مقالات – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Mon, 12 Jan 2026 17:00:22 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 الوهم…. اسمه روسيا https://casrlb.com/?p=1678 Mon, 12 Jan 2026 17:00:22 +0000 https://casrlb.com/?p=1678 الوهم اسمه روسيا

]]>
رؤية زامير للعقيدة القتالية الجديدة https://casrlb.com/?p=1649 Mon, 15 Dec 2025 17:33:43 +0000 https://casrlb.com/?p=1649 رؤية إيال زامير رىيس أركان جيش العدو الإسرائيلي

]]>
استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 https://casrlb.com/?p=1645 Mon, 15 Dec 2025 17:24:40 +0000 https://casrlb.com/?p=1645 استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأميركية

]]>
عودة مشروع زنغزور الى الواجهة https://casrlb.com/?p=1577 Sat, 26 Jul 2025 07:16:41 +0000 https://casrlb.com/?p=1577 عودة مشروع ممر زنغزور الى الواجهة 1

]]>
التفوق الجوي الإسرائيلي الى زوال https://casrlb.com/?p=1536 Sat, 22 Jun 2024 17:03:18 +0000 https://casrlb.com/?p=1536 محمد حمدان  – باحث في العلاقات الدولية

تشهد جبهة جنوب لبنان  احتدامًا في المواجهات بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الإسلامية التي تُصعّد من عمليّاتها في الفترة الاخيرة كمًّا ونوعًا. بعدما كانت تلّ أبيب هي الّتي تدفع باتّجاه التّصعيد عسكريًّا عبر القصف العنيف لطول الحدود مع لبنان، بالإضافة إلى القصف على الدّاخل اللّبناني في مناطق إقليم التفّاح والبقاع، وإعلاميًّا عبر تصريحات لمسؤولين إسرائيليّين بضرورة فتح حرب شاملة مع لبنان والقضاء على حزب الله، التي يُعتبر حزبًا من الخيال والجنون. كل هذه العمليّات العسكريّة والتّصريحات الإعلاميّة، تأتي في ظلّ تعاظم العمليّات النّوعية للمقاومة الإسلاميّة على طول الحدود الشّماليّة لفلسطين وكميّاتها والّتي تخلق الكثير من الأضرار الماديّة والبشرية في صفوف جنود الاحتلال، بدءً من العمليّات الصاروخيّة الكبيرة على مستوطنات الشمال مرورًا بالصّواريخ الموجّهة المضادّة للدّروع والأفراد، ووصولًا إلى المسيّرات الإنقضاضيّة التي تُوجّه ضربات دقيقة وموجعة في الجنود والعتاد، وآخرها عمليّة “خرفيش” الّتي راح على أثرها ما يقارب العشرين جريحًا إضافة إلى ثلاث قتلى حسب اعترافات العدوّ. هذا وقد نشر الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية مشاهد من استهداف من منصّة القبّة الحديديّة في ثكنة “راموت نفتالي” الّتي من المفترض أن تتصدّى للصّواريخ والمسيّرات إلّا أنّه من الواضح أنّها تحوّلت إلى خُرضة حسب الصّور الّتي نُشرت بعد أن تضرّرت بشكلٍ كبيرٍ وبات من الواجب إعادة تدويرها واستخدامها في صناعة حديد المباني مثلا. إضافة إلى الحرائق الّتي أحدثتها صواريخ المقاومة والّتي التهمتها آلاف الدنومات. على وقع كل هذه العمليات النّوعية الّتي تجاوزت ال 2000 عمليّة من 8 تشرين الأوّل لحدّ الآن، صعّد العدوّ من غاراته على البلدات اللّبنانيّة. وقد برز في الأيّام الأخيرة خرق العدوّ لجدار صوت بشكل عنيف في مختلف المناطق اللّبنانيّة الّذي يتسبّب بحالات خوف في أوساط المدنيّين. بعدها جاء بيان لافت ونوعي للإعلام الحربي في المقاومة الإسلامية يُعلن فيه إطلاق صواريخ دفاع جوي تجاه الطّائرات الحربيّة الّتي كانت تقوم بخرق جدار الصوت ما أجبرها على تغيير مسارها والتراجع باتّجاه الأراضي المحتلّة. وعن مصادر إعلامية مقرّبة من حزب الله قالت “نفّذ ما يُسمّى بالإغلاق الرداري على طائرات العدوّ الحربيّة والعدوّ يعرف ويعي معنى ذلك تماما”. والسؤال المطروح هنا… هل كانت هذه الصّواريخ تحضيريّة؟؟ وماذا يمكن أن يحدث فيها لو تكرّرت هذه الخروقات، هل ستبقى الصّواريخ تحذيريّة أم سنشاهد مصير الطّائرات الحربيّة على شاكلة مصير المسيّرات؟ فإذا حصل السّيناريوالثّاني فإنّه من المؤكّد أنّنا سنرى رون آراد ثاني وثالث ورابع حتى. تجدر الإشارة إلى أن “رون آراد” هو نقيب طيّار في جيش العدوّ كانت قد أُسقطت طائرته في 16 تشرين الأوّل 1986 وأُسر من قَبل المقاومة اللّبنانية أمل ولا يزال مصيره مجهولًا حتّى هذه اللّحظة. في الختام، إن امتلاك المقاومة الإسلامية لأي سلاح دفاع جوي نوعي، من شأنه تقليص الفارق في القدرات بين الطرفين وإحداث خلل في ميزان القوة العسكرية الإسرائيلية وتعقيد الحسابات أكثر في الميدان. إن وجود منظومة دفاع جوّي يعني استهداف الطائرات على مختلف أنواعها و قد بدأت المقاومة فعلاً بهذه الإستهدافات من خلال إسقاط خمسة طائرات إستطلاع حتّى اليوم، والّتي تُعتبر من الأهم و الاحدث في العالم ،وهذا ما أزعج الإسرائيلي بشكل كبير وأفقده قدرات كبيرة في الإستخبار الميداني. أيضاً، تقييد حركة المروحيات على آختلاف أنواعها ، (هجومية – إنزالات – إغاثة) وهذا يعني المس بجوهر عمل القوات الخاصة في سلاح الجو الإسرائيلي والتي تعتمد إلى حد كبير في حركتها على السّلاح المروحي . فضلاً عن إجبار المقاتلات الحربية النّفاثة إلى الإرتفاع عن العلو الُمنخفض عند تنفيذ الغارات ما يقلّل من دقّة الإصابة والتأثير على بنك الأهداف. لن يقتصر تأثير حيازة حزب الله على سلاح  دفاع جوّي على سلاح الجو الإسرائيلي فحسب ، فالجيش الإسرائيلي  في عمله على تشابك الأذرع ، أي التّنسيق الشّبه تام بين أسلحة البر و البحر و الجو ،ووضع سلاح البحر و الجو في خدمة سلاح البر. لتبسيط الأمور بشكل أكبر ، إن امتلاك حزب الله لسلاح دفاع جوّي نوعي ، تعني ببساطة كسر توازن الردع الإستراتيجي الذي لطالما هدّدت إسرائيل بأّنها لن تسمح به . ولا نبالغ لو قلنا أن ذلك سيضعها على الطّريق نحو الزّوال والذي عبّدته المقاومة الفلسطينية في هجومها في 7 أكتوبر.

