارية الأمريكية الصينية) https://casrlb.com/?p=1238 Thu, 08 Aug 2019 08:38:14 +0000 http://casrlb.com/?p=1238 طالبت بكين الشركات الحكومية بالتوقف عن شراء المنتجات الزراعية الأمريكية رداً على تصعيد الرئيس ترامب حربه التجارية ضد الصين إذ أنه أعلن الأسبوع الماضي عن خطط لفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10 بالمئة على واردات صينية بقيمة 300 مليار دولار.

وتصاعدت التوترات التجارية بين البلدين ، عندما هبطت العملة الصينية (اليوان) لأدنى مستوى خلال 11 عاماً أمام الدولار، مما زاد المخاوف من أن بكين عمدت فعل ذلك لتعزيز صادراتها.

مدير مركز الدراسات والأبحاث  الإنتروستراتيجية في بيروت صلاح النشواتي في حديث ل ” بلا قيود” اعتبر أن “العقوبات التجارية الجديدة التي فرضتها واشنطن على الصين خطوة إلى الوراء في مسار المفاوضات التجارية  وأن الحرب التجارية هي التي تحكم العلاقة بينهما”

وقال النشواتي: “بالرغم من أن بكين وواشنطن أعلنتا ما يشبه الهدنة  في قمة أوساكا لدول مجموعة العشرين في اليابان، إلا أن هذه الانتكاسة في السمار التفاوضي هو أمر طبيعي، ولا يمكن لهذه الحرب أن تنتهي بطريقة جيدة نظراً للأسباب التي تقوم عليها، فواشنطن أكبر قوة أقتصادية في العالم، وهي لا تنازع الصين على الحاضر، وإنما تتخوف من استمرار صعود الصين بذات المنحنى البياني الإيجابي، ما يعني أن المستقبل في هذا السيناريو حكماً لبكين، حيث يشكل فرق الميزان التجاري الصيني الأمريكي لصالح بكين، ومشاريع الصين الانتاجية الضخمة والمتنامية وعملها على تصديرها لكل الكوكب سببان رئيسيان في بدء هذه الحرب المدمرة” 

وأشار النشواتي إلى أن “إدارة ترامب أدركت أن الرؤية الأمريكية تجاه الصين على أنها معمل أمريكي ضخم  خارج الحدود قد بدأت تتغير بحقيقة الأمر الواقع، بانطلاق الصناعات التقليدية والصناعات التكنولوجية  الحكومية الخاصة بالصين، لتصبح أحد أكبر منافسي الشركات الأمريكية على مستوى سوق الدولتين وعلى مستوى العالم “

ونوه النشواتي: ” أن انخفاض قيمة اليوان الصيني، ستؤدي بالضرورة إلى تحييد الزيادة السعرية على السلع والمنتجات الصينية لصالح انخفاض السعر الأصلي، ما يعني أن السلعة الصينية لن يتغير سعرها في السوق الأمريكية، حتى بعد فرض الرسوم، إلا أن هذه السياسة النقدية لا تصلح كحل دائم، بالرغم من أنها تعمل على تصريف الانتاج وتدارك الكساد السلعي، فهي تؤثر مستقبلاً على نسب النمو الاقتصادي للصين، أي أن هذه السياسة النقدية هي لعبة عض أصابع بين واشنطن وبكين، في سباق للتضحية في زيادة نسب النمو مقابل تفادي الدخول بمرحلة الانكماش، وبالتالي الوصول إلى مرحلة الكساد والركود الاقتصادي”

وأضاف النشواتي أن “الرد الأمريكي على سياسة الصين النقدية بتصنيفها كدولة متلاعبة بعملتها سيمكن واشنطن كحد أدنى من فرض عقوبات اقتصادية على الصين ومنعها من المشاركة في عقود المشتريات الحكومية للمؤسسات الفدرالية الأمريكية كخطوة تمثل شرخاً جديداً في العلاقة الاقتصادية بين البلدين “

وختم النشواتي بقوله: “عموماً الحرب التجارية بين الطرفين لن تتوقف، نظراً لتعارض أهداف الدولتين بشكل كبير فيما يتعلق بدور كل دولة على مستوى العالم، فواشنطن تسعى نحو إرضاخ الصين كاقتصاد مخدم للاقتصاد والإنتاج الأمريكي، وبكين تسعى نحو غزو كل الأسواق العالمية بكميات إنتاج يصعب على أي اقتصاد في العالم منافسة أسعاره المنخفضة والناجمة عن كم الانتاج الهائل وحجم التشغيل الكبير.

ومن الممكن في مثل هذه الحالة التوصل إلى حل وسط في حال تعاظم خسائر الطرفين، وفي حال فشلت المشاريع الأمريكي الأخرى كافتعال الأزمات الجيوسياسية الضاغطة على الصين، بحيث تتقاسم الدولتين أسواق العالم باتفاقيات تجارية تحد من قدرة الطرفين على التأثير السلبي بالمستقبل الاقتصادي لأي منهما، وتنمع النظام الشيوعي في الصين من احكام قضبة سياسية مركزية على توجهات الاقتصاد الخارجية.”

للاستماع إلى الحلقة كاملة اضغط هنا.

]]>
تقدير موقف: ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى أزمة الاستراتيجية الروسية في الشراكة الجديدة مع الصين. https://casrlb.com/?p=1231 Tue, 06 Aug 2019 13:04:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1231 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تعليق التزاماتها بمعاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى (INF)، في شباط/فبراير من عام 2019، كرد على انتهاك موسكو المزعوم للمعاهدة التي تحظر تطوير الصواريخ العاملة في مدى (500-5000كم)، بعد تطوير روسيا لسلسلة من الصواريخ للمنظومة التكتيكية المتنقلة ألكسندر 9M، كان آخرها صاروخ (9М729-Novator) الذي يصل مداه إلى 480كم، ويستطيع تخطي الصواريخ الاعتراضية بقدرته العالية على المناورة في مستويين أثناء التحليق نحو الهدف، وقد علَّقت موسكو العمل بالمعاهدة كرد جوابي، معتبرةً أن الصاروخ السابق لا يشكل خرقاً للمعاهدة، على عكس استخدام الولايات المتحدة منظومة “الصواريخ الأهداف” ونشرها منصات إطلاق من نوع “MK-41” في أوروبا، وقد أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا انسحابهما الرسمي من المعاهدة في 02/08/2019، لتشرع بعدها واشنطن بالدعوة لمعاهدة جديدة، أكثر شمولاً وحداثة، تكون الصين طرفاً فيها، بالتزامن مع إعلان واشنطن عزمها نشر صواريخ متوسطة المدى في منطقة آسيا والهادئ، وفي هذا الإطار يقدِّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية التطورات المرتبطة بفسخ المعاهدة السابقة في سياق الانهيار المخطط للاستقرار الاستراتيجي في العالم، والمرتبط بالاستراتيجيات الدولية السابقة لكل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والصين، للفترة الممتدة بين 2008-2018، كما يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن الشراكة الاستراتيجية الجديدة بين الصين وروسيا، التي أدت إلى دمج استراتيجيتي الدولتين، في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية، تواجه عقبات كبيرة ناجمة عن آثار الاستراتيجية الروسية السابقة.

 

الاستراتيجية الروسية وأهدافها السابقة:

كانت ولاتزال الاستراتيجية الدولية الروسية تعمل على ركيزتين أساسيتين، الأولى خلق هيكلية اقتصادية عالمية تعددية جديدة، تكون موازية للأمريكية، والثانية تصحيح الأخطاء التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في السابق، كل ركيزة من هاتين الركيزتين تعمل كموجه للسياسة الخارجية الروسية، وأجنداتها، حيث يعتبر سباق التسلح أحد أهم أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي تداركته موسكو بالتطوير النوعي السري لترسانتها العسكرية بالخفاء، بالتزامن مع إطلاق إدارة أوباما استراتيجيتها المتضمنة الانسحاب من الشرق الأوسط، باتجاه الصين، بحيث تستطيع موسكو تفادي الصدام، وتطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، لمواجهة المنتصر في المواجهة الأمريكية الصينية، في خطة تهدف لوضع واشنطن أمام تطور عسكري روسي غير مسبوق، يحسم إطلاق سباق التسلح لصالح موسكو قبل حتى أن يبدأ، في ذروة الانشغال الأمريكي في المواجهة مع الصين.

وقد شكل الإعلان عن تطوير الصاروخ الروسي الجديد (9М729-Novator) الشرارة الأولى لانهيار المعاهدات الضابطة لسباق التسلح، ليعلن بعدها الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في شهر آذار/مارس من عام 2018، دخول الأسلحة فائقة القدرة والتكنولوجيا الخدمة العسكرية في الجيش الروسي، والتي حققت هدفها بتشكيل صدمة كبيرة لواشنطن، وعجز أمريكي للتصدي للأسلحة الروسية الجديدة.

وقد سعت موسكو من خلال ذلك لتحقيق هدفين:

الهدف الأول: إحداث شرخ بين الأمن الأوروبي والأمن الأمريكي، بالتزامن مع المشاريع الطاقوية مع ألمانيا، والتي أحدثت بدورها شرخاً بين المصالح الأوروبية والمصالح الأمريكية، في خطوة مدروسة لفك الارتباط الأوروبي بالولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة بناء تعريف جديد لأمن المنطقة ومصالحها بحيث يشمل روسيا، ويقلص من النفوذ الأمريكي.

