دراسات وأبحاث – مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية https://casrlb.com Mon, 26 Jan 2026 16:42:19 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.9.1 الخليج بين المخاطر و التشظي https://casrlb.com/?p=1692 Mon, 26 Jan 2026 16:42:19 +0000 https://casrlb.com/?p=1692 الخليج بين المخاطر والتشظي

]]>
تبدل أولويات دول الخليج من التمحور الأمني الى التموضع الاستراتيجي https://casrlb.com/?p=1603 Fri, 24 Oct 2025 12:49:01 +0000 https://casrlb.com/?p=1603    تبدل أولويات دول الخليج

]]>
تحليل عسكري: العدوان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الناحية العسكرية https://casrlb.com/?p=1563 Sat, 21 Jun 2025 15:59:28 +0000 https://casrlb.com/?p=1563 تحميل التحليل بصيغة PDF

]]>
نَتائج عمليّة طَوفان الأقصى وحيثيّات المَعركة القادمة https://casrlb.com/?p=1403 Fri, 29 Dec 2023 20:34:04 +0000 https://casrlb.com/?p=1403

تحميل الدراسة بصيغة PDF نتائج عملية طوفان الأقصى العميد الركن المتقاعد نضال زهوي

]]>
صدر حديثًا https://casrlb.com/?p=1317 Wed, 15 Mar 2023 07:48:12 +0000 https://casrlb.com/?p=1317  

 

 

 

 

صدر حديثاُ …

 

 

 

صدر حديثًا…

كتاب قضية سدّ النهضة -تضارب المصالح الجيوستراتيجية وازدواجية السياسات الدوليّة/دراسةٌ أنثرو-استراتيجية، للكاتبين د سومر منير صالح، ود عباس إبراهيم مزهر.

ناقش هذا الكتاب بمنهجيةٍ (أنثرو-استراتيجية) أزمة سدّ النهضة من جوانبها كافةً، الجيوبولتيكية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وحلل البيئة الجيو استراتيجية لدول حوض النيل سيما دول المنبع (إثيوبيا وكينيا وأوغندا)، وتأثيرها على قضية سدّ النهضة، كما حلل تداعيات هذه الأزمة بجوانبها البيئية والتنموية والاقتصادية على دولتيّ مصر والسودان (المصب)، كما رصد مواقف الدول المعنية ذات الشأن، مع مواقف المنظمات الدولية الفاعلة، سيما الاتحاد الإفريقيّ، والاتحاد الأوربيّ، ومنظمة الأمم المتحدة، وموقف جامعة الدول العربية، كما حلّل الكتاب مواقف كلٍّ من الصين كجهةٍ داعمة غير مباشرة، وكلّ من تركيا و”إسرائيل” وأمريكا، من حيث الأسباب الدافعة لسياساتهم تجاه أزمة سدّ النهضة وأجنداتهم الخاصة، وحلل المبادرتين الجزائرية والإمارتية..

ومن جهةٍ أخرى، ناقش الكتاب المخاطر التنموية والبيئية والاقتصادية في حال عدم الامتثال لاتفاقٍ قانونيٍّ ملزمٍ للأطراف الثلاثة (إثيوبيا ومصر والسودان)، كما رصد الكتاب أبرز النتائج السلبية المتوقّعة على الوضع الاجتماعيّ والتنمويّ في دولتَي مصر والسودان، والأزمة المتوقّعة حال عدم الوصول إلى اتفاقٍ ملزمٍ، سيما مع قرب بدء الملء الرابع لخزان السدّ.

وفي نهاية الكتاب قدّم المؤلفان رؤيتهم للحلّ (حلول مقترحة)، مع إمكانية الاستفادة من التجارب المشابهة دولياً لإدارة المياه الدولية العابرة بشكلٍ تعاونيّ، كحالة الولايات المتحدة والمكسيك (لجان المحاضر)، وحالة موريتانيا والسنغال ومالي (منظمة تنمية نهر السنغال)، ونموذج حوض نهري تشو تالاس (كازاخستان / قيرغيزستان) (التكاليف على أساسٍ تناسبيّ).

تاريخ النشر: 01/01/2023

الناشر: دار ومكتبة البصائر للطباعة والنشر والتوزيع، مركز الأبحاث والدراسات الأنثروستراتيجية.

النوع: ورقي غلاف كرتوني

معلومات إضافية عن الكتاب

لغة: عربي

طبعة: 1

حجم: 21×14

عدد الصفحات: 312

مجلدات: 1

]]>
إجراءات واشنطن في الملفين (الأفغاني والسريلانكي) تعديل في الاستراتيجية الأمريكية يستهدف الأمن الآسيوي https://casrlb.com/?p=1192 Sat, 13 Jul 2019 17:15:23 +0000 http://casrlb.com/?p=1192  

حوار وكالة سبوتنك الروسية أجراه الدكتور نواف إبراهيم مع مدير مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية، تناول نتائج دراسة التعديلات في الاستراتيجية الامريكية الخاصة بالقارة الآسيوية، وعلاقتها بالملفين (الأفغاني والسريلانكي).

أعلنت الخارجية القطرية عن نجاح المؤتمر الأفغاني للسلام الذي عقد في الدوحة برعاية مشتركة من قطر وألمانيا، حيث إستضافت الدوحة يومي 7 و8 من تموز مؤتمراً واسعاً في إطار جهود السلام في أفغانستان حضره عشرات الممثلين عن كابل و”طالبان” والمجتمع المدني.

وتعهد المشاركون في المؤتمر بإعداد “خريطة طريق للسلام والحد من العنف” والعمل على عودة المهجرين ورفض تدخل القوى الإقليمية في الشؤون الداخلية الأفغانية، حسبما جاء في البيان الختامي الصادر عن المفاوضات، وذلك بعد تعليق الجولة السابعة من المباحثات بين الولايات المتحدة و”طالبان”، والتي تستضيفها الدوحة منذ 29 يونيو الماضي حتى نهاية مؤتمر الدوحة لإفساح المجال أمام الحوار الأفغاني، بالتزامن مع استمرار الجهود الأمريكية للدفع نحو توقيع إتفاقية (SOFA) “إتفاقية وضع القوات” مع جزيرة سيريلانكا جنوب شرق الهند، والتي تنص على تقديم تسهيلات إضافية متبادلة لإستخدام مرافق الموانئ للطرفين ووصول عسكرييهما ومتعاقديهما إلى الموانئ.

للحديث هذا الشأن إستضاف برنامج “ماوراء الحدث”  الأستاذ صلاح النشواتي مدير مركز الدراسات والأبحاث الأنتروستراتيجية وكان الحوار التالي:

سبوتنيك: أستاذ صلاح كيف تقييمون هذين الحدثين، وهل من علاقة تربط المساعي الأمريكية في الملف الأفغاني مع المساعي الأمريكية في الملف السريلانكي؟

النشواتي: نعم، فعلياً الملفين الأفغاني والسريلانكي يدخلان ضمن إجراءات أمريكية متزامنة، تأتي إستجابة لتعديل الإدارة الأمريكية لإستراتيجيتها الخاصة بقارة آسيا، وخصوصاً وسط وجنوب آسيا، ضد كل من الصين وروسيا، بمقتضى إجراءات ومخططات سابقة، تربط الملفين الأفغاني والسريلانكي بالتوجه الجديد للإستراتيجية الأمريكية في آسيا، وتعمل الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الملفين على زيادة حجم التهديدات لأمن القارة الآسيوية، عبر تعزيز أهم وأخطر الإشكاليات الأمنية فيها، والمتمثلة بإنتشار التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

سبوتنيك:  أستاذ صلاح دعنا نناقش نقطة نقطة، هل ترون أن محادثات السلام بين حكومة كابل وحركة طالبان من جهة، والمحادثات الأمريكية مع طالبان لسحب القوات الأمريكية، عاملاً قد يسهم في زيادة إنتشار التنظيمات المتطرفة في آسيا، في حين أن العديد من الخبراء يقولون أن الانسحاب الأمريكي ناجم عن أسباب إقتصادية تتعلق بالإقتصاد الأمريكي؟

النشواتي: ببساطة الخدعة الأمريكية في العنوان، (السلام)، أما حقيقة الجهود الأمريكية في الملف الأفغاني هي بعكس ذلك تماماً، حيث تدرك واشنطن أن التطرف والإرهاب أحد أقدم وأخطر المشاكل والتهديدات في القارة الآسيوية، جنباً إلى جنب مع إشكالية الإنتشار النووي، وفي حين تظهر الجهود الأمريكية في الملف الأفغاني على أنها مبنية على أسباب تتعلق بالإقتصاد الأمريكي، إلا أن نظرة سريعة إلى زيادة موازنة الدفاع الأمريكي لعام 2019 والبالغة 63 مليار دولار، لتصل بمجملها إلى 700 مليار دولار، مع إقرار مسبق لموازنة الدفاع الأمريكية لعام 2020 بحجم بلغ 750 مليار دولار، علماً أن موازنة روسيا الدفاعية لا تتجاوز 64 مليار دولار على سبيل المقارنة والتوضيح بحجم المبالغ الهائلة في الموازنة الدفاعية الأمريكية، يثبت بالدليل القاطع زيف الإدعاء حول أن الأسباب اقتصادية والتوفير للتكاليف هي محرك السياسة الخارجية الأمريكية، بالتالي هناك أهداف ودوافع أخرى تماماً فيما يتعلق بالإنسحاب الأمريكي من أفغانستان، لا تتعلق بأسباب اقتصادية، ولا حتى بالمصلحة الوطنية الأفغانية، بل ناتج عن تقدير الإدارة الأمريكية، بأن الوجود الأمريكي في المنطقة، يخدم مصالح خصوم الولايات المتحدة الأمريكية، من ناحية الأمن والإستقرار المؤاتي للنمو، أكثر من خدمة المصالح الأمريكية نفسها.

وهنا علينا أن نذكّر أن المساعي الأمريكية لسحب قواتها، لا تشمل الوجود الإستخباري، بل على العكس، تحدث الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشكل علني عن زيادة كبيرة جداً في الوجود الإستخباري في أفغانستان التي وصفها “بهارفارد الإرهاب” في إشارة إلى تخريج أفغانستان للإرهابيين على مستوى العالم.

التالي إنحسار النشاط العسكري يقابله زيادة كبيرة في الوجود والنشاط الإستخباراتي، والذي بدأ بتنفيذ مهام جديدة منذ نقل الطائرات الأمريكية، لقادة من تنظيم داعش إلى أفغانستان، ودفعهم  للسيطرة على الولايات الحدودية مع باكستان، منعاً للأخيرة من التمدد إلى أسواق دول بحر قزوين، مستفيدة من غياب الوجود العسكري الأمريكي، والعلاقة الجيدة مع “حركة طالبان”، بالإضافة إلى استمرار وجود تنظيم القاعدة في مناطق متفرقة في داخل أفغانستان وإعلانه إستهداف باكستان بسبب علمنتها لملف كشمير كإقليم متنازع عليه مع الهند، وتركّز سيطرة حركة طالبان على الولايات الأفغانية المحاذية لإيران، ولطاجيكستان (أحد نقاط الإرتكاز لطريق الحرير البري الصيني)، ما يشير بوضوح إلى أن مجمل الخطوات الأمريكية في إطلاق السلام الأفغاني والإنسحاب العسكري منها، ما هي إلا محاولة لتفجير أفغانستان عن بعد، في دور مزدوج للإستخبارات الأمريكية يبدأ بإشعال الفتيل، مع منع أي دولة كبرى من التدخل أو السعي لفرض أي معادلة أمنية في المنطقة، وينتهي بجمع المعلومات وتقييد حركة ووصول التنظيمات الإرهابية خارج مساحة الإنتشار المحددة أمريكياً بشكل مسبق.

سبوتنيك: في الحقيقة هذه نتائج تدعو للذهول بالفعل، يبدو أن حتى السلام هو عنوان لإراقة المزيد من الدماء بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي يبدو أنها مستعدة لفعل أي شيء في سبيل منع أي دولة من حقها في الطموح بالنمو والتقدم نحو العالمية، حسناً، أستاذ صلاح قبل أن نتحدث عن علاقة الملف الأفغاني بالملف السريلانكي، لو توضح لنا لماذا وقع الإختيار الأمريكي على سريلانكا بالتحديد، وهي جزيرة صغيرة نسبياً تقع جنوب شرق الهند؟

النشواتي: صحيح، بالرغم من مساحة سريلانكا غير الكبيرة نسبياً، إلا أن الصين تعتمد على سريلانكا كمرتكز جيواستراتيجي لطريق الحرير البحري الصيني، حيث سعت الصين خلال السنوات الماضية إلى إغراق سريلانكا بالديون، من خلال منحها الكثير من القروض بإجمالي 2.4 مليار دولار، مع العلم المسبق لدى كل من بكين وكولومبو (عاصمة سريلانكا)، بعجز الأخيرة عن السداد، الأمر الذي مكّن بكين من تسوية جزء من هذه الديون والبالغ حوالي 1.4 مليار دولار في عام 2017 من خلال إستئجار ميناء مدينة “هامبانتوتا” لمدة 99 عام، والذي يعتبر ميناءً استراتيجياً ينشط عنده طريق الشحن الواصل بين الشرق والغرب على مستوى العالم.

ازدياد النفوذ الصيني في سريلانكا، دفع بواشنطن إلى المسارعة نحو سريلانكا للتصدي لبكين، فبدأت الجهود الأمريكية منذ عام 2018 عبر تقديم مساعدات مالية عسكرية بقيمة 39 مليون دولار لكولومبو، في إطار تعزيز أمنها البحري، إلا أن هذه المنح لم تشجع الرئيس السريلانكي “مايثريبالا سيريسينا” على تعميق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، على عكس رئيس الوزراء “رانيل ويكرميسينغي” الذي يحشد كل الطاقات باتجاه تعميق التعاون مع واشنطن على حساب نفوذ بكين، الأمر الذي أدى إلى صدامات كبيرة بين الرئيس السريلانكي ورئيس الوزراء، أدت إلى حل البرلمان من قبل الرئيس “سيريسينا”، بإعتبار أن الحكومة فقدت الأغلبية البرلمانية، ودخلت البلاد حينها في أزمة دستورية حادة، إنتهت بإعادة “رانيل ويكرميسينغي” كرئيس للحكومة، دون أي نتيجة تذكر لصالح زيادة نفوذ واشنطن أمام نفوذ بكين.

سبوتنيك: لو سمحت لي أستاذ صلاح، ومن باب التأكيد، شاهدنا حقيقة مدى عمق وحدة التجاذبات في داخل النخب السريلانكية الحاكمة عندما وقعت الأحداث الدامية والتفجيرات الإرهابية في سريلانكا في نيسان الماضي، هل برأيك هذه التفجيرات مرتبطة بشكل أو بآخر بمحاولة واشنطن لمد نفوذها في الجزيرة؟

النشواتي: بالتأكيد لا يوجد أدلة جنائية مباشرة تربط طرفاً دولياً بهذه العمليات الإرهابية، إلا أن البصمات الإستخباراتية تملأ في الواقع مسرح العمليات، وتثبت تسهيل وتوجيه لسهم الإرهاب ليضرب في قلب سريلانكا، فسكوت قادة الأجهزة الأمنية الموالين لواشنطن عن التحذيرات التي أرسلتها الهند قبل حوالي الأسبوعين من وقوع العملية، وحجب التقارير عن الرئيس السريلانكي، يضع أكثر من ألف علامة إستفهام، ناهيك عن التفاصيل التي تتحدث عن إجتماع عبد اللطيف جميل محمد أحد المخططين للعملية الإرهابية، مع عناصر من المخابرات تعمل متخفية داخل صفوف داعش في سورية، بحسب صحيفة التايمز البريطانية، وفي ظل تصدير واشنطن لنفسها على أنها المحارب الأفضل لداعش بأنها إستطاعت القضاء عليه في سورية والعراق، تصبح الفرصة لعرض المساعدة الأمنية الأمريكية بعد الحادث أكثر من ملائمة، ولكن إعفاء الرئيس السريلانكي لقادة الأجهزة الأمنية، قد أحبط المسار الأمريكي، وأدخل واشنطن بإرباك شديد، ودفعت بالسفيرة الأمريكية في كولومبو ” ألينا تيبليتز” إلى الإعلان عن عدم علم واشنطن المسبق بالهجمات على سريلانكا، لتعود واشنطن بعد أيام قليلة وتصدر تحذيرات حول هجمات جديدة قد تقع في سريلانكا، في سلوك لا يمكن قراءته إلا كمحاولة أمريكية لإعادة إحياء ظروف مواتية تستطيع من خلالها تقديم عروض التعاون الأمني لكولومبو، لتشكل فيما بعد أرضية صلبة تطرح عليها إتفاقية (SOFA)، وتربط أمن سريلانكا بالولايات المتحدة الأمريكية، من خلال النشاط الإستخباراتي الأمريكي بذريعة الحماية، والإنذار المبكر، والذي سيسمح لواشنطن بالتنصت ومراقبة كل النشاطات الصينية في سريلانكا، وحتى تعطيلها، بالإضافة إلى البند الأساسي المتمثل بنشر قوات أمريكية في الجزيرة.

سبوتنيك: لا أستطيع أن أقول إلا أن الصورة بدأت تتوضح بشكل كبير، ولكن سؤال أخير، نحن نعلم أن الرئيس السريلانكي “مايثريبالا سيريسينا” قد رفض بشكل قطعي توقيع إتفاقية (SOFA) مع واشنطن، فكيف ستتعامل واشنطن مع هذا الرفض، هل من الممكن أن تستسلم مثلاً لقرار الرئيس سيريسينا؟ وما هي القطعة الأخيرة من الأحجية التي تربط الملف الأفغاني بالسريلانكي؟

النشواتي: بالطبع لن تستسلم واشنطن وتتخلى عن استراتيجيتها مقابل قرار رجل واحد، بالإضافة إلى أن ولاية الرئيس السريلانكي الحالي تنتهي في كانون الثاني القادم، الأمر الذي من الممكن أن يضع سريلانكا على حافة أزمات حادة مفتعلة، ناتجة عن الشد والجذب للقوى المؤيدة للنفوذ الصيني من جهة، والقوى المؤيدة للنفوذ الأمريكي من جهة أخرى، طوال الفترة المتبقية لولاية الرئيس السريلانكي، أما القطعة الأخيرة من الأحجية، فهي تتلخص في تزامن الإنسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان، مع نشر قوات أمريكية في سريلانكا، أي أن جزء من القوات الموجودة في أفغانستان ستتشارك مع قوات البحرية الأمريكية للإنتشار في الجزيرة، في حال تم التوقيع على إتفاقية (SOFA)، لتعمل على الإنطلاق من السواحل السريلانكية نحو تعزيز الوجود الأمريكي في خليج البنغال، لعرقلة الطرق البديلة للصين من خلال ميانمار، والسواحل البورمية، ويعود ذلك إلى ملاحظتنا لعودة واشنطن للعمل بحذافير التنظير الجيوبولتيكي لضابط البحرية الأمريكي “ألفريد ماهان” (1872-1914)، في عدم الإنخراط داخل العمق البري، وتركيز النفوذ الأمريكي على الدول الشاطئية والمسطحات المائية، وفرض السيطرة على البحار والمحيطات والممرات المائية من خلال الأساطيل البحرية، الأمر الذي رشح سريلانكا لتكون من أولويات التوجه الأمريكي الجديد، بعد الإنسحاب من أفغانستان وخلق إضطرابات أمنية في آسيا الوسطى، لمواجهة زيادة النفوذ الروسي، والمشاريع الإستراتيجية الصينية البرية والبحرية.

في النتيجة، ينطلق المشروع الأمريكي الخطير في آسيا عموماً وفي أفغانستان على وجه الخصوص، من الفهم الجديد للإدارة الأمريكية الحالية، بدور الولايات المتحدة الأمريكية في حفظ الأمن والسلم الدوليين، من خلال ضبط موازين القوى، والحد من طموح الدول الأقليمية ومنافساتها البينية، وتسعى لتطبيق إجراءات تعكس العملية بالكامل، في خطوة موجهة ضد خصومها وأعدائها الصاعدين، كالصين، وروسيا، من جهة، ولإبتزاز الدول التي يعتمد أمنها على القوات الأمريكية نحو زيادة إنفاقها العسكري، وتأمين توسيع البنية التحتية للقوات الأمريكية، على حساب الدول المضيفة، كنوع من زيادة ضخامة الموازنة الدفاعية من جيوب الدول الأخرى، من جهة ثانية.

أجرى الحوار: نواف إبراهيم

]]>
ورقة عمل بحثية حول العلاقات الصينية السورية وآفاقها. https://casrlb.com/?p=964 Tue, 21 May 2019 10:52:06 +0000 http://casrlb.com/?p=964 أنجزت هذه الورقة وأرسلت في تاريخ 15/11/2018 ونشرت في 21/05/2019

 صلاح النشواتي

 

كيف تنظر الحكومة السورية لدور الصين ، وسياسة الصين في سوريا ؟

دائماً ما كانت تشكل الصين بتجربتها ومزاوجتها بين الأنظمة (الشيوعية-الرأسمالية) نموذجاً تسعى إليه الحكومة السورية بقوة، فالصين بالنسبة للحكومة السورية هي تجربة سياسية رائدة على المستويين الداخلي والخارجي، وتنظر إلى الدور الصيني بشكل عام على أنه دور فعال لكنه محدود بذات الوقت، حيث أن الصين تبتعد عادة عن الأزمات الجيوسياسية وعن الصراعات المعقدة كحال الأزمة السورية، كما تعلم الحكومة السورية أن مبدأ الصين الرئيس في السياسة الخارجية هو الاقتصاد قبل كل شيء، حيث أن الاقتصاد هو مولد السياسات في الصين الداخلية منها والخارجية، وتتدخل السياسة فقط لتزيل العقبات الاقتصادية -بغض النظر عن نوعها- سواءً على المستوى الأقليمي أم على المستوى الدولي، لذلك فإن رهان الحكومة السورية على الصين وعلى الدور الصيني هو رهان محدود، بحيث أن هذا الدور هو مفائل وضروري للحكومة السورية التي يسعى الغرب لتدميرها وتقويضها، إلا أنه مضبوط بمحركات ودوافع اقتصادية، وتوجه سورية شرقاً قد يحرمها فرصة التطور أو المنافسة أمام الانتاج الهائل والمتنوع في الصين، وهو مايشكل نوعاً ما عقدة يجب حلها بالنسبة للحكومة السورية، وبكل تأكيد فإن الحكومة السورية لاتفكر في أن تكون منافس للاقتصاديات الشرقية ولكن لا ترغب أيضاً في أن تكون سوق تصريف ومجتمع إستهلاكي فقط، لذلك تسعى الحكومة السورية لإيجاد بدائل يمكن تقديمها للصين مقابل زيادة فعالية الدور الصيني في سورية بما يؤمن إعمارها، وعودتها إلى سكة النمو الاقتصادي وتحقيق تنمية مستدامة في البنى الاقتصادية السورية.