]]> الرصيف البحري الأميريكي في ساحل غزة نوايا احتلاليّة خبيثة خلف ستار الذرائع الإنسانية https://casrlb.com/?p=1521 Tue, 07 May 2024 08:34:50 +0000 https://casrlb.com/?p=1521 الرصيف البحري الأميريكي في ساحل غزة

نوايا احتلاليّة خبيثة خلف ستار الذرائع الإنسانية

دخلت حرب غزّة شهرها السابع، والتدمير والتجويع هو كلّ ما حصدته آلة الحرب الإسرائيلية حتّى هذه اللّحظة. وفي ظلّ تفاقم الأزمات الإنسانية ووصولها إلى حد حصول مجاعة داخل القطاع، وتقطير دخول المساعدات الى القطاع عبر المعابر، جاء المقترح الأمريكي بضرورة إنشاء رصيف بحري قبالة السواحل الغزّيّة لإيصال المساعدات إلى القطاع الذي يتضوّر جوعًا. وبالفعل شرعت واشنطن في بناء هذا الرصيف البالغ طوله حسب التقارير 500 متر من أجل زيادة وتسهيل وصول المساعدات وفق ما أعلنت عنه وزارة الدّفاع الامريكية. وتُشير المعلومات أنّه سيتم تسليم المساعدات عبره من خلال ثلاث مناطق، الأولى منطقة إنزال المساعدات، وهذه المنطقة تخضع للسّيطرة الإسرائيلية المباشرة، والثّانية هي المنطقة التي ستُنقَل إليها المساعدات، والثّالثة فتتمثّل بمنطقة التّسليم الخاضعة لإشراف منظمات أمميّة. وبحسب التقارير فإنّ هذا الرّصيف سيستقبل يوميًّا ما يوازي 200 حاوية، لا تصل إلى نصف حاجة السّكان في القطاع، في حين أنّ معبر رفح يُدخل يوميًّا 300 حاوية حسب الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدوى هذا الرصيف وفعّاليته والنّوايا الحقيقيّة غير المُعلنة وراء هذا البناء، في ظلّ وجود معابر أكثر كفاءة وسرعة في إيصال المساعدات للقطاع.

إذا ما نظرنا إلى الجانب الأمني لبناء هذا الرّصيف، فإنّه يتّسِق مع رغبة الاحتلال المُعلنة في إغلاق المنافذ المختلفة لقطاع غزّة، والسّيطرة على جميع معابر القطاع والتحكّم بما يدخل ويخرج، لزيادة الخِناق على المقاومة حسب ادعائهم، في وقت لا يستقيم فيه كذلك الفصل بين عملية رفح المرتقبة وإنشاء الميناء الأمريكي المشؤوم، والذي من المؤكد أنّه سيُفضي إلى إغلاق معبر رفح في حال حصلت هكذا عملية.

سياسيًّا، نرى أنّ هناك رغبة أمريكية إسرائيلية بتحويل قضية العدوان على غزّة من قضية سياسة إلى قضية إنسانية محضة، ورغبة في إدارة النّزاع وليس حلِّه. من جهة أُخرى، تبرز مخاوف جدّيّة من تهجير الغزّيين إلى دول أُخرى عبر البحر تحت شعار “الهجرة الطوعية”، خاصةً بعد فشل تهجيرهم بالقوّة والتجويع وكل أساليب الهمجية. بينما يرى الاحتلال في هذا الرصيف تعجيلاً لانهيار حكم حماس عبر إضعاف قوّتها وتجفيف مواردها وسيطرتها على الأرض وتجهيز أرضية لحكم العشائر في القطاع.

على المقلب الآخر، كشفت خرائط للرصيف البحري ما تخطّط له واشنطن، فهي تريد إضافة احتلال أمريكي على الاحتلال الإسرائيلي، فحيثما تحتل تل أبيب تُكمل واشنطن، وبعد احتلال غزة ستأتي أميريكا وتتربّع على آبار النفط والغاز قبالة السّواحل الغزّية، كما فعلت في سوريا والعراق وليبيا. بل وأبعد من ذلك فإنّ تجار شركات الغاز الأمريكية متلهّفون للسطو على هذه الآبار، حيث قيل أنّهم موّلوا جزء من الحرب على غزة، وإنّ معركة رفح ضرورية لاستكمال السيطرة على السواحل الغزّية خاصة حقل الغاز (غزة مارين)، هذا الحقل الذي تمّ اكتشافه عام 1999 من قِبل شركة بريتش بتروليوم، وهو أقرب الحقول إلى الشاطئ حيث يبعد 30 كيلو مترًا وعمق 600 مترٍ فقط، ويحتوي على قيمة تقديريّة 1.5 ترليون قدم مكعّب من الغاز. إضافة إلى ثروات أخرى مثل حقل “ماري بي” وحقل ” نوا” وحقل “المنطقة الوسطى”، وهي حقول من المتوقّع أن تحتوي على مكامن غاز قد تصل قيمتها إلى ثلاثة مليارات دولار سنويًّا.

منذ كانون أول 2022 تسعى إسرائيل إلى إبرام صفقات مع شركات كبرى للتنقيب عن الغاز، حيث قال مركز الميزان لحقوق الانسان ومقرّه غزة: إنّ وزارة الطاقة الإسرائيلية منحت تراخيص لستة منشآت وشركات إسرائيلية وعالمية بهدف التنقيب الاستكشافي عن الغاز في مناطق تُعتبر بموجب القانون الدّولي مناطق بحرية فلسطينية خالصة. من هذه الشركات “آني أس بي أي” الإيطالية و”دانا بتروليوم” البريطانية و”راشيو بتروليوم” الإسرائيلية، لكنّ التأخير جاء نتيجة الضغوطات على هذه الشركات بسبب وجود الآبار ضمن الأراضي الفلسطينية الخالصة، الأمر الذّي يُعتبر انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقّ الفلسطينيين في تقرير المصير، الذّي يشمل إدارة مواردهم الطبيعية الخاصة. ولعلّ هذا الملفّ سيعود إلى الواجهة من الباب العريض في ظلّ إنشاء هذا الرصيف مع السيطرة الأمريكية والإسرائيلية عليه، وهذا الأمر كلّه مرهون بعامل الوقت وإنهاء العمل بالرصيف الذي سيتمّ تسليمه في الأسابيع القليلة القادمة.

لقد تمّ بناء جزء كبير من هذا الرصيف البحري بحطام البيوت والمساكن الفلسطينية، وقامت الجرّافات الأميريكية باستخدام الأنقاض الفليسطينية التي تحوي الكثير من جثث الشهداء في بناء الرصيف. وتستغلّ الولايات المتحدة الأميريكية الذرائع الإنسانية لاحتلال ساحل غزة وشاطئها، لكي تنهب ثروات الفلسطينيّين، وتصدر الغاز من ساحل غزّة إلى أوروبا ليكون بديلاً للغاز الروسي مما يسمح لها بعزل روسيا وتأثيرها على الأوروبيّين، أضف إلى ذلك رغبة أميريكا بقطع طريق الحرير الصيني عبر طريق الهند التي يمتدّ إلى غلاف غزّة ومنها سواحل فلسطين نحو أوروبا.