 

الهدف الثاني: زيادة حدة المواجهة الصينية الأمريكية المفترضة في الاستراتيجية الأمريكية السابقة، من خلال تخليص واشنطن من قيود الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ما يدفع كلا الطريف لرفع مستوى المواجهة، بشكل استنزافي، يبقي موسكو في مأمن من رد واشنطن، ويأمّن لها فرصة أكبر في التفوق على المنتصر، بحيث تعيد صياغة العلاقات الاستراتيجية في العالم، بما يضمن تحول النظام الدولي نحو التعددية الدولية، تكون فيه روسيا أحد أكبر الأقطاب.

 

التغيَّر الجذري في الاستراتيجية الأمريكية وتأثيرها على بكين وموسكو:

الأهداف الروسية كانت لتتحقق لولا فشل استراتيجية إدارة أوباما في الشرق الأوسط، والانسحاب منه من جهة، والتغيير الجذري للاستراتيجية الأمريكية في عهد إدراة ترامب من جهة ثانية، والتي ارتكزت على إعادة تعريف أعداء وخصوم واشنطن لتشمل موسكو، وإعادة تعريف الدور الأمريكي حول العالم بالكامل، وانسحبت بموجب ذلك من العديد من الاتفاقيات الدولية، وسلكت مساراً تصعيدياً كان عصياً على كل من روسيا والصين التنبؤ به، أو تركيب استراتيجيتيهما عليه، كاستراتيجيات مضادة.

 

إدراك كل من موسكو وبكين بالتغييرات الجديدة، وأثرها على التوازن الاستراتيجي في العالم، دفع بكليهما إلى التقارب حد الدمج بين استراتيجيتي الدولتين، والذي أعلن عنه بزيارة الرئيس الصيني لموسكو في حزيران/يونيو من العام الحالي.

وبالرغم من المسار الجديد لكل من روسيا والصين، وفعاليته في إعادة صياغة الاستقرار الاستراتيجي لمصلحتي البلدين في وجه واشنطن، إلا أن هذا الدمج يترتب عليه الكثير من الجهود المشتركة لإزالة التناقض بين الاستراتيجيات السابقة للدولتين، النابع من الرؤية المختلفة لمستقبل التوازن الاستراتيجي وطبيعة النظام الدولي، بين كل من بكين وموسكو، ولعل ملف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يشكل أحد أكبر العقبات أمام الشراكة الجديدة، والذي أصبح في مسار أزموي خاص به، يهدد الأمن القومي الصيني، وينذر بتصعيد أمريكي  مباشر، يخرق الالتفاف الصيني الروسي بأدوات تصعيد غير مباشرة ضد واشنطن، كالملف النووي الكوري الشمالي، والملفات المشابهة، والموضح في تقدير سابق بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، الأمر الذي من شأنه أن يجر اقتصاد بكين وموسكو ومصالحهما الجيوسياسية نحو التأثر بالاضطراب في البيئة الاستراتيجية، ليمتد من الأقاليم ذات النفوذ الأمريكي، إلى الأقاليم التي تنشط فيها المصالح الروسية والصينية، كحال البيئة الاستراتيجية لبحر اليابان والوارد في تقدير استراتيجي للمركز بعنوان: (بوادر أزمة جيوسياسية جديدة في بحر اليابان)، ومحاولة واشنطن تصدير الأزمة الناشئة إلى بحر الصين الشرقي والجنوبي، ليتحول هذا التأثير بفعل عقبات الاندماج إلى عامل مؤثر في صياغة التوازن الاستراتيجي الجديد التي تطمح له العاصمتين، أي أن المسارات التي خلقتها كل من بكين وموسكو بشكل مستقل في السابق، أصبحت عاملاً مؤثراً على فعالية الشراكة الجديدة وقدرتها على تحقيق أهدافها.

 

في النتيجة قد تدفع المتغيرات الجديدة الناجمة عن الشراكة الصينية الروسية، بكل من موسكو وبكين إلى إعادة التفاوض حول معاهدة جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، كخيار وحيد لتفادي امتداد التأثير إلى الأقاليم ذات الأولوية للمصالح الجيوسياسية الروسية والصينية، تحت ضغط التهديد الأمريكي بالانسحاب من معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت3)، ونشر صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في محيط الصين، وستضع الدولتين في مسار إجباري لإزالة التناقضات بين استراتيجيتيهما، والذي سيضفي بالضرورة إلى تعديل رؤية الدولتين للنظام الدولي، وتحول الدولتين إلى قطب واحد في مواجهة القطب الأمريكي، أو مواجهة التفكك في العلاقة الثنائية لصالح الولايات المتحدة الامريكية.

]]>
تقدير موقف: منظومة S-400 في “تركيا” خطوة نحو فرض معادلة (الشمال السوري مقابل القرم). https://casrlb.com/?p=1167 Fri, 05 Jul 2019 12:50:55 +0000 http://casrlb.com/?p=1167  

تستعد تركيا لاستلام منظومة الدفاع الجوي الروسية إس400 في النصف الأول من هذا الشهر، حيث أكد الرئيس التركي “أردوغان” وصول المنظومة إلى بلاده خلال 10 أيام، بالتزامن مع عمليات البناء الجارية لجدار تركي عازل حول مدينة عفرين في الشمال الغربي من سورية، والترتيبات العسكرية التركية داخل محافظة إدلب السورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الأهداف الاستراتيجية التركية غير المعلنة في سورية، واستخدام أنقرة لمنظومة إس400 كأداة لتحقيق هذه الأهداف.

 

استغلال تركيا للمساعي والجهود الأمريكية والروسية في سورية:

تعمل تركيا في بناء تفاهماتها الثنائية مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية على حدى، على أساس النفوذ التركي في الشمال السوري، والدور الذي يلعبه الشمال كعامل عدم استقرار للأمن القومي بحسب تقدير أنقرة، وتستغل أنقرة هذه التفاهمات لبناء مسار خاص لمصالحها على حساب مصالح وأهداف كل من واشنطن وموسكو في سورية، فمن جهة تكرس أنقرة المشروع الأمريكي في شرق سورية والهادف إلى عزل سورية عن إيران، من خلال الوصول إلى شكل جديد للنظام السوري، يسمح بحكم ذاتي للأقاليم السورية، ويضمن حرية أكبر في اتخاذ القرار، والمفصل سابقاً في تقدير موقف بعنوان: (الاستئصال الجيوسياسي أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها)، وذلك بمشاركة المخاوف التركية من عودة محافظة إدلب إلى سيطرة الحكومة السورية مع الإدارة الأمريكية، وأثّر ذلك على إظهار الوجود الأمريكي في سورية كعقبة أخيرة في استقرار البلد، وعلى مستقبل الحل السياسي للأزمة السورية، وقد نالت أنقرة دعمًا أمريكيًّا سابقًا بتفاهمات ثنائية سلّمت من خلالها واشنطن غرفة عمليات إدلب إلى أنقرة، والذي قدّره المركز سابقاً تحت عنوان: (معركة إدلب ومستقبلها)، ومن جهة أخرى تستثمر تركيا في الجهود الروسية لحل الأزمة السورية من خلال ثلاثية أستانا، وتضغط نحو تشكيل لجنة دستورية بمعايير تسمح لأنقرة ضمان حصتها من التأثير في القرار السياسي السوري، وخصوصاً في الشمال السوري كمنطقة نفوذ تركية، وتمرّر بذلك مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ورؤيتها لشكل النظام السوري الجديد بالنيابة عن الإدارة الأمريكية.

 

استخدام أنقرة للأهمية الجيوسياسية لتركيا لتحقيق أهدافها:

الإدراك الصحيح للحكومة التركية بأهمية اصطفافها بين المحور الأطلسي والمحور الأوراسي، مكّنها من جمع المتناقضات مع بعضها البعض، وممارسة الضغط على كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ففي حين أن أنقرة تنضوي تحت مظلة ثلاثية أستانا، وتعقد صفقات عسكرية مع الروس كمنظومة إس-400، وصفقات طاقوية كمدّ أنبوب الغاز التركي الروسي المشترك، تستثمر هذه الإجراءات للضغط على الإدارة الأمريكي لمراعاة مصالح تركيا الخاصة تحت وطأة الانزياح نحو المحور الأوراسي، وبالمقابل تضغط على موسكو من خلال  سعي الحكومة التركية لخلق ثلاثية ثانية على غرار الأولى تتألف من (الولايات المتحدة الأمريكية – تركيا – أوكرانيا)، وأنشأت في سبيل ذلك المجلس الاستراتيجي التركي الأوكراني، وتمنتع عن الاعتراف بعودة شبه جزيرة القرم إلى روسيا.

كلا الدولتين، الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، لا تستطيعان المغامرة بخسارة إحداهما لتركيا لصالح الدولة الأخرى، فلا واشنطن تستطيع تحمل تبعات انزياح أنقرة كرأس حربة للناتو ضد روسيا من المحور الأطلسي، ولا موسكو تستطيع تحمل عودة تركيا إلى الدور الأساسي لها في الناتو لما يشكله ذلك من تهديد على مستقبل الوجود الروسي في البحر الأبيض المتوسط وفي البحر الأسود.