كما تعتبر الحكومة السورية التعاون الأمني والاستخباراتي الموجود حالياً بين البلدين هو تعاون مهم وضروري لكلا البلدين، خاصة أن بعض الإرهابيين في سورية وأخطرهم ينحدرون من أقاليم صينية ومن أقليم شينغيانغ على وجه التحديد، والذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد إلى تصدير أزمة جيوسياسية إلى ذلك الأقليم بصفته العصب الحيوي للمشاريع الاقتصادية التجارية الصينية الدولية، وتحاول الحكومة السورية من هذا المنطلق التأسيس لعلاقة أكثر متانة بين الدولتين، بما يخدم مبادئ كل من بكين ودمشق على حد سواء.

 

 

 

ما الذي يمكن أن تفعله الصين في سوريا ؟

ما التوقعات والمقترحات والنصائح التي يمكن تقديمها للصين سواء في مجالات مكافحة الارهاب والتعاون مع سورية أمنيا واقتصاديا ؟

 

مما لاشك فيه أن الصين تسعى بشكل واضح إلى تعزيز النظام الدولي القائم على الليبرالية والتنمية والتطوير، وتسعى أيضاً إلى مشاركة أنتاجها وتوسيع حصتها في سوق التجارة العالمي، وطريق الحرير الجديد أحد تجليات هذه الرؤية، ولكن واقع الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف من سيطرة صينية على التجارة ومن زيادة ثقل الاقتصاد الصيني، بما يحول الصين لقطب دولي منافس أو حتى يفوق الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك أطلقت أمريكا في استراتيجيتها الجديدة نمط جديد ونظرة جديدة تجاه الصين، وهي نظرة الخصم، هذه النظرة يقوم عليها الكثير من التداعيات التي تهدف إلى كبح وتيرة النمو الصيني واستغلال نقاط الضعف، وقلب أو عكس اتجاه التوسع الصيني إلى انكماش حاد، ووسائل الضغط في السياسية الأمريكية الجديدة تكمن في أمرين رئيسيين:
الأول: افتعال أزمات جيوسياسي بالمحيط الصيني وقطع أو إعاقة حركة البضائع في المحيط الأقليمي (براً وبحراً)

الثاني: يكمن في شن حرب اقتصادية ضاغطة وكبيرة بفرض رسوم والتعامل على أساس سرقة حقوق الملكية.

 

هذه الوسائل تفرض على الصين إعادة النظر في سياساتها الخارجية وحتى في أدوات العمل لتطبيق استراتيجية طريق الحرير، فبالرغم من أن الصين لا تتدخل في الأزمات الجيوسياسية، إلا أن الاقتصاد هو مولد هذا التدخل في هذه المرة، فبمجرد استحضار أزمة بحر الصين الجنوبي، وملف بورما، وملف الأويغور، يتضح جلياً أن الهدف هو منع الصين من الاستخدام المستقر لطرق بحرية وبرية للنقل التجاري، وإغراقها بفائضها، وخلق كساد في الاقتصاد الصيني، يمهد لهبوط نسب النمو وتقليل عدد المشاريع التنموية، لكي لا تستطيع الصين زيادة نفوذها في دول جديدة على أقل تقدير.

 

من هذا المنطلق وعلى ذات الدوافع يمكن صياغة علاقة (صينية-سورية) ثنائية تكون نموذجاً جديداً للصين في إدارة علاقاتها من جهة، وإدارة الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، وحتى تعزيز الشراكات الاستراتيجية كالشراكة مع روسيا.

حيث يجب على الصين من خلال توسعها وامتدادها في القارة الآسيوية وصولاً لباقي قارات العالم القديم مراعاة أمر غاية في الأهمية، ألا وهو المساحة الكبيرة و عدد الدول التي تمر بها، أي أن زيادة طول الأذرع بعيداً جداً عن المركز يسهل على الولايات المتحدة الأمريكية استهدافها أو التهديد بقطعها، من خلال تفجير أزمة هنا أو حرب هناك على امتداد هذا الطريق، ومن هنا من الأفضل أن يكون التوسع الصيني توسعاً لا مركزياً، يعمل بمبدأ مغاير لبمبدأ المركز والأطراف، والتي يمكن أن تكون المركز ومراكز الوصل أو مراكز الثقل، بحيث يكون هذا التوسع والامتداد مصحوب بحضور صيني سياسي قوي في تلك الدول، والسعي لتوجيه مسار التنمية بما يحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في داخل الدول، وتكون مراكز الثقل هي بمثابة صين أخرى، بالتخزين والانتاج والتصدير،

وهو ما يفرض معايير جيوسياسية على مراكز الثقل أهمها أن تتمتع هذه المراكز بالقدرة على الربط بين طريق الحرير البري والطريق البحري كرافد أحتياطي ومعمل سريع التوصيل ورخيص الإنتاج، إضافة إلى توافر مصادر الطاقة الخاصة بها.

 

هذه المعايير يمكن أن تتوفر في سورية، والتي يمكن للصين أن تعتمد سورية كوصل بين القارات الثلاث ووصل الطريق البري بالبحري، لتكون بذلك سورية واجهة صينية للمتوسط ومركز ثقل لطريقي الحرير، بالتالي يمكن صياغة مجموعة من المصالح المتبادلة التي تصبح في نهاية المطاف مصلحة واحدة مشتركة، عوضاً عن إتاحة المجال لتكون سورية هي أرض انطلاق الأزمات والتهديد للطرق والمشاريع الصينية بمختلف الوسائل.

ومن المهم الإشارة إلى أن تنويع الطرق ومراكز الثقل تلعب دوراً مهماً في استقرار الخطوط الرئيسية حيث لافائدة من محاولة افتعال أزمات فيها طالما أن البدائل على القيد العمل في الأساس، على سبيل المثال أي أزمة ممكن أن تحدث في البحر الأحمر بين مصر والسودان والذي مرده للخلاف التركي الخليجي، يعني فرصة لواشنطن بعرقلة الحركة وزيادة نفوذها في المنطقة.

 

المصالح الصينية-السورية المشتركة:

أولاً: الموارد الطبيعية:

سورية بلد غني بالموارد الطبيعية، وهو أمر يجب أن تهتم الصين به جيداً، حيث أحد أكبر المشاكل التي ستعاني منها مستقبلاً هي انعدام تجدد الموارد الطبيعية في الصين نتيجة حجم الانتاج الضخم والاستهلاك الكبير للمواد الأولية بسرعة أكبر من تجديد هذه الموارد نفسها، وهو مايحتم البحث المسبق عن حلول لواقع الصين الحالي قبل أن تصبح هذه المشاكل مستحيلة الحل، بالتالي سورية بغناها بالموارد الطبيعية تشكل نموذجاً مهماً للصين من خلال اعتمادها كمركز ثقل كما ذكرنا سابقاً، وهو بحد ذاته مايمكن سورية من استغلال هذه الموارد وحمايتها من الهدر غير الفعال وتطويرها بأحدث الوسائل.

 

ثانياً: الطاقة:

من أهم الشروط لمراكز الثقل هو وجود مصادر طاقة ذاتية قادرة على إطلاق الصناعات الثقيلة وتغذيتها دون الحاجة إلى مصادر خارجية، كنوع من الأمن الطاقوي للأنتاج والتجارة، وهو شرط موجود في سورية ويمكن العمل عليه بحيث تستطيع التكنلوجيا الصينية تحقيق زيادة في الانتاج بما يخص الطاقة، بالإضافة إلى تنوع مصادر الطاقة من الغاز والنفط والطاقات المتجددة (الشمسية والرياح) بحكم تنوع المناطق الجغرافية في سورية، وهو مايصب بمصلحة الدولتين.

 

ثالثاً: رخص اليد العاملة:

من أهم ميزات الصناعة الصينية هي انخفاض تكلفة الانتاج والذي يعد انخفاض أجور اليد العاملة أحد أهم أسباب ذلك، بالتالي هو شرط ضروري للحفاظ على القدرة التنافسية للسلع أمام الأسواق الأخرى، وهو شرط يتوفر في اليد العاملة السورية وأجور تشغيلها، مع فارق مهم وهو المسافة القريبة والمتساوية تقريباً بين القارات الثلاث، بالتالي بالنسبة لسورية خفض معدلات البطالة بشكل قياسي مقابل تشغيل خطوط الانتاج بأجور منخفضة.

 

رابعاً: التحويلات المالية وتطوير الأنظمة المصرفية:

القطاع المصرفي والقطاع المالي في سورية لايزال يعتمد بدرجة كبيرة على الطرق التقليدية في التحويلات والتعاملات، وذلك بسبب العقوبات الأمريكية التي حرمت سورية من الاستفادة من الأنظمة المتطورة في الدفع المالي والتحويلات المالية والذي يؤخر بدوره النمو والتطور، وهو ما تستطيع الصين توفيره بسهولة بمجرد ربط سورية بالبنك الآسيوي وحتى تصدير النماذج الصينية للدفع الألكتروني ذات الاستخدام الداخلي، مايسهل المعاملات البنكية والمالية بين كل من سورية والصين ويجعلها اكثر كفاءة وسرعة، ويعزز أيضاً وضع اليوان الصيني كعملة تبادلية دولية تستند إلى أصول سلعية بعيداً عن الدولار وأنظمته.

 

خامساً: العامل الأمني وتعزيز الأمن القومي الصيني والسوري:

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتحويل سورية إلى مركز تصدير للمتطرفين الإسلاميين والذي يشكل الأويغور منهم نسبة ملحوظة، وهذا التصدير تعنى به آسيا الوسطى والصين بدرجة كبيرة كونه موجه ضدها، بالإضافة إلى الضغط على الصين بلمفات حقوق الأنسان من خلال البروبغندات الإعلامية كحال ملف أقليم مسلمين تشينغ يانغ الذي ظهر على السطح مؤخراً، بالتالي من مصلحة الصين رفع درجة التعاون الاستخباراتي والأمني في الفترة الحالية مع سورية، ومحاولة وأد هذه الحركات الأرهابية قبل انطلاقها من جديد بوجهات متختلفة قد تضر بالأمن القومي الصيني وتهدد كل مشاريعها الاستراتيجية، لذلك من الخطأ تجاهل أو استبعاد سورية من المشاريع الكبرى، لما لذلك من خدمة للمصالح الأمريكية في إيجاد بقعة جغرافية قادرة على تهديد الطرق التجارية بموقع جغرافي مميز، ويتم تصدير الإرهاب منها إلى آسيا الوسطى، في حين أن الصين تستطيع الاتفاق مع الحكومة السورية لتفريغ هذه الأداة الأمريكية من محتواها، حيث يمكن السماح للمسلمين الأويغور لدراسة المنهاج الإسلامية بالسفر حصراً إلى سورية، بالاتفاق مع الحكومة السورية، وإخضاع مايتم تدريسهم للرقابة، بحيث تحمي الوافدين من عمليات غسل الأدمغة أو التورط في شبكات إستخباراتية غربية، وبذات الوقت تخفيف الضغط عن ملف الأويغور في الصين والتي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأجيجه وخلق أزمة جيوسياسية منه، ويكمن التعاون الأمني والاستخباراتي المشترك من خلال تزويد سورية في المرحلة الراهنة بمستلزمات متطورة لمكافحة الإرهاب ودعم هذه العملية في المحافل الدولية، إضافة إلى تعاون ثقافي مشترك ينضوي تحته موضوع الدراسات الإسلامية بين سورية وأقليم شينغ يانغ، بالتالي نزع فتيل التطرف مسبقاً، وتمكين الصين من معرفة كيفية التعامل مع هؤلاء وكشف خلفياتهم الثقافية والدينية دون تعريضهم للضغط المباشر التي ستستثمره الاستخبارات الأمريكية، ومن هنا يمكن تحويل سورية إلى مركز تأهيل وسوق عمل في ذات الوقت بالنسبة لهؤلاء، مايحولهم من أزمة خطيرة تشعر بكين بالقلق الدائم حيالها، إلى عامل مساهم في تطوير المشاريع الصينية الاستراتيجية، في خطوة أفضل بأضعاف من تحييد الخطر فقط.

 

مما سبق يتضح أن أحد أهم وسائل مواجهة الصين لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخصم يكمن في إيجاد مراكز ثقل إضافية على طريق الحرير تعمل على تنويع الطرق وحماية التدفق السلس والدائم، بالإضافة إلى تلافي الأزمات الجيوسياسية المفتعلة، وهو ماتشكل سورية أحد أهم النماذج في مراكز الثقل على الكثير من المستويات (الجيوسياسية، الأمنية، الاقتصادية)، بحيث تصبح العلاقات الثنائية علاقة ذات طابع استراتيجي مشترك، وهو مايفتح الباب لتحقيق السلام الأقليمي القائم على الاعتمادية الدولية، كرؤية معززة لرؤية الأمن الجماعي الروسية، وهو مايمكن دراسته ببحث خاص يفصل كيفية تحويل سورية من منطقة صراع مشاريع ودول كبرى إلى منطقة حلول كبرى، بالإضافة إلى دراسة آلية تعامل الصين وسورية في إشكالية الوجود الأمريكي والتي تستطيع الصين بالشراكة مع سورية ورسيا إنهاء الشذوذ في هذا الملف.

 

 

 

]]>
العالم بأعين مقاومة من أجل استراتيجية للسياسات الخارجية مقترب تنظيري جديد https://casrlb.com/?p=347 Mon, 11 Dec 2017 15:35:14 +0000 http://casrlb.com/?p=347

بين يدي الموضوع:

يظل من العجيب والمثير للانتباه أن يضحي هيغل أحد أهم الرموز الفكرية للرؤية العولمية كما تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، فموضوعة ” نهاية التأريخ ” التي دافع عنها المفكر فرنسيس فوكوياما آخذا تصور هيغل بعين الاعتبار، لم يكن من باب المصادفة والتأثر الشخصي بهكذا رؤية، بل لأن هيغل نفسه لم يناقش نهاية التأريخ إلا بعد أن عاين هزيمة بروسيا أمام جيش نابليون بونبارت، عندما اكتشف بأن لحظة تأريخية جديدة تتولد منهية الإرث الملكي والإمبراطوري في نفس الآن، فبعد معركة يينا خلص إلى أن كل البنى الفكرية السياسية العتيقة قد انتهت اعتبارا وتأثيرا في الحراك الدولي بعد أن نجح نابليون في الانتصار على أقوى جيش أوروبي في حينه وهو الجيش البروسي، وبالتالي لا يمكن للصراع العالمي أن يستمر بعد هذه الهزيمة التأريخية، إلا إذا تحولت الأمم الأوروبية إلى تبني الإرث الثوري الفرنسي، فنهاية التاريخ عند هيغل كانت نهاية إيديولوجيا وبنية سلطوية متحكمة لفائدة أخرى متولدة تعيش بدءا تأريخيا بعد هذا الانتصار، لذلك لم يتفاجئ المتابع الدقيق والحصيف حجم استحضار ” هيغل ” في كتاب فرنسيس فوكوياما…….. حمل الملف كاملا بالضغط على الرابط في الأسفل

ملف بحثي العالم بأعين المقاومة – عبد العالي العبدوني

عبد العالي العبدوني

باحث في الشؤون الاستراتيجية

]]> الدستور الأبويّ واليُتم الوطني: إشكالية العلاقة بين المرجعيّة الدستوريّة الأبويّة وأزمات الحُكُم في لبنان https://casrlb.com/?p=185 Tue, 30 May 2017 06:56:38 +0000 http://casrlb.com/casr/?p=185

د. عباس ابراهيم مزهر

(مؤسس نظريّة الأنتروستراتيجيا الدولية)

صدرت في مركز الدراسات والمعلومات في المجلس النيابي اللبناني

الحياة النيابية / المجلّد المائة وواحد/ عدد كانون الأول 2016

* المقدّمة

* المبحث الأول: المرجعيّة الأبويّة الدستوريّة وبُنية النظام اللبناني

– المطلب الأول: باتريارشيّة الدستور الأبويّ وإشكالية التنشئة الوطنية

– المطلب الثاني: دور الثقافة والدين في تثبيت النظام الأبويّ اللبناني

* المبحث الثاني: اليُتم الوطني ومأزمية الحُكُم في لبنان

– المطلب الأول: مُعضلة الوراثة السياسية

– المطلب الثاني: أزمة المشاركة السياسية والمواطنية

* الخاتمة

ألمقدمة

     إنّ مفهوم المرجعية الأبوية للشعب بمعناه الرمزي، له دلالات عظيمة القدْر، لا يمكن فهمها والإحاطة بأبعادها من دون اتّباع الأنتروبولوجيا القانونية، التي تكشف لنا المسار التاريخي لنشأة القانون والدستور بصيغتهِ البدائية الأولى لدى الجماعات الإنسانية. ومن المسّلم بهِ أن التاريخ البشري شهد جريمة مهولة، إنها واقعة قتل الأب الابتدائي الذي كان يمثّل المرجعية السلطوية العليا للقبيلة البشرية([1])، حيث إجتمع أفراد الرعيل البشري الأول وقتلوا أباهم الذي تنتابهم نحوه إزدواجية المشاعر: كره ناجم عن حقد وغيرة بسبب موقعه المرجعي الأعلى واستئثاره بإدارة وقيادة شؤون الرهط، وحب ناتج عن مشاعر الذنب بسبب الحاثة الدافعة إلى قتله وإزاحته لأخذ دوره عنوةً. وبالفعل اجتمع أبناء النفيل البشري الأول وتخلصوا من الأب، ممثل المرجعية السلطوية المطلقة واغتصبوا مكانته وزعامته. وبعدما اختلف الأبناء حول السلطة والقيادة – وقد أرّقتهم مشاعر الإثم وتبكيت الضمير بسبب الجريمة المفزعة – قرروا التماهي بالأب المقتول وتطبيق قانونه واحترام طوطمه([2]) الذي صار شعاراً لهم. فحرّموا الزواج من أخواتهم وأمهاتهم لأنهنّ نساء الطوطم الداخلي المتجانس، وذلك احتراماً لشريعة الأب المرجعي. ثم تكتّلوا بعد ذلك في متّحد جامع، يضمّ كلّ الذين يشتركون في الطوطم الواحد، بغية الدفاع عن طوطمهم وحمايته وصون أرض القبيلة ومقوماتها الحيوية.

في المشهد البدائي كان الرهط البشري يحكمه أب أعلى كبير الشأن، يمثّل قانون الرعيل الإنساني الأول ويقيم التنظيمات الاجتماعية ويفرض التقييدات والتحظيرات التحريمية: كمنع الأبناء من التزاوج مع الأخوات أو الأم وسائر النساء المحرّمات، كما يتولى الشؤون الإدارية للرهط عن طريق سلطته المطلقة. وفي لحظة وجودية حرجة وخطيرة اجتمع الأخوة المتآمرون بعد استيائهم من السلطة الأبوية المرجعية العليا، واندفعوا إلى ارتكاب جريمة شنيعة وبشعة بحق هذا الأب، وقتلوه غيلةً تحت تأثير: “جبرية سيكولوجية” متمثّلة برغبات وحاجات حيوية وغرائز نفسية، و “ضرورة ذهنية” تتمثّل بدينامية التفكير البدائي النازع إلى تنفيذ الفكرة الخيالية المتصوَّرة لفعل قتل الأب الرئيس، و”تجاوزية إجتماعية” تسعى إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي وواقع الأدوار داخل الرهط. لكن بعد ارتكاب هذه الجريمة وإسقاط نظام الأب، راودت الأبناء البدائيين مشاعر ذنب مؤرّقة وشعروا بندم شديد، واختلفوا فيما بينهم فدبّت الفوضى في صفوفهم وتهدّدت وحدتهم الوجودية بسبب الخلاف الذي كاد يصل إلى حدود تقتيل بعضهم البعض. لذلك تصالحوا وتماهوا بالأب الضحية، وتمثّلوا قوانينه وموانعه فيما يتعلق بالأخوات ونساء الرهط وطبيعة العلاقات الاجتماعية. لكن سرعان ما انتابتهم مشاعر الفقد والقلق بعد التغييب الاغتيالي للأب، وأحسوا بضائقة جماعية وحنين إلى المرجعية الأبوية، فاستعاضوا رمزياً عن الأب ببديله الطوطمي، أي بحيوان مقدس. وهذا الحيوان الذي صار طوطماً للقبيلة، كانت تتمّ التضحية به سنوياً وذبحه والتهامه أثناء طقس احتفالي انتهاكي قاسٍ. “ففي مناسبة احتفالية، تقتل العشيرة بمنتهى القسوة حيوانها الطوطمي وتأكله نيئاً – بدمه ولحمه وعظمه، ويرتدي أعضاء العشيرة من الملابس ما يجعلهم على شبه الطوطم الذي يحاكون الحركات والأصوات التي يصدرها، وكأنهم يبغون أن يظهروا للعيان وحدة هويتهم وإياه”([3]). كما تتوحّد الرابطة الأخوية بين الأبناء عبر طقس قتل هذا الحيوان الذي أصبح شعاراً (علماً) للقبيلة، وقد تطوّر هذا الشعار من طبيعة حيوانية إلى طبيعة نباتية أو أشكال مادية. ونحن نجد اليوم شعارات أعلام الدول نباتية (غصن زيتون، أرزة، ورقة شجر…) أو مادية (سيف، هلال، نجوم…)، ولا زالت بعض الشعارات الحيوانية حاضرة في أعلام الدول والشعوب والمنظمات والأحزاب: كالنسر والصقر ورأس الأسد…

لقد تطوّر النظام الأبوي البدائي مع تطوّر الحضارات، وحلّ محل شخص الأب الأعلى شخص القائد أو الرئيس، الذي يغدو بمثابة أب الشعب. ونابتْ مناب قانون الأب الابتدائي دساتير الدول، وتعمّقت المفاهيم القانونية بشكل حضاري ناجم عن تراكم الخبرات وتوسّع الثقافات وتطور الحياة البشرية. كل ذلك تمّ ضمن عمليات عقلية عُليا، جعلت من القانون والحُكُم والعلاقات الدولية علوماً قائمة بذاتها، حتى الأديان خضعت لهذا التطوّر العقلي والارتقاء الذهني، فالرب هو أب أعلى في المفاهيم الدينية الإنسانية، وبذلك يمثّل أعلى مرجعية أبوية ماورائية. “فالله هو أب موقّر معظّم”([4])، هنا تتّخذ الرمزية الأبوية بعداً كونياً بارتقائها إلى مستوى الإله. فالرب هو أب ميتافيزيقي سماوي لكلّ الوجود، والرئيس هو الأب الوضعي الأرضي للجماعة، وبذلك نجد مفهوم النظام الأبوي راسخ في القوانين والمفاهيم والعقائد وأنماط الحياة لدى البشر. هذا النظام الأبوي هو ما سنرصده في طبيعة النظام السياسي في لبنان، وندرس تأثيره في إشكاليات الحُكُم والأزمات التي يُعاني منها لبنان.