كلّ هذه المعطيات والأحداث المتسارعة في هذا السّياق تقودنا إلى الشكّ الكبير والمنطقي في النوايا الأمريكية الإسرائيلية خلف بناء هذا الرّصيف. فالموضوع لا علاقة له بالبُعد الإنساني غير المُجدي أصلاً، بل يتعدّاه إلى نوايا خبيثة يحضّرها الإسرائيلي للسّيطرة على القطاع وشعبه وموارده من الباب الإنساني، بعد فشله في تحقيق مكاسبه عن طريق التدمير والتجويع والتهجير.

محمد حمدان

  • باحث في العلاقات الدولية
]]>
هدوء ما قبل العصف الإيراني https://casrlb.com/?p=1517 Sat, 13 Apr 2024 07:21:38 +0000 https://casrlb.com/?p=1517

على الرغم من تسارع وتصاعد وتيرة الأحداث فى المنطقة، وبالأخصّ تسخين الجبهة الشمالية لفلسطين، الجنوبية للبنان، ومع إعلان الجيش الإسرائيلي سحب الفرقة 98 من خان یونس، والإبقاء على لواء واحد فقط (نحال) العامل في وسط القطاع للفصل بين الجنوب والشمال، إلّا أنّ النقطة الفصل في كلّ هذه المرحلة هو الردّ الإيراني على استهداف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في سوریا، والتي تُعتبر أرضًا إيرانية، ممّا يمثّل تعدّيًا صارخًا على القانون الدولي، حيث راح ضحيتها ضبّاطًا ودبلوماسيين إيرانيين.

من هنا يأتي الترقّب والانتظار من الصديق قبل العدو على طبيعة هذا الردّ الذي لا مناص منه وزمانه ومكانه، فإسرائيل اتخذت كلّ الاجراءات الوقائية تحسّبًا لأيّ هجوم إيراني من إغلاق سفاراتها في العديد من الدول، واستدعاء لواء الإحتياط الجوّي وتجهيزه، والتشويش على النظام العالمي لتحديد الأماكن (GPS)وآخرها المناورة التي تجري فى شمال إسرائيل تحديدًا فى الجليل الغربي، والتي تحاكي حرب مع المقاومة في لبنان.

كل هذه التدابير والإجراءات تنذر بشيء جدّي وخطير قادم في المرحلة القريبة، فقبل الهجوم على القنصلية الإيرانية ليس كما بعده، وخاصة مع التسخين المستمرّ للجبهات، لاسيما الجبهة الجنوبية للبنان. فالعديد من التساؤلات تُطرح عن ماهية هذا الردّ الإيراني، حيث إنّ ردّ الفعل يجب أن يوازي الفعل الأساسي. فهل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستُهاجم بشكل مباشر منشآت إسرائيلية داخل الكيان الصهيوني؟ أم أنّ الردّ سيكون على المصالح الأمريكية في المنطقة والضغط عليها أكثر وانعكاس هذا الضغط على إسرائيل؟! يمكن أن يكون السيناريو الثاني صعب الحصول، خاصةً وأنّ الهجوم قد تمّ على أرض دولة (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) وراح ضحيّتها شهداء لهذه الدولة، وبالتالي يجب أن يكون الردّ بالمثل وليس بشكل غير مباشر، الأمر الذي سيؤدّي حتمًا إلى تماسك محور المقاومة الذي تقوده إيران، وإنعكاس ذلك على الثقة الكاملة بقوة وهيبة اللاعب الإيراني على صعيد المنطقة والعالم، والذي سيلجم حتمًا تطلعات الدول الأخرى، ممّا شكّل رادعًا لأي طرف دولي  قبل التعرّض لإيران عسكريًّا أو حتى اقتصادیًّا.

السؤال الأساسي الذي يشكّل المعضلة البَعدية، والذي يُطرح بقوّة: ماذا بعد الرد الإيراني؟ كيف سيكون تصرّف العدو الإسرائيلي وردّ فعله على ردّ الفعل الإيرانى؟

نتنياهو اليوم يمرّ بظروف صعبة ومعقدة للغاية، فالأهداف التي أعلن عنها إبان حربه على غزة بالقضاء على المقاومة وتحرير الرهائن، كلّها باءت بالفشل بعد تجاوز حرب الإبادة شهرها السادس، خاصة بعد المعارك الضارية في شمال غزة، وتدمير المستشفيات والقطاعات التربوية والاقتصادية، والمعارك الضارية وسط القطاع، وآخرها الانسحاب التام من خان یونس دون تحقيق أيّ هدف، لا بل على العكس آثار فشل التخبّط الإسرائيلي في تصاعد مستمرّ، الأمر الذي انعكس على التسخين الكبير للجبهة الشمالية مع لبنان، وإعلان الجيش الإسرائيلي الانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، للتعتيم على الفشل المستمر في القطاع.

فنتنياهو يمكن أن يقامر ويلعب جميع أوراقه لإطالة أمد الحرب والتهرب من المحاكمة. ومن السيناريوهات المحتملة هو الردّ على الردّ الإيراني بفتح الحرب على الجبهة الشمالية مع لبنان والدخول بصدام مباشر مع المقاومة، والتي ستكون تكلفتها باهظة أضعاف مضاعفة من حرب غرة، أو الرضوخ والقبول بالأمر الواقع الذي يُرسم خاصةً مع فقدان الدعم الدولي وارتفاع وتيرة الانقسام في الداخل الاسرائيلي، ويكون مصيره المحاكمة والسجن، وبالتالي تزايد الخلافات الداخلية وانفجار المجتمع الإسرائيلي، والتأسيس لبداية زوال هذا الكيان.

كلّ هذه التساؤلات والسناريوهات المطروحة متصلة بطبيعة الردّ الإيراني القادم لا محالة، وإن أخذ بعض الوقت. فالإيراني يتمتع بصبر عالٍ ودقة حسابات لكلّ الإحتمالات في أيّ تصرّف، فهو (كمن يذبح بالقطنة) وبالتالي فإنّ التروي في ردّ الفعل لا شكّ هو مدروس لتفادي الإنزلاق نحو الحرب الشاملة ،وحتى لتجهيز وتهيئة محور المقاومة، بالأخصّ حزب الله للتصدّي لأيّ ردّ إسرائيلي في حال قرر نتنياهو الدخول في الحرب المفتوحة.

محمد حمدان

الباحث في العلاقات الدولية

]]>
تراجع الهيمنة الأميريكية على العالم ومستقبل النظام الدولي https://casrlb.com/?p=1491 Sat, 16 Mar 2024 18:48:41 +0000 https://casrlb.com/?p=1491 لا يختلف أحد على أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية هيمنت على موقع الريادة العالمية إقتصاديًّا وعسكريًّا وتكنولوجيًّا قرابة السبعين عامًا، منذ لحظة السويس عام 1956، مرورًا بصدمة نيكسون عام 1971، وصولاً إلى انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ونهاية الحرب الباردة في بداية العقد الأخير من القرن العشرين. عدّة تساؤلات تُطرح حول مصير هذه الهيمنة من حيث بقائها إلى تراجعها، بل حتى إلى زوالها. فهل فعلاً الهيمنة الأمريكية تتراجع أم أنها مجرّد افتراض يتمنّى خصومها أن يتحقّق؟ خاصة مع ظهور قوى صاعدة تنافس أميريكا على قيادة النظام الدولي كروسيا والصين.