هذه الضغوطات أجبرت روسيا بقبول السلوك الأرعن لتركيا في الشمال السوري ودعمها للكثير من التنظيمات الإرهابية، وأجبرت إدارة ترامب على غض النظر عن صفقة إس-400 الروسية، لتستثمر أنقرة هذه المكاسب بتعزيز وجودها في إدلب والعمل على نشر المنظومة الدفاعية الروسية على الحدود الشمالية لسورية، بالتالي تحقيق أول أهدافها غير المعلنة بإقامة منطقة حظر طيران في الشمال السوري، وتحويل كامل الشمال إلى منطقة آمنة لتركيا وجماعاتها، أما الهدف الثاني فهو بدء ضخ اللاجئين السوريين من الأراضي التركية نحو شمال شرق سورية، والعمل على خلق شريط بشري عازل بينها وبين قوات سورية الديمقراطية، ولو استدعى ذلك القيام بعملية عسكرية تركية تحت مظلة المنظومة الدفاعية الجديدة لتحقيق هذا الهدف.

 

الهدف الاستراتيجي التركي للشمال السوري:

الهدفان السابقان لتركيا بالتزامن مع دعم ما يسمى بالحكومة السورية المؤقتة ووضع الشمال تحت سيطرتها من الناحية الشكلية وتحت إشراف تركي، والضغط نحو منح الشمال نوعاً من الحكم الذاتي في ناتج أيّة تسوية سياسية للأزمة السورية، ستشكل بالمجمل الأرضية الصلبة لسلخ الشمال وضمها نحو الأراضي التركية، بخطوة مستقبلية بعد تسوية الأزمة السورية، تحاكي استفتاء القرم، وتعلن عن انضمام الشمال السوري إلى الأراضي التركية باستفتاء شرعي، وتقوم بطرح مبادلة الاعتراف الروسي بنتائج الاستفتاء التركي، باعترافها بنتائج استفتاء القرم، وقطع التواصل مع المكونات ذات الأصول التركية في شبه الجزيرة الروسية، كنوع من إرث حزب العدالة والتنمية بتوسيع الأراضي التركية.

 

هذه الأهداف التركية ستخلق مزيداً من التصعيد في الشرق الأوسط خلال القادم من الأيام، وتعقّد العلاقات بشكل أكبر بين دول المنطقة، كما أن نجاح المشروع التركي من فشله مرهون بنتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومستقبل حزب العدالة والتنمية في الحكم، وشكل علاقته بالتيارات والأحزاب القومية داخل تركيا.

]]>
تقدير موقف: الاعتداءات الإسرائيلية على سورية (الخلفية الدولية والأهداف الاستراتيجية). https://casrlb.com/?p=1159 Mon, 01 Jul 2019 09:40:05 +0000 http://casrlb.com/?p=1159  

 

قام الاحتلال الإسرائيلي بشن غارات مكثفة بطائرات حربية وصواريخ كروز على سورية ليلاً، في بداية اليوم الأول من شهر تموز لعام 2019، استهدف من خلالها مواقع مختلفة في ريف دمشق وحمص وطرطوس، بالتزامن مع تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون بولتون” لضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من سورية، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذا العدوان كجزء من سلسلة اعتداءات جديدة، أتت كنتاج متوقع أفرزته النشاطات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لكل من واشنطن وتل أبيب، وتهدف إلى تحويل سورية إلى متنفس عسكري أقليمي لتصريف الضغط الناتج عن التوتر الأمريكي الإيراني المباشر، واستهداف القوات الإيرانية في الخارج كأحد الفواعل الأساسية لهذا التوتر، حيث عملت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي في مختلف المناسبات الاقليمية والدولية على إعادة صياغة ظروف استهداف جديدة تسمح للطرفين بتدمير أهداف إيرانية في الخارج في إطار مكافحة نفوذ طهران خارج أراضيها، تحت ضغط الانزلاق لمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران تكون شاملة ومدمرة لكل المنطقة، وذات نتائج كارثية لا يمكن لأحد حسابها أو تحملها.

العدوان الإسرائيلي على سورية مبني على خلفية متينة ضمنت الاحتواء للتصعيد ما بعد العدوان، وتتكون هذه الخلفية من ثلاث ركائز أساسية، أولها القمة الأمنية الثلاثية في مدينة القدس المحتلة في 25/06/2019 بين المستشارين الأمنيين لكل من (روسيا-أمريكا-الكيان الإسرائيلي) للتفاهمات الثلاثية، وسعت واشنطن وتل أبيب من خلالها إلى جر روسيا نحو موقف معادي لطهران في سورية، مقابل مقعد جاهز لموسكو على طاولة الأمن الأقليمي في الشرق الأوسط، والتوجه نحو إدارة ثلاثية ندية مشتركة للأقليم، هذا العرض أثار حفيظة روسيا لما له من أبعاد خطيرة على الأمن القومي الروسي، وسياسة روسيا الخارجية، كون العرض ينطوي على زيادة الطلبات الأمنية والعسكرية الأمريكية من موسكو، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، والتي من الممكن أن تصل إلى حد طلب استخدام نظام العبور “الدون-فولغا” الواصل من بحر آزوف إلى بحر قزوين، في خطوة للألتفاف على إيران من الخلف، وهو مطلب غير مستبعد نظراً للوجود الأمريكي المسبق في الموانئ الكزخستانية ضمن اتفاقيات مسبقة، الأمر الذي دفع موسكو لخفض سقف التوقعات الإسرائيلية والأمريكية من الاجتماع بتصريح مسبق من الرئيس الروسي حول رفض موسكو المتاجرة بحلفائها، بالتالي خلصت القمة إلى تفاهمات تكاد لا تختلف كثيراً عن التفاهمات والبروتكولات السابقة، وإنما تنطلق منها نحو زيادة خطيرة في  مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي الثلاثي في سورية عبر مراقبة أي تغيّر في النشاط الإيراني العسكري، وضمان روسيا عدم ملئ الفراغ الأمريكي من قبل الحرس الثوري في حال الانسحاب الأمريكي، وحماية المنطقة من أي انزلاق نحو مواجهات شاملة، والإبقاء على الخيار العسكري الإسرائيلي في مواجهة إيران داخل الأراضي السورية في حالات الضرورة القصوى، ودون إعلام مسبق للطرف الروسي حول أي هجوم كما في السابق.

 

تفاهمات القدس لم تكن تفاهمات نهائية ولم يتم التصديق عليها، وإنما كانت أشبه بإعداد ورقة عمل لمناقشتها والاتفاق عليها بين كل من الرئيس الأمريكي “ترامب”، والرئيس الروسي “بوتين”، في اللقاء الذي جمعهما في 28/06/2019 على هامش قمة العشرين في أوساكا، والتي قدرها المركز سابقاً بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، كركيزة ثانية لمسار الذي شكل عدوان اليوم إذعاناً بانطلاقه، حيث اتفق الرئيسان على تفعيل التفاهمات السابقة والتي وضعت في قمة هلسنكي في بولندا 15/07/2018، والتي تأكد على إخلاء سورية من كل القوات الأجنبية، وذلك بتعهد واشنطن بحيادها وحياد الناتو إزاء إخراج روسيا وسورية للجيش التركي من الشمال السوري، وتوريط تركيا في ليبيا بمباركة روسية ضمنية وتنسيق سعودي-أمريكي، مقابل الحياد الروسي لإخراج إيران من قبل أمريكا والكيان الإسرائيلي من سورية، يليه انسحاب كامل القوات الأمريكي وخفض التواجد الروسي إلى الحد الأدنى، ورفع العقوبات بالتزامن مع إطلاق اللجنة الدستورية، بما يضمن لكل من واشنطن وموسكو إخراج الساحة السورية من ساحات الصراع الدولي والأقليمي، وغلقها بالكامل.

 

أما الركيزة الثالثة فكانت زيارة الرئيس ترامب إلى كوريا الشمالية، حيث سارع ترامب تحت الضغط الصيني الموضح في تقدير المركز السابق بعنوان : (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة)، سارع إلى احتواء المواجهة المشتركة التي ستفرض عليه بعد الزيارة الصينية، بزيارة أقرب ما تكون لزيارة خفض تصعيد، بعد اجتماعه بالرئيس الصيني “شي جين بينغ”، الوارد تفصيلياً في تقدير للمركز بعنوان: (قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية)، ليعمل الرئيس “ترامب” على إحياء العلاقة مع الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونغ أون” في مسعى أمريكي لفصل الملفات، واحتواء المساعي الصينية بنمذجة الصراع مع إيران في الشرق الأوسط عموماً، وفي سورية خصوصاً مع الصراع في كوريا الشمالية، خاصة بعد دعوة الصين لزيارة وزير الخارجية السوري إلى بكين في 16/06/2019، وتنسيق زيارته إلى كوريا الشمالية، في زيارة سياسية-عسكرية بحتة، عاد منها وزير الخارجية بالعديد من الملفات والأبحاث العسكرية المتعلقة بالأسلحة الصاروخية، ما دفع الكيان الإسرائيلي إلى قصف أهداف محددة بناءً على نتائج الزيارة الأمريكية، والنجاح الأمريكي في فصل الملفات، والذي شكل السبب الرئيس لاختيار مراكز البحوث والمستودعات العسكرية السورية والإيرانية كأهداف أساسية للعدوان، علماً أن تصريح وزير الخارجية السورية صباح اليوم شرح الزيارة لكوريا الشمالية في إطار “جلب عمال بناء”، وتعاون اقتصادي بين كوريا الشمالية وسورية.