* المبحث الأول: المرجعيّة الأبويّة الدستوريّة وبُنية النظام اللبناني

     عندما كان الأب الابتدائي يحكُم الرهط البشري الأول، وضع سلسلة من الموانع والنواهي والعقاب بمثابة قوانين تسيّر شؤون رعيله. وحين انقلب عليه الأبناء وسيطروا على القبيلة اضطروا على العودة إلى قوانين الأب لكي يحلّوا الخلافات التي نشبت بينهم وكادت تؤدّي إلى معارك وقتال فيما بينهم، فتحوّل قانون الأب إلى أوّل دستور بشري شفهي غير مكتوب، بل كان له طابع تفاهمي يؤمّن لهم نوعاً من السلم القَبَلي والعيش المشترك وتقاسم الأدوار، وقد اختاروا شعار الأب الذي كان يقدّسه ويعتبره رمزاً لرهطهِ، وغالباً ما يكون الشعار الطوطمي نوعاً من النبات أو الشجر.

     في مقاربة سريعة بين بُنية النظام الأبوي للرهط الابتدائي وبين النظام السياسي في لبنان، نلاحظ تشابهاً إلى حدّ التطابق. فالنظام في لبنان قائم على فكرة أب الطائفة أو زعيمها أو رئيسها، وتمثّل الطوائف رمزياً فكرة صراع الأشقاء وتنافس الأخوة، الذين عندما اندلعت بينهم الصراعات وهدّدت وحدة الوطن، لجأوا إلى وضع وتطوير دستور له طابع تفاهمي يؤمن لهم نوعاً من السلم الأهلي والعيش المشترك. وبينما كان تفاهم الأشقّاء البدائيين الصيغة الطوطمية للدستور، كان تفاهم الأشقّاء اللبنانيين الصيغة الوطنية للدستور. أما لبنان فكان شعاره الوطني نوعاً من الشجر وهو الأرزة. وهذا ما ينطبق على مختلف دول العالم، مع فوارق نسبية تتعلق بثقافات الشعوب ومفاهيمها. لكنّ هذه المقاربة الشكلية حتى الآن لا تثبت بالدليل العلمي بُنية النظام الأبوي في لبنان، لذلك يجب الإنصراف الآن إلى رصد هذه البُنية في طبيعة ودينامية النظام السياسي اللبناني، لإثباتها بالدليل القطعي وإظهار علاقتها بالأزمات والمشكلات الوطنية.

– المطلب الأول: باتريارشيّة الدستور الأبوي وإشكالية التنشئة الوطنية

يشير هذا المفهوم الى المجتمع القائم على السلطة الأبوية، وتعود التسمية الى الأصل اليوناني، “حيث تتألف كلمة “باترياشي” من جزأين: “باتر” وتعني الأب، “آرشي” وتعني رئاسة، وبالتالي يصبح معناها “الأب الرئيس”([5]). ولذا فالأب في المجتمعات الباتريارشية هو الذي يرأس العائلة ويملك السلطة فيها.

إعتبرت “غيردا ليرنر” أن “هذا المعنى تقليدي ومحدود وضيّق لأنه مشتق من القانون اليوناني والروماني، حيث كان لرب الأسرة فيه سلطة قانونية وإقتصادية مطلقة على أعضاء أسرته من الإناث والذكور المعتمدين عليه”([6]). والمفهوم بهذا المعنى يشوّه الواقع التاريخي ذلك “أن الهيمنة الأبوية لأرباب الأسرة الذكور على أقربائهم أقدم من الأزمنة القديمة… ويمكن القول أنّ الهيمنة الذكرية في الأسرة في القرن التاسع عشر إتخذت أشكالاً جديدة ولم تنتهِ”. أما التعريف الواسع للنظام الأبوي بحسب رأيها فهو: “تجلَي ومأسسة الهيمنة الذكرية على النساء والأطفال في الأسرة وتوسيع الهيمنة الذكرية في المجتمع بعمومهِ، يتضمّن أن الرجال يتولون السلطة في جميع مؤسسات المجتمع المهمّة”([7]).

وفي تعريف آخر هو “المجتمع التقليدي الذي يتخذ طابعاً بالنسبة الى البُنى الإجتماعية الكلية: المجتمع والدولة والاقتصاد والثقافة، وكذلك الى البنيتين الجزئيتين العائلة والشخصية، التي تتخذ بمجموعها، طابعاً يتسم بأشكال نوعية من التخلف الإجتماعي والإقتصادي والثقافي”([8]).يبرز لنا هذا التعريف واحدة من سمات هذا المجتمع وهي التخلف حيث يعممُه “إبراهيم الحيدري” على مختلف البُنى، كما ويعتبر أنّ هذا المجتمع يتّسم بالركود وبالسيطرة الأبوية، حيث تقوم العلاقة بين الأب وأبنائه بشكل هرمي على حد قوله.

ومن خصائص النظام الأبوي أنّه يقوم على “إستبعاد المرأة” وإنّ “هذا المجتمع لا يعرف كيف يعرّف ذاته إلا بصيغة الذكورية وصفاتها”، وإن دور الأنثى فيه ليس “إلا تأكيد تفوّق الذكر وتثبيت هيمنته”([9]). إذاً، فإنّ كلا التعريفين يبرزان الخصائص المميزة للمجتمع الأبوي.

يُظهر لنا مفهوم الباتريارشيّة الدستورية شكلاً من أشكال التنظيم القانوني والإجتماعي، حيث يقوم هذا المجتمع وفق شكل هرمي تتوزع فيه المواقع والسلطات والأدوار بين المذاهب وتحت رعاية آباء الطوائف، الذين يتمركزون في رأس الهرم ويكفلون مصالح جماعاتهم التابعين لهم بنوعٍ من البُنوّة السياسية والاجتماعية. هذه الصورة النمطية التي أستخدمت فيها الأدوار الأبويّة لتبرير الأدوار الإجتماعية وتطورت من خلال توارثها حتى أصبحت منظومة فكرية مستمرّة إلى يومنا هذا في مجالات عديدة، منها: النسب، والتعصّب الجماعي، واللحمة الدينية، ورابطة الدم الأبوية، والتي تعود جذورها إلى العصبية الخلدونية.

وتلعب التنشئة الإجتماعية التي تتلقاها الأجيال دوراً هاماً في نقل هذا الموروث الفكري الذي يؤدي إلى تنميط المجتمع وفق صورة واحدة، تعتبر بمثابة النموذج المثالي حيث تبدّل بذلك دور عملية التنشئة الإجتماعية بالكامل. فبعد أن كانت تعتبر عملية يتحوّل الإنسان من خلالها من كائن بيولوجي إلى كائن إجتماعي أصبحت عملية تنتج أنماطاً متشابهه من الكائنات المبرمجة مسبقاً على أدوار حُدّدت لها وفق نظام يشبه الوصفات الطبية التي تلزم الفرد بما يقوم به. هذا التوافق يؤدي نوعاً ما إلى ما أسماه “دوركهايم” بالتضامن الآلي حيث يظهر لنا جلياً الضمير الجمعي الذي تعكسه القواعد القانونية في المجتمع. حيث يصبح الفرد مقيداً بما تتفق عليه الجماعة. هذه التنشئة التي تتوجه الى الأفراد بشكل مستقل تنعكس على المجتمع ككل وعندها يصبح نموذج الأسرة القائمة وفق النظام الأبوي نموذجاً معمماً على المجتمع بالكامل وتتحول السلطة فيه من سلطة الأب (الوالد) إلى سلطة الأب الرئيس (أب المواطنين) فتتكرر هذه الصورة جيلاً بعد جيل. وهذا ما نراه مكرّساً في الصيغة الأبوية للدستور اللبناني.

ففي مجتمعنا تُبينُ لنا الوراثة العائلية للسلطة والمنصب والمهنة وحتى الألقاب التأثير الكبير للمحرك الأبوي الذي ينعكس في ميادين الحياة المختلفة. هذه الأمثلة وغيرها تظهر لنا أهمية دراسة مظاهر البنية الأبوية ودور التنشئة الإجتماعية في تثبيتها في حياتنا الأسرية، السياسية والإجتماعية.

تعتبر هذه المظاهر أجزاءً من الصورة التقليدية للمجتمعات القديمة وتحديداً الصغيرة منها (قبائل – عشائر – عائلات)، التي كانت قائمة على فكرة وجود الرجل كبير السن المسيطر والذي يملك سلطة القرار عن كافة أبناء مجتمعه الصغير والذي لا مجال لمخالفته فهو يمثل “رأس الهرم في السلطه”([10]). وكانت سلطته الواسعه هذه تخوّله اعتبار جميع الأفراد أبناء له، مما يعزّز اللحمة داخل الجماعة ويزيد من تماسكها وعصبيتها. وأما من يحكم من بعده فهو طبعاً الوريث الذكر من ضمن عائلته وهنا تظهر العصبية القبلية القائمة على رابطة الدم الأبوية والتي لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا في مجالات عديدة.

وإضافة الى هذه العلاقة الهرمية فإن ما يميّز المجتمعات الأبوية هو عنصر “الخضوع والطاعة” الذي يظهر على مستوى العائلة والعشيرة في القيم والتقاليد وفي وسائل التربية والتنشئه الإجتماعية التي تعمل على تشكيل نمط الثقافة والشخصية، من خلال ترسيخ القيم والعلاقات الإجتماعية التي يحتاج اليها المجتمع الابوي والشخصية «الباتريارشية»([11]). يأتي هذا الكلام في خانة التأكيد على أهمية هذا العنصر وضرورة وجوده ونقله جيلاً بعد جيل للحفاظ على البنية الأبوية. “فمبدأ الطاعة والخضوع هو الأساس للحفاظ على إستقرار الرعية”([12]).

أما “فيصل بن تركي” فإنّه “يعتبر أن لا جماعة إلا بالسمع والطاعة”([13])، للدلالة على أهمية طاعة الملك أو الحاكم أو الشيخ الذي يتولى منصب الرئاسة في هذه المجتمعات. وهنا يتضح لنا الدور الهام لمبدأ الطاعة في إستتباب الأمن ودوام السيطرة والسلطة حيث تستمد هذه الأخيرة جزءاً من فعاليتها من خلال الطاعة التي تعبر عن خضوع الناس للملك. أما عن الملك ونسبه يقول آبن مسكويه: “أنه يجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيته نسبة أبوية، ونسبة رعيته إليه نسبة بنويّة، ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية، حتى تكون السياسات محفوظة على شرائطها الصحيحة وذلك أن مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده.” ([14]) هذا التحديد لنسب الملك يبينّ لنا أهمية الصلات الأبوية في العلاقة الهرمية التي تشكل العمود الأساسي في المجتمع الباتريارشي.

     يتميّز الدستور اللبناني بطابع أبوي واضح استناداً إلى العناصر التي ذكرناها، حيث كرّس في روحيّتهِ ومعنائيّتهِ العناصر الارتكازية للنظام الأبوي، من حيث تقسيم المراكز والأدوار بين الطوائف التي ترتبطُ بآبائها الروحيين والسياسيين ارتباطاً بنويّاً. كما إنّ أفراد كل طائفة يتميّزون بالطاعة والخضوع لآباء الطوائف أكثر من خضوعهم لمبادئ الدولة، فالولاء الأبوي الطائفي يفوق الولاء الوطني. صحيح أنّ الدستور اللبناني لم يعرض نصوصاً طائفية بشكل واضح، بل دعا إلى إلغاء الطائفية السياسية باعتبار لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه. لكنّه كرّس الصيغة الأبوية بشكل موارب ومتنكّر حيناً، وأحياناً بشكل أكثر وضوحاً، خاصة عندما أكّد على حقوق الطوائف وحصصها. بل أكثر من ذلك، فقد نجد أنّ “آباء الاستقلال، وأبرزهم كاظم الصلح ورياض الصلح وبشارة الخوري وصائب سلام…أدركوا ذلك في ميثاق 1943. إنّ عبارة (طمأنة) المسيحيين و(طمأنة) اللبنانيين على ألسنة رجال الاستقلال لم تكن مجرّد بلاغة كلامية، إنها ترِد بأشكال مختلفة في وثائق 1943”[15]. ودليلنا على أنّ روحية الدستور اللبناني أبوية باتريارشية هو أنّه يتعطّل كلما شعر أباء الطوائف بالغبن وكلما اختلفوا، ولا يمكن للدستور اللبناني أن يكون فاعلاً إلا اذا تماشى مع مفاهيم الأبوّة الوطنية التي تتبنّى الشعب اللبناني بمختلف أطيافه وطوائفه. وكذلك نرى دور المرأة هامشياً في الحياة السياسية اللبنانية، وذلك بسبب مفاعيل النظام الأبوي الذي يقدّم الرجل على المرأة في مختلف الميادين، وخاصة ميادين السياسة والاقتصاد. فآباء الطوائف والرؤوساء في لبنان هم رجال، حتى الجماعات في لبنان لا يمكنها أنْ تتقبل زعامة امرأة، وهذا من الأساسيات البنيوية للنظام الأبوي اللبناني.

– المطلب الثاني: دور الثقافة والدين في تثبيت النظام الأبوي اللبناني

تلعب الثقافة اللبنانية دوراً بارزاً في تكريس الطبيعة الأبوي للنظام السياسي والاجتماعي، ويعرّف “إدوارد تايلور” الثقافة على أنها “كل مركّب يشتمل على المعارف والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والتقاليد وكل القابليّات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع معيّن”([16]). يُعتبر هذا التعريف من أقدم تعريفات الثقافة، ومن بعدِه انتشر هذا المفهوم بشكلٍ لافت وبات معظم السوسيولوجيين والقانونيين يستخدمونه ويعطونه معاني ودلالاتٍ مختلفة.

     فالثقافة في نظر علماء الإجتماع “تعني جوانب الحياة الإنسانية التي يكتسبها الإنسان بالتعلم لا بالوراثة. ويشترك أعضاء المجتمع بعناصر الثقافة تلك التي تتيح لهم مجالات التعاون والتواصل. وتُمثل هذه العناصر السياق الذي يعيش فيه أفراد المجتمع. وتتألف ثقافة المجتمع من جوانب مُضمَرَة غير عيانية مثل: المعتقدات، والآراء، والقيم التي تشكل المضمون الجوهري للثقافة، ومن جوانب عيانيّة ملموسة مثل: الأشياء والرموز، أو التقانة التي تجسّد هذا المضمون”([17]). وبشكل عام، يكتسب الأفراد ثقافتهم من الأجيال التي تسبقهم عن طريق الإطلاع على تاريخهم وثقافتهم وتعلُّمها ثم التماثل بها، أو عن طريق التلقين حيث يلقّن أبناء الجيل الأول معتقداتهم وعاداتهم وثقافتهم إلى أبناء الجيل الثاني، وتندرج هذه العملية في إطار عملية التنشئة الإجتماعية والثقافية بكل ما تتضمّنه من وسائل لنقل الثقافة بين الأجيال. وأحياناً لا تحتاج عملية إكتساب الثقافة إلى جيل سابق وجيل حالي بل تحتاج إلى جيلين في زمنٍ واحد ومكانين مختلفين، فتحصل عملية “التثاقف” أو تبادل الثقافات وبالتالي إكتساب عناصر جديدة لكل واحدة منها.

     يرى مالينوفسكي أن أحسن وصف لأية ثقافة يجب أن يقوم على “معرفة نظمها الإجتماعية وتحليل هذه النظم التي تتألف فيها هذه الثقافة، ويمكن تحديدها بتسعة نظم هي النظم: الأسرية – التربوية – الدينية – الأخلاقية – الجمالية – اللغوية – الإقتصادية – القانونية والسياسية. هذه الأنظمة، تتداخل، تترابط وتتفاعل فيما بينها ولا يمكننا فهم أي نظام إجتماعي إلا من خلال ترابطه مع بقية النظم”([18]).

     ويمثل الدين ثقافة كاملة لشعب أو أمة أو حضارة، ليس في كونه مجموعة نصوص وتعاليم وقيم فحسب، بل بما هو “كيان مجسّد إجتماعياً، ومبلور بالممارسة في أنماط وتقاليد وأفعال، أي من حيث صيرورته، نظاماً من الممارسات فضلاً عن كونه نظاماً من التصوّرات”([19]). ويمكننا أن نعتبر أن الدين يشكل جزءاً من الثقافة العامة التي تشتمل على الثقافات الفرعية والخاصة كلّها مثل الثقافة الإقتصادية والسياسية.. وكل واحدة من هؤلاء تحتوي على مجموعة مبادئ وأفكار مقبولة إجتماعياً يعتقد الأفراد بها ويقومون في نفس الوقت بسلوكاتٍ تتأقلم معها. وفي الدين تظهر هذه المعادلة بشكل واضح حيث يمكننا التمييز بين الناحية العملية والناحية القائمة على الإعتقاد والتصور والإيمان. فالأولى تتجلى في مظاهر التعبُّد وفي الممارسات والطقوس الدينية التي يقوم بها الأفراد كالصلاة والصوم والحج… لأنها واجبات ولأنها وسيلة يمكنهم التعبير من خلالها عن إيمانهم وإعتقادهم الذي يمثل بدوره الناحية الثانية أي الروحانية غير العملية وغير الظاهرة، “والتي يفترض بها أن تلعب دور الموجّه بالنسبة إلى أعمال الفرد في الإطار الإجتماعي والإنساني”([20]). في دراستنا للثقافة الدينية لا يمكننا فصل هاتين الناحيتين، لأن الإيمان بالدين يفرض على المؤمن مجموعة طقوس تسمّى الواجبات منها ما هو يومي ومنها ما هو سنوي وعليه أن يؤديها كتطبيق عملي لكي يثبت إيمانه وولاءهُ الديني، فالإيمان بدون ممارسة الواجبات لا يكفي ولا يعتبر صادقاً وحقيقياً. وفي الحالتين، فالهدف واحد وهو زيادة الإيمان والولاء الديني عند الناس ثم دعمهُ لكي تشتد اللّحمة بينهم، بالإضافة إلى أن الإيمان مرتبط بفكرة الخضوع للرب الذي يملك سلطة على جميع البشر، والذي هو الأب الأعلى والمطلق لهذا الخلق. وبالتالي فإن معادلة (الإيمان – الخضوع – السلطة) تظهر لنا إرتباطاً وثيقاً بين الدين والسلطة والنتيجة تكون الخضوع. وعملاً بهذا المبدأ تلجأ الكثير من السلطات غير الدينية إلى إستثمار الدين كحليف لها، فيدعمها ويزيد من تأثيرها ومن عمرها على إعتبار أنّ “إستمرار السلطة يقتضي بناءها على الدين، بل أكثر من ذلك، فالسلطة المنفصلة عن الدين، حتى لو كتب لها أن تستمر، تظل غير شرعية ومؤقتة”([21]). وعلى الرغم من بروز النزعة العلمانية والمناداة بفصل الدين عن الدولة وعلمنة الأنظمة الحاكمة إلا أن التحالفات التي حصلت وتحصل دائماً بين الحكّام (السياسيين) ورجال الدين في مختلف البلدان تبيّن وجهةَ النظر هذه، ومع أنّ رجال الدين في كثير من الأحيان يلجؤون إلى المناداة بالحياديّة لكن الواقع لطالما أثبت أن الدين والسلطة يتحركان باتجاه واحد، وهذا يدعم بدوره تلك الأخيرة لأن الدين كان وما زال موضوعاً في خانة المسلّمات التي لا يجب مناقشتها أو حتى البحث فيها، ويعطي عند تحالفه مع السلطة هذه الصفة لها فتجتمع عندها السلطة السياسية مع السلطة الدينية ويزداد تأثيرهما معاً. وهذا ما يحصل في لبنان، حيث يختلط فيه الولاء الديني بالولاء للسلطة الحاكمة وبالولاء العائلي الأوّلي الموجود أساساً والذي لطالما دعا الدين إليه عن طريق “حضِّه على تمجيد الأسرة وطاعة الوالدين”. فالإسلام مثلاً “حاول من ناحية إستبدال الولاء القبلي بالولاء الديني، ولكنه من ناحية أخرى أكّد على أهمية الأسرة كنواة للمجتمع وحضّ على الطاعة وإكرام الأهل”([22]). وبذلك فقد كان تدعيماً للنظام الأبوي، شأنه في ذلك شأن الشرائع السماوية الأخرى، التي وضعت العائلة في مرتبة مقدسة ورتّبت أفرادها بطريقة هرمية تقليدية قوامها السلطة الأبوية.

     وبموجب هذه السلطة الممنوحة للأب بشكل خاص والتي يُقابلها طاعة وخضوع واحترام من قبل باقي أفراد الأسرة، أي الأم والأبناء، إستطاع الآباء فرض هيمنتهم في نطاق أسرهم، ثم إتسعت الدائرة لتشمل البنية الإجتماعية ككل وذلك في ظلّ انتشار الثقافة الأبوية المعتمدة على النزعة السلطوية وعلى وجود رئيس ومرؤوس، وبالتالي انتقل هذا المفهوم إلى النظام السياسي في لبنان. هذه الصورة التقليدية توارثتها الأجيال لقرون، فبات نظامنا الإجتماعي والسياسي بالكامل أبوياً وفق ما رآه الكثير من الباحثين السوسيولوجيين والقانونيين في دراساتهم حول المجتمعات العربية، ولا سيما لبنان الذي يغلب على نظامه السياسي والاجتماعي نسق العائلة الروحية، التي تمتازُ بالثقافة الدينية. فالثقافة والدين في لبنان ساهما في ترسيخ النظام الأبوي في مختلف المؤسسات اللبنانية، حيث باتَ من العسير أنْ تتمّ أية عملية سياسية في لبنان بمعزل عن اعتبارات النظام الأبوي، وكذلك تخضع النُّظمة الاجتماعية بكل ديناميتها وعلاقاتها التبادلية في لبنان لهذا النظام.