شكّلت العديد من الأحداث طوال عشرين عامًا، منذ هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 إلى الحرب الدائرة الآن في غزة، الدعامة الأساسية لتراجع الدور الأمريكي العالمي، لا بل وضعه على طريق الإنكفاء والزوال. لقد أثبتت هجمات سبتمبر 2001 أنّ المناعة الأمريكية يمكن اختراقها وتوجيه ضربات موجعة لها، وأنّه لم يكن سرًّا إعلان تنظيم القاعدة الحرب على أميركا وتوجيه ضرباته إليها في سفارتَي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا وصولاً إلى الهجوم الكاسح على المدمرة الأمريكية “كول” في ميناء عدن. لقد أدّى ردّ الولايات المتحدة المتسرّع وغير المدروس إلى الوقوع في المستنقع الأفغاني وإعلانها الحرب على أفغانستان عام 2001 التي انتهت بهزيمة طالبان، إلا أنّ الأخطاء التي ارتكبتها أميركا في البلاد ساهمت في عودة طالبان، مما اضطرّ الولايات المتحدة إلى التفاوض معها على الرغم من إدراجها على قائمة الإرهاب، حيث توصّل الطرفان إلى إتفاقية في شباط 2020 في الدوحة تقضي بانسحاب أمريكا الشامل من البلاد في سبتمبر 2021، إلا أنّ انهيار حلفاء أميركا أدّى إلى النهاية المذلة التي شهدها الانسحاب الأمبريكي من مطار كابل آنذاك.

ولعلّ الحرب على العراق 2003 كانت من أسوأ القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لكنّها اختارت الهدف الخطأ والمبرّر الأكثر خطأً، وفشلها حينها في استصدار قرار من مجلس الأمن يشرعن هذه الحرب رغم الضغوطات. تلك الحرب كانت كارثية على أمريكا واقتصادها وموقعها ودورها، أوصلت البلاد إلى حافة الإنهيار الاقتصادي وأدّى إلى انسحابها عام 2011 دون أيّة نتيجة مرجوة إلا تمزيق وتدمير البلد. وكان من نتائج الاحتلال الأميريكي للعراق ظهور حركات المقاومة العراقية، التي كبّدت الجيش الأميريكي خسائر كبيرة، وجعلت العراق جزءًا من محور المقاومة، وساهمت في إفشال المشروع الأميريكي في سوريا، وقصفت القواعد الأميريكية خلال معركة طوفان الأقصى، ممّا هزّ صورة القوّة الأميريكية في العالم.

ولا مكان أكثر وضوحًا لتآكل الدور الأمريكي مثل الساحة السوريّة، وخاصة بعد التدخل الروسي الإيراني الذي دخل من البوابة العريضة لمساندة الرئيس السوري بشار الأسد بعد مراهنة أميركا على إزاحته، والذي لم يتحقّق. وعليه فإنّ الفراغ الذي حدث في سوريا ملأته روسيا ومحور المقاومة، ولم يعد للوجود الأمريكي أيّ أثر وفاعلية وقيمة في البلاد، إلّا في المناطق التي تحتلّها الولايات المتحدة الأميريكية وتُقيم فيها قواعد عسكرية، لسرقة النفط والغاز السوري. لقد كانت هذه فرصة للدبّ الروسي لاستعراض قوّته العسكرية في سوريا وتحريك أساطيله لفرض نفسه كقوة كبرى دولية لها دور فاعل وقوي على الصعيد الدولي بوجه الولايات المتحدة، ومواجهتها وإحباط مخطّطها التقسيمي الذي يقضي بعزل روسيا عبر المتنفّس السوري.

ولعلّ الحرب الأوكرانية شكّلت أصعب الإكراهات الجيوستراتيجية أمام الولايات المتحدة الأميريكية، حيث لم يواجه الاتحاد الأوروبي مشكلات أمنية تُذكر خلال النصف الثاني من القرن الماضي وخاصة بعد استكماله للمخططات لبناء كيان قوي ومستقل تمثل بمعاهدة ماستريخت عام ١٩٩٢ لبناء جيش أوروبي وبناء وحدة إقتصادية قويّة على الرغم من الحرب الاقتصادية التي وجّهتها أميركا للصناعات الأوربية خاصة العسكرية، إلى أن مهّدت للحرب الأوكرانية الروسية التي كشفت الضعف الأوروبي وهرولته إلى مظلة الناتو، وهذه أحد أهداف أمريكا من هذه الحرب وإجبار أوروبا على على مجاراة الولايات المتحدة ومعاداة روسيا وقطع العلاقات الاقتصادية والتضحية من الاستفادة من الطاقة الرخيصة التي مكّنت روسيا من التطور الاقتصادي الكبير، والإنزلاق نحو التضخّم وارتفاع الأسعار وغضب المواطنين، الأمر الذي دفع القادة الأوروبيين إلى التوجه شرقًا. ومَن هناك أكثر استعدادًا من التنّين الصيني لتقديم الحلول لتلك الأزمة، فالصين تمثل شريكًا تجاريًّا ضخمًا لأوروبا حيث بلغ حجم التجارة 517 مليارعام 2020، إذ قام المستشار الألماني بزيارة إلى الصين عام 2022 سعيًا لتعزيز العلاقات مع الصين، وفي 2023 حذا الرئيس الفرنسي ماكرون حذوه وقام بالذهاب إلى بكين والاعتراف بدولة الصين كأحد الدول العظمى على الصعيد العالمي عامة والأوروبي خاصة. ولعلّ أبرز ما جاء في زيارة ماكرون هو تصريحه بعد عودته حيث قال أنّ الأوروبيين يجب أن لا يكونوا أتباعًا لأميركا في أزمات لا دخل لهم فيها مشيرًا إلى الحرب الأوكرانية الروسية وأنّ والتحالف لا يعني التبعيّة.

صحيح أنّ الولايات المتحدة نجحت في تدمير العلاقة الروسية الأوروبية إلا أنّ ذلك دفع أوروبا بقوة شديدة بعيدًا عن أميركا نحو الصين، وذلك كان من النتائج غير المتوقّعة أبدًا . فالولايات المتحدة لم تنجح في وقف نمو التنين الصيني وكبح ناره، بل على العكس كل يوم يثبت أنّ الصين هي قطب منافس للولايات المتحدة في جميع المجالات اقتصاديًّا و سياسيًّا، وإلى حدّ كبير عسكريًّا فضلاً عن الاقتحام السريع للفضاء والوصول إلى القمر، وعلى الرغم من العقوبات الأميركية التكنولوجية التي تهدف إلى وقف النمو الصيني نرى أنها كانت دافعًا للتطوير المحلي. أصبحت الصين مركز ثقل سياسي واقتصاي كواقع ملموس، وأدرك العالم قوة الصين الدبلوماسية، وخاصة تبنّيها المصالحة في الشرق الأوسط ومبادرة وقف إطلاق النار في روسيا وأوكرانيا، لذلك فالتحوّل الأوروبي تجاه الصين منطقي جدًا. والطامّة الكبرى وغير المتوقعة جاءت من الحلفاء بالخليج الذي تحوّل إلى قوة مناوئة للولايات المتحدة وتحديدًا في تقوية العلاقات مع الصين وروسيا سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا واستخدام عملات أخرى غير الدولار الأمريكي لمساندة موجة عالمية للتخلّي عن استخدام العملة الأمريكية التى بدأت في اتحاد البريكس الذي يضم الهند والبرازيل وجنوب أفريقا إلى جانب روسيا والصين، على الرغم من كل هذه التأثيرات الخارجية والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة شرقًا وغربًا لتحقيق مكاسبها وترك تلك البلاد ممزقة وضعيفة. وعلى الرغم من كل الخسائر التي منيت بها على جميع الأصعدة إلا أنّ الهاجس الأساسي والخطر الأكبر يأتي من داخل البيت الأمريكي الواحد.