بناءً على الركائز الثلاث السابقة، التي شرحت الخلفيات الدولية، والأهداف الاستراتيجية للعدوان الإسرائيلي على سورية، يتوقع مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية ارتفاع وتيرة وشدة الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، تحت ذريعة الضرورة القصوى، واعتماد كل من واشنطن والكيان الإسرائيلي أسلوب الرد على إيران في سورية، والذي بدوره سيولد استنكار روسي للاستخدام المفرط والمتكرر للقوة، بسبب خرق سقف التفاهمات السابقة وسلوك الكيان الإسرائيلي الاستفزازي لباقي الأطراف، كتحليق الطيران الإسرائيلي فوق المضادات الروسية على الشريط الساحلي السوري، الأمر الذي سيحرج موسكو ويعرّض التفاهمات السابقة لاحتمالية الانهيار أو تعليق العمل بها، وذلك بحسب  الظروف الدولية والأقليمية المستجدة وقدرتها على التأثير في بنية الصراعات الاستراتيجية حول العالم.

]]>
تقدير استراتيجي: قمة أوساكا الأجندات اليابانية الثلاث مقابل الأجندات الأمريكية والروسية. https://casrlb.com/?p=1153 Fri, 28 Jun 2019 14:57:37 +0000 http://casrlb.com/?p=1153  

يعمل هذا التقدير من مركز الدراسات والأبحاث الأنتروسراتيجية على إبراز المتغييرات ذات الأثر الاستراتيجي في اجتماع مجموعة العشرين في أوساكا.

تتألف قمة أوساكا من ثلاث أجندات رئيسية تحملها اليابان، ويعمل رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” على تحويل هذه الأجندات إلى نقاط اتفاق مشتركة بين قادة الدول المجتمعة، وتركز هذه الأجندات على :

  • العمل على الحفاظ على النظام الدولي للتجارة الحرة والنزيهة وتعزيزه في نهاية المطاف. بالنسبة إلى قادة آسيا ، هذا يعني صياغة RCEP”” ، أو الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، وهي اتفاقية متقدمة للتجارة الحرة بين الدول العشرة الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ودول الهند والمحيط الهادئ الستة (أستراليا، الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، ونيوزيلندا)، وإصلاح منظمة التجارة العالمية.
  • الأجندة الثانية في جدول الأعمال تتعلق بالاقتصاد الرقمي، حيث مكنت رقمنة الاقتصاد نماذج أعمال فريدة وغير مسبوقة، ولكنها جلبت أيضًا تحديات جديدة ، مثل ازدواجية الضرائب المفروضة على الشركات متعددة الجنسيات، ولا يمكن حل هذه القضايا إلا من خلال التعاون الدولي، والتركيز على سهولة تدفق البيانات الرقمية، وميزاتها في الحد من أيّة عوائق مادية، والتي ستشكل في حال الاتفاق عليها قاعدة جديدة تحل محل البترول وأدواته كمحرك للاقتصاد العالمي.
  • الأجندة الثالثة لقمة أوساكا هي أهمية الابتكار في مواجهة التحديات البيئية العالمية، حيث حددت هذه الأجندة أهدافها في “تقرير 1.5 درجة مئوية” الصادر عن الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، حيث لا يمكن مواجهة هذه التحديات من خلال التنظيم وحده، وإنما العمل على تعزيز ودعم الابتكار الذي يقلب الشيء السلبي إلى شيء إيجابي كمفتاح لتحقيق أهداف المناخ في العالم.

هذه الأجندات الثلاث ترتكز على دعم نظام “DFFT”، وهو نظام يضمن إتاحة التدفق الحر للبيانات وفقًا للقواعد التي يمكن لجميع الجهات الحكومية وغير الحكومية الاعتماد عليها. وفي حين أن القمة تحمل ثلاث أجندات أساسية تتمثل بمواقف وآراء أكبر 20 اقتصاد في الأرض منها، يرى مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أن هذه الأجندات هي أجندات فرعية أمام الأجندات الحقيقية التي أتى بها كل رئيس وزعيم دولة إلى الاجتماع، حيث تصب كل الأجندات اليابانية الثلاثة في صالح منطقة جنوب وجنوب شرق آسيا، وتركز تركيزًا أساسيًا على تطويرها وتنميتها، وتنتطلق منها نحو الاقتصاد الدولي وحل الأزمات العالمية الاقتصادية منها والبيئية.

والواقع أن الأجندات الفرعية هي التي ترسم مسار القمة ونتائجها، وتحدد هذه الأجندات اللقاءات الثنائية التي ستعقد على هامش القمة، وكيفية حل الإشكالات المعقدة بين الدول الكبرى، وتشكل أجندة الولايات المتحدة الأمريكية حجر الأساس في أي تفاهم دولي من الممكن أن يحدث أو أن يتعثر.

 

أهم اللقاءات على هامش القمة وتأثيراتها الاستراتيجية:

 

لقاء الرئيس “ترامب” والرئيس “بوتين”:

يُعدّ هذا اللقاء أهم لقاء في أوساكا وأكثره تأثيراً على التوازن الاستراتيجي، حيث يسعى الرئيس الروسي من خلال هذا اللقاء إلى إعادة بناء صيغة تعاونية ذات طابع أمني مع الولايات المتحدة الأمريكية تمكنه من حلحلة الأزمات العالقة بين الطرفين سواءً على مستوى الملفات الملتهبة (سورية، فنزويلا، أوكرانيا)، أم على مستوى التوازن الاستراتيجي بين الطرفين من ناحية الدفع نحو التخلي عن معاهدة “ستارت3” للأسلحة الاستراتيجية النووية، ومخاطر ذلك على السلم والأمن الدوليين.

أما الرئيس الأمريكي فيربط نجاح أي تفاهم ثنائي بما يخص التوازن الاستراتيجي بين الدولتين، بإقحام الصين في هذه التفاهمات وإلزامها بتوقيع صيغة جديدة من الاتفاقيات حول الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وأيضًا حول الأسلحة الاستراتيجية، في حين لا يزال الرئيس ترامب ثابت على موقف إدارته بما يتعلق بالملفات الباقية، ومسارات معالجتها، ويشكل طرح هذه الملفات بعد اللقاء الثلاثي لمستشاري الأمن في القدس المحتلة (الروسي-الإسرائيلي-الأمريكي) حول دور إيران في سورية ومستقبل الملف السوري، تأكيدًا على مخرجاته بين الرئيسين.

 

لقاء الرئيس “ترامب” والرئيس الصيني “شي جين بينغ”:

يحمل الرئيس الصيني الكثير من أوراق القوة التي حضّرها جيدًا قبل هذا الاجتماع، في أجندة صينية دسمة تضع مصالح واشنطن في شرق وجنوب شرق آسيا بحرج شديد، حيث عمل للاستحواذ على الملف الكوري الشمالي بالاتفاق مع رئيسها “كيم جونغ أون” بتاريخ 20/06/2019 وربط مصالح الصين بالمصالح الكورية الشمالية كما وضحها المركز في تقدير بعنوان: (زيارة الرئيس الصيني لكوريا الشمالية تفويض مزدوج ونمذجة صينية للملفات المشابهة) بحيث يصبح الملف الكوري الشمالي ورقة ضغط كبيرة في وجه الرئيس الأمريكي، وهو ما تنبّه له ترامب وسارع إلى إعادة تنشيط العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ، دون تحقيق تقدّم يُذكر.

 

أما الرئيس الأمريكي فمن المتوقع في هذا اللقاء أن يمارس الضغط على الصين بملفات عديدة منها هونغ كونغ وتايوان وشينغيانغ، والتي وضحها المركز سابقًا في تقديره بعنوان: (التطويق الأزموي للصين [هلال الاضطراب الداخلي] )، نحو التوصل إلى اتفاق ثنائي بشأن حماية الملكية الفكرية الأمريكية، كجزء من الحرب التجارية بين الطرفين، إضافة إلى التفاوض على ضمانات أمنية سيبرانية للحد من أي هجوم أو استحواذ غير شرعي من قبل الصين على المعلومات والبيانات الأمريكية، خاصة بعد انتشار تحقيق وكالة رويترز الدولية بالجرائم الإلكترونية، التي تتهم واشنطن وزارة الدفاع الصينية برعايتها، تحت عنوان: “China’s ‘Cloud Hopper’ hackers”.

كما من المتوقع أن يربط الرئيس الأمريكي أمن الناقلات النفطية المتوجهة إلى الصين من مضيق هرمز في محادثاته مع الرئيس الصيني، تحت مقترحين الأول أن تقبل الصين بتسوية الحرب التجارية بالشروط الأمريكية، وتتولى واشنطن أمن ناقلات الصين في أي خطة أو إجراء أمريكي في الشرق الأوسط، أو أن تشارك الصين بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وترسل سفنها الحربية إلى المضيق، في مسعى أمريكي لتمرير مشروع تطويق النفوذ الإيراني في الخليج تحت الصفقات والتسويات الكبرى.