* المبحث الثاني: اليُتم الوطني والموقف المأزمي في لبنان

     إنّ لبنان يقوم على نظام سياسي اجتماعي أبويّ، ويحدّدُ مساراته دستورٌ أبويّ النشأة والتكوين، ويحكمُهُ آباء الطوائف اللبنانية، لذلك عندما تحدث أيّة مشكلة في آليات هذا النظام بين آباء الوطن يتعطّل الدستور الأبويّ والمؤسسات القائمة عليه، وبالتالي تنشأ في لبنان حالة من اليُتم الوطني بسبب غياب أو اضطراب الأساس الأبويّ للنظام اللبناني. هذا ما يفسّر لجوء اللبنانيين إلى الخارج لحلّ ملفّاتهم العالقة، في خطوة بنويّة تحرّكهم لاشعوريّاً للبحث عن مفهوم أبويّ أشمل يتبنّى حالاتهم في ظلّ الفراغ الجمعي أو اليُتم الوطني الذي يعانون منه، بانتظار ملئ هذا الفراغ وتعويض اليُتم بمرجعية سياسية توافقية. ذلك هو المشهد المتكرّر في لبنان إزاء كلّ إشكال وطني أو استحقاق مصيري، وهذا المسار النفسي الاجتماعي يلقي بظلاله على كل عملية سياسية وآلية قانونية ونُظمة دستورية. و يستمدّ هذا المسار وجوده وثباته في الثقافة الوطنية اللبنانية من نشأة الدولة اللبنانية وباكورة وضع دستورها. لا بل من قبل هذه المرحلة أيضاً، إذْ يمتدّ أصل المشكلة إلى العهد العثماني الذي كرّس نظاماً وراثياً أبوياً، ثم عهد الانتداب الفرنسي الذي كرّس الطابع الأبوي للنظام السياسي اللبناني، وصولاً إلى عهد آباء الاستقلال واستمراراً إلى اليوم.

– المطلب الأول: مُعضلة الوراثة السياسية

     ترتبطُ معضلة الوراثة السياسية ارتباطاً وثيقاً بمفهوم النظام الأبوي، وتعود الجذور التاريخية لظاهرة الوراثة السياسية في لبنان إلى العهد العثماني، حيث كان الأتراك ينتدبون عائلات معيّنة وتمنحها سلطة محصورة في مساحات جغرافية محدّدة وفق التركيبة الديموغرافية والمناطقية. ومع إعلان دولة لبنان الكبير على يد الجنرال “غورو”، المندوب السامي الفرنسي، آنذاك تكرّست الوراثة السياسية في النظام السياسي اللبناني منذ العام 1920، ولا زال مستمراً حتى اليوم. وقد بدأت هذه الظاهرة في لبنان عندما أخذت العائلات الإقطاعية تدير البلاد، بتسهيل من الاستعمار العثماني وفيما بعد من الانتداب الفرنسي. وبذلك غدت الوراثة السياسية ركناً رئيسياً من النظام اللبناني، وقد ظهرت فيما بعد عائلات جديدة في هذه المعادلة التوريثية وفرضت نفسها على الساحة السياسية اللبنانية، وذلك بفعل ظروف اجتماعية وطائفية ورعاية خارجية.

     إرتبط مفهوم الوراثة السياسية في لبنان بطبيعة نشأته، أي أنّ هذه المُعضلة مستدخلة في بُنية وتكوين النظام السياسي اللبناني بمختلف مراحله. فمن المعروف “أنّ بدايات لبنان، بما هو كيان سياسي، تعود إلى إمارة جبل لبنان التي تكوّنت في نهاية القرن السادس عشر، وتمتّعت بقدرٍ من الاستقلال الذاتي داخل السلطنة العثمانية. وتاريخ الإمارة هو بالدرجة الأولى تاريخ انضواء جبل لبنان كلّه تحت سلطتها وتوسّعها نحو المناطق المجاورة في فلسطين والداخل السوري”[23]. ونتيجة هذه الإمارة تشكّلت في لبنان خصائص ديموغرافية، كان لها تأثير كبير على نظام الحكم فيه، حيث أصبح المسيحيون فيها أكثرية سكانية وازنة، مما فتح المجال لتدخّل القوى الأوروبية في شؤون الإمارة اللبنانية (1528-1842).

     ساد في إمارة جبل لبنان النظام الإقطاعي، حيث كان زعماء العشائر أو العائلات يحصّلون الضرائب من الناس. وقد كانت الأسر الإقطاعية “تتميّز بالاستقلال الذاتي في إدارة شؤون إقطاعاتها ما دامت توفّر للباب العالي في اسطنبول العدد المعيّن من القروش الذهبية، وتزوّد السلطنة بالمقاتلين عند اللزوم وتحافظ عموماً على الأمن في مناطقها”[24]. وبذلك تكرّس في إمارة جبل لبنان نظام العائلات المقاطعجية[25]، التي كانت تدور فيما بينها نزاعات على الاستملاك والسلطة. كما ظهر في إمارة جبل لبنان نظام المِلَل الذي يقوم بتصنيف رعايا السلطنة على أساس ديني، حيث اعتبر الملسمين السنّة جماعة عليا، بينما المسيحيون واليهود جماعة دنيا، محرومون من الوظائف الإدارية والخدمة العسكرية، ويقتصر عملهم على الفلاحة والحِرَف والمِهَن الحرّة، كما كانت المذاهب الشيعية غير معترف بها رسمياً في السلطنة، في حين كانت الجماعة الدرزية تتركّز في الأعمال القتالية للجيش العثماني. وقد أدّى هذا التفاوت الاجتماعي فيما بعد إلى ظهور نزاعات سياسية وبالتالي طائفية، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى أعمال عنف وتمرّد – خاصة من الكنيسة المارونية – انتهت بانهيار نظام المقاطعجية وحلول نظام القائمقاميتين، الذي اقتضى بتقسيم جبل لبنان بين المسيحيين والدروز، وفق اقتراح المستشار النمساوي “ميترنيخ” للتوفيق بين البريطانيين والعثمانيين من جهة وبين الفرنسيين من جهة أخرى.

     وبذلك تشكّلت البذور الأولى لمفهوم النظام الأبوي الطائفي في جبل لبنان، الذي أدّى في بعد إلى حرب أهلية بين الدروز المقاطعجية وبين المسيحيين، كان أبرزها “حوادث الستين”، التي بدأت في آب 1859 في منطقة مختلطة تُسمّى “بيت مري”. وقد امتدّ الصراع الطائفي بين الدروز والمسيحيين إلى سوريا بضرواة وشراسة، حيث قامت مجموعات مسلمة بتحريض عثماني على مهاجمة المناطق المسيحية في دمشق مرتكبةً المجازر البشعة، ما فتح المجال واسعاً لتدخّلات القوى الأوروبية، خاصة بريطانيا وفرنسا لتحقيق مطامعهما الاستعمارية. فقامت فرنسا بدعم المسيحيين ممّا حدا بهم إلى تحقيق نصر سياسي رغم هزيمتهم العسكرية أمام الدروز، وبذلك استطاعوا أن ينتزعوا حُكماً ذاتياً داخل السلطنة العثمانية وفق نظام المتصرّفية، حيث جاء هذا النظام للتوفيق بين مطالب المسيحيين بإمارة مستقلة وسعي الدروز المقاطعجية إلى إخضاع جبل لبنان للسلطنة العثمانية كاملاً. وكانت هذه المتصرّفية تحت رعاية فرنسا وبريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا وإيطاليا، وقد أعاد نظام المتصرّفية دمج قائم مقاميتيّ جبل لبنان في متصرّفية واحدة، يكون المتصرّف فيها عثماني مسيحي.

     ومع ضعف السطلنة العثمانية والاضطرابات الاقتصادية والسياسية إبّان الحرب العالمية الأولى، بدأت في لبنان الحركات التحرّرية والجمعيات السرية، ما حدا بالسلطنة العثمانية إلى القمع والإعدامات، ثم فرض نظام “سفر برلك” للتجنيد الإجباري. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عانى اللبنانيون الويلات من مجاعات وأمراض، تركت آثاراً اجتماعية واقتصادية خطيرة على اللبنانيين. وعند هزيمة دول المحور في الحرب، وتصدّع الإمبراطورية العثمانية، دخل الفرنسيون والبريطانيون إلى المنطقة العربية، فارضين نظام التجزئة الكولونيالية للمشرق العربي، حيث كان لبنان جزءاً منها. وبالفعل تمّ اقتطاع أراضٍ من سوريا وضمّها إلى لبنان في ظلّ الانتداب الفرنسي، الذي أعلن بلسان الجنرال “غورو” عن ولادة دولة لبنان الكبير، الذي خضع للمفوضية السامية الفرنسية، وبذلك تمّ تكشيل لبنان ككيان دولتي مستقلّ. وهكذا نلاحظ كيف بدأ يتبلور النسق الأبوي والطائفي عند اللبنانيين، وكيف شرع التدخّل الخارجي بالتغلغل بينهم، مما أسّس لنظام أبوي طائفي. وقد تكرّس النظام الأبوي الطائفي بصيغة دستورية بعد استقلال لبنان وجلاء الجيوش الفرنسية، وأفرز حرباً أهلية طويلة بين اللبنانيين، ثمّ تعمّق النظام الأبوي الطائفي التّبعي في اتفاق الطائف، ولا يزال مستمرّاً حتى اليوم.

     كان التوريث السياسي في لبنان يتمّ سابقاً بعد وفاة الرجل السياسي أو الزعيم العائلي أو الطائفي، فيخلفهُ ابنهُ أو أحد أقاربه المباشرين. وفيما بعد ظهر التوريث السياسي بصورة جديدة، وهي الوراثة السياسية أثناء حياة الزعيم. وهذا ما نقل النظام السياسي اللبناني من الإقطاع الاقتصادي إلى الإقطاع السياسي، وبالتالي ترسّخ المفهوم الأبوي الطائفي في لبنان لأنّ الوراثة السياسية اعتمدت على الحسابات العائلية والطائفية، وهذا ما أسّس لتشكيل أرضية مهزوزة لكلّ عناصر وأنساق الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الدستور الذي يتعطّل وتكفّ مفاعيله بمجرّد ظهور خلاف بين آباء الطوائف المتوراثين سياسياً ودينياً.

     يرى “غسان تويني” في كتاباته عن الأزمات السياسية فب لبنان “أنّ المشكلة اللبنانية قد تخطّت كلّ سجال دستوري وكل عمل سياسي، وكأنّ اللبناني بحاجة دائمة إلى بابٍ عالٍ”[26]، في إشارة إلى العجز الوطني والتبعية. وهذا ما أدى إلى فقدان النضج السياسي والرشد الدستوري، وجعل لبنان عاجزاً عن حلّ مآزمه الوجودية والوطنية. كما كتب عضو المجلس الدستوري ورئيس الجمعية اللبنانية للعلوم السياسية الدكتور “أنطوان مسرّة”، في دراسة نشرتها جريدة النهار حول “التعبئة النزاعية”، أنّه: “عبثاً يدرس الباحثون والأخصائيون والمحلّلون الدستور اللبناني والسياسة في لبنان، طالما أنّ عمق الممارسات – لبنانياً وعربياً – تندرج في مجال اللاعقلانية”[27]. وعلى هذا نرى أنّ الوراثة السياسية في لبنان هي نمط من اللاعقلانية الوطنية.

     هذا ما أدّى إلى نشوء الزبائنية السياسية كنوع من السلوك النفعي الذي تطغى عليه البرغماتية والحسابات الذاتية والمحسوبيات والنزعات الشخصية أو الحزبية، وهي لا تقيم وزناً للقيم والأخلاقيات الوطنية والتناسب والتلاؤم، ولا تعطي قيمة للكفاءات والإمكانات، بل تتحرّك وفق معادلة المصالح والأموال والنفوذ والسيطرة والاحتكار. فالزبائنية السياسية المرتبطة بالنظام الأبوي السياسي في لبنان أدّت إلى ضرب مفهوم اللحمة الجماعية للشعب اللبناني، وكرّست حالة من مقاومة التغيير والتجديد والإصلاح وفقاً للحداثة السياسية. حتى الهوية في لبنان تتميّز بأنها تحمل اسم الفرد وصورته إضافة إلى اسم والدته وإسم والده كاملاً، وهو الذي سوف يرث من خلاله إسم العائلة ورقم السجل والديانة، التي يرثها الفرد تلقائياً منذ الولادة عن الأب. وبالتالي فإن القانون اللبناني في مجال الأحوال الشخصيّة مازال محافظاً على بنيته التقليدية، وكأن الحداثة لم تخترقها أو “كأنها أهم معقل من معاقل النظام الأبويّ، أو كأنها الضمان الوحيد لعدم إضمحلال الأدوار الجذريّة التقليديّة نهائياً. وهكذا نلاحظ مدى عمق تجذّر النزعة الأبوية في النظام السياسي اللبناني.

– المطلب الثاني: أزمة المشاركة السياسية والمواطنية

بديهياً أنْ تُنتج طبيعة النظام الأبوي في لبنان مشكلات في المشاركة السياسية، إذْ لا يمكن أن نفصل البُنى الإجتماعية والثقافية والإقتصادية للمجتمع عن بنيته السياسية، فهو يقوم على مزيج من الترابط والتنافر والإنسجام بين هذه البنى, وأيّ حدثٍ في أي واحدةٍ منها سوف يُرخي بتبعاته على الأخرى. فإذا كانت البُنى الثلاثة قائمة وفق أُسس أبوية ما زالت متجذرة حتى يومنا هذا، فكيف ستكون البنية السياسية للمجتمع الذي نعيش فيه؟ خاصةً وأنّ دستورنا ينص على أن جمهورية لبنان تقوم على الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير واحترام الآخر.

ونحن في صدد الحديث عن السياسة في لبنان وأنظمتها، لا بدّ لنا من العودة إلى التاريخ الذي أسّس لما نحن عليه اليوم. فمنذ نشأة دولة لبنان وحصولها على إستقلالها وقيام الدستور، تم تقسيم السلطات فيه إلى ثلاث سلطات رئيسية: تنفيذية و تشريعية وقضائية، تمّ توزيعها على الطوائف وأعطيت للموارنة حصّة رئاسة الجمهورية, وبالتالي فإن دستورنا كرّس الإنقسام الديني وعزّز مسألة الإنتماءات الأولية، حيث صارت فكرة المواطنة والمواطنية مرتبطة بالإنتماء الديني لكل فرد, وعادت بذلك “علاقة القرابة والدم والتسلسل الهرمي الأبوي” إلى الواجهة، وباتت “تستأثر بالسلطة السياسية”([28]) وبالتالي باتت علاقات القربى العائلية والإنتماء الديني (الطائفي والمذهبي) من أهم مظاهر الحياة والنظام السياسي في لبنان.

وبالرغم من أن لبنان منذ استقلاله مر ّبمراحل ومتغيرات عديدة حيث شارك الجيش اللبناني في حرب 1948 ضد القوات الإسرائيلية في عملية تهجيرهم للفلسطينيين، إضافة إلى تأثره بمختلف الأزمات السياسية عربياً وإقليمياً، كذلك فقد مرّ لبنان بأقسى أنواع الحروب وهي الحرب الأهلية عام 1975 التي قادها آباء الطوائف والأحزاب اللبنانية والتي إنتهت في اتفاق الطائف عام 1989. لكن الوجود الإسرائيلي في لبنان بقي أكبر الهموم السياسية حتى تحرير عام 2000 فصارت إسرائيل عدواً خارج الحدود. ولكن بالرغم من ذلك فقد عادت وشنّت حرباً علينا في تموز 2006 نالت فيها هزيمة كبرى… هذه الأحداث كلّها تركت آثاراً على التركيبة السياسية اللبنانية وزادت من قوة الروابط الأولية على حساب الروابط الوطنية ونعني بذلك “المواطنية” التي لا تميز بين لبناني وآخر. وهذا ما يفتح أمامنا المجال واسعاً للحديث عن إشكالية المشاركة السياسية في لبنان.

تشير المشاركة السياسية في “أوسع معانيها إلى حق المواطن في أن يؤدي دوراً معيناً في عملية صنع القرارات السياسية، وفي أضيق معانيها تعني حق ذلك المواطن في أن يراقب هذه القرارات بالتقويم والضبط عقب صدورها من جانب الحاكم”([29]). وتشتمل هذه المشاركة من وجهة نظر بعض الباحثين على المناقشات والأحاديث التي ترتبط بالسياسة والنظام السياسي القائم، أي أنها ليست محصورة في عمليتي الترشح والإنتخاب لأي منصب سياسي أو حزبي بل تتعداها إلى كافة المواقف التي قد يدلي فيها الفرد موقفاً سياسياً أو يشارك في إجتماع أو ندوة, إضافة إلى حق التظاهر الذي يعتبر أحد أوجه المشاركة السياسية. ولا تأتي مشاركة الأفراد في الشؤون السياسية من عبث أو بدون أسباب بل على العكس تتأثر مشاركتهم بعوامل مختلفة. ويمكننا أن نحدد أهم الدوافع التي تؤثر في المشاركة السياسية بما يلي:”إحساس الفرد بالولاء والإنتماء لوطنه” فتأتي مشاركته “كتعبير عن المسؤولية الوطنية”. و”المناخ السياسي السائد” الذي يؤمّن حرية الأفراد في التعبير فيحفزهم على المشاركة. و”الخصائص الإجتماعية كالمكانة الإجتماعية والإقتصادية والدين والسن… وغيرها لها دور في التأثير على الأفراد ودفعهم للمشاركة”. إضافة إلى تأثير “الأحزاب السياسية على الأفراد المشتركين في عضويتها من ناحية مشاركتهم في الحياة السياسية”([30]).

أما في لبنان فتلعب عوامل إضافية دوراً كبيراً في هذا الموضوع. فروابط الفرد الأولية تمثل بالنسبة له سلطة لا مجال للخروج من إطارها وتتمثل هذه الروابط برابطة الدم أي العلاقة العائلية وخاصة الأبوية، ثم الرابط الديني (طائفي – مذهبي)، ثمّ الرابط المناطقي، حيث تلعب الجغرافيا دوراً بارزاً في التنظيم السياسي اللبناني، ثمّ العصبية المناطقية التي تشكّل واحدة من مميزات مجتمعنا ولها تأثير كبير في السياسة.

إنّ النظام الأبوي السياسي في لبنان كبّل جيلاً بكامله وجعلهُ عاجزاً عن الخروج من بوتقتهِ الضيقة، فزادت العصبية الدينية والعائلية حتى صار الفرد ممزوجاً بهاتين العصبيتين ويستمدّ قوّته وأفكاره من هذه المرجعية التي هددت مبدأ المواطنية والولاء لدولة قومية واحدة، فلا يمكن أن تتعايش هاتان الأخيرتان مع فكرة الإنتماء إلى مجموعات قبلية صغيرة ومع الولاء لسلطة أبوية ضيّقة الأفق والنطاق، فالأولى لا يمكن أن تنمو أو تسود إلا على أنقاض الثانية. فكيف يمكن أن يجمع الفرد أو حتى النظام السياسي الواحد ولاءين متناقضين؟ تمثّل هذه الإشكالية عائقاً كبيراً أمام النظام السياسي في لبنان حيث ما زال “المقدّس يشكل أحد أبعاد الحقل السياسي”([31]) حتى يومنا هذا، إضافة إلى سيطرة بعض العائلات على المراكز السياسية أي مراكز السلطة فيه، وبالتالي فالعائلة والطائفة لهما دور أساسي في التركيبة السياسية اللبنانية. وبما أن لبنان بلد الطوائف حيث يجمع على أرضه تسعة عشر طائفةً ومذهباً بينهم الكثير من الفروقات، وفي ظل غياب ثقافة تقبّل الآخر نتج عن ذلك “النظام الأبوي الطائفي” نسبة للطائفية المتجذرة فيه، ما دفع الكثير من المثقفين اللبنانيين إلى اعتبار أنّ “النظام العلماني هو البديل للنظام الطائفي”([32]) في محاولة منهم لإيجاد حلٍّ للأزمة، ولكن ما يحصل في الواقع بدلاً من ذلك هو العكس حيث يتم اللجوء في كل مناسباتنا السياسية إلى حملات التعبئة والتجييش لإعادة إحياء هذه العصبيات على حساب إضعاف منطق الدولة والمواطنية. فالعنصر الأبوي والديني ثابتٌ وقويٌ وهو يغلب كلّ العناصر التي قد تدفع فرداً ما للمشاركة السياسية، فسلطة العائلة على الفرد ما زالت حيّة وفاعلة، وهي في حرم السلطات ويخضع الفرد لها باعتبارها هي “السند” في الأزمات، ولا يمكن أن يتخطّاها أو أن يضعها في مرتبة ثانوية. “فالعائلة هي الركيزة الأساسية للمجتمع، إنها من دون منازع أقوى الجماعات المرجعية للفرد”([33]).

وقد اكتسبت هذه القوة من سلطتها على الأفراد فهي تحتويهم منذ ولادتهم وتمارس عليهم تنشئة إجتماعية من إختيارها وترسم لهم مستقبلهم وتضع لهم حدوداً وآفاقاً فتمنعهم من تخطيها، وبالتالي فهي تهيمن عليهم منذ صغرهم، ولذا نراهم يتعلّقون بالولاء العائلي القائم أساساً على هرمية السلطة. وفي هذا النظام تصبح العائلة هي من تمثل الفرد، وإنتماؤه لها يحدد وضعه في المجتمع، لأن “العائلة القوية تعين أفرادها على مواجهة صعوبات الحياة في المجتمع وتحميهم من القوى المركزية وتجد لهم الوظائف والمراكز المهمة”([34]).

وتُعتبر طائفة الفرد العائلة الكبيرة في مجتمعنا، ويبيّن لنا هذا المفهوم أن النظرة إلى الآخر المختلف دينياً هي نظرة “لغريب” أي شخص “غير مألوف”، ويصعب على أصحاب التفكير التقليدي تقبّل فكرة وجوده في مركز السلطة عليهم، ولذا فهم يسرعون في أي محفل سياسي يحتاج لمشاركتهم إلى دعم أبناء العائلة وأبناء الطائفة والأب السياسي أو الزعيم. إذاً فإن الأفراد يلجؤون إلى أحضان عائلتهم لأنهم يعرفون بأنها سوف تحميهم، “فالعائلة كوسيط بين الأفراد والمجتمع يمكن أن تلعب عدة أدوار مهمة منها أن دور الفرد ونفوذه ومكانته وتوفّر المجالات أمامه ومناعته في المجتمع، ترتبط بدور العائلة ونفوذها ومكانتها وتوفُّر المجالات أمامها ومناعتها”([35]). من هنا فالفرد يربط توجّهاته بتوجهات العائلة ككلّ، والتي أصلاً تتحدّد حسب رأي الأفراد الأكبر سناً في العائلة والأكثر قدرة على فرض سلطتهم على باقي أفرادها (الأب – الشيخ – الجد)، وبالتالي يصبح موقف الفرد مطابقاً لموقف العائلة في معظم المسائل، وهذا ما يعزز “الولاء الشخصي والتبعية اللذين يتربى الفرد عليهما في إطار العائلة”([36]) ضمن عملية التنشئة الاجتماعية التي تستخدم فيها اللغة الأبوية، فتعظّم الروابط العائلية وتعطيها دلالات كثيرة فتؤثر بالفرد ويقتنع بسلطتها عليه.