عوامل كثيرة لعبت دورًا في إضعاف الولايات المتحدة من الداخل مثل جائحة كورونا، ومعها السياسات الإستقطابية في ظلّ الأعراف الديمقراطية المتداعية، ثم الحروب العرقية العنيفة والحروب الثقافية والنزعة الإقليمية في البلاد، وخاصة بعد الذي حصل في ولاية تكساس مع المهاجرين في الولاية الجمهورية والتي تصرفت كدولة مستقلة ضاربة بعرض الحائط اتخاذ القرارات المركزية وتأييد ولايات جمهورية أخرى لقرارات “تكساس”، ثم الفجوة الآخذة بالإتساع بين الأغنياء والفقراء. في كلّ هذه الأزمات يكاد ما يُجمع عليه الأمريكيين اليوم انعدام الثقة الجماعية في مؤسّساتهم وحكومتهم وإعلامهم ونظامهم السياسي، حيث تجتاح فوضى عارمة البلاد ويتزايد القلق بشأن التضخم الحاصل والمتزامن مع تجاوز الديون الوطنية عتبة ال 80 تریلیون دولار، 20 ترليون منها مستحقّة لدول أجنبية، حيث تشكّل الصين الدائن الأكبر لأميريكا. رغم حراجة كلّ هذه المشكلات يبقى الأمر الأكثر إثارة للقلق هو تآكل الديمقراطية في أمريكا وانعكاس ذلك على سياستها الخارجية وخاصة بعد أحداث 7 أكتوبر – والحرب الكونية على غزة والضرب بعرض الحائط حقوق الإنسان والقرارات الدولية وقرارات مجلس الأمن، والدليل على ذلك هو تقرير لمنظمة “فريدوم هاوس” التي سلّطت الضوء على تراجع أميركا إحدى عشرة نقطة في تصنيفها ضمن مؤشر الفجوة الديمقراطية.

لقد فشلت السياسات الأمريكية فى العقود الثلاثة الأخيرة وأدّت إلى تراجع مكانتها على الصعيد العالمي، إضافة إلى ضجر العالم شرقًا وغربًا من الهيمنة الأمريكية في ظلّ غياب إستراتجيات وخطط واضحة لإحلال الأمن والسلم في العالم، فكلّ بلد دخلتها أمريكا أو ساندت حروبًا فيها بقيت ممزقة منهكة. ولعلّ غياب هذه الإستراتيجيات وانكشاف النفاق الأمريكي كان الدافع والحافز للصين للوصول نحو قمّة الهرم العالمي إلى جانب روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويبدو أنّ طوفان الأقصى سيكتب نهاية قصيرة لقصة الهيمنة الأمريكية على العالم، خاصة مع تورّط أميريكا بالإبادة الجماعية وتشوّه صورتها في العالم وانكشاف زيف ادعاءاتها، حيث صار الصوت الأميريكي غريبًا في العالم، واهتزت صورتها بفعل المجازر وجرائم الحرب الإسرائيلية، وكذلك توجيه محور المقاومة ضربات موجعة ومُهينة لأميركا خاصة في البحر الأحمر. وبعد كلّ هذه الأحداث يبدو أنّ الهيمنة الأميريكية في تراجع مستمرّ، وأنّ العالم ذاهب إلى فوضى في القوى ضمن نسق عالم بلا مهيمن، سيتبعها إعادة توزيع الأدوار العالمية وظهور أقطاب جديدة، ممّا يُحدث انتقالاً وتغييرًا في بُنية النظام الدولي.

محمد حمدان

باحث في العلاقات الدولية

]]>
قضيّة “سليماني” بين عقدة السفارة وخط الدّم https://casrlb.com/?p=1283 Sun, 05 Jan 2020 09:58:29 +0000 http://casrlb.com/?p=1283  

د.عباس مزهر

تصاعدت مؤخّرًا وتيرة الصراع الأميريكي الإيراني في الشرق الأوسط بدرجة حادة، بلغت أعتاب الأعمال الحربية، بدءً من اغتيال قيادات لمحور المقاومة في “سوريا” على يد جيش الكيان الإسرائيلي، وما تلاها من ردود فعل عسكرية لهذا المحور، مرورًا بالعمليات الإيرانية ضدّ ناقلات النفط في الخليج، واعتراض أربعة سفن تجارية، واحتجاز الباخرة البريطانية، وإسقاط الطائرة الأميريكية المسيّرة، والهجوم الخطير على منشأتين نفطيّتين من مرافق شركة “أرامكو” في “السعودية”، وصولاً إلى سلسلة الهجمات الصاروخية المحدودة على القواعد العسكرية الأميريكية في “العراق”، واغتيال كبير المقاولين الأميريكيين المتعاقد مع قاعدة “كركوك”، ممّا دفع أميريكا إلى اتهام إيران” بالوقوف وراء العمليات الأخيرة التي نفّذها الحشد الشعبي العراقي، فقامت بقصف مقرّاته ومخازنه وقتل عدد من مقاتليه. وما لبث أنْ تطوّر النزاع ليبلغ حدًّا هائلاً لا تطيقهُ “أميريكا”، وهو محاصرة سفارتها في “بغداد” واقتحامها وإشعال أسوارها وإحراق العلم الأميريكي الذي كان يعتليها، وإطلاق شعارات طرد الأميريكيين من البلاد. وقد بدا المشهد مشابهًا لاقتحام السفارة الأميريكية في “طهران” عام 1979 أثناء إندلاع الثورة الإسلامية في “إيران”، وهي العقدة التي لم تتعافَ منها “واشنطن” حتى اليوم، حيث لم تتحمّل تكرارها مما لها من تبعات مقلقة على هيبة “الولايات المتحدة الأميريكية” ومفهوم قوّتها ونفوذها، فأرادت رسم خط أحمر بدماء “قاسم سليماني”، على اعتبار أنّه الرجل الإيراني الثاني بعد المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” وقائد العمليات العسكرية لمحور المقاومة في “الشرق الأوسط”.

لقد كان اللواء “سليماني” هدفًا للرصد والمتابعة الأميريكية منذ فترة طويلة، لكنّ قرار اغتياله لم يكن واردًا على الإطلاق لما له من تبعات وخيمة وعواقب تفجيريّة. لذلك يأتي تنفيذ هذه العملية المعقّدة كدلالة على مدى شدّة المأزق العميق للوجود الأميريكي في المنطقة، وعلى هول مهاجمة سفارتها في “العراق”. وقد وضعت الاستخبارات العسكرية الأميريكية كلّ إمكاناتها التكنولوجية الضخمة من أقمار اصطناعية ووسائل التعقّب وتقنيات التجسس لتصفية “سليماني”، فاستهدفت – بطائرة مسيّرة – موكبَهُ المؤلّف من مركبتين على طريق مطار “بغداد” الدولي، بالتنسيق مع عامل بشري على الأرض ساهم في تسهيل العمل التجسّسي والوصول إلى دائرته الضيّقة، مما يضع “العراق” والمنطقة في زاوية قاسية وحامية يُمكن أنْ تُبدّل أوجه الصراع والموازين الاستراتيجية فيه، خاصةً وأنّ هذه العملية تُعتبر انتهاكًا سافرًا لسيادة الدولة العراقية وللأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية، وقد أودت بحياة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي المعترف به رسميًّا من الحكومة العراقية “أبو مهدي المهندس”، الذي ساند الجيش العراقي في محاربة تنظيم “داعش” ومكافحة الإرهاب.