 

ومن المؤكد أن هذا اللقاء لن يحمل التسويات والاتفاقيات النهائية، حيث سيناور الرئيس الصيني ببراعة فائقة مستعيناً بالملفات الضاغطة التي في حوزته، ولكن سيشهد هذا اللقاء تفاهمات مبدئية مهمة على صعيد فرض مزيد من الرسوم، وعلى صعيد الملفات الأمنية كافة بين الطرفين باستثناء مسألة إقحام واشنطن وموسكو – في حال اتفقتا – لبكين في مسألة الخلل الاستراتيجي بين الدولتين، ومعاهدات الحد من انتشار الأسلحة الاستراتيجية والنووية، حيث تعتبر الصين نفسها خارج هذا السياق تماماً ولاتدعم برامج ضخمة في سبيل ذلك.

 

لقاء الرئيس “ترامب” برئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي”:

يحمل هذا اللقاء ملف التجارة والميزان التجاري الأمريكي الياباني بالدرجة الأولى، حيث يسعى الرئيس الأمريكي إلى تقديم عرض مباشر لرئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي” لتعديل كفة الميزان التجاري التي تميل إلى صالح اليابان بسبب صادراتها من السيارات وقطع غيارها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رئيسي، ويتلخص العرض الأمريكي بزيادة شراء اليابان للمعدات والأسلحة الأمريكية كأسلوب لتحقيق التوازن في الميزان التجاري بين الدولتين، أو فرض رسوم على واردات اليابان إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

كما سيطرح الرئيس الأمريكي على طوكيو مراجعة الاتفاق الأمني بين الطرفين الموقع في عام 1960 والذي يضمن الحماية الأمريكية لليابان في حال تعرضت لأي هجوم خارجي، ولا يلزم اليابان المشاركة في أية معركة أو التصدي لأي هجوم تتعرض له القوات الأمريكية، ليضع طوكيو تحت خيارين إما الإبقاء على الاتفاقية مقابل مشاركة قوات يابانية في حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وحماية الناقلات اليابانية، أو تعديلها بحيث تضمن مشاركة اليابان في الضمانات الأمنية بشكل مشترك بين الطرفين.

 

لقاء الرئيس الأمريكي “ترامب” بالرئيس التركي “أردوغان”:

يُعدّ هذا اللقاء من اللقاءات الهامة على هامش القمة، حيث ستتحدد مستقبل العلاقة الأمريكية التركية من خلال مناقشة صفقة الصواريخ الروسية S-400 ، التي اشترتها أنقرة من موسكو، حيث سيضغط الرئيس التركي على الرئيس الأمريكي باللجوء إلى التحكيم الدولي في حال محاولة واشنطن فرض عقوبات اقتصادية على تركيا بذريعة شراء المنظومة الدفاعية الروسية، كما من الممكن أن يقترح الرئيس الأمريكي غض النظر عن الصفقة الجارية وإطلاق تعاون تركي أمريكي في شرق سورية، في مقابل تعاون تركيا فيما بعد مع الناتو، وتخفيض التوتر في بحر إيجة مع اليونان، والحل السلمي لموضوع التنقيب عن الغاز في المياه القبرصية، إضافة إلى إعطاء الناتو الحق في الوصول إلى المنظومة الروسية والاطلاع سراً على المنظومة ودراستها.

وسيعمل الرئيس الأمريكي على تقريب وجهات النظر بين كلّ من تركيا وقطر من جهة، والسعودية والإمارات ومصر من جهة ثانية خلال لقائه مع ابن سلمان. وبالرغم من أنّ الملفات بين الطرفين ليست بحجم دولي، إلا أنها ملفات خطيرة وذات تأثير دولي حاسم في التوازن الاستراتيجي بين الدول الكبرى. ومن المرجح أن يحمل هذا اللقاء تفاهمات مهمة، خاصة مع اهتزاز مكانة الحزب الحاكم في تركيا، ووضع الاقتصاد التركي.

 

لقاء الرئيس الروسي “بوتين” بولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”:

يسعى الرئيس الروسي من خلال هذا اللقاء إلى إظهار مدى عمق العلاقة بين المملكة السعودية وروسيا، كما يعتبر الرئيس الروسي من أهم الداعمين لمحمد بن سلمان شخصياً، حيث استمر دعم الرئيس “بوتين” لولي العهد السعودي حتى في أكثر اللحظات سوداوية أثناء الاتهامات التي لاحقت ابن سلمان في مقتل الخاشقجي، ومن المتوقع أن يكون الملف السوري ودور إيران في سورية على رأس هذه المباحثات، حيث لاتزال تسعى موسكو إلى التأثير على الرياض لإعادة سورية إلى وضعها الطبيعي في الجامعة العربية كأحد أساسيات الحل للملف السوري، إضافة إلى التأكيد على استمرار العمل بآليات “أوبك+” للتحكم بأسعار النفط ومنعها من الهبوط بشكل يضر اقتصاد البلدين، وفي كلا الملفّين يسعى الرئيس “بوتين” إلى اجتذاب الرياض نحو موسكو، وتطمين الرياض بقدرة موسكو على ضمان الأمن في الشرق الأوسط مقابل تخفيض التوتر والتصعيد مع إيران والتي من الممكن أن تنفجر في أيّة لحظة بما يضر مصالح الجميع.

 

مستقبل القمة والأجندات ذات التأثير على مسارها:

 

الأجندة الروسية:

تعمل روسيا من خلال لقاءاتها الثنائية على ضبط الصراعات في المناطق الملتهبة، وتقديم نفسها كمرجعية أمنية، وذلك من خلال التأثير على دول كلّ من الشرق الأوسط، والاتحاد الأوروبي، في سعي نحو صياغة معادلة أمن إقليمي روسية للشرق الأوسط، تتضمن تحييد خطر الحرب، وضمان مصالح الجميع، بما فيهم مصالحها (ويشكل إثارة مسألة توريد منظومة S-400  لإيران أحد تطبيقات هذه الأجندة)، إضافة إلى محاولة الوصول إلى تفاهمات ثنائية مع قادة دول الاتحاد الأوروبي بتحييد الساحة الأوروبية عن الصراع الأمريكي الروسي. وعلى الساحة الآسيوية يشكل بناء توافق بين كل من الصين والهند، وصياغة تحالف استراتيجي مشترك أحد أهم أهداف الأجندة الروسية.

 

الأجندة الأمريكية الموازية:

تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بأجندتين متوازيتين، الأولى علنية، يفاوض من خلالها ترامب رؤساء الدول في اللقاءات الثنائية، أما الأجندة الثانية فهي أجندة موازية غير معلنة، تستخدم في حال فشل الأجندة الأولى، وتحمل في طياتها مشروع أزمة جيوسياسية جديدة، حيث يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأتنروستراتيجية هذا المشروع، بتحويل جنوب شرق آسيا إلى بيئة خصبة للنزاعات والصراعات بين دولها، من خلال انسحاب أمريكا من المعاهدة الأمنية لليابان، وسحب وقواتها من جزيرة أوكيناوا اليابانية، ذات الموقع الاستراتيجي والواقعة بين بحر الصين الشرقي والجنوبي، وتطوير مرتكز جيواستراتيجي أمريكي جديد في ميناء داروين شمال استراليا، حسب ما أفادت شبكة “إيه بي سي” التلفزيونية الأسترالية 24/06/2019، أنّ كانبيرا تعتزم بناء ميناء جديد على الساحل الشمالي للبلاد قادر على استيعاب سفن حربية ضخمة تابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز)، وذلك في إطار الجهود الرامية للتصدّي للوجود المتنامي للصين في المنطقة.

هذه الإجراءات ستؤدي إلى إطلاق سباق تسلح جديد ينهك كل من الاقتصاد الياباني الذي سيضطر في هذه الحالة إلى زيادة الانفاق الدفاعي وزيادة مشترياته من الأسلحة الأمريكية، بالإضافة إلى الضغط على نمو الاقتصاد الصيني، واقتصاديات الدول في مجموعة (آسيان)، ووضع المنطقة في توتر دائم يمنع أي تحقيق لمشاريع التنمية الاستراتيجية المستدامة، بحيث تحوّل واشنطن وجودها العسكري إلى حاجة ماسة لأمن دول المنطقة، وضامن لعدم الانجرار نحو سباق تسلح إقليمي منهك للجميع، أو حروب قد تشتعل بأي لحظة، تحت تهديد الانسحاب إلى الخلف.