بالإضافة إلى ذلك يجري توظيف العلاقات الأسرية في إطار ما سمّي بـ “الواسطة” وهذا التقليد يتولّد عن نظام الولاء، فالواسطة تضمن حماية الفرد والمجتمع ومصالحهما المادية، بما في ذلك الفرد الأدنى مرتبة في المجتمع، كما تعزز شعوره بالهوية وإنخراطه في المجتمع. ويحمل الفرد هذا التقليد من العائلة إلى المجتمع بكامله فيحتمي بعائلته في كل مناسبة وعند حاجته لأي خدمة أو طلب يلجأ إلى عائلته طمعاً بمساندتها له. ولذا يؤيّد أفراد العائلة الواحدة آراء بعضهم ويساندون بعضهم سياسياً للوصول إلى السلطة، فإنّ وصول أحد أفراد العائلة لمنصب رفيع سياسياً أو حزبياً يضمن للعائلة بكاملها نافذة أو واسطة لتحقيق مطالبها لاحقاً.

     هذا النوع من التنشئة الإجتماعية اللامواطنية المعتمدة في مجتمعنا أسلوب تقليدي أبوي يعتمد على مركزية السلطة وهرمية المراتب في المجتمع والأسرة، حيث يتم إستغلال كل فرصة لإظهار “الطابع الأبوي للتدبير”([37]) الذي يشتمل على كافة أمور الحياة إجتماعياً، إقتصادياً وثقافياً ويؤدي إلى ما يشبه “القولبة” “خصوصاً لجهة الهيمنة والسلطة والتبعية والتميز القائم على الجنس”([38])…. وهذا الطابع النافي للمواطنية ينعكس على السياسة كباقي الميادين فتأخذ أشكالاً مختلفة. ويسمّي البعض هذا النوع من التعبئة “بالتنشئة السياسية”، وهي “العملية التي يتمّ من خلالها نقل القيم والمعتقدات السياسية، كما يمكن تعريفها بأنها عملية تزويد الأفراد بالقيم والمبادئ والمعايير والإتجاهات والآراء السياسية سواء بطريقة مكتسبة كالتعليم والتلقين، أو بطريقة مفروضة كغرس وزرع القيم والإتجاهات والممارسات الجديدة التي تحتّمها ظروف المجتمع وواقعه وسياسته”([39]). وتعتمد هذه التعبئة على مؤسسات التنشئة الاجتماعية ذاتها بالإضافة إلى الأحزاب التي تلعب دوراً هاماً في هذا المجال. وبما أن العائلة هي أول مؤسسة إجتماعية يلتقيها الفرد فهي التي تترك بالتالي أثراً كبيراً عليه وتلعب دوراً أساسياً في خياراته. وفي المجال السياسي بالتحديد غالباً ما يتعرّف الفرد على الخيارات المطروحة من قبل أسرته إن كانوا مؤيدين لخط معين، فيتكون عنده إنطباع أولي يشكّل لاحقاً قاعدة للثقافة السياسية التي ستتكوّن لديه. وليس المقصود من خلال ذلك تدريس الطفل مادة الحقوق والسياسة وتعريفه بجميع التفاصيل، إنما تعريفه بالأنظمة والشخصيات والأحزاب السياسية بشكل عام أو كما يحصل غالباً تعريف الطفل على منظومة فكرية محددة (حزب – تيار – تنظيم…).

* الخاتمة

يتمّ توصيف كل مجتمع على أنّه “تآلف معقّد يشمل بين مقوّماته الأساسيّة الوطن، وكذلك البيئة والسكّان والتنظيم الإجتماعي والمؤسسات والبُنى، متفاعلة فيما بينها ومع المجتمعات الأخرى عبر التاريخ”([40]). لذلك فإنّ عملية فهم وتحليل تركيبة المجتمع اللبناني ليست بالشيء السهل والبسيط، بل على العكس إنها عملية دقيقة وصعبة تتطلب تفكيك المجتمع المدروس إلى أجزاء صغيرة لكي نتمكّن من البحث في كل جزء على حده. هذه الأجزاء تسمى في علم الإجتماع القانوني والسياسي “البُنى السياسية”، حيث أن “البنية” هي “الوحدة الأساسيّة للمجتمع التي تسمح بدراسة خصائص ومميزات العلاقات القائمة بين أفراده”([41])، والتي تمكّننا من تحديد نوع أو نمط النظام السائد في كل مجتمع.

إنّ تفكيك هذه العناصر والمقومات أمرٌ نظري ولا يمكن أن يحصل على أرض الواقع حيث أن علاقة التجاذب والتنافر بين هذه المكونات مجتمعة هي التي تشكّل الرابط الخفي الذي يؤدّي إلى نشوء المجتمع الكامل والمتكامل بوجود جميع عناصره. لذلك قمنا بتوصيف وتحديد النظام السياسي اللبناني عارضين مفاهيم وأسس النمط الأبويّ الذي يحكمُهُ، والمترسّخ في عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية، حيث تشكّل العائلة المصنع الرئيسي للنظام السياسي والاجتماعي الأبويّ في لبنان. وبما أن العائلة هي نواة المجتمع وأحد أهم أركانه وهي أولى وسائط التنشئة الإجتماعيّة التي يتلقاها الفرد، فقد كان لها تأثيراً كبيراً في تحديد نوع المجتمع (أبوي/باتريارشي) وفي تحقيق التغيّر في نمط العلاقات الإجتماعيّة السائدة فيه، بالإضافة إلى ثقافته ونظامه السياسي من خلال التأثير على الأفراد عبر عملية التربية أو التنشئة الإجتماعيّة، حيث أن لها التأثير الاكبر على الفرد، فكل فرد هو جزء من عائلة، والعائلة جزء من المجتمع، والمجتمع هو قوام الوطن.

تلعب الثقافة السائدة في المجتمع دوراً هاماً في تحديد مجالات الضبط الإجتماعي الذي يمثّل “أساس التنظيم والبناء الإجتماعي المتماسك، حيث يعتبر المنظّم والمرجع والمحدّد لسلوك الفرد”([42]). وبالتالي فإن الثقافة السائدة في المجتمع ترسم صورة عامّة ومكبّرة عن ثقافة كل فرد، وتضعهُ أمام خيارين: الأوّل هو السير مع التيار الاجتماعي، أي العمل وفق النظم والأطر المسموح بها والتي تحقق رضى المجتمع عن الفرد المتماشي مع “الوعي الجمعي”، والثقافة السائدة بحيث يصبح جزءاً من المجتمع، يمارس الأدوار التي منحت له ويتوقع من الآخرين الردّ بالمثل حسب المعايير السائدة. وهكذا دواليك فالخطّة ثابتة نسبياً وإمكانيّة إحداث تغيير إجتماعي أو ثقافي ضئيلة جداً في المجتمع اللبناني. لذلك ينبغي على رجال الحُكُم في لبنان اتباع نظام الحداثة السياسية، الذي من شأنهِ التخفيف من النزعات التقليدية الجامدة للنظام السياسي الأبويّ، المتغلغل في طبيعة ونسيج المجتمع الوطني اللبناني.

المراجع والمصادر

1- الأمين، عدنان. وفاعور، محمد. (1998). الطلاب الجامعييون في لبنان وإتجاهاتهم: إرث الإنقسامات. بيروت: الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية.

2- بركات، حليم وآخرون(…). (1993). المرأة ودورها في حركة الوحدة العربية، (بحوث ومناقشات). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط3.

3- بركات، حليم. (1998). المجتمع العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط6.

4- بركات، حليم. (1998). المجتمع العربي المعاصر. ط6. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

5- تويني، غسّان. (26 / آب / 2008). جريدة النهار. العدد 67.

6- الحيدري، إبراهيم. (2003). النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب. بيروت: دار الساقي.

7- الخالد، غسان. (2001). شباب الريف الجامعي. طرابلس: مكتبة السائح.

الخالد، غسان. (2012). البدوقراطية. بيروت: منتدى المعارف.

8- شرابي،هشام. (2000). النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ط4. بيروت: دار نلسن.

9- طرابلسي، فواز. (2011). تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف. بيروت: دار الريس للكتب والنشر. ط3.

10- عبد الغني، عماد. (2008). سوسيولوجيا الثقافة والمفاهيم والاشكاليات من الحداثة الى العولمة. ط2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

11- عبد اللطيف، كمال. (2011). في الاستبداد: بحث في التراث الاسلامي. بيروت: منتدى المعارف.

12- غدنز، أنتوني. (2005). علم الإجتماع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

13- فرويد، سيجموند. (1997). الطوطم والحرام. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة. ط5.

14- فرويد، سيجموند. مستقل وهم (1998). تر. جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة. ط4.

15- ليرنر، غيردا. (2013). نشأة النظام الأبوي. ترجمة أسامة إسبر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

16- مسرّة، أنطوان. (2008). التعبئة النزاعية. جريدة النهار. العدد 76.

17- معتوق، فردريك. (2014). سوسيولوجيا الحضارة الكنعانية – الفينيقية. بيروت: منتدى المعارف.

18- منصور، عبد المجيد. (1987). دور الأسرة كأداة للضبط الإجتماعي. الرياضي: المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب.

19- موهوب، الطاهر علي. (2010). التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالمشاركة السياسية. دسوق: دار العلم و الإيمان.

20- نصّار، ناصيف. (1981). نحو مجتمع جديد، مقدمة أساسية في نقد المجتمع الطائفي. ط4. بيروت: دار الطليعة.

21- www.wikipedia.org/wiki . تاريخ 20/3/2015.


(1) إنّ واقعة انقلاب الأبناء على نظام الأب الأعلى للرعيل البشري الأول مثبتة تاريخياً، لا سيما في أبحاث “سميث” و”فرينزي” و”إتكنسون” و “فرويد” و”مالينوفسكي” وغيرهم، حيث تشكّل هذه الواقعة أول انقلاب سياسي بشري وأول قانون يتمّ وضعه بين الأبناء المنقلبين على حُكُم الأب الأعلى للقبيلة البشرية الابتدائية.

(2) الطوطم: هو المتّحد الجامع لأفراد الجماعة الأولية، بما يضمّ من مفاهيم الانتماء والقانون والدين والعصبية والشعارات الخاصة بالنوع البشري لمنظومة الرعيل البشري البدائي، والتي لا زالت سائدة اليوم بشكل رمزي لدى الشعوب والدول.

([3]) فرويد، سيجموند. (1997). الطوطم والحرام. ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة. ط5. ص 183.

([4]) فرويد، سيجموند. مستقل وهم (1998). تر. جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة. ط4. ص 31.

([5])www.wikipedia.org/wiki . تاريخ 20/3/2015.

([6]) ليرنر، غيردا. (2013). نشأة النظام الأبوي. ترجمة أسامة إسبر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص 449 – 450.

([7]) المرجع السابق. ص 450.

([8]) الحيدري، إبراهيم. (2003). النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب. بيروت: دار الساقي. ص 310.

([9]) شرابي،هشام. (2000). النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. ط4. بيروت: دار نلسن. ص 26 – 27.

([10]) الخالد، غسان. (2012). البدوقراطية. بيروت: منتدى المعارف. ص91.

([11]) النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب. مرجع سابق. ص 310.

([12]) عبد اللطيف، كمال. (2011). في الاستبداد: بحث في التراث الاسلامي. بيروت: منتدى المعارف. ص 217-218.

([13]) البدوقراطية. مرجع سابق. ص 90.

([14])في الاستبداد: بحث في التراث الاسلامي. مرجع سابق. ص219

(15) مسرّة، أنطوان. (2008). التعبئة النزاعية. جريدة النهار. العدد 76.

([16]) عبد الغني، عماد. (2008). سوسيولوجيا الثقافة والمفاهيم والاشكاليات من الحداثة الى العولمة. ط2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص 31.

([17]) غدنز، أنتوني. (2005). علم الإجتماع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص 82.

([18]) سوسيولوجيا الثقافة والمفاهيم والاشكاليات من الحداثة الى العولمة. مرجع سابق. ص 91.

([19]) المرجع نفسه. ص 138.

([20]) المرجع نفسه. ص 138.

([21]) في الاستبداد: بحث في التراث الاسلامي. مرجع سابق. ص 279.

([22]) بركات، حليم. (1998). المجتمع العربي المعاصر. ط6. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ص 171.

(23) طرابلسي، فواز. (2011). تاريخ لبنان الحديث من الإمارة إلى اتفاق الطائف. بيروت: دار الريس للكتب والنشر. ط3. ص9.

(24) المرجع نفسه. ص10.

(25) تسمية عامية دارجة في جبل لبنان لوصف الإقطاعيين.

(26) تويني، غسّان. (26 / آب / 2008). جريدة النهار. العدد 67.

(27) التعبئة النزاعية. مرجع سابق. العدد67.

([28]) بركات، حليم وآخرون(…). (1993). المرأة ودورها في حركة الوحدة العربية، (بحوث ومناقشات). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط3. ص 75.

([29]) موهوب، الطاهر علي. (2010). التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالمشاركة السياسية. دسوق: دار العلم و الإيمان. ص97.

([30]) المرجع نفسه. ص 107-108.

([31]) البدوقراطية. مرجع سابق. ص 8.

([32]) نصّار، ناصيف. (1981). نحو مجتمع جديد، مقدمة أساسية في نقد المجتمع الطائفي. ط4. بيروت: دار الطليعة. ص181.

([33]) الأمين، عدنان. وفاعور، محمد. (1998). الطلاب الجامعييون في لبنان وإتجاهاتهم: إرث الإنقسامات. بيروت: الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية. ص 223.

([34]): بركات، حليم. (1998). المجتمع العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط6. ص 223.

([35]) المرجع نفسه. ص 222.

([36]) النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. مرجع سابق. ص 95.

([37]) في الاستبداد: بحث في التراث الإسلامي. مرجع سابق. ص 255.

([38]) الخالد، غسان. (2001). شباب الريف الجامعي. طرابلس: مكتبة السائح. ص 20.

([39]) التنشئة الاجتماعية وعلاقتها بالمشاركة السياسية. مرجع سابق. ص 69-70.

([40]) المجتمع العربي المعاصر. مرجع سابق. ص 13.

([41]) معتوق، فردريك. (2014). سوسيولوجيا الحضارة الكنعانية – الفينيقية. بيروت: منتدى المعارف. ص 38.

([42]) منصور، عبد المجيد. (1987). دور الأسرة كأداة للضبط الإجتماعي. الرياضي: المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب. ص 13.

]]>
الإرهاب العابر للحدود من إواليات ” الشرق الأوسط الكبير “ https://casrlb.com/?p=183 Tue, 30 May 2017 06:55:09 +0000 http://casrlb.com/casr/?p=183

عندما نرمي ببصرنا في خرائط الأزمات التي شغلت العالم خلال العشر السنوات الأخيرة على أقل التقادير سوف نجد بأنها ترتكز فيما يسمى ب ” الشرق الأوسط الكبير ” تنطلق من الحزام الشمال الإفريقي مرورا إلى أقصى أفغانستان، والسمة الأساسية لهذه الأزمة هي ” بؤر الإرهاب ” المتمثلة في تنظيم القاعدة والتنظيمات الإسلامية الجهادية التي أعطت ولاءها ولو مرحليا لتنظيم القاعدة، كدولة الإسلام للعراق والشام، والدولة الإسلامية بمنطقة الخليج، والدولة الإسلامية لشمال إفريقيا.

طبعا الإرهاب زعزع الاستقرار العالمي إلى درجة أضحينا كما يسميه الباحث زكي لعايدي نعيش ” زمنا عالميا ” واحدا، يتمثل فيصلا وجوديا يقطع مع السابق ويبني للآتي، ويقوم الحدث الإرهابي كما القطيعة الإبيستمولوجية، وبالفعل هذا ما حدث بعد الحادي عشر من شتنبر 2001 حيث تناسلت الكثير من التصورات التي قلبت الطاولة على المنبنيات القانونية الدولية، وحتى حركة سير المنتظم الدولي.

والعالم العربي هو أكبر ورش ومختبر لتصورات جيواستراتيجية ترسم على خلفية أمنية عالية التعقيد، مما يضعه في الصفوف الأمامية لمواجهة هكذا مد عنفي يتجاوز الحدود الدولتية, والتي لا يلقي لها بالا من أساسه.

ولكي يتيسر التعاطي مع الظاهرة وفق أسس نظرية نعتقد بأنها سليمة، ستكون قراءتنا بعيدة عن التمفصلات الحقوقية الدولتية، والرجوع قليلا إلى الجغرافيا، ليس بوصفها الأرض التي يتحرك فيها الإرهاب ضاربا بقوة، بل بوصفها مرحلة معرفية مساعدة في فهم الظاهرة، ورسم سياسة فعالة للتعامل معها.

لذلك وقبل أن ندخل صلب الموضوع يتناسب التأكيد على ثلاث مرتكزات ( الفصل الأول ) ستكون هادية لنا في بحثنا الذي نحن بصدد رسم معالمه، على أن ننتقل إلى مقاربة التدبير الجغرافي لبؤر الأزمات وفق ما أسميناه باستراتيجية الجغرافية الحاضنة واستراتيجية الجغرافية الارتكازية واستراتيجية الجغرافيا القتالية، حتى يتناسب التعامل بكثير من الفعالية مع مجمل التهديدات ( الفصل الثاني ).

الفصل الأول: المنطقة تتشكل على وقع ثلاث مرتكزات:

واقعا فيما يتعلق بالمنطقة العربية في ظل المتغيرات العالمية يمكن أن نجد ثلاث مرتكزات تمس بوجودها بشكل مباشر، والبعض الآخر بشكل غير مباشر، إلا أننا آثرنا التركيز على الفاعلية المباشرة لملمة للموضوع في بحث واحد يضيق عن التوسعة المنهجية.

أولى هذه المرتكزات أن العالم يتجاوز المرحلة الويستفالية ويتقهقر إلى العصور الوسطى ( المبحث الأول )، ثانيها أن المنطقة العربية هي جزء من مشروع الشرق الأوسط الكبير ( المبحث الثاني )، ثالثها أن العالم بتجاوزه لمعيارية الأخلاق أضحى يعيش مبنى فكريا خطيرا ألا هو اعتيادية الشر ( المبحث الثالث )، والتي سوف نفصلها تباعا.

المبحث الأول: العالم يعود القهقرى إلى العصور الوسطى:

يرى الخبير الاستراتيجي خانا أن العالم أجمع بدأ يعرف نفس خصوصيات العصور الوسطى، من قبل اضمحلال مؤسسة الدولة الأمة حيث أن الأزمات المالية إذا مست دولة كالولايات المتحدة الأمريكية تنعكس بالسلب على مجموعة من الدول في العالم، أو أنك عندما تنظر إلى جمهورية الصين فإنك تنظر إليها على أنها أكثر من دولة. ([1])

أو أنك عندما تنظر إلى أفغانستان فإنك لا تنظر إليها كدولة، وقد دافع عن هذا التصور في سلسلة مقالات لا تعدو أن تكون تكرارا لمجموعة ملاحظات يبديها هنا وهناك، لكن المحصلة هي أن العالم لم يعد قرية صغيرة، بل عاد عالما قروسطيا، حيث ثمة صراع على السلطة وتفكيك للإمارات الضعيفة، في ظل العولمة حيث المشروع أكبر من دولة واحدة، بل أكبر من أجل أن يهتم بدولة واحدة.([2])

فالمنظومة الفكرية التي يدافع عنها باراغ خانا أن الشرعة الدولية وغيرها من الموازين الدولية لم تعد ذات قيمة تذكر، كما أن العصور الوسطى لم تكن منضبطة لهكذا تصور، وأن سياسة التقسيم الجغرافي لمجموعة من الدول خدمة لمصالح العولمة هي سائرة وغير متوقفة بتاتا، ففي مقالة له حديثة جعل من التقسيم شيئا من الجميل فعله Breaking Up Is Good to Do، حيث جعل من تقسيم السودان مجرد خطوة في اتجاه تقسيم العالم الأجمع، وطبعا ليس من المستغرب أن يركز على منطقة الشرق الأوسط، جاعلا منها قدرا لا يرد. ([3])

طبعا ليس الغرض هو الغوص في مجمل أفكار هذا الباحث، بل فقط التنويه إلى مسألة حساسة جدا، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى نفسها كإمبراطورية وباقي العالم رعاياها، ولهذا هي لا ترى نفسها ملزمة بأية شرعية دولية، وهو ما تم التثبت منه خلال إعلان الحرب على العراق دون الرجوع إلى مجلس الأمن، بل نجد بأن الإدارة الأمريكية ذهبت أبعد من ذلك عندما أعلنت بأنها غير معنية بأمم المتحدة إذا ما رأت مصلحتها في التدخل العسكري في أي قطاع ترابي في العالم، في إطار ما أسمته بالحرب الإستباقية.

طبعا ما نريد التنويه إليه الآن هو أنه في الاستراتيجيات العالمية لم يعد ينتبه للأمم المتحدة على أساس أنها رمز الشرعية، بل فقط ينظر إليها على أساس أنها أداة تخدم غرضا مرحليا وإلا فإنه يتم تجاوزها بكل سهولة.

فالمضيق النظري هو أن العقل الاستراتيجي الأمريكي أضحى أحادي البعد لحل المشاكل التي يراها تقف في وجهه، وهي إعادة ترسيم خارطة جديدة للعالم، عن طريق التقسيم.

مما يفتح الباب مشرعا لمساءلة التصور العولمي لمسألة الأمن القومي، فما دامت الرؤية الإستراتيجية الأمريكية تنطلق من مقدمة المنظور الإمبراطوري العائد إلى العصور الوسطى، فإنه يكون من الأسلم التعامل بحذر شديد مع هكذا رؤية، بوصفها ذات حمولة إمبراطورية.

لأن العقلية الأمريكية الحالية الآن وهنا مرتهنة إلى رؤية ” السامري الشهم ” وقصة هذه التسمية راجعة إلى مقالة كتبها الصحافي الأمريكي هنري لوس خلال الأربعينات من القرن المنصرم مستحثا الأمريكيين على ” السعي لإظهار صورة لأمريكا تقدمه كقوة عالمية ، وهي صورة حقيقية وصادقة … أمريكا كمركز دينامي لمجالات متسعة دوما من المبادرات والمشاريع. أمريكا كمركز تدريبي للعاملين المهرة من أجل صالح البشرية، أمريكا ” السامري الشهم ” أمريكا المؤمنة من جديد بأن الرب يبارك لك حين تعطي ولا تأخذ شيئا بالمقابل، أمريكا ك ” محطة توليد ” لمثل الحرية والعدالة ” ( [4] ) فهذا التصور ليس وليد الخمسين سنة الأخيرة، بل شملت حتى عقلية الأباء المؤسسين للولايات المتحدة، ذلك الهجاس لامتلاك إمبراطورية من نوع آخر، فمعضلة عقلية الإمبراطورية أنها لا ترى تنوعا إلا في إطار الاستتباع.