مارست “إيران” عبر السنوات الأخيرة ضغوطًا عسكرية وسياسية تُهدّد الوجود الأميريكي في المنطقة، حيث دعمت الرئيس السوري “بشار الأسد” – عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا – في مواجهة المشروع الأميريكي، وبدأت بتصعيد الضغط على الأميريكيين في “العراق” بهدف إخراجهم منه: بدءً من دعم وتدريب الحشد الشعبي وتزويده بالمال والسلاح الذي ينفّذ بهِ عملياتهِ العسكرية ضدّ الأميريكيين، مرورًا بالمناورة البحرية المشتركة التي أجرتها مع “روسيا” و”الصين” في المحيط الهندي، وصولاً إلى طرح مشروع في مجلس النواب العراقي ينصّ على خروج القوات الأميريكية من “العراق”. وهذا ما ترفضه “أميريكا” جملةً وتفصيلاً، لأنّه يكشف ظهرها في “سوريا” ويُفقدها القدرة على اللعب بالمتناقضات كورقة “الأكراد” والفتن المذهبية، ويُضعف نفوذها في المنطقة، وبالتالي يُهدّد كامل وجودها في “الشرق الأوسط”. بِيدَ أنّ “الولايات المتحدة الأميريكية” ضاقت ذرعًا بالإكراهات الاستراتيجية التي تفرضها “طهران” على وجودها في المنطقة، خاصةً وأنّ المشروع الجيوبوليتيكي الأميريكي يقتضي تثبيت وتكريس وجودها في “العراق”، وذلك لأهداف عديدة: حماية مصالحها في “الشرق الأوسط”، ضمان أمن “الكيان الإسرائيلي”، السيطرة الكاملة على مصادر الطاقة وحركة تجارة النفط، ومحاصرة دول الممانعة، تهميدًا لعزل “روسيا” وقطع طريق الحرير على “الصين”. وقد قامت “أميريكا” بجهود جبّارة لدخول المنطقة عسكريًّا باحتلال أفغانستان عام 2001 بعد استغلال أحداث 11 أيلول وتدمير برجَي التجارة العالميَّين، وكذلك خوض حرب على “العراق” لاحتلاله في العام 2003، فلن ترضى بذهاب جهودها هباءً. لذلك أرادت رسم خط أحمر جديد يتعلّق بوجودها في “العراق”، فقامت باغتيال “سليماني” لتغتال بهِ مشروع محور المقاومة – باعتباره رأس الحربة فيه – القاضي بإخراج “أميريكا” من الأراضي العراقية والسورية، وتوهين وجودها في المنطقة لاحقًا.

وبناءً على ما تقدّم كانت أولى الخطوات الأميركية – بعد اغتيال “سليماني” وتذرّعًا بأيّ ردّ إيراني – تعزيز تواجدها في “العراق” عبر إرسال 3500 جندي أميركي، حيث سينضمّ إليهم 750 آخرين يتمّ استقدامهم من “الكويت”. فقد جاءت هذه العملية رسالةً صارمة إلى “طهران” بأنّ الوجود الأميريكي في “العراق” خطٌّ أحمر لن تسمح “واشنطن” بتجاوزه، وقد ظهر ذلك واضحًا في الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية الأميريكية “مايك بومبيو” مع مسؤولي بعض الدول: روسيا، فرنسا، باكستان، السعودية والعراق نفسه، حيث اعتبر هذا الحدث عملية دفاعية بهدف التصدي لهجمات يُخطّط لها “سليماني” ضد أهداف أميريكية، وأنّ إيران تقوم بأنشطة تُهدّد استقرار المنطقة، مؤكّدًا أنّ “واشنطن” عازمة على حماية مصالحها ومنشآتها في المنطقة. ويبدو أنّ “أميريكا” تريد إخضاع “إيران” لإرادتها ودفعها خارج الجغرافيا العراقية، ورسم خرائط جديدة للصراع الجيوبوليتيكي في المنطقة.

من المُلفت أنّ هذا النوع من العمليات التصفوية هو أسلوب جيش الكيان الإسرائيلي والموساد، وليس الأسلوب العسكري والاستخباراتي الأميريكي. فالولايات المتحدة الأميريكية عندما تُشخّص حالة عدائية لمصالحها تقوم بالتخطيط لعمليات عسكرية يتمّ تنفيذها عبر القوات الأميريكية بشكل مختلف عن الاغتيالات المعتمدة إسرائيليًّا. وغالبًا ما تستهدف “أميريكا” – وفق هذه الطريقة – قادة تنظيمات وليس قادة عسكريين لدول، علمًا أنّ محاولات اغتيال “سليماني” السابقة كانت إسرائيلية، لاسيما محاولة اغتياله في “إيران” خلال مراسم عاشوراء الفائتة. لذلك يبدو التأثير الإسرائيلي واضحًا في طريقة اغتيال قائد فيلق القدس الفريق “سليماني”، ورغم التصريحات الإسرائيلية بعدم سعي “تل أبيب” إلى استهدافه إلّا أنّ بصماتها واضحة فيه، وكذلك تأييد الحكومة الإسرائيلية للعملية الأميريكية يكشف رغبتها فيما حدث. وفي كلّ الأحوال يُعتبر حادث الاغتيال الأميريكي جريمة دولية وإرهاب دولة، ومخالفًا لقوانين ومواثيق الأمم المتحدة.

إنّ اغتيال اللواء “قاسم سليماني”، الرجل الأقوى في المنطقة ومهندس محور المقاومة كان مفاجئًا وصادمًا، ليس ل”طهران” فحسب، بل للعالم بأسره، فيما لهذا الاغتيال من كسر لنسق المواجهة التقليدي. لذلك جاء حضور المرشد الأعلى السيّد “علي خامنئي” اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لأول مرّة دلالةً على فداحة الفعل الأميريكي الذي هزّ العالم، ورسالة واضحة لرأس الهرم الأميريكي “ترامب” الذي اتخذ شخصيًّا قرار الاغتيال من رأس الهرم الإيراني الذي تولّى شخصيًّا اتخاذ قرار الردّ. ومن الصعب جدًّا التنبّؤ بهذا الردّ، كونهُ مرتبطًا بالبيئة الاستخباراتية العسكرية وطبيعة تقييم الأهداف ومآلات استهدافها، ولكن هناك ساحات عديدة وواسعة أمام الإيرانيين قد تكون في دائرة الاستهداف، منها: القواعد الأميريكية في “العراق” و”سوريا” و”الخليج”، ناقلات النفط أو السفن التجارية في مضيق “هرمز”، أو السفارات الأميريكية في المنطقة، أو مهاجمة حلفاء “واشنطن” عبر حلفاء “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، الأمر الذي سيكون الأكثر دراماتيكية في حال تمّ التنسيق معها للقيام بردّ فعل عابر للحدود. وسيكون محور المقاومة أمام فرصة لإقرار قانون خروج الأميريكي المقدّم في مجلس النواب العراقي والذي اتخذ مسوّغًا أقوى ليتقرّر بعد الاعتداء السافر على السيادة العراقية بالعملية الأميريكية، وكذلك اشتداد المقاومة العراقية ضد الأميريكيين باعتبارهم قوة احتلال، أضف إلى ذلك إعادة محاصرة السفارة الأميريكية في “العراق”، وربّما توسيع رقعة الاحتجاجات ضد سفارات أميركية في المنطقة.