 

مستقبل قمة أوساكا والأجندات اليابانية الثلاث:

في المحصلة عدة أطراف تحمل أجنداتها الخاصة في هذه القمة، وفي حين أنّ طوكيو تحمل أجندات واضحة للقمة، كأجندات تنموية مهمة، وتضع مسارًا لهذه الأجندات يستمر لما بعد القمة، إلا أن التوافق الكلي على أجنداتها أمر بالغ الصعوبة ويتعذر تحقيقه في هذه القمة، نظرًا إلى الرفض الأمريكي لأي مقترح يتعلق بإصلاح منظمة التجارة العالمية، وتمنع واشنطن في الوقت الراهن تعيين محكّمين جدد في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية وتضم الهيئة ثلاثة قضاة فقط بدلاً من سبعة. وفي ديسمبر 2019، سيستقيل عضوان منها وبذلك لن يتحقق النصاب القانوني، في خطوة مقصودة لتغطية تجاوزاتها في الحرب التجارية، واتباع نهج “الحمائية”، فيما ستتوافق مجموعة (آسيان) مع الاتحاد الأوروبي وروسيا حول هذه الأجندة، وستتوافق أيضاً على الأجندة الثالثة الداعية إلى الابتكار في مواجهة التغييرات المناخية وتشكيل غرفة علمية مشتركة تضمن أهم العلماء والمبتكرين في اليابان.

وبالنظر إلى التهديدات السيبرانية التي تتحدث عنها كلّ من أمريكا وأوروبا، فمن غير المحتمل أن توافقا على تنشيط نظام “DFFT” كنظام عالمي يضمن إتاحة التدفق الحر للبيانات، بدون ضمانات أمنية من روسيا والصين كمصدر لهذه التهديدات، والذي يبقى رهن اللقاءات على هامش القمة دون أي توقّع بحدوث خرق في هذا الحقل.

 

]]>
تقدير موقف: ارتفاع أسعار الذهب في العقود الفورية والآجلة (أسبابه ونتائجه). https://casrlb.com/?p=1150 Tue, 25 Jun 2019 10:58:51 +0000 http://casrlb.com/?p=1150  

ارتفعت عقود الذهب الفورية بحلول الساعة 05:50 بتوقيت غرينيتش بنسبة 0.4% إلى 1424.25 دولار للأونصة، وفي وقت سابق من التداولات لامس المعدن الأصفر 1438.63 دولار، وهو أعلى مستوى منذ 14 مايو 2013 فيما قفزت عقود الذهب الآجلة بنسبة 0.7% إلى 1427.50 دولار للأونصة، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الأسباب المتعلقة بارتفاع كل من العقود الفورية والعقود الآجلة للذهب كل على حدى، حيث يمثل السبب الأول والرئيسي لارتفاع العقود بمحاولة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الضغط نحو تخفيض قوة الدولار عن طريق خفض أسعار الفائدة إلى مادون 2.25-2.50% والتي يحددها البنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (وهو بنك خاص ويمثل البنك المركزي الأمريكي) وضخ كميات أكبر من الدولارات إلى الأسواق عن طريق زيادة الطلب على القروض الناتج عن انخفاض أسعار الفائدة، كمحاولة من الإدارة الأمريكية لخلق ظروف تنافسية أفضل للسلع الأمريكية التي تعتمد في كلف إنتاجها على الدولار أمام السلع الأخرى، على عكس المعهود في الإدارات الأمريكية السابقة التي كانت تعتبر أن قوة الدولار من قوة الاقتصاد الأمريكي.

أما السبب الثاني  فيكمن أيضاً في سياسة البنك المركزي الأوروبي بخفض قوة اليورو إلى مايقارب 1.12 دولار لذات الأسباب التنافسية، بالإضافة إلى اعتماد عدة دول أوروبية بزيادة احتياطياتها من الذهب كألمانيا.

فيما يكمن السبب الثالث في سعي روسيا للتحرر من الدولار لصالح الذهب وتقليص استثماراتها في السندات الحكومية الأمريكية على مختلف آجالها، وذلك في سياق مواجهة العقوبات الأمريكية بفعالية أكثر وحماية عملتها في التبادلات التجارية الدولية التي تعتمد على الشراء بالعملات المحلية.

 

هذه الأسباب الثلاثة السابقة جعلت من المستثمرين بمختلف أحجامهم، أكثر إقبالاً على شراء عقود الذهب والذي بدوره أدى إلى زيادة الطلب وزيادة أسعار العقود، حيث أصبح الذهب بذلك الملاذ الآمن للمستثمرين.

 

وفيما يتعلق بفارق الارتفاع بين العقود الفورية والعقود الآجلة والذي يبلغ 0.03% لصالح العقود الآجلة، فيكمن ذلك بتخوف المستثمرين من سوق النفط وتقلبات الأسعار في ظل احتدام الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز، ففي حين تؤثر الاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط على الأسعار بدفعها نحو الزيادة، إلا أن الطلب على الطاقة مهدد بالانخفاض، ما يؤثر على أسعار النفط بطريقة غير آمنة بالنسبة للعقود الآجلة.

نتائج الارتفاع العالمي في أسعار الذهب:

من الممكن أن يؤثر ارتفاع سعر الذهب عالمياً على قيمة الاحتياطيات في الدول التي تعتمد الذهب جزءاً من احتياطياتها، وروسيا التي انتهجت شراء الذهب والاحتفاظ به كأصول لدعم عملتها وتخليها التدريجي عن الدولار، والذي بدوره سيدفع البنك المركزي الروسي إلى تقييم خطواته بالخطوات الناجحة والدفع نحو الاستمرار بها.

وذات الشيء بالنسبة للصين مع فارق قيمة اليوان الصيني التي من الممكن مواجهة الزيادة فيها من خلال زيادة الكتلة النقدية على المدى الطويل، والتي ستمكن الصين من زيادة تمويل مشاريعها ومواجهة المنافسة التجارية بطريقة أكثر فعالية.

أما مستقبل سعر الذهب فيتعلق بالدرجة الأولى بتقدير السوق النفطي لمنحنى الطلب ولاستمرار المخاطر والتهديد في مضيق هرمز،  بالإضافة إلى قرارات البنك المركزي الصيني والروسي في الاستمرار بزيادة الاحتياطيات الذهبية في ظل الأسعار الجديدة أم لا، ومن المتوقع أن يترك مثل هذا الخيار إلى مابعد الاجتماع القادم للدول العشرين في قمة أوساكا اليابانية، والتي ستحدد مسار الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، ومستقبل الوضع الأمني لمضيق هرمز في المحادثات التي ينوي الرئيس الأمريكي إطلاقها على هامش القمة.

]]>
تقدير موقف: (الاستئصال الجيوسياسي) أجندة أمريكية تحكم مستقبل سورية وانتخاباتها. https://casrlb.com/?p=1058 Tue, 18 Jun 2019 11:22:34 +0000 http://casrlb.com/?p=1058 في سياق زيارة الوزير السعودي ثامر السبهان إلى سورية 13/06/2019 واجتماعه في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور شرقي سورية مع نائب وزير الخارجية الأمريكي، جويل رابيون، والمستشار الرئيسي لقوات التحالف الدولي، ويليام روباك، وعددا من شيوخ ووجهاء وإداريين من قبائل ومجالس المنطقة، وفي إطار زيارة وفد سعودي أمريكي مشترك لمدينة الرقة ومطار الطبقة العسكري، بالإضافة إلى فريق إعلامي إسرائيلي من القناة 12 العبرية (الثانية سابقاً) عمل على إعداد تقارير عن مدينة الرقة بالتنسيق مع فصائل “قسد” التابعة لقوات جيش الاحتلال الأمريكي، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية الإجراءات الأمريكية السعودية المشتركة في سورية ضمن مشروع الاستئصال الجيوسياسي للجغرافية السورية، حيث تعمل واشنطن على استصلاح فشل استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في مواجهة الصين، الناتج عن فشل الانسحاب الأمريكي الذي كان مقرراً بعد تطبيق مشروع الربيع العربي في عام 2011، والاستعصاء العسكري الذي عانت منه واشنطن في الشرق الأوسط بسبب تحول موقف تركيا من وكيل أمريكي في المنطقة، إلى ربط حكومات الإخوان الجديدة وإحياء الإمبراطورية العثمانية بها، إضافةً إلى تمدد النفوذ الإيراني، وظهور تنظيم داعش.

هذا الاستعصاء دفع وشنطن إلى اعتماد الرياض مركزاً لثورات مضادة على الإخوان والذي شكل أحد نتائجه القطيعة مع تركيا وقطر، ودفع بالملف السوري إلى مزيد من التعقيد، ودفع بالساحة السورية إلى ساحة صراع بين غرفة عمليات تركية وفصائل تابعة لها، وغرفة عمليات سعودية على ذات الشاكلة، حتى تم إنهاء ملف الفصائل السعودية في محيط دمشق والجنوب السوري باتفاق روسي-تركي-إيراني، وسحب الفصائل التركية إلى الشمال.

لكن النفوذ السعودي في سورية لم ينته بالكامل وذلك بسبب جهود التحالف الدولي الذي قادته واشنطن في محاربة داعش، في الشمال الشرقي من سورية وإقامة قاعدة التنف على مثلث الحدود العراقية الأردنية السورية لحماية الخليج من أي توجه لداعش جنوباً بعملية مولتها السعودية والإمارات لإنشاء قوات سورية الديمقراطية، وتسليم قيادتها للأكراد، منعاً لأي تحالف يمكن أن ينشأ بين القوات الجديدة وتركيا، على شاكلة تحالف النصرة مع تركيا على حساب علاقتها مع السعودية، وهو ما حول قسد إلى وريث داعش في المنطقة بعد فشل واشنطن في الاستثمار بداعش لتوجيهه نحو التمدد باتجاه تركيا وروسيا والصين، وتحولها نحو القضاء عليه نهائياً خوفاً من العمليات الروسية السورية الإيرانية المشتركة ضد داعش من أن تودي بسيطرة الجيش السوري على كل المساحات التي كان يشغلها التنظيم.