وطبعا هكذا تصور يتداخل مع مفهوم المصلحة القومية للدولة كما نوه إلى ذلك المفكر أليكسندر ونت، الذي حددها في أربع: البقاء المادي، والاستقلالية، والرفاه الاقتصادي، والاعتداد بالنفس الجماعي، بعد أن أضاف الركن الرابع لتحديد المصلحة القومية ومتبنيا في نفس الآن ثلاثية الفقيهين جورج وكيوهان. ( [5] )

فالمدرسة البنائية تتأتى أهميتها في أنها لم تكتف كتوجه فقهي بمتابعة الوقائع الخارجية للدول والمنظمات الفوق دولية لوضع نظريات كالواقعية والواقعية الجديدة، بقدر ما رأت في الحراك الدولي ثقافة اجتماعية يتناسب التعاطي معها معرفيا، ورفعا إلى بنى فكرية عميقة تسمح بوضع نظريات أصلب.

وإذا ما اكتفينا ببحث صيغة الإعتداد بالنفس كمكون للمصلحة القومية للدولة نجد الفقيه ونت يعرفها ” بحاجة الجماعة للإحساس بالرضى عن نفسها، إن من جهة الإحترام أو من جهة المكانة، فالإعتداد بالنفس حاجة بشرية أساسية على مستوى الأفراد كما على مستوى الجماعات.” ( [6] )

وهذا المرتفع القيمي – أي الاعتداد بالنفس – هو مقوم بنيوي يضمن الكرامة وعزة النفس، دونما خنوع لعملية الاستقواء بما هو حتم لأنه أول ما يتهاتر أمام تعملق الدور الأمريكي بوصفه امبراطورية.

فإذا ما اهتز عنصر وركن الإعتداد بالنفس الدولتي فإنه يؤدي إلى ضياع معالم الدولة القوية، لتتحول إلى دولة ضعيفة فاقدة للمشروعية الداخلية، مما يدفع بمصادر القرار إلى التعامل بشكل عنفي وفي إطار انعدام الديموقراطية في مواجهة الاحتجاجات، وربما حتى مشاريع انقسام قد ترتفع في وجه هكذا دول.

فما يصرح به الفقيه هولستي فيما أسماه ” معضلة الدولة الضعيفة ” أن ” الدولة الضعيفة مقحمة في حلقة مفرغة، فهي لا تملك الإمكانيات لخلق المشروعية بضمان الأمن وخدمات أخرى، وأنها في محاولة امتلاك القوة، تتبنى سلوكات افتراسية واختلاسية بين القطاعات الإجتماعية، فكل ما تحاول كسبه من القوة يؤدي إلى دوام ضعفها ” ( [7] )

فإنه يظل من الخطأ القاتل اعتماد الأركان الثلاثة والتركيز عليها، دونما الركن الرابع لأنه سيؤدي حتما إلى عدم الاستقرار، واهتزاز صورة النظام السياسي في مواجهة شعبه.

وعليه فإن دائرة الفكر الاستراتيجي الغربي وللأسف المدعم من قبل دائرة الاعتدال يتأسس بالأصالة على سحب معامل الاعتداد بالنفس، لأنه بغياب هكذا معامل تتناسب التبعية وحراك الهامش.

من هنا يمكن أن نفهم مشروع ” القوة الناعمة ” الذي طرحه جوزيف ناي بأنه نزع الحصانة القيمية والفكرية عن العالم لتتيسر عملية ” أمركة العالم ” فهكذا مشروع لا يقوم إلا بنزع الاعتداد بالنفس عن الآخر الاستراتيجي.

فيكون الجهد الأمريكي يقترب من العقل القروسطي الذي طالما سعى كانط إلى محاربته من أجل خلق اتحاد عالمي عادل، لأن جزئية ” التقسيم ” و “العدوان المستمر ” فكرا وممارسة هي أحد أهم نواقض المشروع الكانطي ذاته، والتي لا تقع إلا ضمن خانة ” العمل المشين “.

فالبعد الاستراتيجي الأمريكي لا يكون رائيا للسلم العالمي بقدر ما يكون رائيا إلى التمدد الإمبراطوري، يحمل في بطنه امتثال العالم للتصور الأحادي بدلا من ” فعل التواصل ” الدولي الناظر لتوافقات وتوازنات دولية تشتغل على المشروع السلمي، وخصوصا أن المجهود الحربي للولايات المتحدة الأمريكية يقف في عرض هذا المشروع بطبيعته.

لأنها ك ” إمبراطورية ” تتحرك على نقيض القواعد الست للسلام الدائم ( [8] )، صحيح أن هناك من حاول تحوير خلاصات وتصورات الفلسفة الكانطية لخدمة مصالحه الفكرية، لكنهم فشلوا وخصوصا جون راولز الذي هدم في كتابه ” حق الشعوب ” ما بناه في ” نظرية العدالة ” و ” العدالة بوصفها إنصافا “، ذلك أن استباحة باقي الشعوب الغير الليبرالية ليس هو عين ما حدده كانط بالدول ” الهمجية ” لأن المقترب الكانطي انبنى على الحقوق الطبيعية لا على الليبرالية التي تحتاج بدورها لمن يدافع عنها كفكرة بله أن تعتمد كحاكم قيمي في العالم ” الحر “، فضلا على أن الاعتماد على القوة العسكرية لفرض تصوراتها تذهب في الاتجاه النقيض للتخلص من الجيوش النظامية.

وطبعا تعود هذه الخصلة إلى ما أسماه هايدغر بخصلة تدمير البدء الأوروبي، ذلك أن الفيلسوف فتحي المسكيني يطرح تصور هيدغر عن الولايات المتحدة الأمريكية قائلا: ” يقول هيدغر ” نحن نعلم اليوم، أن العالم الأنغلوسكسوني للأمركة قد قرر تدمير ( vernichten) أوروبا، وذلك يعني تدمير الوطن، وذلك يعني تدمير البدء الخاص بالعنصر الغربي (den anfang des abendlandischen). إن البدئي (anfangliches) لا يقبل أن يقضى عليه، إن دخول أمريكا في هذه الحرب الكوكبية ليس دخولا في التأريخ، بل هو بعد الفعل الأمريكي الأخير للاتأريخية الأمريكية وتخريبها لذاتها. وذلك أن هذا الفعل هو رفض لما هو بدئي وقرار من أجل ما لا بدء له (das anfanglose). ” ( [9] ) فهيدغر لم يقرأ في السلوك التدميري الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في أوربا إلا هدم لذاتها لأنها تريد القضاء على البدء، ويمكن أن نحور النقاش إلى ثقافة ” قتل الأب ” التي اعتبرها فرايزر أصل بداية الحضارات، وهو نفس ما نحى إليه سيغموند فرويد عندما اعتبر أكبر طابو تمر به البشرية هو عملية ” قتل الأب ” وأكله.

المهم أن الأستاذ المسكيني يخرج بخلاصة وهي أن ” هيدغر يضع حدا للصورة ” الحديثة ” لأمريكا في المخيال الأوربي ويرسم صورتها ضد – الأوروبية anti-européenne وضد – الحديثة anti-moderne. إن أمريكا التي ” أوربت ” العالم الجديد قد انقلبت فجأة إلى خطر حاسم على الوجود الماهوي لأوروبا، وذلك يعني على ” الوطن ” الأصلي للغرب. ” ( [10] ) فالولايات المتحدة الأمريكية تحولت إلى موجود ميتافيزيقي نقض حق الجغرافيا بإبادته للهنود الحمر، ونقض حق الولادة/ الوطن بتدميره لأوربا، بوصفها عين البدء، ف ” الأمركة (amerikanismus) ليست صفة جغرافية هنا بل هي ” قرار” ميتافيزيقي إزاء الموجود يتخذ من ” التقنية ” بما هي ” قشتال ” ( الإطار ) – أي بما هي تدبير حسابي يستفز الموجود ويوضعه قصد تسخيره واستعماله بلا حدود، – نمط تأويله لمعنى وجودنا في العالم. ولذلك لا تعني ” اللاتأريخية ” في ماهية أمريكا مجرد فقدانها لتأريخ طويل مثل العالم القديم، بل اللاتأريخية هنا مكانية: إنها تتعلق بالعنصر ” البدئي ” الذي يؤدي في السؤال عن معنى وجودنا في العالم دور مفهوم ” الوطن “. إن لا- تأريخية أمريكا تعني لا- بدئية ولا-وطنية العالم الذي تقيمه بدلا عن الذي تريد تدميره. ” ( [11] ) فالجهد الأمريكي عند هيدغر ينصب بالأساس على تخريب الذات البدئية بما هي وطن، ورسم سؤال الوجود في العالم بميتافيزيقا حديثة.

لكن الأجدر الذهاب أبعد من ذلك لأن الإطار الأوروبي قد تواصل في مراحل تأريخية مع الإطار الفكري الإسلامي والأسيوي، مما يمكن أن نفهم معه بأن الجهد الأمريكي هو نقض للبدء الإنساني برمته، كما لو أننا أمام حالة أوديبية بامتياز.

عرف سيغموند فرويد هذه العقدة، بأنها رغبة الإبن في ممارسة العلاقة المحرمة مع الأم، ومنازعة الأب على هذه الرغبة إلى درجة التفكير في قتل الأب، وإذا ما حاولنا إسقاط هذا المبنى على مناسبة الموضوع، فإننا نستوعب بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول منازعة أبيها ” أوروبا ” للاستحواذ على الإرث الاستعماري ” العالم الثالث ” لأن عقدة أوديب ليست بسيرورة ولا بحالة نفسية بقدر ما هي رسم بياني دراماتيكي، ( [12] ) وبالتالي لم يكن من مصير محتمل للسلوك الأمريكي بعد جهادها من أجل ” الاستقلال ” إلا استكمال رغبتها في ” قتل الأب ” وأخذ إرثه الاستعماري، وهي بوابة جديدة تنفتح لاستيعاب ” سر الحراك الإمبراطوري ” الذي أغرمت به، ومحاولة قراءتها بعين جديدة.

لأنه يحكمها ليس فقط ” حلم التمكن ” بل هجاسه لا ترى في التوازنات الدولية إلا مجموعة عراقيل وجودية، عليها أن تسعى لتجاوزها بتحطيم سقف النديات الدولية، هو سباق التحكم، هو سباق الحوكمة العالمية.

المبحث الثاني: العالم العربي في قلب ” الشرق الأوسط الكبير ” :

إن مفهوم ” الشرق الأوسط الكبير ” الذي طرح من قبل الإدارة الأمريكية لا يهم الحيز الجغرافي التأريخي أي منطقة الشرق الأوسط كما رسم معالمها سايكس بيكو، بل الرؤية الأمريكية رائية إلى مجمل العالم العربي بوصفه شرق أوسط كبير بالإضافة إلى آسيا الأدنى وتركيا وجمهوريات آسيا الوسطى،والتيبلورتهاالإدارةالأمريكية واعتمدتهابعدأحداث 11 سبتمبر2001المفهومالأوسعللتعبيرعنالشرقالأوسط، والذيأطلقعليهاصطلاحا) الشرقالأوسطالكبير (ويضمهذاالمفهومالجديدفضلاعن الدولالعربية، كلا من إيران وتركيا وفلسطين المحتلة وباكستان وأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطىوالقوقاز.

ويتقوم المشروع بالأساس على إعادة رسم الخارطة السياسية بهذه الدول لكي تتواءم مع المجهود الأمريكي، عن طريق إعادة تقسيمها بشكل يسمح بتدبير الجزئيات الجغرافية الناتجة عن التقسيم بطريقة أفضل، وأكثر إذعانا للمخطط الأمريكي، وإن كانت الإدارة الأمريكية أدارت هذا الملف على أساس أخلاقي بحت.

حيث إنها قدمت ورقت أساسية بهذا الخصوص في اجتماع قمة الثماني الصناعية سنة 2004 بواشنطن بانية هدفيتها على:

–         تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح.

–         بناء مجتمع معرفي.

–         توسيع الفرص الاقتصادية.

لكن هذه التقدمات القابلة للتصريف إعلاميا لم تكن هي المدار الاستراتيجي الأساسي الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية، لأن الحكامة الصالحة لا تتأصل عندها إلا بعد إعادة رسم الخارطة السياسية للدول في منطقة الشرق الأوسط الكبير، ما دامت تعتبر بأن التعدد الإثني ( حقوق الأقليات ) والتعدد الطائفي ( حقوق الأقليات الدينية ) تظل مهضومة واقعا في التدبير السياسي.

طبعا هذا الترسيم الجديد يحمل أكثر من هدف:

الهدف الأول: هو إضعاف الدول القائمة في الجغرافيا المعنية بشكل يسمح لإسرائيل ولأوروبا بحرية حركة استراتيجية أكبر، خصوصا بعد توقيع الاتفاق الأساس بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية المسمى بالسوق العبر الأطلسي.

الهدف الثاني: التخلص من خطوط التماس المؤسسة إن على خلفية إثنية أو طائفية، وإعادة ترسيم الحدود على أساسها بدعوى أن هكذا سلوك سيجلب الاطمئنان للمنطقة، يقول الباحث رالف بيترز ” في كل حالة من الحالات، تتبدى خلال العملية الافتراضية لإعادة رسم الحدود صلات عرقية أو شعور طائفي، ويمكننا الآن أن نقارن الخريطتين المرفقتين ( الحدود الحالية والحدود المقترحة ) لنشعر شيئا ما بالأخطاء الكبيرة التي تحفل بها الحدود الحالية، إن تصحيح الحدود بشكل تعكس في قدرة الشعوب هو أمر قد يكون مستحيلا اليوم، لكن لأمد ما، وما يرافقه من دماء لن يمكن الحيلولة دون سفكها ستنبثق حدود جديدة طبيعية ” ( [13] )

لذا فإن هذا الباحث يرى بأن الخارطة السياسية المثلى للشرق الأوسط الجديد تنبني على تقسيم هذه الدول، بشكل يضمن ” الاستقرار ” والتي لا تتوقف حكما في منطقة الشرق الأوسط بل ستنجر إلى ليبيا ومجمل دول الشمال الإفريقي.

الهدف الثالث: دخول الوهن الاستراتيجي للدول المقسمة، لأن ضعفها سيكون أشد في مواجهة أي مخطط أو ترسيم في المستقبل.

الهدف الرابع: قهر الهويات الكبرى في هذه الدول والسماح بنشوء هويات فرعية فوق دولتية، تمهد للدولنة العرقية، كما في سعيهم الجاد لإنشاء دولة كبرى للأكراد، وللباشتون ولغيرها من الإثنيات أو المذهبيات. ( [14] )

بمعنى أن خلاصة هذا المشروع هو خلق جغرافيا إذعان بالمطلق غفلا عن الأنظمة السياسية القائمة والتي قد تزول إثر تنفيذ هكذا مشروع.

المبحث الثالث: اعتيادية الشر:

استعمل هذا المفهوم لأول مرة من قبل الفيلسوفة حنا أرندت في كتابها ” آيخمان في أورشليم ” حيث حاولت مقاربة حالة أدولف آيخمان الذي كان موضوع محاكمة من أجل دوره في ترحيل اليهود إلى المخيمات من أجل الموت ” المحتوم ” مبينة كيف يمكن لشخص عادي أن يقوم كل صباح للتوقيع على أوراق تقضي بإرسال المئات إلى المعتقلات حيث ينتظرهم الموت، كما لو أنه يقوم بعمل بيروقراطي صرف.

موضحة ذلك بأن ” الدرس الذي نتلقاه من خلال هذه الدراسة الطويلة حول الشر الإنساني، هو الدرس المرعب الخفي هو اللامفكر فيه من اعتيادية الشر ” ( [15] ) عندما تنعدم القيم الإنسانية في وسط اجتماعي حيث الطغيان هو المتحكم، تضحي القيمة العليا هي تطبيق الأوامر بحذافيرها غفلا عن خلفياتها الأخلاقية أو حتى الجرمية، فالأخلاق تقف فقط في دائرة إجرائية وحسب هي الانضباط لأوامر الرؤساء، لتضحي الجريمة ضد الإنسانية وجهة نظر لا دخالة عقلانية لها في هذا الوسط.

طبعا اتهمت أرندت بأنها – وإن كانت يهودية – فهي معادية للسامية لأنها بسطت جرائم النازية وجعلتها عادية ومتقبلة عقلا، والحال أن ” العالم ” يقف مشدوها من شراسة جرائمها، طبعا دافعت عن نفسها قائلة ” لم يكن في خاطري التنقيص من خطورة أكبر مأساة في القرن… لكنه من السهل أن نكون ضحايا شيطان ذي شكل إنساني، من أن نكون ضحايا مبدأ ميتافيزيقي … ما لا يستطيع أحدنا تجاوزه في الماضي ليس عدد الضحايا ولا وقاحة القتل الجماعي بدون وعي الإدانة والضحالة غفلا عن هذا المثال المدعى ” ( [16] ) وطبعا لا يمكن استيعاب هذا التصور غفلا عن مفهومها ” الشر الجذري ” الذي طوعته في كتابها نشأة التوتاليتارية، حيث جعلت من الشر الجذري هو ثمرة منظومة فكرية لا ترى في ظلها أي شيء مستحيل من حيث اقتراف أفظع السلوكات، إلا أنها وفي إطار تحليلها لشخصية آيخمان استعاضت عن هذا المفهوم ب ” اعتيادية الشر ” لأن الفاعلين يكونون بسطاء الفكر لا يحملون خلفية فلسفية ولا عمق إيديولوجي كالتي صاغتها في كتابها. ( [17] )

إلا أن محاولتها في المقاربة ظلت فلسفية أخلاقية ذلك أن ” الإسمنت القيمي ” الذي ” يقوم عليه النظام الإجرامي النازي ليس شيطانيا أو بسيكوباتولوجي، ولكن يقوم على توافق يتم بين رجال ونساء عاديين جدا كآيخمان ” ( [18] )

فاعتيادية الشر في المنظومة الطغيانية تنتقل من مرحلة ” الخضوع ” إلى مرحلة ” المشاركة ” بوصف أن الفكر الطغياني يسمح بعقلنة الفعل الشرير وجعله مجرد سلوك إداري ليس إلا، فلا تقوم مجمل العملية على أخلاقيات الشخص بقدر ما تقوم على كفاءته الإدارية، دون كثير تعمق في آثار الفعل ذاته.

طبعا لن نتعمق في بحثنا عند هذا السقف، بقدر ما أننا نقتبسه للإبانة على أن هذا المفهوم يدفع إلى أن الشر يتحول إلى شيء عادي في منظومة اجتماعية وبحث آثاره في مفروض الدراسة.

فما يمكن الخروج به هو أن ” الشر ” يتحول إلى ثقافة اجتماعية تحول الناس من مرحلة ” الخضوع ” إلى مرحلة ” المشاركة ” وعلى هذا المستوى يتحول الشر إلى أمر اعتيادي، يقوم به أشخاص عاديون جدا.

فمدار السلوك الاجتماعي تحول من تحت إسفين الأخلاق إلى تحت إسفين الضرورة، التي أضحت تبرر كل شيء في ظل التصادم والصراع الدوليين.

وخصوصا أن العقلية الاستراتيجية الغربية تشربت خلاصات المدرسة الاجتماعية لجامعة شيكاغو، باتجاه خلق فضاءات توتر تسمح بهامش للحركة وتيسر التحكم، ما أسموه بالجغرافيات المزمنة.

الفصل الثاني: استراتيجية أمنية ومرايا الجغرافيات:

قبل الدخول في صلب الموضوع سنحاول إيضاح أهمية ” الإطار الجغرافي ” كإوالية نظرية تساعد في مواجهة الإرهاب، مركزين على المدرسة الاجتماعية لشيكاغو التي طورت نظرية ” البيئة الإجرامية ” ( المبحث الأول ) بوصفها مجهود معرفي مساعد في ترسيم الإوالية التي سوف نعمد على تفصيلها في إطار مرايا الجغرافيات ( المبحث الثاني ).

المبحث الأول: مدرسة شيكاغو تحضر بقوة:

عرفت مدينة شيكاغو في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تضخما سكانيا كبيرا كثمرة للهجرة الداخلية أو الهجرة الخارجية مما أدى إلى تشكل نسيج اجتماعي غير متماسك ثقافيا، قائم بالأساس على التناقض بين مكونات سكان هذه المدينة الكبيرة، مما دفع بجامعة شيكاغو وخصوصا أساتذة علم الإجتماع إلى الانكباب لدراسة هذه الظواهر ومحاولة استيعاب مواطن الخلل، وكيفية الخروج من مأزق عقلية الكانتونات التي كانت ناضحة في سكان المدينة، مما جعل أبحاثهم كلها تقع في دائرة علم الإجتماع الحضري، ولكي تتيسر دراستهم بشكل علمي – على الأقل وفق ما يعتقدون – جعلوا من المدينة مختبرا اجتماعيا يقومون بتشطير جغرافيته ودراسة خصوصياته ” ذلك أن الإنسان باختراعه للمدينة أعاد اختراع نفسه ” ( [19] ) وأول من استعمل مفهوم ” المدينة كمختبر اجتماعي ” هو السوسيولوجي روبرت إيزرا بارك مركزا على أن المدينة تعرف تركيبا غريبا وعجيبا لا يمكن لملمته تحت تصور واحد ووحيد إلا باستقراء منطق المدينة لأن هذه الأخيرة تعيد انتاج تراتبيتها بنفسها ” ما دام أنه داخل المدينة خلق المشكل السياسي فإنه داخلها يستوجب بحث مشكل الضبط الإجتماعي ” ( [20] )، وبعد إشارته إلى مجموعة أبحاث اجتماعية أنجزت حول إثنيات وطبقات إجتماعية في شيكاغو خلص إلى أن المدينة ما هي إلا مجموعة ” فضاءات طبيعية ” تقوم كل واحدة بدورها الخاص بها من أجل حفظ اقتصاد المدينة فهامش المدينة هو جزء طبيعي من المدينة ولا يقوم إحداها إلا بالآخر ( [21] ) وعلى أساس هذا تقوم حقيقتان عند الباحث هو أن الفضاءات الطبيعية جميعها تعيش في انسجام من جهة دورها لكنها في نفس الآن تعرف تمايزات من جهة مكوناتها ( [22] ) ومن خلال هذه الملاحظة الأساسية لكي يتناسب استيعاب الفضاءات الطبيعية فإنه يجب فهم السلوك الإجتماعي للسكان من خلال خلفياتهم الثقافية والإثنية ومطامحهم، فعمدوا إلى إجراء قراءة مسحية لقطع جغرافية خالصين إلى مسألة حساسة وهي أن الخلفية البيئية تلعب دورا أساسيا في ترسيم السلوك الحضري لكل فئة اجتماعية معينة، بمعنى أن الكائن المديني لا يتأثر بالجغرافيا الواسعة للمدينة بقدر ما يتأثر بخلفياته الثقافية والإثنية التي يحصرها في قطعة جغرافية بسيطة تحكمه كغيتو اجتماعي، ولا ينظر إلى باقي الغيتوهات إلا كمكون اجتماعي مختلف بل ومعادي ربما.