بالعودة إلى ما أسميناه “عقدة السفارة”، تشكّل السياسة الخارجية “للولايات المتحدة الأميريكية” أسُس حضورها العالمي وهيبتها وشخصيّتها المعنوية، وسفارتها تُعتبر أرضًا أميريكية وفقًا للقوانين الدولية. ولا يزال اقتحام الثوار الإيرانيين السفارة الأميريكية في “طهران” خلال الثورة “الخمينيّة” يُشكّل عقدة في الوعي السياسي الأميريكي وفشلًا ذريعًا غير مسبوق للدبلوماسية الأميريكية، حيث تمّت مصادرة الوثائق السرية للسفارة واحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين رهائن ممّا سبّب آنذاك أزمة دولية كبيرة، وكذلك مشكلة في الداخل الأميريكي جعلت الرئيس “جيمي كارتر” عام 1980 يقوم بعملية “مخلب النسر” في الأراضي الإيرانية لكسب الانتخابات الأميريكية، لكنّ العملية فشلت واستتبعت نتائج عكسية أدّت إلى خسارته لصالح “رونالد ريغان” الذي استغلّ حادثة السفارة في حملتهِ الانتخابية، وقام بحلّ الأزمة بالتفاوض الدبلوماسي الذي انتهى إلى التوقيع على اتفاقية “الجزائر” عام 1981 بين “طهران” و”واشنطن” لتُفضي إلى الإفراج عن الرهائن الدبلوماسيين الأميريكيين بعد دقائق من أداء الرئيس “ريغان” قسم اليمين أمام الكونغرس.

لقد فجّر مشهد اقتحام السفارة الأميريكية في “بغداد” ذعرًا وجوديًّا ل”أميريكا”، حيث أعاد إلى أذهان الأميريكيين مشهد اقتحام سفارتهم في “طهران”، وهذا ما يُوجع “الولايات المتحدّة الأميريكية” ويصيبها في مقتل، خاصة أنّ مكانتها في العالم تعتمد على هيبتها ونفوذها، فلن تتحمّل أيّة ضربة في مركّب القوّة لديها. واليوم تُعاني “أميريكا” من أزمة تدبير قوّتها في “الشرق الأوسط” والعالم، ويواجه “ترامب” أزمة داخلية يسعى إلى الخروج منها. وقد تكون إهانة السفارة الأميريكية في “بغداد” سببًا لإنهاء عهد “ترامب” مثلما كانت إهانة السفارة الأميريكية في “طهران” سببًا لإنهاء عهد “كارتر”، الذي زاد درامية الأزمة بعملية “مخلب النسر”. وقد تُسفر عملية “البرق الأزرق” التي أطلقها “ترامب” لاغتيال “سليماني” عن عواقب وخيمة على عهدهِ، وتكون سببًا لخسارتهِ الانتخابات المقبلة أمام رئيس آخر يُعيد معالجة الأزمات مع “طهران” بالدبلوماسية. كلّ ذلك مرهون بالردّ الإيراني الذي لا مناص من أنّه آتٍ بقسوة وحزم، إنطلاقًا من خط الدمّ الذي حدّدته “الولايات المتّحدة الأميريكية”.

]]>
الفيتو في مجلس الأمن بين الدوافع الجيوسياسية وانتهاك حقوق الإنسان. https://casrlb.com/?p=1242 Thu, 08 Aug 2019 10:59:52 +0000 http://casrlb.com/?p=1242 صلاح النشواتي – المدير العام

بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 70 مليون إنسان، بدأت الدول والقوى الكبرى تحاول إيجاد صيغة حوارية تمكّنها من تجنّب كل هذه الويلات والخسائر، وبدأت العلاقات الدولية تأخذ منحى جديداً بحيث تحوّل مفهوم العلاقة بين دولة ودولة أخرى، من التحالف لأجل الحرب، لزيادة مساحتيهما، بغية تحسين تصنيفهما الجيوسياسي، وذلك بدبلوماسية سرية غير معلنة، إلى دبلوماسية علنية واضحة، تزايد دورها، إلى حد تشكيل ما يسمى عصبة الأمم كمنظمة دولية، والتي تحولت إلى الأمم المتحدة (UN) فيما بعد عام 1945، كمنظمة دولية أهدافها المعلنة هي التعاون في مجالات القانون الدولي، الأمن الدولي، التنمية الاقتصادية، حقوق الإنسان، و تحقيق السلام العالمي، في محاولة من قبل أعضاء المجتمع الدولي، إضفاء نوعاً من التنظيم وإعطاء الأولوية للطرق السلمية على الحرب، التي لم تُبقِ طرفاً إلا وتذوّق ويلاتها، وخسائرها الفادحة.

تؤكّد وثائق الأمم المتحدة أنّ لها هدفين رئيسيين هما السلام والكرامة الإنسانية، فإذا اندلع قتالٌ بين قطرين أو أكثر في أي مكان، يجوز أن يُطلَب من الأمم المتحدة التدخل لمحاولة وقفه، وبعد توقّف القتال يجوز للأمم المتحدة القيام بوضع التدابير اللازمة لمنع تكراره مرة أخرى، ولكن الأمم المتحدة تحاول قبل كلّ شيء معالجة المشاكل والنزاعات قبل أن تتفاقم وتؤدي إلى القتال، ومن أهداف الأمم المتحدة الأساسية تحديد أسباب الحرب لإيجاد الوسائل الكفيلة بإزالتها.

وقد لقيت الأمم المتحدة النجاح والفشل في أداء مهمتها، فقد تمكّنت من السيطرة على بعض النزاعات وحالت دون تطورها إلى حروب كبرى، كما قامت بمعاونة الشعوب في كثير من أنحاء العالم لنيل استقلالها وتحسين ظروف حياتها، إلاّ أنّ الخلاف بين الدول الأعضاء منع المنظمة من اتخاذ الإجراءات الكاملة والفعّالة للمحافظة على السلم، كما أدّت الأزمات المالية الحادة إلى إضعافها.

تتكون الأمم المتحدة من عدّة هيئات أهمّها الأمانة العامة، ومجلس الأمن، والجمعية العمومية، ومجلس حقوق الإنسان، كما ترتبط العديد من الهيئات والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بالأمم المتحدة. ويتولى مجلس الأمن متابعة القضايا الأمنية والأزمات الجيوسياسية الملحّة، وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، يوافق جميع أعضاء الأمم المتحدة على قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، والمجلس هو الجهاز الوحيد التابع للأمم المتحدة الذي يتمتع بسلطة اتخاذ قرارات تكون الدول ملزمة بتنفيذها بموجب الميثاق، أما الأجهزة الأخرى فإنها تقدم التوصيات إلى الحكومات.