هذه الجهود الأمريكية-السعودية في تشكيل قوات سورية الديمقراطية سرعان ماتحولت إلى مشروع جديد يستهدف الحكومة السورية من جهة، والنفوذ الإيراني في سورية من جهة أخرى، بمشروع مزدوج مؤلف من مرحلتين:

المرحلة الأولى: القطع الجغرافي وترسيخ مناطق النفوذ (مناطق الاستقرار القلق سابقاً)، حيث عملت الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة مع السعودية على ترسيخ مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، ضمن منطقتين الأولى في شرق وشرق شمال سورية بالتعاون مع الرياض، وذلك بهدف الضغط على الطريق البري الذي يصل طهران بدمشق، ملحقاً بإجراءات في الأراضي العراقية، وتحويل نهر الفرات إلى حاجز جغرافي طبيعي في وجه الحكومة السورية، ليتم فيما بعد استبدال القوات الأميركية بقوات أخرى أوروبية (فرنسية-بريطانية-ألمانية) لملء الفراغ، بالتزامن مع إجراءات لضبط القلق التركي من أي تهديدات قد تشكلها قوات سورية الديمقراطية.

أما المنطقة الثانية في الشمال والشمال الغربي السوري فتعمل واشنطن على تحويل هذه المنقطة إلى ملف توافقي مع أنقرة ضد روسيا وسورية بالتفاهم معها حول مستقبل الشمال ضمن الأطماع التركية، على حساب التفاهمات الأولية السابقة مع موسكو.

كلا المنطقتين يحتويان على مايقارب 78% من القمح والماء والنفط السوري، ويشكلان جغرافيات الوصل مع دول الجوار، واقتطاع هاتين المنطقتين يعني حرمان سورية من مناطق الثقل الجيوسياسي، في مشروع يهدف إلى تفريغ الجغرافية السورية من أهيمتها الجيوسياسية ضمن منع أي تهديد للمصالح الأمريكية أو للكيان الإسرائيلي.

 

المرحلة الثانية: إعادة الإعمار اللامركزية (خطة رؤساء الأقاليم)، حيث ترتكز هذه المرحلة على ردة فعل الحكومة السورية وجهود روسيا الدبلوماسية الداعية إلى عودة اللاجئين والنازحين السوريين، وذلك من خلال فرض أقصى العقوبات الممكنة على الحكومة السورية وكل من يتعامل معها، وقطع أي إمدادات يمكن أن تأتي من الأقاليم السورية المحتلة، لتحويل عودة اللاجئين على مزيد من الضغوط والأعباء على الداخل السوري من جهة، والعمل على استقطاب اليد العاملة ورؤوس الأموال من المناطق التي التي تخضع للحكومة السورية نحو الأقاليم المحتلة من جهة ثانية، وذلك من خلال عملية استقطاب اقتصادي كبيرة تبدأ بحركة إعمار ضخمة جداً في الشرق والشمال السوري، تتيح لرؤوس الأموال حركة كبيرة وأرباح سريعة وتتيح لليد العاملة نسب أجور عالية جداً بالمقارنة مع المناطق المحاصرة التي تعاني بغالبيتها من الجوع والفقر المدقع، ومن ثم توجيه الأعداد المستقطبة للمشاركة في انتخابات تؤمن المصالح الأمريكية ضد الرئيس السوري بشار الأسد وحكومته، بحيث يضمن المشروع الأمريكي تحويل جهود الحكومة السورية بإعادة النازحين، من جهود تضمن عدم تعرضهن للتأثير الأمريكي في الانتخابات القادمة، إلى جهود تشكل ضغطاً كبيراً مع الحصار والعقوبات على الحكومة السورية وتسهم في زيادة فشلها، وبالتالي خفض شعبيتها كأثر جانبي، وتأمن اليد العاملة ورؤوس الأموال السورية لشرعنة عملية إعادة الإعمار واستخدامها كأصوات معادية في كل من الشرق والشمال والشمال الغربي من سورية، وتنتهي المرحلة الثانية بإعلان نظام أقاليمي في سورية وإنشاء مجلس للأقليم الشرقي ومجلس للأقليم الشمالي وإعلان رئيس لكل أقليم مخول بعقد اتفاقيات تجارية واقتصادية ودبلوماسية مع أطراف خارجية باسم سورية ضمن مصالح أقليمه.

المرحلة الثانية من الاستئصال الجيوسياسي قد بدأت بالفعل بزيارة الوزير السعودي إلي مناطق قسد في سورية، وبتكثيف الجهود الروسية في إعادة النازحين السوريين، وما تصوير الوفد الإعلامي الإسرائيلي لمدينة الرقة إلا لعرض المدينة الجديدة لاحقاً والتي ستبنى بأموال سعودية-إسرائيلية مشتركة.

]]>
تقدير موقف: أزمة استهداف ناقلات النفط (طبيعتها–الأطراف المتورطة–مستقبلها). https://casrlb.com/?p=1051 Sun, 16 Jun 2019 08:32:07 +0000 http://casrlb.com/?p=1051 تعاني منطقة خليج عمان اضطرابات أمنية شديدة وذلك على أثر استهداف 4 ناقلات نفط في ميناء الفجيرة بتاريخ 12/05/2019، تلاها استهداف ناقلتين قرب ميناء جاسك الإيراني في 13/06/2019، وتتهم كل من السعودية والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إيران بالضلوع خلف هذه التهديدات والتوترات في المنطقة، وفي هذا السياق يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية هذه الحوادث الأمنية ضمن إطار التهديدات المفتعلة من قبل حلفاء واشنطن لمواجهة إيران وشن حرب مشتركة شاملة عليها، حيث يتضح وجود تباين خطير بين موقف واشنطن من المواجهة العسكرية مع إيران، وبين موقف كل من السعودية والإمارات والكيان الإسرائيلي، حيث تسعى كل الدول الثلاث السابقة نحو افتعال أسباب عمل عسكري من خلال التهديدات الأمنية التي يتم التخطيط لها بعناية فائقة لجر واشنطن للحرب الشاملة ضد إيران على غرار حرب الغواصات النازية حيث استهدفت الغواصات الألمانية سفن الإمداد القادمة إلى بريطانيا في محاولة لقطع الإمداد عنها، وتسبب إغراق سفن أمريكية في دخول الولايات المتحدة الأمريكية للحرب العالمية الثانية إلى صالح دول الحلفاء، لكن بفارق بسيط عن الواقع الراهن، يكمن في أن حوادث خليج عمان منذ تفجير ناقلات النفط الأربع في ميناء الفجيرة الإماراتي، وبعدها استهداف سفينتين بطوربيدات وألغام ملصقة مسبقاً، يحمل بصمات لجهة صاحبة السوابق المماثلة من التوريط الاستخباراتي القذر، كالكيان الإسرائيلي الذي برع في مثل هذه العمليات كحادثة 08/07/1967 والتي استهدف فيها الكيان الإسرائيلي سفينة أمريكية “USS Liberty”، لجر واشنطن للحرب بعد اتهام مصر بالعملية، والتي تم كشفها من قبل الإدارة الأمريكية دون تحريك ساكن.

 

أسلوب التنفيذ وتوقيته الذي تزامن مع مغادرة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي من طهران بدون أي نتائج تذكر، ودقة الاستهداف مع العلم المسبق بوجود 11 مواطن روسي على أحد هاتين الناقلتين، لدفع موسكو نحو ردة فعل مضادة، وتعليق “يوتاكا كاتادا”، مالك ومشغل ناقلة كوكوكا، أحد البواخر المستهدفة أن تكون الألغام هي السبب، نافياً بذلك الرواية الأمريكية، حيث أكد على مشاهدة أجسام تشبه الطوربيدات تصطدم بالسفينة، وذلك وفقاً لتعليقه على موقع “The Mind Unleashed” الأمريكي للاخبار، يشير بشكل غير قابل للشك بدور غرفة العمليات الاستخباراتية العسكرية المشتركة (الإسرائيلية-السعودية-الإماراتية-الاستخبارات العسكرية الأمريكية)، والتي أثبتنا وجودها وطبيعة عملها في مقال ((الحرس الثوري الإيراني يراقب معركة إدلب من مطار طرابلس الليبي!!))،

 تلك الأطراف السابقة كانت تنتظر ردة فعل طهران على الرسالة الأمريكية  لممارسة أقصى أنواع الضغوط على البيت الأبيض والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووضعه تحت تبعات القفزات الفجائية لأسعار النفط، لجره إلى الحرب ضد طهران، ظناً منها أن الوقت يمر في صالح إيران وتطوير قنبلتها النووية، والذي يعني تزايد مخاطر وتكاليف العمل العسكري مع مرور الوقت،  حتى تصبح أمراً مستحيلاً، ويقوم منظور التكلفة ودور عامل الوقت في زيادتها  بالمقارنة بين تكاليف الوضع الراهن، والتكاليف التي تم تقديرها في عام 2012 عندما اقترح الكيان الإسرائيلي شن عملية عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية.