قد عمد السوسيولوجي فريدريك تراشر بدراسة حالة العصابات خالصا إلى أنها وإن كانت تنتشر وسط المدينة وفي الأحياء المتوسطة والراقية حتى، إلا أن منشأها يكون في ” حزام الفقر ” حيث الوضع الاجتماعي مفكك والساكنة تحمل تصورا بدائيا مخالف لثقافة المدينة حتى وإن عرفت تغيرا مستمرا بمعنى ذهاب أشخاص ومجيء آخرين، وانعدام لتنظيم اجتماعي، خالصا إلى أن العصابات هي ثمرة انعدام النظام الاجتماعي.

وأكبر تحول عرفته هذه المدرسة جاء بعد نشر كتابين لكليفورد شاو وماكاي، الكتاب الأول كان لكليفورد شاو تحت عنوان ” The Jack roller : a delinquent boy’s own story ” ” سارق المحافظ : سيرة ذاتية لجانح ” حيث عمد الباحث إلى اعتماد سيرة جانح تابعه منذ كان في سن السادسة عشر وتعقب حاله، ولكي يحافظ على موضوعية النص جعل الكلام بصيغة ” الأنا ” يعني أسقط صفة الحاكي أو الدارس، وأيضا كتاب مشترك مع ماكاي تحت عنوان ” Juvenile Delinquency and Urban Areas ” ” جنوح الأحداث والمناطق الحضرية ” والتي وسعا فيها الدراسة إلى مدن كبيرة أخرى غير شيكاغو خالصين إلى ” حتمية ” البيئة في الجنوح.

طبعا الكتاب الأول لكليفورد شاو لا يمكن أن يمر في صمت فقد أثار كبار السوسيولوجيين في ذلك الوقت داخل جامعة شيكاغو ذلك أن الباحث إرنست بورجيس تلقف هذا البحث، كما المفتاح النهائي لرسم معالم الجنوح في المدينة ومن خلاله سيعمل جاهدا على وضع معالم ” بيئة الجريمة والمجرمين ” منوها إلى أن جغرافية الفقر لها الكلمة الفصل في التوجه للجنوح ولو قبل دخول المدرسة وبأن محاولة إصلاح الأمور لن تنجح تماما، لأن البيئة الحضرية للجريمة لها حاكمية من جهة انعدام النظام الاجتماعي والضبط أيضا، يقول الباحث فيليب روبير في دراسة عن التيارات العامة في علم الإجرام ” في شيكاغو بعد الحرب العالمية يفسر شاو وماكاي ( 1942 ) ظاهرة العصابات وجنوح الأحداث باللانظام الاجتماعي، حيث لاحظوا تركزا كبيرا في بعض الأحياء بالمدن التي تعرف أرقاما عالية من الجنوح رغم أن ساكنتها تتجدد بسرعة بفعل الهجرة من أصول مختلفة، بل بالعكس عندما تقدم الساكنة عن ترك هذه الأحياء، فإن نسبة الجريمة تصل إلى الحد المعقول حضريا، هناك عدم انتظام اجتماعي فالمعايير عندما تعاني من ضبط السلوكيات، ليس الفقر هو السبب الرئيسي والمنتج للانحراف، ولكن الفوضى المعيارية التي تستتبع في الفضاءات التي تعرف تجددا سكانيا دائما والتي تمنع من استقرار للعلاقات الإجتماعية ” ( [23] ) فرغم أهمية الإثنية والوضع الاجتماعي للساكنة في هذه الفضاءات الطبيعية إلا أن الأهم هو الفضاء نفسه، لأنه سبب الانحراف والجنوح ومن هنا جاءت تسمية هذه المدرسة في علم الإجرام ب ” البعد البيئي للجريمة ” ecological crime sociology، لنجعل هذا الرابط بيننا وبين القارئ لأن هذه المدرسة عرفت تطورا خطيرا حيث لم يعد محاربة الجريمة قائم على المقاربة الاجتماعية للأفراد بقدر ما أضحى مرتكزا على مقام إقامتهم.

إذ عمد عالم الاجتماع الأمريكي إرنست بورجيس الخبير في علم الاجتماع الحضري، إلى إجراء دراسة ميدانية متبنيا الإحصاءات الرسمية للسجناء بالسجون الأمريكية وعاين فئات السجناء، فلاحظ ارتفاع نسبة السود بخلاف البيض، فوضع معايير حساب الاحتمالات على شروط الإفراج المقيد، كما دفع بمجموع من طلبته إلى إجراء أبحاث جامعية في نفس الإتجاه، وقد تبنت مجموعة من الولايات داخل الولايات المتحدة الأمريكية هذه المعايير، والتي تنظر إل عامل السن والنوع والجنس ومكان الإقامة والمحيط الذي ولد فيه السجين وغيرها من المعطيات والتي على أساسها يقبل الإفراج المقيد من عدمه، وبالطبع كان السود الأقل حظا من الإستفادة من مؤسسة الإفراج المقيد بشروط بخلاف البيض.

وتطورت المنظومة المعرفية لبورجيس إلى أن أنجبت توجها فكريا جنائيا يسمى التشخيص العرقي THE RACIAL PROFILING وفكرة هذه النظرية بسيطة جدا وهي أنه بالرجوع إلى الإحصاءات فإن السود واللاتينيون هم الأكثر إجراما وبالتالي فإن الإجرام المستقبلي سيكون واقعا ضمن نفس الفئة، ولكي يتم تقليص الإجرام فلا بد من دفع رجال الشرطة إلى التضييق على السود واللاتينيين وتعقبهم في كل آن وحين، وأيضا رد طلبات الإفراج قبل قضاء العقوبة لأن احتمال العود يظل قائما في وجههم بخلاف من يقيم في فضاء طبيعي آخر.

وهكذا تجارب أدت إلى خلاصات نظرية سرعان ما ترتبت عليه عنصريات فكرية قبعت في العقل الجنائي الأمريكي، لترتفع إلى مستوى العقل الاستراتيجي، بتوسط ما أسمي باستراتيجية ” الصدمة ” الفريدمانية، أو ” الاحتواء المركب ” للظاهرة الإرهابية كما عند إيان شابيرو.

المبحث الثاني: الإرهاب ومرايا الجغرافيات:

شكلت الدولة – الأمة إحدى أهم الإشكالات الفلسفية القانونية التي عرفتها البشرية بعد دخولها لحظة ” الثورة الصناعية ” إذ عرفت تعددا في التصورات حيث حاولت كل مدرسة رسم معالم هذه الدولة على أساس مبانيها فلسفية، والتي عرفت أوجها بعد نهاية الحرب الباردة حيث طفقت الكثير من الأقلام تحت تيارات كبرى إلى تحديد معالم الدولة وحدودها وأدوارها.

ذلك أن سقوط جمهورية فيمار بعد الحرب العالمية الأولى والتي مهدت لنجاح الطرح النازي، تناسلت الأبحاث والدراسات الحقوقية بين تياري الوضعانية القانونية والقانون الطبيعي، واشتد الصراع إلى مقام الدخول في تفاصيل ” مفهوم الدولة ” و ” البرلمان ” و ” الديموقراطية ” و ” السيادة الوطنية ” وغيرها من مفاصل تدبير السياسات العمومية، وتصدى لهذا الصراع النظري فطاحلة الفكر القانوني الجرماني الذين يجمعهم الاقتدار الفكري للدفاع عن التصورات اللائي يتبنونها.

اشتهرت بمرحلة ” صراع المناهج ” methodenstreit , querelle de méthodes وإن كان الإسم الأكمل لهذا الصراع هو Methoden- oder Richtungsstreit der Staatsrechtslehre ( صراع المناهج أو صراع المعنى في نظرية القانون العام ).

حيث أنه خلال مرحلة انهيار جمهورية فيمار، رأى مجموعة من الفقهاء القانونيين الفرصة المؤاتية لتسديد ضربة إلى الطرح الوضعاني الذي كان متزعما المشهد القانوني، فاشتغلوا على معنى الدولة وأدوارها بكيفية تنهي الهيمنة الوضعانية، حيث انضم للفريق الطبيعي كل من كارل شميت، وهيرمان هيلر، ورودولف سميند، وكوفمان، الذين تصدوا لهدم رؤية هانس كيلسن النمساوي والذي قدم كتابا حول نظرية الدولة متأصل بالكامل على البعد القانوني الوضعي، مما اعتبر استفزازا بالنسبة لتيار القانون الطبيعي.

طبعا وجد كيلسن الكثير من الفقهاء الألمان الذين دافعوا عن تصوره من بينهم غيرهارد أنشوتز وريشارد توما، وبهذا تكون اكتملت دورة التيارين.

المهم أن التيار الطبيعي كان يهتم بترسيم أصول السيادة الوطنية ومنحها إطلاقية كاملة في تدبير الأزمات السياسية الداخلية والخارجية وتكميم معارف إنسانية من علم الإجتماع والعلوم السياسية لوضع لبنات ” جهاز الدولة “، بخلاف التيار الوضعاني الذي حاول أن ينكب على السقف القانوني وحده وإعطاء معالم تأسيسية، قد لا تتناسب مع الواقع الإنساني بالضرورة، وتهميش مجمل المؤثرات المعرفية التي تقع خارج القانون. ( [24] )

المهم أن أول صراع مناهج حدث كان في أواخر القرن التاسع عشر داخل الخط الفكري الاقتصادي والذي جمع بين كل من كارل مينغر النمساوي و غوستاف شمولر، حيث سعى الأول إلى التخلص من كل الخلفيات الفكرية الغير الاقتصادية لوضع نظرية صافية بهذا الخصوص، في حين أن الثاني لا يبحث الفكر الاقتصادي إلا باستدخال المعارف الاجتماعية والتأريخية في طول الاقتصاد، وقد عمد مينغر إلى خلق ما سوف يسمى فيما بعد بالمدرسة النمساوية التي تتالت مع تلامذته إلى أن وصل الدور إلى فريدريك هايك الفيلسوف القانوني والاقتصادي المعروف والذي قدم الكثير للطرح النيوليبرالي.

ما دام كان أحد المؤسسين الفعليين لهذا التوجه الفكري الذي يعتبر السوق هو الضابطة الأقوى لسير المجتمع، وبأن تدخل الدولة لن تؤدي إلا إلى نتائج كارثية، ولذلك يكون من المناسب إعطاء السوق كامل الحرية وكامل الصلاحية لتدبير أزماته الداخلية لأنه الأقدر على ذلك، وتطورت التصورات القانونية بهذا الخصوص، لأنه عقلا لا يمكن إمداد مثل هكذا فكر إلا بالدخول إلى الحرم القانوني والفلسفي السياسي، فتناسلت التصورات النيوليبرالية مع كل من ميلتون فريدمان الذي أوضح بأن حرية السوق تشكل أقوى لبنة لدمقرطة المجتمع، ومنح الحريات، وبأنه عن طريق خنق السوق تتوقف الحريات الاجتماعية، فتعقب تصوراته كل من القاضي ريشارد بوسنر وغاري بيكر ( تلميذ فريدمان ) اللذين أسسا التيار القانوني الجديد والذي يعرف تصاعدا مضطردا ضمن ” تيار القانون والاقتصاد ” وقيام الخط الليبرتاري على أعمدة فلسفية قوية بالنتاج الفكري لروبرت نوزيك الذي أصل للمبنى القانوني الفلسفي الجديد المسمى ” الدولة ذات الحد الأدنى ” The minimal state حيث لم يعد للدولة أي دور غير تعقب الجانحين وإيجاد أجواء مناسبة لتصرف السوق في المجتمع، والامتناع عن باقي أدوارها وتركها للسوق بوصفه الضابطة الأعلى.( [25] )

فالدولة التي يدافع عنها الفيلسوف نوزيك لا يراها ترتفع عن سقف حماية الأمن وحماية العقود، مع ترك الدائرة الأوسع للسوق بوصفه اليد الخفية التي تحافظ على التوازن، بعد أن أعاد مناقشة مفهوم العدالة التوزيعية التي تنبني على المقدرات الإنسانية وحركة العمل دون خلفية الرعاية. ( [26] ) وهذا المد الفكري تسرب بسرعة إلى المباني الفكرية في العلاقات الدولية حيث أضحت ” السيادة الوطنية ” على المحك، لأنها أضحت أكبر عائق يمكن أن تعيشه القوى الكبرى في تمرير قراراتها وتطبيقها على الأرض.

وقد تمدد هذا التصور مباشرة بعد انهيار جدار برلين وسقوط الإتحاد السوفياتي مما فتح فترة فيمارية ثانية، تريد القطع مع المدرسة الوضعانية الأرثدوكسية والاشتغال على منظومة فكرية قانونية طبيعية تتزيى الزي الوضعاني في تفاصيل دقيقة والكل في خدمة المبنى الطبيعي كما طرح في ألمانيا سابقا.

أو ما أسماه المفكر فرانسيس فوكوياما بأنه نهاية التأريخ، أي بانتشار الفكر الديموقراطي الليبرالي في العالم بشكل أوسع، لسنا بصدد تدقيق مبانيه الفكرية، بقدر ما نود الإبانة عنه هو أن تصورا سياسيا بدأ يشق طريقه ليغير معالم العالم على أسس فلسفية جديدة، من أجل قانون شمولي يحكم العالم أجمع طبعا وفق الترتيبات الأمريكية.

ولكي يتسنى تمرير هذه المباني القانونية كان ضروريا إعادة التفكير في مفهوم السيادة الوطنية، وبحث دائرة وجودها من عدمها، بشكل جعل الكثير من فقهاء القانون والخبراء يعيدون النظر فيها كما لو أنها ليست من المباني الأساسية للدول، وفق منطق بأي حق نسمح لدولة ” أ ” أن تقوم بما تريد إذا كان سلوكها يتقاطع ومصلحة المنتظم الدولي، مما أعاد إلى الواجهة فكرة التدخل الإنساني، والتدخل العسكري لأغراض إنسانية، وخلق مباني تصورية جديدة للحرب العادلة، بشكل يسمح للدول الكبرى بحشر أنفها في القضايا الوطنية ليس لوقوع جرائم ضد الإنسانية لأن هذه المكنة مكفولة للمنتظم الدولي وفق وثيقة الأمم المتحدة، بل فقط من جهة القرار الفردي وتجاوز الأمم المتحدة عندما تجد بأن هذه الأخيرة تقف عائقا.

صحيح أن هذا مجهود عولمي يسير على قدم وساق لينال الشرعية الحقوقية، لكنه وفي انتظار الحصول على ” الاعتراف ” يظل مفعلا في الرسم الاستراتيجي العولمي، حيث عادت للجغرافيا سابقية النظر على حساب الموجودات الدولتية، وسقف السيادة الوطنية المحلية.

لذلك يظل من المنطقي إعادة التعاطي مع التحديات الاستراتيجية التي تعيشها المنطقة، على خلفية جغرافية والخروج من ربقة الدولة الوطنية لتدبيرها، بمعنى أنه رغم الحفاظ على الأفق السيادي الوطني، يظل من المحوري والحيوي ربط علاقات استراتيجية حيوية، على ضوء عمق ما يرسم في مراكز القرار العالمي.

لهذا ستكون قراءتنا ولو جاءت مكدسة، لأن سقف لا يسمح بأكثر من ذلك، قراءة على ضوء الجغرافيا حتى تشخص الدول العربية، بأن مصيرها جميعا مرتبط بها وبسقف الوعي الذي تبديه أمام هكذا تحديات.

فإذا ما حاولنا إجراء دراسة عملية لكيفية توغل التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، سوف نلاحظ بأنها تستعين بحالة التوتر الأمني والعسكري الذي يغزو هذه المناطق، لتتأقلم مع الأوضاع السياسية القائمة قبل المبادرة إلى توسيع دائرة وجودها القتالي، في إتجاه التأسيس لإمارات ” إسلامية ” تسمح لها بضمان موطئ قدم قتالي، وفي نفس الآن جغرافية تمويلية لاستمرارها في تدبير الفضاء العمومي، ولو بتوسط تجارة المخدرات كما في الشأن الأفغاني والباكستاني أو السلاح كما في شمال مالي، ليتطور مخزونها الاستراتيجي في انتظار الترامي إلى ” مواطن الثروات الطبيعية ” كما يحدث في كل من سوريا والعراق، حيث أقل التقديرات توضح بأن تنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام في العراق وحدها تصدر ما قيمته مليون دولار يوميا من النفط.

واقعا شكلت الأزمة السورية فرصة تأريخية لكشف ميكانيزما تحرك التنظيمات الإرهابية، وشبكة علاقاتها الإقليمية، مما وسع من بنك المعلومات في فترة قياسية. لتفاصيلهم التنظيمية وكيفية تحريك خلاياها النائمة وكيفية تجييشها ضمن مشروع أحادي معين كما القتال في سوريا لإقامة خلافة إسلامية، إلا أنها وهذا هو الأهم أنها نوهت في نفس الآن إلى مناطق جغرافية بعيدا عن مركز الصراع وكيفية تدبير تجييشها بوصفها ” جغرافيا حاضنة ” للعقلية التكفيرية الجهادية، ومصدرة لمقاتلين.

طبعا الإحاطة بهذه الجغرافيات يسهل عملية الترصد والاعتقال لهكذا خلايا، بوصفها روافع استراتيجية للتنظيمات الإرهابية الإقليمية، لأنه عقلا لا يمكن لملمة أشخاص من الشارع للذهاب إلى القتال فهكذا تصور فيه تبسيط مخل في العلوم الأمنية، بل المسألة تكون واضحة الدلالة على أن هذه العناصر التي انتقلت للقتال تلقت تدريبات قتالية في مرحلة معينة من حياتها خلال السفريات التي أنجزتها سواء إلى بعض الدول العنفية التصور حيث توجد مخيمات تدريب كثيرة أو إلى دول أخرى تفسح في هذا المجال.

وطبعا كانت الجهوزية القتالية موجهة بالأساس إلى الداخل الدولتي، لكن حساسية الملف السوري دفعهم إلى استنفار كل طاقاتهم القتالية للذهاب لعلهم يحققون ” نصرا تأريخيا ” يشكل لبنة عملية في مخططهم التوسعي، وهذا ما يفسر انتقال قيادات قتالية إلى سوريا والرقة تحديدا بوصفها الحي الرئيسي ومركز العمليات في مجمل المنطقة، وهذا الأمر له حد إيجابي هو إزالة فتيل اختناق أمني في حالة بقائهم في حالة سبات قتالي قد ينفجر في أية لحظة، لكن له أيضا حدا سلبيا وهو في مراكمتهم ” تجربة قتالية ” تفيدهم في استقراء نقاط الضعف الأساسية لأية دولة، والتي تتجلى في الأرياف والقرى حيث ثمة غياب للثقل الأمني والعسكري ابتداءا، هذه نقطة الضعف الأساسية لأية دولة صناعية تظل قائمة إلى تأريخه، مما يتناسب معه تداركها بشكل دوري ومحوري.

وإذا ما أردنا التنزل إلى البحث الجغرافي فإنه يمكن توصيف الجغرافيات الإرهابية بثلاث: ” جغرافيا احتضان ” وهي التي تستولد القتاليين المؤدلجين دينيا، و ” جغرافيا الإعداد ” التي تلعب دورا تكميميا للقدرات القتالية المتفرقة وتلقي التدريبات على مجمل المستويات، فضلا عن رسم أجندة قتالية شبه موحدة. و ” جغرافيا الحراك ” وهي في الغالب لا تكون حاضنة ولا إعدادية في السابق لأنها بوصفها هدفا استراتيجيا تكون الأقل تغطية ومتابعة لسلوكات التنظيمات الإرهابية.

إلا أنه قد تتحول ” الجغرافية الحاضنة ” إلى ” جغرافية حراك ” وهذا مرجوعه إلى تداخل الأدوار، لكن ليست دائما تتوافق كما في المجال الحضري حيث بعض المناطق تكون حاضنة، لكنها لن تتحول إلى الحراك للضغط الأمني العالي جدا بها، ولهذا وإذا عدنا إلى الأزمة السورية سوف تلاحظون بأنه تم السيطرة على النقاط الحدودية لضمان مرور السلاح والمقاتلين، كما تم التوجه إلى القرى حيث توجد الثكنات الصغيرة والمتوسطة ومواجهتها بعد حصارها، للحصول على السلاح الاستراتيجي الذي ربما لن تتوصل به، فلا يمكن أن تتحول الجغرافية الحاضنة إلى أرض حراك إلا إذا استجمعت شرطين أساسيين، الأول قربها من الحدود للدول ” الراعية “، ثانيها بعدها الجغرافي عن مواطن الاستقواء الدولتي كالثكنات العسكرية أو العين الأمنية الراصدة يوما بيوم، بل ساعة بساعة.

التهريب طريق الحرير للإرهاب:

وفاقا للمعلومات الأمنية التي تسربت من سوريا فإن ثمة عوائل كثيرة كانت مشهورة بتهريب المخدرات والبضائع بين سوريا وتركيا، لعبت دورا أساسيا في إدخال المقاتلين المحترفين إلى الأراضي السورية ابتداءا، وذلك راجع إلى خبرتهم بالجغرافيا ونقاط ضعف الرقابة عليها، وهذه الجماعات المقاتلة هي التي تقوم بتنفيذ عمليات نوعية ضد نقاط التفتيش الحدودي لتتمكن من خلق ” طريق سيار ” للبقية والتي تدخل بأعداد كبيرة خلال دقائق معدودة، لتتوزع وفق مخطط موضوع مسبقا متجهة لجغرافيات أوسع بما يسمى بتوسيع ” المروحة القتالية ” والتي توهم الساكنة بأن ثمة نظام جديد يقام، وما عليهم إلا الانخراط في مشروعهم، فسقوط قرى متباعدة إلى حد ما يوهم العامة بأن كمية المقاتلين كبيرة جدا إلى درجة استطاعت السيطرة على أماكن واسعة، ويمكن إعادة دراسة أزمة الموصل بوصفها مخبرا استراتيجيا لكيفية عمل التنظيمات الإرهابية.

لهذا يكون من الضروري تشبيك المعطيات الاستخبارية بالمعطيات الجنائية المتعلقة بالتهريب والطرق التي يستعملونها لهذا الغرض، فالجنائي يتداخل بشكل كبير في هكذا ملفات، وضبط الأشخاص المحترفين ذوي العود الجنائي بوصفهم مصرون على خط التهريب كآلية استغناء.