 يتألف مجلس الأمن من خمس دول أعضاء دائمي العضوية، وأعضاء آخرين منتخبين، ويتمتع الأعضاء الدائمي العضوية بحق “الفيتو” أو “حق النقض” وهو حق الاعتراض على أي قرار يُقدّم لمجلس الأمن دون إبداء أسباب، ويتمتّع به الأعضاء الخمس الدائمي العضوية في مجلس الأمن، وهم روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، علمًا بأنّه لم يرد لفظ “فيتو” في ميثاق الأمم المتحدة، بل ورد لفظ “حق الاعتراض” وهو في واقع الأمر “حق إجهاض” للقرار وليس مجرد اعتراض، إذ يكفي اعتراض أي من تلك الدول الخمس ليُرفض القرار ولا يُمرّر نهائياً، حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربعة عشر الأخرى، وهذا إجحاف وظلم بحق دول العالم وشعوبها.

يبدو أن هذا النظام في التصويت كان قد اعتُمِد في مجلس الأمن لتشجيع بعض الدول على المشاركة في الأمم المتحدة عند تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية، بعد أن بدا لها أنها قد تخسر بعض الامتيازات في حال شاركت في منظمة تحترم الديمقراطية، كما ساعد حق النقض “الفيتو” الولايات المتحدة على تقديم أفضل دعم سياسي للكيان الإسرائيلي،  ذلك بإفشال صدور أي قرار من مجلس الأمن يُلزم “إسرائيل” بضرورة وقف احتلال أراضي فلسطين، ووقف أعمال العنف ضد الشعب الفلسطيني، وإنهاء الانتهاكات الكبيرة لحقوق الإنسان، أو إفشال أي قرار يدين “إسرائيل” باستخدام القوة المفرطة كما حصل في حرب لبنان علم 2016، والحرب على قطاع غزة في نهاية عام 2008، حيث أدى ذلك إلى الشكّ بمصداقية الأمم المتحدة بسبب “الفيتو” الأمريكي، ودفع الدول الأخرى إلى تشبيك مصالحها مع إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية، لمحاولة تأمين غطاء داخل مجلس الأمن.

ويُعتبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الجهاز الدولي الأكثر قدرة على إنهاء الحروب والنزاعات، وضبط الدول في العالم لمنعها من استخدام العنف كوسيلة لحل مشاكلها، والحرص على عدم انتهاك حقوق الإنسان، بحيث يتعامل مجلس الأمن مع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تقع غالبًا في مناطق النزاعات، ويعطي ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن صلاحيات التحقيق في المسائل وإرسال بعثات وتعيين مبعوثين خاصين، والطلب إلى الأمين العام استخدام مساعيه الحميدة.

 ولمجلس الأمن صلاحيات إصدار توجيهات بوقف  إطلاق النار وإرسال مراقبين عسكريين أو قوة لحفظ السلام، فإذا لم تفد هذه الإجراءات، فللمجلس الحق في استخدام تدابير تنفيذية مثل العقوبات الاقتصادية وحظر الأسلحة والعقوبات المالية وفرض قيود على السفر وقطع العلاقات الدبلوماسية والحصار، وربما يصل الأمر إلى العمل العسكري الجماعي.

وبذلك يكون حق النقض “الفيتو” للدول الخمس الدائمة العضوية، الأثر المباشر كمبرّر قانوني لمنع مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار اتجاه أزمة معينة، من قبل إحدى الدول الدائمة العضوية، وبالتالي تتفاقم الأزمة لتتحول إلى أزمة جيوسياسية كبيرة، تنخرط فيها دول الجوار والدول الكبرى ذات المصالح، وتُنتهك فيها حقوق الإنسان دون قدرة الأمم المتحدة على فعل أي شيء جدي وملزم.

 أما الأثر غير المباشر فهو تجرء أحد الدول الخمس أو أكثر على افتعال أزمة جيوسياسية، أو الدخول في حرب مفتوحة، دون حتى أدنى مراعاة لمجلس الأمن، بسبب قدرتها على إجهاض أي قرار قد يصدر ضدها، وقد شكلت الحرب الأمريكية بمشاركة بريطانيا وفرنسا على العراق في عام 2003 كحرب خارج إطار الأمم المتحدة، أبرز مثال، والتي أدت إلى احتلال وتدمير العراق، ولاتزال القوات الأمريكية موجودة إلى يومنا هذا داخل العراق، كإحدى الآثار غير المباشرة لوجود حق النقض “الفيتو”، في مجلس الأمن، والتي حملت معها انتهاكات تكاد لاتعد ولاتحصى، من قبل القوات الأمريكية لحقوق الإنسان، كان أشهرها التسريبات التي ظهرت للعلن لممارسات الأمريكيين في سجن أبو غريب العراقي، إضافة إلى العديد من جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الجنود الأمريكيون في هذه الحرب.

وقد استخدم حق النقض الفيتو منذ تأسيس الأمم المتحدة 257 مرة، موزعة بين الاتحاد السوفيتي ووريثته روسيا ب 123مرة، والولايات المتحدة الأمريكية ب76 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا ب18 مرة، والصين 8 مرات.

وقد سبب أيضاً حق النقد الفيتو تأزم الوضع الجيوسياسي في المنطقة العربية بشكل واضح، منذ 2011 إلى يومنا الحالي، وحال التناقض في مصالح الدول دائمة العضوية دون أي حلّ حقيقي للأزمات الجيوسياسية التي عصفت بالمنطقة العربية، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الناجمة عنها،  بالتالي حق النقض الفيتو والذي وضع كمحفز للدول الكبرى للتنازل عن جزء من سيادتها لصالح المنظمة الأممية الديمقراطية، أصبح اليوم يعيق عمل المنظمة وتحقيقها لأهدافها على المستوى الجيوسياسي، في حالة صراع المصالح بين الدول الدائمة العضوية، ويؤدي إلى استمرار الانتهاكات في حقوق الأنسان كأثر ناتج عن استمرار الأزمات الجيوسياسية، ومن جهة أخرى يتيح للدول دائمة العضوية إمكانية الخروج الكلي عن المواثيق والمعاهدات الدولية دون ترتب أي أثر عليها، وعندما يفقد القانون قدرته الإلزامية القسرية أو الإجبارية، يصبح بالضرورة غير نافذ عندما يتعارض مع مصالح الدولة أو الجهة الواقعة تحت القانون، أي أنّ “الفيتو” يعمل على تحييد القدرة الإلزامية للمواثيق والأعراف الدولية الإنسانية عندما ترتبط هذه الانتهاكات بمصالح جيوسياسية لإحدى الدول أو أكثر من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ويدفع بدوره الدول الصغيرة والقوى الأقليمية إلى الاصطفاف خلف إحدى الدول دائمية العضوية في مجلس الأمن، لحماية مصالحها ووجودها من الدول الأخرى، بالتالي فأن أكبر آثار حق النقض الفيتو يكمن في تعميق الانقسام الدولي، بحيث يتيح للدول إعادة ترتيب اصطفافاتها ضمن دولة تمتلك الفيتو، لينتهي الحال في النهاية بخريطة اصطفافات دولية جديدة قادرة على التفلت من قرارات الأمم المتحدة، والاستمرار في الصراع الدائم فيما بينها، في مسار  سيلغي دور الأمم المتحدة بشكل شبه كامل مستقبلاً، ويجعلها أقرب إلى صالون دولي وصندوق خيري لجمع التبرعات من الدول الأعضاء.

]]>