 

وفي آخر تقدير لتكلفة الحرب المباشرة ضد طهران والتي وصلت إلى 7 تريليونات دولار، بالإضافة إلى اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تمنع دونالد ترامب وإدارته من تحقيق الحلم الأمريكي-الصهيوني بتدمير البرنامج النووي والبالستي الإيراني، لكن لا تمنع الحلم ذاته ومساعي تحقيقه كأهداف استراتيجية، حيث بدأت واشنطن بالتفكير بطريقة تخفيض تكاليف الحرب وضمان نتائجها، وعلى شاكلة سيناريو الغزو العراقي، ليس هناك أفضل من تقاسم هذه التكلفة على عدة دول فيما بينها تشترك بتوجيه ضربة ضد إيران، وتواجه إيران بالمقابل الكثير من الأعداء الأقوياء إلى درجة تصبح القدرة على إنهاء الحرب وضمان نتيجتها أمراً محسوماً، بمعنى آخر بناء تحالف دولي ضد إيران ونشاطاتها المزعزعة للاستقرار العالمي من وجهة النظر الأمريكية.

 

هذا التحالف سيتم  تشكيله على مرحلتين، الأولى تتلخص في اتهام إيران دون تثبيت التهم بشكل مطلق، ثم الاتجاه نحو تشكيل قوة بحرية مشتركة بين واشنطن وحلفائها مهمتها حماية الاساطيل البحرية المدنية، ومن شأن ذلك أن يعزل القوة الإيرانية وسيطرتها عن مياه الخليج، ويشدد الرقابة على ناقلاتها وحركة قواتها البحرية، بالتالي حصار دولي غير مباشر ضد إيران، وهي خطوة قد بدأت مناقشتها بالفعل، ويتم اقتراح المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة كجهة حيادية تقود هذه العملية.

أما الخطوة الثانية فتكمن في استجرار طهران لإبداء أي رد فعل ضد القوات البحرية المشتركة والتي تقودها أحد المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ليتم على الفور طلب جلسة طارئة للجمعية العمومية للأمم المتحدة، والتي تتخذ قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء، ولا يوجد فيتو فيها لأحد على عكس مجلس الأمن، وطرح عملية عسكرية ضد طهران تحت غطاء أممي شرعي، ما يعني أن الحوادث الأمنية في الخليج ستستمر حتى تشكيل القوة البحرية المشتركة لكن بوتيرة تتناسب مع جدية العواصم الحليفة لواشنطن ومدى تقييمها للمخاطر في المنطقة.

بالمحصلة ستنجح واشنطن بتشكيل القوة البحرية المشتركة، ولكن من الصعب جداً أن تنجح في تأمين غطاء أممي لأي ضربة ضد طهران، لذلك في حال إصرارها على استجرار الحرب سيترتب عليها تحمل التكلفة الباهظة هي وحلفائها، بحرب لن تقتصر حينها على المنشآت والبرامج الاستراتيجية العسكرية لإيران، وإنما تدمير إيران بالكامل أو خسارة الحرب بالكامل.

]]>
تقدير موقف: التطويق الأزموي للصين (هلال الاضطراب الداخلي). https://casrlb.com/?p=1036 Sat, 15 Jun 2019 13:01:38 +0000 http://casrlb.com/?p=1036 في سياق الاحتجاجات الكبيرة في هونغ كونغ داخل الصين والذي يعد الأكبر منذ عام 1997 واستدعاء بكين لمستشار السفير الأمريكي في الصين أمس، يقدّر مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية أحد أهم أجزاء النوع الثاني من الحرب الأمريكية ضد الصين، حيث تتلخص الأجندة الأمريكية ضد الصين بثلاث أنوع متزامنة من الحروب شرحناها سابقاً في لقاء بعنوان (النشواتي لسبوتنك: المواجهة الأمريكية الصينية تعيد صياغة الاستراتيجية الدولية للبيت الأبيض)،تتلخص الانواع الثلاثة ب:

 الأولى: الحرب التجارية، الثانية: افتعال الأزمات الجيوسياسية، الثالثة: تسليح البيئة.

يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بتجزيء النوع الثاني إلى هلالين أزمويين، الأول هو الهلال الخارجي المحيط بالصين، والثاني هو الهلال الدخلي والذي يعتبر أشد خطورة وأكثر وقعاً وتأثيراً على مستقبل نسب النمو الاقتصادي في الصين، والتي بمجرد اختلالها أو إبطائها يعني التأثير على المشاريع الاستراتيجية في التنمية المستدامة، والتي يشكل مشروع (طريق واحد-حزام واحد) عنوانها الرئيس.

ترتكز واشنطن حالياً على ثلاث أقاليم داخلية لتشكيل هلالها الأزموي الداخلي، جزيرة تايوان في المقدمة، حيث تعمل واشنطن على تأجيج وعسكرة الصراع بين جزيرة تايوان والصين، التي تعتبرها الأخيرة جزءاً لايتجزأ من أراضيها، وتعلن أيضاً أنها على استعداد لغزو تايوان إن لزم الأمر، وبالمقابل تقوم واشنطن بزيادة وتيرة صفقات السلاح في الجزيرة لتقويض نفوذ الصين في بحر الصين الجنوبي، الذي يعتبر أحد أهم مرتكزات الطرق البحرية للتصدير نحو غرب آسيا وأفريقيا وأوربا، إضافة إلى الدعم الأمريكي المقدم للحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم في تايوان، والذي سيعاد انتخاب رئيسته في 2020 على حساب الأحزاب الأخرى الموالية لبكين كالحزب القومي الصيني المعارض، هذا الدعم بدأ يأخذ في الوقت الراهن أبعاداً أمنية خطيرة، كنقل الخبرة القتالية والتدريب العسكري الاحترافي لقوات تايوان، ولكن ليس في إطار “قانون العلاقات التايوانية” الصادر في واشنطن منذ 40 عاماً فحسب، بل في إطار مناورات عسكرية واسعة في الجزيرة تحاكي ضرب أهداف للجيش الصيني، ومنعه من التقدم إلى الجزيرة كتلك التي نفذت منذ أسبوعين 30/05/2019.

 

وتأتي هونغ كونغ كمرتكز ثاني ونموذج أزموي بعد جزيرة تايوان، حيث تعمل واشنطن نحو خلق شرخ كبير بين المدن التي تتمتع بالحكم الذاتي كمدينة هونغ كونغ ومدينة ماكاو وبين البر الصيني الرئيس (وهي المناطق التي تديرها جمهورية الصين الشعبية بشكل مباشر)، وذلك من خلال توتير العلاقات البينية في الداخل، والعمل على صد أي مساعي صينية لتحصين الأمن في هذه المدن، أو محاولات تمتينها في وجه الأساليب الأمريكية، لقيادة هذه المدن والمناطق الأخرى نحو تشويه صورة الاستقرار الصيني، بالإضافة إلى العمل الحثيث على استخدام حقوق الإنسان كأداة أساسية في سبيل ذلك، وقد بدأ الكونغرس بإعداد رصاصته الأولى في الوقت الحالي بطرح مشروع قانون “حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ”.

 

أما المرتكز الثالث فيمثله ملف المسلمين الأويغور في إقليم تشينغ يانغ غرب الصين، والذي يقطنه أغلبية مسلمة بعدد يقارب 2 مليون نسمة، وحيث أن هذا الأقليم يشكل أهمية جيوسياسية كبرى للصين، سواءً من خلال موقعه وربطه للصين بآسيا الوسطى، أو من خلال ثرواته الكبيرة، وتعمل واشنطن على تصوير الإجراءات الأمنية الصينية على أنها حولت الأقليم إلى سجن كبير فرضته على سكانه، بالشراكة مع إحياء النزعات الدينية والعرقية للأويغور، والتشارك مع تركيا في قيادة هذا الملف، حيث تعتبر تركيا الأويغور جزء من القومية التركية، وتسعى لبسط نفوذها في تلك المنطقة.

الشراكة الأمريكية-التركية في ملف الأويغور الصينيين كانت قد أثمرت سابقاً بتشكيل الحزب الإسلامي التركستاني، وقاد هذا التشكيل المسلح بأشرس وأخطر العمليات الانتحارية والإنغماسية في سورية، ولا يزال هذا الحزب ناشطاً في إدلب السورية، ومن المتوقع أن يتم صياغة تجربة جديدة مشابهة لكن في الداخل الصيني ضمن ذات الأقليم.

 

هذه الأقاليم الثلاثة والمساعي الأمريكية التخريبية فيها ليست انفعالات لحظية أو اصطياد في الماء العكر بشكل مؤسساتي أمريكي فردي، بل أجندة منسقة تبدأ بالتدخل بأدوات إنسانية وديمقراطية، تعمل على ضمان امتدادها لباقي الأقاليم الداخلية  كأقليم التبت على سبيل المثال، ثم يعاد ربط الهلال كاملاً ليشكل طوقاً ملتهباً من الاضطراب يشتت تركيز الحكومة الصينية بالتزامن مع الاستمرار في النوعين الأول والثالث من المواجهة مع بكين، على شاكلة مشابهة لنظرية مكندر الجيوبولتيكية هو الهلال الداخلي والخارجية، ولكن بتعديل أمريكي حول الوجهة والاتجاه.

]]>