من الجغرافيات الإرهابية العاضدة إلى الجغرافيات الراكبة:

يظل من المناسب التأكيد على أن الخطر الأساسي الأكبر لا يتجلى فقط في الجغرافيات التأسيسية للخط الإرهابي إن حضانة أو إعدادا أو حراكا، بل يتجلى في الجغرافيات الراكبة، وهي تلك الأطر الجغرافية التي تحمل هاجسا انفصاليا ولو في إطار أشخاص قلائل، لأنه أضحى من المعلوم في العلاقات الدولية ما يسمى بالدول ” الراكب المجاني ” FREE RIDERحيث يقصد تلك الدول التي تستفيد من تصرفات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، دون أن تتحمل تكاليف الاستفادة من هذه الخطوات.

وفي مفروض البحث أن الجغرافيات الانفصالية قد ترى في أي مجهود إرهابي يتسرب فرصة تأريخية للمضي قدما في توجهاتها.

ومن هنا وكما تم ملاحظته في التجربة العراقية والسورية أن المناطق الإثنية الانفصالية كانت ملعبا قتاليا أساسيا، كما تحولت إلى رافعة استراتيجية للإرهاب عن طريق تسهيل عملية الإمداد، بل والمساهمة الفعلية في العمليات القتالية، صحيح أن تنوع التنظيمات الإرهابية أضعف من المقبولية في المنطقة الكردية إلا أنه لوحظ بأن القتال البيني الذي يقع، ليس مرجوعه دعم النظام السوري أو العراقي، بقدر ما مرجوعه إلى التخلص من هذه التنظيمات لبناء دولة مستقلة ولو في إطار مشروع حكم ذاتي مستقبلي، وطبعا تواجد هذه التنظيمات بقوة قد ينهي الحلم الكردي بالاستقلال.

فتصير الجغرافيا الراكبة خطيرة بالأساس لاعتبارين هامين ابتداءا: أولها أنها تتحرك في بيئتها ولا تحتاج إلى مجهود تعبوي كبير، فضلا على أنها تشكل نقطة انطلاق التكتلات القتالية الإرهابية ابتداءا.

ثانيها، أنها قد تلعب ابتداءا دور الممر الاستراتيجي للتنظيمات الإرهابية قبل أن تنقلب عليها، كما في منطقة حلب السورية ومحافظة الموصل العراقية.

وأمام الواقع التعددي للمجتمعات العربية في مجمل الموجودات الدولتية، يظل من المنطقي قراءة الحدث بشكل أعمق، ورسم استراتيجيات مواجهة للإرهاب العابر للحدود، ليس فقط حتى تنهي الظاهرة، بل أيضا حتى تحافظ على وجودها، أمام حالة العولمة ” الدموية “.

المبحث الأول: أصل تولد تنظيم القاعدة ومدار اشتغالها استراتيجيا:

خلال الثلاثين السنة الأخيرة ظهرت أبحاث تأريخية لفترة الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من أحداث قريبة منها مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسي وسعيا منهما بتنسيق مع المحور الرأسمالي في أوروبا إلى خلق ميلشيا يمينية مسلحة سميت ب ” ابق في الخلف ” stay behind ، التي يتركز دورها بالخصوص على تقليص مستوى تأثير اليسار الماركسي في المجتمعات الأوروبية، بقصد خلق حاجز فولاذي للالتفاف على الدور السوفياتي في أوروبا ( [27] )، وطبعا كانت الولايات المتحدة الأمريكية بتوسط مخابراتها العامة، تحتاج إلى رجالات أكفاء ليقوموا بهذا الغرض، فاستعانت في بدايات التأسيس ببقايا الأطر العسكرية الألمانية النازية خصوصا في فيلق إس.إس للقيام بهذه المهمة بعد أن كلفت بذلك أحد كبار رجال المخابرات الألمان المسمى راينهارت غيلهن الذي اشتغل في الاستخبارات الألمانية تحت أدولف هيتلر بوصفه أحد أكبر الخبراء بالشأن السوفياتي، والذي قام بتأسيس قسم الاستخبارات في ألمانيا الغربية الفيدرالية المسماة اختصارا BND Bundesnachrichtendienst لتتناسل التنظيمات في كل من إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وغيرها من الدول.

لتتطور الميلشيات وتنتشر في مجمل الجغرافيا الأوروبية والكل لهدف واحد هو حمل الرأي العام على عدم قبول فكرة الماركسية، ومتابعة كل الماركسيين الفعليين الموجودين بها، عن طريق خلق فرق مصغرة تقوم بحملة تخريب وتفجيرات تنسب عنوة للجناح اليساري كما حدث في تفجير بنك ميلانو سنة 1969، وقتل رجال الشرطة الثلاث ببيتانو بإيطاليا سنة 1972، وتفجير محطة بولون بإيطاليا سنة 1980، أوتفجير ميونيخ بمناسبة الحفل السنوي للجعة سنة 1980. وبالتالي يسهل جر الرأي العام إلى عدم تقبل الفكرة الماركسية نتيجة حجم العنف الدامي الذي يقع في العواصم الأوروبية، ورغم سعي كل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسي بجعل مجمل العملية سرية، إلا أن تفاصيل العمليات التخريبية جعلت كل ذلك ينفضح خصوصا نوعية المتفجرات C4 المستعملة، والتي تظل نوعية عسكرية خاصة لا يتيسر تحوزها ممن ليس له علاقة مع القوات العسكرية في ثكنات حلف الشمال الأطلسي، فبدأت تتسرب تقارير أمنية وضعتها الأجهزة الاستخباراتية الأوربية إلى أن تكلل كل ذلك بتقرير وزاري لكويليو أندريوتي تم تحريره ومناقشته بالبرلمان الإيطالي تحت عنوان ” الخنجر GLADIO ” ( [28] )

وقد فتحت ملفات أمنية كبيرة جدا أبانت عن تورط اليمين المتطرف فيها، بدلا من اليسار الماركسي، والتي أبانت أيضا عن تورط عناصر استخباراتية أوروبية والتي كانت تنسق مع هكذا ميليشيات، فضلا على أن التسليح كان أمريكيا محضا، بل حتى المتفجرات كانت تؤخذ من ثكناتها، حتى أضحى إسم هكذا ميلشيات في الثقافة السياسية العامة ب ” الخنجر ” أو كما سماها الإيطاليون GLADIO.

ما يهمنا من الإتيان بهذه الحقيقة المأساوية هو معاينة حجم التشابه بين عمل هذه الميلشيات خدمة للمشروع الأمريكي ضد المشروع السوفياتي، وأصل ولادة تنظيم جذعي سمته الولايات المتحدة الأمريكية ب ” تنظيم القاعدة ” ذلك أن المعلومات التي تسربت للإعلام بأن أسامة بن لادن كان عميلا أمريكيا وتلقى تدريبا استخباراتيا لكي يقوم بخلق فيلق قتالي في أفغانستان ومواجهة التواجد العسكري السوفياتي ( [29] ) كلها تتقاطع مع التوجيهات الأمنية الصادرة عن مركز الأمن القومي الأمريكي، حيث تم التنسيق بين محطات الاستخبارات الأمريكية المتواجدة بباكستان لتسهيل عملية دخول الرجال والسلاح إلى أفغانستان بقصد قتال الاتحاد السوفياتي، وتيسير حركة الأموال التي كانت تصل بن لادن من دول الخليج لأداء مستحقات المقاتلين والذين يقدرون بالآلاف تحت توصيف معمي إسمه ” مجاهدو أفغان “.

وكان من المقرر أن يتم حل هذا التنظيم بعد سقوط جدار برلين، ذلك أن الصحافة الغربية البريطانية على الخصوص، ذكرت أسامة بن لادن على أنه عسكري محترف يرنو نحو الديموقراطية، إلا أن التقديرات الأمنية الأمريكية انجرت إلى شيء آخر.

بجعل هذا التنظيم الجذعي المتعدد الرؤوس خنجرا جديدا للعالم الإسلامي على وجه الخصوص، ما دام أن خطورة ” العملاق الإسلامي ” نضحت من جديد بعد الانتهاء من الاتحاد السوفياتي وتفكيك بعض جمهورياته، ليتحول المشروع برمته إلى وجهة أساسية وهي ضرب عناوين الممانعة في العالم الإسلامي بالتكفير مبدئيا والتقتيل عمليا.

فقط ما نود التنويه إليه بهذا الخصوص هو أن الولايات المتحدة الأمريكية في حربها الباردة على الاتحاد السوفياتي، كانت تحتاج إلى خط فكري يميني محافظ لا يرعوي عن سفك الدماء، لتجد ضالتها في الإرث النازي والفاشستي واعتماد رجالات هذا الإرث لتصفية الحسابات والقيام بالأعمال الأكثر جبنا لضرب محور ارتكاز الاتحاد السوفياتي، لكن هذا المنطق الفكري السياسي لا يمكن أن تجده في العالم الإسلامي، لذا احتاجت إلى إرث ديني إقصائي حصري يتقاطع مع المنظومة الفكرية اليمينية، وطبعا الضالة وجدت في العنصر التنظيري الوهابي لأنه انطلق من مقصد التكفير وإجازة التقتيل للغير بحجة استباحة الدماء، ومن هنا تكون العملية استخباراتيا من أنجح العمليات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية خلال القرن المنصرم، لأن نفس المنطق التواجهي تم الإبقاء عليه بتحريفات بسيطة، لكن دائما ما تم الحفاظ على مبدأ القتال بدماء الغير، وجعلهم خنجرا في الجسد حتى لا يتعافى.

ربما المراقب الحصيف قد تستفزه هذه الملاحظة، وهي أنه في كل المناطق المتوترة عسكريا، عرفت خلال مساحة زمنية بسيطة نشوء تنظيمات وهابية إرهابية تدين بالولاء إلى التنظيم الجذعي ” تنظيم القاعدة “، مما قد يفسره البعض بأنه سعي جهادي يحمله مؤمنون ليسافروا في أرض الله سبحانه وتعالى للجهاد.

لكن ما يتبادر إلى الذهن سرعان ما يتهاتر، ذلك أنه بعد معاينة بأن هذه التنظيمات تعمل بشكل خطير على نسف مباني المجتمعات التعددية، يظهر بالبين على أنها أتت كذراع عسكرية مساعدة لإنجاح المشروع الأمريكي، لتتحرك مرة تحت عنوان طائفي ” محاربة الرافضة “، ومرة تحت عنوان سياسي أخلاقي ” مقاتلة خونة أمريكا ” ومرة تحت عنوان استراتيجي ” ضرب المشروع الأمريكي ” وفي جميع الأحوال وتحت كل التصنيفات كل ما يقع على الأرض، هو عقلا خادم للمشروع الأمريكي سواء من جهة خلق ” بعبع إسلامي صنو للإرهاب ” أو من جهة ” ضرب قوى الممانعة ضد المشروع الأمريكي ” كما حدث ويحدث في العراق وسوريا.

الآن نطرح سؤال، كيف يتناسب خلق تنظيم تكفيري متنوع الجنسيات في أرض تحت السيطرة العسكرية الأمريكية ؟ بطبيعة الحال أن هذه التنظيمات لا يمكن أن تجد جغرافيات قابلة لها، إلا تحت لعبة الصراع، عن طريق تصفية الحدود من المراقبة لتمكين التسلل وبأعداد مهولة.

فالتمثلات الجغرافية لتنظيم القاعدة لا تتحرك إلا تحت ظل السلاح الأمريكي في المنطقة، وبتنسيق استخباراتي صرف.

لذلك لا نستغرب من تولد تمثل جغرافي جديد سواء في ليبيا أو في تونس ( بالفعل هما على الأرض وإن بعناوين صغيرة جدا )، فالولايات المتحدة الأمريكية تحتاج دائما إلى الإبقاء على عناصر قتالية في الخلف لمحاصرة العدو، وهذه المرة هي كل التمثلات السياسية التي لا تقبل بالهيمنة الأمريكية.

أن تنظيم القاعدة تنظيم جذعي بمعنى أنه ليس تنظيما كليا منسجما، بل هو تنظيم أحادي الخلية متقبل لكل التمثلات القتالية الأجنبية نظير تقديم خدمات لوجيستية ومالية، عن طريق ميكانيزم ” البيعة “، وأنه إحدى بقايا ميلشيات ” ابق في الخلف ” لمحاصرة أي عدو تشخصه الولايات المتحدة الأمريكية التي بدورها تسمح بتقديم خدمات لوجيستية سواء للنواة الصلبة للتنظيم أو لباقي تمثلاته، والغرض هو خلق جدار عازل لكل التمثلات التي تشكل عراقيل أمام التواصل مع باقي الجغرافيات، وتوجيه ضربات متكررة حتى يختنق كما حال الاتحاد السوفياتي، والتي قد تطول أو تقصر.

فمعادلة الجهد الاستخباري الأمريكي في جغرافية العالم الإسلامي هي لا بأس من اشعال النار فلن تنطفئ إلا بعد استهلاك كل ما يمكن حرقه، أو بعد حبس الأوكسجين عنها.

عبد العالي العبدوني

باحث من المغرب


– Parag khanna : Neo-Medieval Times, in good politics review december 2008.  “The nation-state has just about passed away in terms of exclusivity. Now, when people talk about countries and international relations, they have to acknowledge that what they’re talking about is, at best, a particular slice of what’s going on in the world, and is not at all representative of the entirety of what’s happening. But there are some exceptions. When you look at China, you don’t exactly say that it is disappearing as a state. When you look at the financial crisis, all of a sudden, the United States is more of a state than ever. It has decided to take over practically the entire financial-services industry”

– parag khanna : op.cit. “The key principle is overlap. Many people think that because a company isn’t a country, it falls beneath some jurisdiction. But more and more companies fall into all jurisdictions and under none at the same time, because all they do is regulatory arbitrage. They just move around wherever is best for them. Why did Halliburton go to Dubai? Changing this would never work because globalization is more powerful than any one country. Globalization creates perpetual, universal opportunities for nonstate actors to exploit. And governments can’t control globalization. No one can”

-parag khanna : breaking up is good to do, foreign policy, January 13, 2011. “This growing cartographic stress is not just America’s challenge. All the world’s influential powers and diplomats should seize a new moral high ground by agreeing to prudently apply in such cases Woodrow Wilson’s support for self-determination of peoples. This would be a marked improvement over today’s ad hoc system of backing disreputable allies, assembling unworkable coalitions, or simply hoping for tidy dissolutions. Reasserting the principle of self-determination would allow for the sort of true statesmanship lacking on today’s global stage.”

– نيل فيرجيسون: الصنم ـ صعود وسقوط الإمبراطورية الأمريكية ترجمة معين محمد الإمام الصفحة 109 عن دار العبيكان سنة 1427 للهجرة.

-Alexander Wendt : op cit « george and Keohane identify three national interests – physical survival, autonomy, and economic well-being – which they describe informally as “life, liberty, and property”. I will add a fourth, “collective self-esteem” p 235.

– Alexander Wendt : op cit « collective self-esteem refers to a group’s need to feel good about itself, for respect or status. Self-esteem is a basic human need of individuals, and one of the things that individuals seek in group membership.”

– Jean-jacques Roche :Théories des relations internationales, clefs politiques, 5 éditions Montchrestien.2004, p 110.

– Emmanuel Kant ; Vers La Paix Perpétuelle, avec analyse de Michael Foessel, éditions Hatier 2007.

ـ فتحي المسكيني: الفيلسوف والإمبراطورية في تنوير الإنسان الأخير. طبعة المركز الثقافي العربي سنة 2005 الطبعة الأولى الصفحتان 82 و 83.

ـ فتحي المسكيني: ن.م الصفحتان 83 و 84.

ـ فتحي المسكيني: ن.م الصفحة 84. الملاحظ بأن الفيلسوف المسكيني عمد إلى تعريب أفهوم gestell ب ” قشتال ” إلا أننا فضلنا البعد العربي للأفهوم وهي ” الإطار “.

Georges Politzer, Critique des fondements de la psychologie, Presses Universitaires de France, Coll. « Quadrige »,

ـ رالف بيترز: حدود الدم كيف سيبدو الشرق الأوسط بحالته الأفضل ؟ ترجمة علي الحارس ضمن الشرق الأوسط خرائط جديدة ترسم عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، سلسلة ترجمات الزيتونة الرقم 74، بيروت، يناير 2013، الصفحة 27. ( بقيت الإشارة إلى أن رالف بيترز ضابط عسكري متقاعد لكن لأرائه مرجعية في الدوائر الأكاديمية العسكرية الأمريكية )

ـ بقيت الإشارة إلى أن المفكر الاستراتيجي باراغ خانا قد أصدر مؤخرا كتابا حول إعادة ترسيم خارطة العالم تحت عنوان remapping the world وهو يعتبر من المفكرين الاستراتيجيين الذين تنبؤوا بأن العالم سيضحي ثلاثمائة دولة.

– Hannah Arendt : Eichmann a Jérusalem, édition quarto gallimard, 2002 “ la leçon que nous a apprise cette longue étude sur la méchanceté humaine – la leçon de la terrible, de l’indicible, de l’impensable banalité du mal », p 1262.

– Myriam Revault D’Allones : l’impensable banalité du mal, revue Cités, 2008/4 n° 36, citée dans l’article « Rien n’est plus éloigné de mon propos que de minimiser le plus grand malheur du siècle… Il est plus facile d’être victime d’un diable à forme humaine que d’être la victime d’un principe métaphysique, voire d’un quelconque clown qui n’est ni un fou ni un homme particulièrement mauvais… Ce qu’aucun de nous n’arrive à surmonter dans le passé, ce n’est pas tant le nombre de victimes que précisément aussi la mesquinerie de cet assassinat collectif sans conscience de culpabilité et la médiocrité dépourvue de pensée de ce prétendu idéal. » p p . 17 et 18.

– Myriam Revault D’Allones : op.cit, p. 18.

– Francesco Fistetti : Hannah Arendt (1906-1975) la banalité du mal in Alain Caillé et al., Histoire raisonnée de la philosophie morale et politique, La Découverte, 2001 « le problème philosophique naissait du fait que le « ciment éthique » qui soutenait l’État criminel nazi n’était pas quelque chose de « démoniaque » ou, pis, de « psychopathologique », mais plutôt qu’il descendait du « consensus » donné par des hommes et des femmes parfaitement « normaux » comme Eichmann. »

– Robert Ezra Park : la ville comme laboratoire social in l’école de chicago- naissance de l’écologie urbaine textes traduits et présentés par Isaac Joseph et Yves Rafmeyer, édition champs essais,2004, p 167

– Robert Ezra Park : op.cit, p 168.

– Robert Ezra Park : op.cit, p 174.

– Robert Ezra Park : op.cit, p 176.

– Philippe Robert : Approches contemporaines en criminologie Conférence prononcée dans l’École nationale de la magistrature « A Chicago, après la Première guerre mondiale, Shaw et McKay (1942) – expliquent bandes et délinquance juvénile par la désorganisation sociale. Ils ont remarqué leur concentration dans certains quartiers de la ville qui conservent des scores élevés de délinquance alors que leur population se renouvelle pourtant très rapidement au fil de vagues d’immigration d’origines différentes. Au contraire, quand des habitants de ces quartiers les quittent, leurs taux de délinquance se fondent dans la normale urbaine. Il y a désorganisation sociale quand les normes peinent à régler les comportements. Ce n’est pas la misère en soi qui génère la déviance, mais le désordre normatif qui l’accompagne dans les aires où un perpétuel renouvellement de population empêche toute stabilisation des relations sociales. »

ـ لذلك لم يكن مستغربا أن نجد الفقيه هانس كيلسن يضع كتابا تحت عنوان ” النظرية الصافية للقانون ” بمعنى أنه تخلص من كل المعارف الإنسانية الغير القانونية ليضع نظريته، على العموم فكرة النظرية الصافية قد أخذها بالكامل عن الإقتصادي النمساوي كارل مينغر الذي وضع النظرية الصافية للاقتصاد، وهذا الأخير في مواجهة غوستاف شمولر واقعا هما من خلقا صراع المناهج في الاقتصاد في أواخر القرن التاسع عشر لتتسرب إلى العلوم القانونية والسياسية. لمزيد من التوسع بخصوص هذا الصراع الثنائي مراجعة مقالة ماثيو شاربونو.

Mathieu Charbonneau : Le Methodenstreit : plus qu’une« querelle de méthodes » , Serie Notes de Synthéses, fev 2009, Vol 1, N 4 , Centre D’études Sur L’intégration Et La Mondialisation.

– Robert Nozick : Anarchie, état et utopie, tr Evelyne d’Auzac de Lamartine, Quadrige PUF ? p 45. «  L’état veilleur de nuit de la théorie classique libérale, limité aux fonctions de protection de tous ses citoyens contre la violence, le vol et la fraude, au respect des contrats passés, etc, semble etre redistributif. Nous pouvons imaginer au moins un arrangement social intermediaire entre le schema des associations protectrices privées et l’etat veilleur de nuit. Puisque l’etat veilleur de nuit est souvent appelé etat minimal  »

ـ أمام تعقد كتاب الفيلسوف روبرت نوزيك أنصح القارئ الكريم بأن يراجع كتاب جونثان وولف المسمى ” روبرت نوزيك ـ الملكية، والعدالة والدولة ذات الحد الأدنى ” لأنه أعاد بسط تصور الفيلسوف بطريقة مبسطة ومكدسة تعفي القارئ من تعقب آراء الفيلسوف المعقدة والمشذرة في مجمل الكتاب، ذلك أنه يطرح الفكرة ثم يمر لأخرى وبعد ذلك يعود لنفس ليستكمل النقاش بخصوصها مما يؤدي إلى صعوبة في التعامل لحصر آرائه.

Jonathan Wolff : Robert Nozick – Property, justice and the minimal state,politty press, 1991.

ـ لمزيد من التوسع يرجى الرجوع إلى كتاب دانييل غانسر وهي كبير الباحثين بمركز الدراسات الأمنية بسويسرا: الجيوش السرية للناتو – عملية الخنجر والإرهاب في أوروبا الغربية. Nato’s secret armies- operation gladio and terrorism in western europe.

أو بحثها الإرهاب في أوربا الغربية : مقاربة للجيوش السرية للناتو الباقية بالخلف

Terrorism in Western Europe: An Approach

to NATO’s Secret Stay-Behind Armies بمجلة The Whitehead Journal of Diplomacy and International Relations، وهناك دراسات متكثرة بهذا الخصوص.

ـ لمراجعة نص التقرير باللغة الفرنسية يرجى دخول الرابط.

http://www.siper.ch/assets/uploads/files/dossiers/Report%20by%20Italian%20Prime%20Minister%20Giulio%20Andreotti%20to%20the%20Stragi%20Commission%20of%20the%20Italian%20Senate.pdf

– NORM DIXON: How the CIA created Osama bin Laden, http://www.greenleft.org.au/back/2001/465/465p15.htm

]]>